طلحة المسير - موقع الصوفية
يظهر البوطي داخل دائرة التصوف كرجل يرتدي ثوب المجددين للتصوف، الذين يُقيِّمون تجربته، ويعيدون تشكيلها وفق رؤيته لما يسميه وظيفة التصوف في الحياة.
فالبوطي يعبر عن التصوف بقوله: (أما التصوف بمعناه الحقيقي السليم فهو لُبُّ الإسلام، وجوهره الكامن في أعماق فؤاد الإنسان المسلم، وبدونه يغدو الإسلام مجرد رسوم ومظاهر وشعارات يجامل بها الناس بعضهم بعضًا، ولا توقفنك إزاء هذه الحقيقة مشكلة الاسم؛ فلقد كان التحلي بهذا اللباب في صدر الإسلام مسمى لا اسم له إلا الإسلام الحقيقي الذي يستدعي من صاحبه تزكية النفس والسعي إلى بلوغ درجة الإحسان).
وهو بهذه الطريقة يبدو للسالكين على طريقته رجلًا متجردًا لصحيح الإسلام لا غير؛ بل إن هذا الظن قد يترجح عند بعض الناس عندما يرى البوطي يقف موقف الناقد لبعض قضايا التصوف، ولمسلك بعض رجالات الصوفية، فهو يرفض تفسير بعض المنتسبين للصوفية القرآن بالطريقة الباطنية، ويرى ذلك خروجًا عن الإسلام فيقول: (اتباع كثير من الناس في تفسير نصوص القرآن أو السنة ما تخيله إليه أوهامهم وسمادير أحلامهم، باسم التصوف أو علم الباطن، دون التقيد بأي ضابط من قواعد اللغة العربية أو أصول الدلالات أو قواعد تفسير النصوص.
ومِن الأمثلة على ذلك ما ساقه الألوسي في تفسيره نقلًا عن بعض هؤلاء الذين يلبسون مسوح التصوف زورًا وبهتانًا من تفسير (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) في سورة الكهف بمجمع ولاية الشيخ وولاية المريد ...، ومهما يكن فإن الأمانة العلمية لا تسمح بنسبة هذه التأويلات الخيالية الباطلة إلى الصوفية هكذا على وجه التعميم، ظهر في تاريخ هذه الأمة فئات شتى من الزنادقة والباطنية تسللوا بضلالاتهم إلى الفكر الإسلامي عن طريق التصوف، والاصطباغ بصبغته، وارتداء مسوحه، وما هم في الحقيقة من التصوف أو الإسلام في شيء، ولكنهم اتخذوا من هذا وذاك قناعًا لإيهام الناس وجرِّهم باسم الحقيقة إلى الإباحية، وباسم الوجود والفناء إلى ألوان من الزندقة والحلول).
بل هو يبدي رفضه لبعض بدع الصوفية المنتشرة؛ مثل الرقص والتثني، فيقول عن ذكر الله بطرق غير مشروعة: (كأن يلتبس الذكر بعمل منهي عنه كالرقص والتثني، فهذا ممنوع وخارج من عموم النص القرآني العام استنادًا إلى دليل حرمة الرقص والتثني).
بل والأكثر من ذلك أنه يُعرِّض بشيوخ الطرق الصوفية في هذا العصر قائلًا إذا سألتني عن الطرق في هذا العصر، فأنا أرجوك أن تدلني على طريقة من الطرق مرشدها يتمتع بالعلم بالشريعة الإسلامية علمًا وافرًا كافيًا بالزهد في الدنيا وما حولها وذيولها، والاستقامة في السلوك، سأذهب غدًا لأكون مريدًا لديه، ولكنني التفتُّ يمينًا وشمالًا فلم أجد هذا المرشد).
صورة أخرى
ولكن من لا يعلم حقيقة الأقوال قد يعجب حين يرى البوطي يدور حول التصوف في صوره الغالية؛ فيدافع مثلًا عن طعن بعضهم في ذات الله جل وعلا عندما يكونون فيما يسميه الصوفية حال السكر، بدلًا من أن يهاجم هذه الطريقة في العبادة، وينهى عنها؛ لما تؤدي إليه من فساد وإفساد؛ فيقول: (ربما وصل أحدهم ومن خلال التدرج في هذه المراتب إلى ما أسموه بوحدة الشهود؛ إذ يفنى السالك بالمكون عن الأكوان، وبرؤية موجده عن ملاحظة وجوده.
