وضاعت الجولان
الأحد 24 ديسمبر 2006
وضاعت الجولان
تأليف فؤاد كرم
الطبعة الثالثة 1970م
 
توطئـة
        إذا كانت جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك لم تحرك الدول العربية التقدمية، فأي أمر قد يحركها؟ وهل هناك أهم وأخطر عندها من هذه الجريمة التي تمس الدين الإسلامي الحنيف في أقدس مقدساته؟
        وهل يرجى، بعد هذا، خير – أي خير – من التقدميين العرب بالنسبة إلى فلسطين، واللاجئين الفلسطينيين؟ وهل يعقل أن نثق بعد اليوم بالأقوال، أقوالهم، والقسم قسمهم على تحرير فلسطين وإنقاذ القدس ومقدساتها؟
        يسألون: ولماذا فقط التقدميون؟
        فنجيب: لأنهم عزلوا اليمين العربي واحتكروا قضية فلسطين واستغلوها فجعلوا منها وسيلة للهدم والتخريب والانقلابات التي قادت الدول العربية إلى الشيوعية والإلحاد توطئة لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق التلاحم الاشتراكي بين العرب واليهود في نطاق اتحاد فدرالي ذي جناحين: الدول العربية من جهة .. وإسرائيل من أخرى.
        هل بدأت المحاولة؟
        بعد إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948 على أيدي الاتحاد السوفياتي والدول الشرقية والغربية الأخرى، ألصقت بالزعماء العرب تهمة الخيانة والعمالة للاستعمار الغربي وبيع فلسطين لليهود. ثم وقع الانقلاب الأول باسم فلسطين، لتكر السبحة. وقيل إن هذه الانقلابات وقعت للثأر من الحكام الرجعيين المتآمرين الخونة،واستعداداً لتحرير فلسطين ومحو دولة إسرائيل.
        فماذا كانت النتائج؟
        "الحكام الرجعيون الخونة" استطاعوا في عام 1948، بالرغم من خضوعهم في ذلك الوقت للانقلاب والاستعمار وتآلب القوى الشيوعية والغربية ضدهم، مقاومة العصابات الصهيونية التي قدمت من الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية الشيوعية مزودة بالسلاح الشيوعي .. وقاوموا العالم كله، واحتفظوا بقطاع غزة، والضفة الغربية والقدس. فأفسدوا بذلك مخطط إسرائيل لاحتلال القدس تمهيداً لإعادة بناء هيكل سليمان وانتظار المسيح الجديد الذي سيعيد إلى إسرائيل مجدها وجبروتها ويسلطها على جميع الأمم والشعوب. ولم يعترفوا بإسرائيل أو بأية حدود معها.
        أما الانقلابيون التقدميون؟ فقد سلطوا إسرائيل على غزة والضفة الغربية والقدس، وعلى صحراء سيناء ومرتفعات الجولان.
        فبعدما أغرقوا البلاد العربية في بحار من نجيع، وزجوا بها في تيارات التآمر والانقلابات، وقيدوا الحريات، وبددوا القوى، وجعلوا من بلدانهم سجوناً كبيرة، وأفقروا الشعوب وحرروها فقط من الحريات والديمقراطية والرخاء والبحبوحة ومن نعمة العيش اللائق الكريم.
        بعد كل هذا رقب العرب أن يتجند التقدميون العرب لنصرة فلسطين وتحريرها، لكن الانتظار طال، معركة التحرير لم تبدأ إلا في خطب رنانة، وحملات إذاعية طنانة، ومقالات صحفية طويلة عريضة دون أن تطلق، باتجاه إسرائيل رصاصة واحدة أو قذيفة واحدة.
        بلى، عبقت منطقة الشرق الأوسط مرتين برائحة البارود، وكانت إسرائيل في المرتين البادئة لا سواها.
        في عام 1956 وقع العدوان الثلاثي على مصر واحتلت القوات الإسرائيلية يؤازرها الفرنسيون والبريطانيون صحراء سيناء، لكن تدخل الرئيس الأميركي الأسبق إيزنهاور أرغم القوات الإسرائيلية على إخلاء الأراضي المصرية المحتلة، وانسحبت إسرائيل بعدما ضمنت لنفسها حرية المرور في خليج العقبة إلى ميناء إيلات، وجيء بقوات الطوارئ الدولية لحماية الحق الإسرائيلي، بموافقة السلطات المصرية نفسها، وبذلك حققت إسرائيل أهدافها من تلك الحرب.
        وفي عام 1967 شنت إسرائيل على العرب حرب الأيام الستة، أو الساعات الست كما قال الملك حسين، فألحقت بالعرب الهزيمة والعار، وأفلحت بسهولة ويسر لا يصدقان في بلوغ أهدافها عن طريق احتلال قطاع غزة وسيناء والضفة الغربية والقدس ومرتفعات الجولان المحصن، مما أدى إلى إقفال قناة السويس وتدمير منشآت البترول في الإسماعيلية.
        وكان الملك حسين الخاسر الأول والأكبر في هذه الحرب التي فرضت عليه وعلى العرب، كما قال، لتذل العرب، كما أن إسرائيل أفلحت في انتزاع واعتراف مباشر بها من الدول التقدمية بواسطة القرار الذي صدر عن مجلس الأمن والقاضي بحل قضية فلسطين بالوسائل السلمية وانسحاب إسرائيل إلى خطوط الرابع من حزيران 1967، وقد وصف مسؤول عربي كبير هذا القرار بأنه وعد بلفور رقم (2) الذي أعده وتبناه الاتحاد السوفياتي ورأى فيه نصراً له في مجلس الأمن، دون أن يقترن القرار بأي تنفيذ من قبل إسرائيل، ودون أن يقوى الاتحاد السوفياتي، لسبب أو لآخر على إرغام إسرائيل على تبنيه وإخلاء الأراضي العربية.
        وهكذا جاء التقدميون العرب لتحرير فلسطين، فمكنوا إسرائيل من التوسع والامتداد حتى بلغت مناطق لم تكن تفكر فيها، ثم كرسوا وجود إسرائيل و بها اعترفوا – وإن كانوا لا يزالون يرفضون المفاوضات المباشرة حتى الآن – بموافقتهم على أن تنسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة، أي الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران 1967 فقط، حتى بتنا نحسب أن الأراضي التي استولت عليها إسرائيل قبل هذا التاريخ بطلت أن تكون أرضاً عربية وجزءاً من فلسطين، وإننا كنا على شطط وخطل عندما تجندنا قبل الخامس من حزيران لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، وأن الدول العربية "الرجعية" التي قاومت الاغتصاب الصهيوني في 1948 كانت أيضاً على ضلال.
        جاء التقدميون العرب لإنقاذ فلسطين، فباعوا العرب وفلسطين، وبدلاً من أن يشهروا السلاح على الصهيونيين شهروه على العرب واستغلوه للانقلابات. وعوضاً عن إنفاق الأموال الطائلة على الاستعداد لمعركة تحرير فلسطين، بددوا الموال على المؤامرات التي نسجت ضد الأنظمة العربية في محاولة لجرها إلى أتون الشيوعية المستعر، كأن تعاليم كارل ماركس اليهودي – واسمه الأصلي كاي مردخاي – تفضل، في نظرهم الإسلام وجميع الأراضي العربية التي اغتصبتها إسرائيل بما فيها القدس وما تضم من مقدسات مسيحية وإسلامية، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين يتقلبون منذ أكثر من عشرين عاماً، في الذل والألم والحرمان، وكرامة مائة مليون عربي يرقبون بحرقة وأسى ساعة الجهاد الحق لينقذوا فلسطين والقدس ومقدساتها.
        وبفضل التقدميين العرب، استطاعت إسرائيل أن تقفز بعدما تسلطت على القدس، خطوات فساحاً باتجاه هدفها الأول والأخير المستمد من التوراة والذي كان الشعلة التي بها تهتدي وتستنير منذ حوالي ألفي سنة: "إعادة بناء هيكل سليمان الذي سيجلس على عرشه أمير من نسل داود، وهو المسيح المنتظر، يجدد مجد إسرائيل ويسلطها على جميع الأمم والشعوب، ويكنس الأديان الأخرى: المسيحية والإسلام".