وربما اندفع في غمرة هذا الاصطلام إلى النطق بكلمات لا تنضبط بموازين العقل والمنطق، ولكنها تنبعث من فيح مشاعره الوجدانية التي فنيت كما قلنا عن كل ما سوى الله، كقول أبي يزيد البسطامي قدس الله روحه: "ما في الجبة إلا الله" وكقول بعضهم: "أنا الحق" أو "سبحاني"...، ومع ذلك فلا جناح على من وقع في حال الفناء ووحدة الشهود ...، ولكن كما أنه لا جناح عليهم بسبب هذا العذر فلا يجوز الاقتداء بهم لمن كان في حالة صحو، ولا حمل كلامهم وأفعالهم على الصحة؛ بل يجب النظر إلى ذلك على أنه شطحات يُعفى عنها لأهل الأحوال والمواجيد الصحيحة، ويؤاخذ بها كل من رددها تشبهًا أو أيدها عقلًا ممن لم يكونوا في مثل تلك الحال).
وهو يترجم بكل سرور قصة من اللغة الكردية، تسير على ما يسميه الغلاة العشق الإلهي، وتوهم بالحلول؛ فمن نصوصها: (أسألك بيحموم عشق المعذبين، وبكمال صدق العاشقين، أسألك بحلاوة الجمال ونشوته، وبعظمة الجلال ودهشته، أسألك بداء الهجر وعذابه، وبشهد الوصال ولذة شرابه، أسألك بلذة حب العاشقين، وبمرارة عداوة الرقباء والكائدين، أسألك بماء عيون البلابل والأطيار، وبالندى المتساقط على الورود والأزهار، أسألك بكل ذلك يا مولاي أن تزيح عن عيني غشاوة هذه الظلال الفانية، حتى لا أرى فوق صفحة الدنيا إلا قوة سلطانك...، أي رب: لقد آمنت بقوتك وجبروتك، وأيقنت بنورك وبهائك، آمنت أن هذا الكون كله جسم وأنت روحه).
ويقول عن والده: (كان إذا وضع الطعام واجتمعنا معه على مائدته، أمرنا جميعًا أن نجلس جلسة أدب، حتى لكأننا ماثلون من هذه المائدة أمام الله).
أما الغلو الذي يتعلق بعبادة غير الله جل وعلا بدعوى الاستغاثة بالصالحين، وما إلى ذلك؛ فتنتشر للبوطي على الشبكة العنكبوتية فتاوى تشير إلى تفريطه في هذا الجانب، وتساهله في توجيه الناس؛ مثل ما نراه في جوابه عمن سأله عن طلب المدد من الشاذلي والرفاعي مع الاعتقاد بأن الله هو الضار والنافع.
فيقول: (كن على يقين بأن لا نافع ولا ضار إلا الله، ثم توسل أو استغث بمن شئت من الصالحين، من أمثال من ذكرت أسماءهم)، بقي أن البوطي استخدم التصوف سلاحًا ضد من يكشفون خبايا الباطنية العلويين في سوريا؛ ذلك أنه يقرر أن السياسة تضعف جانب الإخلاص عند الداعي، ويتخذ نموذج نور الدين النورسي مثالًا على ذلك قائلًا: (إن الذي جعله يعزف عن النهج السياسي تنامي مشاعر الإخلاص لله في قلب الإنسان، فأصبحت أعماله خالصة له وحده، لم يعد يقبل بوجود أي من الشوائب والقصود الأخرى التي من شأنها أن تعكر صفو توجهه الخالص إلى الله وحده).
ثم يقرر البوطي رأيه في السياسة قائلًا: (إن النهج السياسي في معالجة الأمور يأخذ سلطانه دائمًا من الرعونات البشرية، ومن ثَم فإنه لا يبالي أن يقوض صروحًا من المكاسب أو القيم في سبيل تحقيق مأرب شخصي).
موقفه من الحكم
ويشرح البوطي نظرته لموقف الدعاة من الحكم قائلًا: (إن عليهم في مرحلة دعوتهم إلى الله والتعريف بدينه أن يُعرضوا عن الحكم وأهله؛ حتى لا تشوب هوياتهم الإسلامية شائبة قصد سياسي فتزول ثقة الناس بهم، فإذا تغلب الخير وشاع الالتزام بدين الله في المجتمع، اصطبغ الحكم آليًّا بصبغة الإسلام ونظامه، فإذا ظلت رغبتهم مع ذلك باقية في بلوغ الحكم فهم إذًا طلاب مغنم دنيوي لا طلاب جهاد إسلامي).
لذلك لا يفتأ البوطي من نقد الجماعات التي تضاد نظام الحكم النصيري في سوريا؛ فيقول مثلًا عن الأستاذ مصطفى السباعي، المرشد الأول للإخوان المسلمين في سوريا: (وحسبك من كثير ممن جاءوا على أعقابه أنهم يتجاهلون ما به تكون مرضاة الله ورعاية الأخوة الإسلامية؛ سعيًا إلى ما به تتحقق مرضاة الجماعة وتُستجر المغانم).
وهذه النظرة التي تغفل كثيرًا من تعاليم الإسلام في الحكم والسياسة الشرعية؛ لاستنادها على هذه الأهواء التي تمثلت في قالب تصفية الروح، أدت به إلى أن يجنح في عداوة الأسباب وأن يحرف تاريخ الإسلام؛ ليبرهن على صحة دعواه؛ فيقول مثلًا: (رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام، ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية، أو إيجاد حشد من المسلمين تتألف منهم تلك الدولة، ويتحقق بهم نظامها، وإنما قاتل بعد أن منحه الله كل ذلك حراسة له ودفاعًا عنه).
ولو أن البوطي توقف عند نظرته للإخلاص وعلاقته بالسياسة، لحاول البعض تلمس الأعذار له، أما ألا نجد للبوطي أي تحذير للمسلمين من خطر النصيرية وخبثهم، بل يقوم البوطي بكيل المديح جزافًا لأعداء الله النُّصيريين في سوريا، في ذات الوقت الذي يهاجم فيه كثيرًا من الجماعات الإسلامية؛ فهذا ما لا يمكن تحمُّله، خاصة إذا كان يصف نفسه بقوله: (من فضل الله علي وجليل نعمته أنني قد عشت إلى اليوم دون أن أستعمل قلمي مرة واحدة لمدح من لا أؤمن بفضله أو قدح من لا يطاوعني قلبي على ذمه).
فمثلًا يقف البوطي أمام حافظ الأسد، معتذرًا عن الأسد في إعراضه عن تعظيم شرع الله في دولته قائلًا: (السيد الرئيس: ... إننا نعلم جميعًا أن في المسلمين المجاورين لنا من قريب أو بعيد، من يتعاملون بالاحترام والتبجيل مع مظاهر الإسلام وصوره وشعاراته السطحية والشكلية؛ كرفع الأذان في أجهزة الإعلام عند دخول مواقيت الصلاة، وكبدء نشرات الأخبار بالبسملة، وكالإكثار من بث تلاوة القرآن والأحاديث الدينية التقليدية في الراديو والتلفزيون، ومع يقيني بأن الالتزام بهذه المظاهر أمر مستحسن، فإني لعلى يقين أيضًا بأنه لا خير في شيء من هذه المظاهر إن كانت مجرد غطاء سلوكيات وأعمال وأنظمة وأخلاقيات لا ترضي الله عزّ وجل.
ومع يقيني بأن علينا أن نكون أول الناس التزامًا بهذه المظاهر والشعارات فإني لعلى يقين أيضًا بأنه لا حرج في تجاوزنا لها أو تقصيرنا شأنها، إن قيض الله من قادتنا وشعبنا في هذه البلدة المباركة، حماة لجواهر هذا الدين، حراسًا لبنيانه، عاملين على تطبيق مبادئه وأحكامه).
ويقول كذلك عن حافظ الأسد: (إنَّ الأمة كلها ترى وتعلم أن فؤادكم مشدود إلى مراقبة الله، وأن إيمانًا ثرًّا يتنامى بين جوانحكم، وأن إسلامكم ليس محل ريب ولاشك).
ولهذا كان طبيعيًّا أن تنتقل موالاة البوطي لحافظ الأسد إلى ابنه بشار من بعده؛ ليقول البوطي لبشار: (لقد آل الأمر في هذا اليوم إليك بمشيئة الله عز وجل أولًا، ثم ببيعة صادقة صافية من الشوائب من هذا الشعب ثانيًا، بيعة لا والله لا يمكن أن تُترجم إلا بالولاء الصادق، وبالحب العفوي الصافي عن الشوائب، بيعة لا تستطيع الديمقراطيات المطبوخة المصطنعة أن تتسامى إليها، ولم تستطع المزايدات أن تُغْشِي على شيء منها بشكل من الأشكال).
ومع كل هذا الحب الذي يظهره البوطي للنظام السوري، فليس مستغربًا أن نرى له في هذه الأيام هجومًا متكررًا على الأبطال الذين قاموا بالثورة على هذا النظام النُّصيري الكافر، متهمًا لهم بسيل الاتهامات الفارغة.
ولكن يبقى التساؤل: هل حقًا إخلاص النية لله هو الذي دفعه للهجوم على كل جماعة إسلامية أرادت أن تسوس الناس بشرع الله، ودفعه كذلك للوقوف مع النُّصيريين في سوريا ضد المستضعفين في تلك البلاد؟
- مقطع من حلقة رقم 18 من حلقات برنامج "مع البوطي في حياته وفكره" والذي بث في رمضان 1430 هـ.
- كتاب ممو زين، للكاتب أحمد خاني، وترجمه للعربية محمد سعيد البوطي، ص(189).
- كتاب شخصيات استوقفتني، ص(208).