        وما جريمة إحراق المسجد سوى حلقة من سلسلة جرائم إسرائيلية ستستهدف المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وأماكن العبادة الإسلامية والمسيحية لدكها وتقويضها ومحو كل آثارها المقدسة التي تطعن المعتقدات الدينية الإسرائيلية في الصميم، وتذكر الإسرائيليين بأن المسيح جاء كما جاء من بعده محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، وبأن مجيئهما يختم على مسيح إسرائيل الآخر الذي يرقب الإسرائيليون مجيئه منذ ألفي عام.
        ويجب ألا نفاجأ، في مستقبل قريب أو غير قريب إذا تجدد الحريق في المسجد الأقصى أو في أية مقدسات إسلامية ومسيحية أخرى، فإسرائيل تستبيح كل شيء لبلوغ أهدافها والغايات، وبالجميع تستخف، ومن حقها أن تستبيح وتستخف ما دام موقف التقدميين العرب من الجريمة البشعة اتسم باللامبالاة وبالتسليم بالأمر الواقع.
        .. وإلا صارحونا: ماذا فعل التقدميون العرب لتحرير الأراضي العربية المحتلة للثأر من جريمة إحراق المسجد الأقصى؟
        بكوا على الأطلال، وأتخموا العرب خطباً وبيانات وتصريحات وعهوداً ووعوداً ومؤتمرات.
        كان هذا موقفهم بعد الجريمة النكراء، فور حدوثها، وما فتئت الأصداء تتضاءل حتى خفتت وتلاشت، كأنهم باتوا راضين عنها، وإلا كيف نفسر سكوتهم وطمس الجريمة الإسرائيلية؟ مع أن العرب كانوا يرقبون من التقدميين الثوريين التحرريين أن يثوروا فعلياً مرة واحدة في حياتهم، وأن يتزعموا زحفاً شعبياً، يقدر بالملايين على إسرائيل لتحرير القدس أولاً وفلسطين ثانياً من الاغتصاب الصهيوني،والعبث الصهيوني، والتدنيس الصهيوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية، ولو اضطروا إلى الاستشهاد والتضحية بالملايين من الناس .. بدلاً من أن يلهوا الناس بتظاهرات ومسيرات شعبية كان يجب أن توجه ضدهم وتستهدفهم لأنهم العلة ومكمن الداء والبلاء.
        ومتى ينتظر من التقدميين العرب أن ينشطوا للعمل المجدي الحاسم وللإنقاذ الذي به يجارون، إذا لم ينشطوا اليوم، وفوراً لإنقاذ التراث الإسلامي والمسيحي من العبث والدنس؟
        هذا كان أيضاً موقفهم بعد حرب حزيران 1967، فحولوا العار إلى نكسة، خسرنا معركة ولم نخسر حرباً، أين الحرب والاستعدادات للحرب؟؟ ثم استغاثوا بالأنظمة الرجعية التي حاولوا مراراً تقويضها لتمدهم بالأموال "الرجعية" فتسعفهم على البقاء مع أنهم أنكروها قبل الحرب وتجاهلوا وجودها بغية احتكار مغانم الانتصار على إسرائيل. والحق يقال: لو قدّر للتقدميين العرب أن يثبتوا في المعركة فقط، لا أن ينتصروا، لكانت منطقة الشرق الأوسط شهدت زلزلة دكت جميع الأنظمة الشرعية "الرجعية" وبسطت على الدول العربية جميعها الظل الشيوعي – الماركسي.
        فالمساعدات العربية الرجعية أنقذت التقدميين العرب وساعدتهم على شراء السلاح من الاتحاد السوفياتي .. هذا السلاح الذي خصص في الماضي للمؤامرات والانقلابات في المنطقة العربية، ومن يدري فقد تخصص الأسلحة الشيوعية الجديدة التي أدت الدول "الرجعية" العربية ثمنها، للإطاحة بهذه الأنظمة فتكون هذه الأنظمة قد خطت مصيرها الأدكن بنفسها وحفرت قبرها بيدها، ولنا في الانقلابات الأخيرة أصدق دليل وعبرة.
        مع أن الواجب – واجب الإخلاص للعرب والعروبة وفلسطين – يحتم مناوأة التقدميين العرب وفضح حقيقتهم وتقويض قواعدهم، ليس فقط من باب الحرص على الأنظمة اليمينية الديمقراطية، وإنما براً بكرامة العرب وبالفلسطينيين وبحقهم في أرضهم السليب، وبالقدس وبالمقدسات الإسلامية والمسيحية، وإنقاذ العرب والمسلمين من شرور الشيوعية والإلحاد، وإحباط مؤامرات إسرائيل لابتلاع أرض عربية جديدة، وبلوغ حدود جديدة لإرغام التقدميين العرب على الاعتراف بحدود حرب 1967 كما حدث بعد هذه الحرب عندما اعترف التقدميون بحدود ما قبل الحرب.
        وإن لم تفعل هذه الدول ذلك جاز لنا أن نصنفها في صفوف التقدميين العرب من حيث الاستخفاف بمصالح العرب والمسلمين ومقدساتهم.
        والأمر ميسور والمادة موفورة، عليها أن تنتقل بعد اليوم من الدفاع إلى الهجوم، فتجند كل طاقاتها والإمكانات لتعرية التقدميين العرب أمام الرأي العربي وكشف زيفهم وخططهم لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق الحل الاشتراكي الذي يكرس وجود إسرائيل في اتحاد فدرالي عربي – يهودي، خاصة أن التململ في الدول التقدمية بلغ مرحلة الغليان وباتت الأوضاع تحتاج إلى شرارة واحدة لتنفجر.
        في أية حال .. إن قضية فلسطين التي أطلقت التقدميين المردة من "قمقمهم" ستعيدهم إلى هذا القمقم وقد لا يكون اليوم الموعود بعيداً، ذلك أن جميع العرب باستثناء الماركسيين التقدميين باتوا يتساءلون اليوم وبعد عار حزيران 1967، وإحراق المسجد الأقصى على الأخص، أين التقدميون العرب؟ وماذا أعطت الشيوعية والماركسية والتقدمية الاشتراكية الثورية التحررية العرب وفلسطين؟ وأية مساعدات أسدى الاتحاد السوفياتي والشيوعية الدولية للعرب وفلسطين؟
        والعرب في تساؤلاتهم على حق، فبعدما ألحق التقدميون العرب بالعرب عار حزيران 1967 نفضوا أيديهم من قضية فلسطين ثم سلموها إلى الفدائيين وقالوا: إن فلسطين تخص أبناء فلسطين.
        وبعد إحراق المسجد الأقصى الذي ألهب مشاعر العالم، لم تلتهب مشاعر التقدميين العرب، فجيروا الجريمة إلى مؤتمر القمة الإسلامي الذي هاجموه وتهجموا على دعاته ومريديه، في الأمس بالاشتراك مع الاتحاد السوفياتي وأبواقه في العالم العربي، بغية غسل الأيدي من التبعة والمسؤولية كأنهم نسوا أو توهموا أن العرب نسوا، أن من سلط إسرائيل على القدس والمقدسات ومكنها من ارتكاب جريمتها هم التقدميون العرب.
        هذا الكتاب شئناه صرخة مدوية من الأعماق وكلمة حق وصدق جهرنا بها دون وجل أو تردد أو رياء، لنؤدي بواسطته قسطاً من واجب إزاء لبنان والعرب والقدس وفلسطين، وما قلنا كان وليد اقتناع وإيمان بأن هؤلاء هم المسؤولون، وبأن التبعة يجب أن تكون لها ذيول وخواتيم.
        والكتاب ذو فصول ثلاثة:
1.    الحرب الرابعة بين العرب واليهود.
2.    هيكل سليمان ومجيء المسيح.
3.    هكذا ضاعت الجولان.
        وكلها مترابطة يكمل بعضها الآخر، توفر للقارئ من خلال التقارير السرية والوثائق والحقائق والدراسات والاستشهادات والمقتطفات والتصريحات مادة مهمة وخطيرة تشرع أمامه أبواب الغد لينفذ إلى المخططات الجهنمية التي رسمتها إسرائيل ونشطت لتنفيذها مع الشيوعيين والاشتراكيين والتقدميين ضد العرب والعالم، فيكون المسيح المنتظر وسيلة للطعن بالديانتين: المسيحية والإسلام ولإلغائهما.
المؤلف
 
يمكنك الحصول على الكتاب كاملاً بتحميل الملف المرفق

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: