جولة الصحافة\العدد السادس والثلاثون - جمادى الثانية 1427 هـ
هي دي مصر
الأربعاء 28 يونيو 2006
أنظر ايضــاً...
هي دي مصر
آخر ساعة 31/مايو/ 2006 باختصار
( هذا المقال نموذج لصور الجهل بالدين والعقيدة لدي المسلمين في حواضر العالم الإسلامي فما هو الحال في أطراف العالم الإسلامي ؟؟؟؟ الراصد )
يدور الزمان وتتعاقب التواريخ وتبقى روح مصر العامرة بإيمان فطري ويظل نهر محبتهم يفيض بالعطاء والنماء على كل أبنائها. وهم يبتهلون ويرنمون في مساجد وكنائس وحدتهم تعزف أرواحهم صلاة مشتركة لإله واحد غايته الحب وطريقه العطاء.
وكما يمتزج كل شيء على أرضنا في خلطة سحرية مبهرة شهدت الأيام الماضية مولد الحسين بالقاهرة والذي احتضن أكثر من مليونين ونصف من المحبين وعلى أرض المنيا مهد التوحيد أقيم مولد السيدة العذراء وحضره عدد مقارب بجبل الطير.
"آخر ساعة" حرصت على أن تعيش الأجواء هنا وهناك ولم يكن من الصعب العثور على الجذور الواحدة، لكن المدهش حقاً كان تلك اللوحة الفسيفسائية الرائعة التي تمتزج فيها الأديان والثقافات والتواريخ في توليفة خاصة ليس لها سوى اسم واحد ورائحة واحدة ومعنى واحد هو مصر. وهي صورة لا تكذب، اجتمع لرسم ملامحها في تلقائية الملايين من المصريين مسلمين ومسيحيين....
2 مليون مصري يحتفلون بمولد السيدة العذراء.. المحجبات يتبركن بالدير ويقدمن النذور
 هنا توحد المسلمون والأقباط، وأصبحوا نسيجاً واحداً.. ونموذجاً للأخوة الصادقة الصافية.. أكثر من مليونين من المصريين، لا تستطيع أن تميز بين مسلميهم وأقباطهم.. تجمعوا في مولد السيدة العذراء فوق جبل الطير في دير السيدة العذراء بمحافظة المنيا..
لقد رأينا بعيوننا كيف حضرت المحجبات إلى الدير طلباً للبركة.
وسمعنا حكاية الريس محمد الذي أهدى المهندس حنا صورة لرحلة العائلة المقدسة في احتفال العام الماضي.. وشهدنا اللقاء بينهما في مولد هذا العام.. لقد أمضى المهندس المسيحي ثلاثة شهور في إعداد لوحة بأسماء الله الحسنى ليقدمها هدية إلى الريس محمد...
ما رأيناه ننقله لكم بلا رتوش أو تزويق.
شارك في هذا الاحتفال المليوني وزراء ومحافظون ورجال فكر ومثقفون ومواطنون بسطاء من كل محافظات مصر وقراها واستمر 7 أيام وكان الجميع يتبادلون التهنئة وعبارات المحبة، في عيد لكل المصريين.
قبل عامين صدر قرار غريب يمنع المسلمين من مشاركة الأقباط احتفالهم بمولد العذراء والذي يقام في نهاية مايو من كل عام خوفاً من حدوث احتكاكات وذلك بناء على توجيهات المسئولين.
غضب الأقباط بشدة، وأصدر القس متى كامل حنا كاهن دير العذراء ووكيل مطرانية سمالوط أوامره بإلغاء الاحتفال ومنع الصلاة في الدير وعدم القيام بأية زيارة إلى المغارة التي شرفتها العذراء لثلاث ليال. حتى يسمح للمسلمين بالمشاركة في الاحتفال، وقد انطلقت ساعتها مسيرة حاشدة ضمت آلافا من المسيحيين صوب جنوب مدينة المنيا تضامناً مع المسلمين. وفي النهاية تم السماح للمسلمين بالاحتفال مع أشقائهم وعادت البهجة للدير وأضيئت الشموع ودقت الأجراس.
وداخل أرض المولد تقابلنا مع شاب يدعى مصطفى رزق الله كان يبيع ايقونات تجسد صورة السيدة العذراء ولوحات لأهم الشخصيات الدينية المسيحية مثل البابا شنودة إضافة إلى بعض الشرائط الدينية.
يقول مصطفى: ليس للتجارة علاقة بالدين فالمسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقومون بالبيع والشراء مع غيرهم من المسيحيين واليهود فليس هناك أي مانع أن أبيع بوسترات وشرائط مسيحية فحتى الآن مكسبي الصافي من هذه التجارة ولمدة خمسة أيام خمسة آلاف جنيه.
أبعتيهم يا عدرا... ويا رب اللي ما يشتري مني ما تستجيب لصلواته.. نداء ردده بعض البائعين في مولد العذراء أملا في إقبال الزائرين عليهم، والمثير أن هذا النداء الجديد قد لاقى استحسانا كبيرا من الناس.
مسلمون في الدير
بداخل دير العذراء التقيت عددا من المسلمين والأقباط الذين جاءوا لزيارة المغارة التي مكثت فيها السيدة مريم لمدة ثلاثة أيام ومن أجل قيام الأقباط بأداء الصلوات وأخذ البركات من الكهنة وتعميد الأطفال.
يؤكد جمال حسين موظف بإحدى اللوكاندات من مركز بني مزار بمحافظة المنيا أنه اعتاد القدوم كل عام بصحبة أم علاء "زوجته" وأولاده لشراء بعض المقتنيات من المولد وللترفيه عن الأطفال من خلال الملاهي والمراجيح الموجودة إضافة إلى زيادة الدير التي مكثت فيه السيدة مريم ومشاركة "إخوته" المسيحيين فرحتهم في الاحتفال.
أما السيدة سامية والتي تبلغ من العمر 60 عاما فقد جاءت من الفيوم لتوفي نذرا عليها للعذراء فقامت بإلقاء خاتم ذهب داخل مغارة العذراء مريم كما جاء عدد كبير من الأقباط من محافظات سوهاج وأسيوط والفيوم وبني سويف والأقصر أملا في ظهور العذراء.
ويشير ميخائيل مرقص إلى أن أصدقاءه أخبروه أنهم شاهدوا السيدة العذراء في دير المحرق بأسيوط وساعتها شفي أحدهم وكان يدعى عادل وكان يشكو من وجود حصوة على الكلى غير أنه بعد عودته من الدير قام بعمل أشعة على الكلى ففوجئ هو والطبيب بعدم وجود الحصوة، ميخائيل مريض بالسرطان وجاء إلى سمالوط متمنيا ظهور العذراء وأملا في الشفاء.
أنفلونزا الطيور
حنا عزيز يبلغ من العمر خمسين عاما جاء إلى الدير ليصلي ويأخذ البركات أملا في أن تسدد ديونه، حيث كان يمتلك مزرعة للدواجن تضم ما يقرب من 300 ألف فرخة غير أنه أعدمها كلها بسبب أنفلونزا الطيور فتكبد خسائر وديونا فادحة بلغت نحو ربع مليون جنيه.
فيما أخذت سيدة أخرى تصلي وتدعو ربها لعله يشفي أبنها من المس!
ليلتان بين العارفين والحرافيش والمجاذيب
 المولد احتفالية صاخبة ما أن تدخلها حتى تتورط في الزحام فأنت دافع أو مدفوع، مانح أو ممنوح ستمتزج رغم أنفك في الخليط العجيب وستصبح متجانسا بصورة تدهشك وسط الدراويش والحرافيش والعارفين واللصوص والباحثين عن دور. نفوس عارية في احتياجاتها، صريحة في إفشاء أسرار ضعفها وعوزها، تشكو وتبكي وتذكر وتتمايل حتى السكر تصرخ وتمارس عزة المنح وتهافت الأخذ بفطرية وتنام في العراء رجالا ونساء في أمان إنساني دون شوائب وكأنه مجتمع آخر غير الذي يعاني هواجس الفصل والمنع.
الأصابع تشير إلى أعلى في لحظات الوحيد متوازية مع مئذنة الجامع التي تشير إلى أعلى ككل الأبراج والمسلات والأعمدة والصروح التي مارست طقس مقاومة جاذبية التراب لتشير إلى الحقيقة المرتجاة. وآلاف من الرجال والنساء والشباب والأطفال من ريف مصر نازحون من أعماق التاريخ يحيطون مقابرهم المحفورة في الصحراء وأديرة القديسين والأضرحة المقامة على التلال يقيمون طقوس احتفالهم بعظمائهم الذي يطلون عليهم من العالم الآخر محصنين بالمتون والأوراد....
على الرصيف
تستمع إلى مشاعر الناس وحكاياتهم فتغمرك محبتهم وتجعلك بساطتهم تشعر وكأنك واحد منهم ورويدا ستدخل إلى أساطيرهم الخاصة وحكاياتهم مع الأولياء الذين يطلبونهم بالاسم ويكلفونهم بمهام، وقصص المرض والشفاء والضيق والفرج، فكلها أشياء لا تحدث اعتباطا كما نتصور نحن المتعالين على الحياة ولكن ضمن دراما محكمة أبطالها الأولياء ومسرحها الأضرحة والموالد.....
داخل المسجد أيضاً ينتشر السقاؤون. وقفت مع أحدهم اسمه حسين عبد الوهاب من المنصورة قال لي إنه يذهب إلى كل الموالد من عشرين سنة أي منذ كان عمره ثلاثين عاما وأن حمله للمياه في الموالد شال عنه المرض الذي أصابه لمدة سبع سنوات وبعد أن خضع لأكثر من عشر عمليات جراحية وكانوا يحملونه دون رجاء لكن الشفاء جاء على يد الأولياء لذلك فهو الآن قنطارا من المياه على ظهره طوال اليوم ولمدة أسبوع في كل مولد.. ولا ينام إلا بعد صلاة الفجر.
دين المصريين
الصورة التي تشاهدها في المولد تكشف لك المجتمع المصري الحقيقي بعاداته وتقاليده الأصيلة دون مزايدات أو محاولات لإعادة التشكيل. فالنساء والرجال معا في كل مكان. على الأرصفة داخل الخيام وفي حلقات الذكر. أسر متجاورة معظمهم يرتدون الملابس التقليدية النابعة من المجتمع دون تزيد مما حدث في العقود الأخيرة ويدهشك أن هؤلاء مازالوا الأغلبية لتشعر بأننا في حياتنا اليومية لا نحس المشاهدة أو لعل ما نراه صورة مصنعة فالملايين التي تذهب إلى الموالد في قرى مصر ومدنها هم محبون للدين بمعناه السمح ودون تأثر بالتيارات الدخيلة وهم إما مريدون خضعوا لشيء من التعاليم الصوفية أو بسطاء يتدينون بفطرية ولا يعنيهم ما تقوله الجماعات السلفية، لذلك فأنت عندما تذهب إلى المولد تفاجأ بأن المصريين لم ينقرضوا فمازالت روحهم العامرة بالإيمان الفطري والتدين السمح القائم على المحبة للجميع ولكل شيء.
أما الوجد الذي يشعر به الذاكرون في السرادقات المقامة حول المسجد وهم يهيمون يتمايلون على إيقاعات الإنشاد فلن تشعر به ما لم تجربه إنها حالة مدهشة وأنت تشاهد الجموع رجالا ونساء يتمايلون مع الموسيقى وغناء عن العشق يعبر من لذة الحواس إلى تسامي الأرواح. وليس كل من يحاول ينجح فهناك من يظلون يتمايلون في آلية وهناك من يندمجون وهناك من يغيبون عن المكان والزمان بعد أن تصفو نفوسهم وترق أرواحهم وهناك من يصلون إلى حالات هيستيرية من الوجد. شيء لا يصدق فكأنما تدخل الموسيقى في المسام لتحيل كثافة الأجساد إلى خفة ولذة على إيقاع نشوة جماعية وفرحة تغسل الآلام وتذيب الهموم. رغم التالي الذي ينظر به البعض إلى هذا الطقس الإنساني....
جلسة مع الصوفية
داخل حجرة مفتوحة أعلى المحلات والمقاهي التي تطل على الجامع التقيت بالشيخ محمود أبو حسين كان حوله مجموعة من الصوفية عرفت أن معظمهم متعلمون ومثقفون ويشغلون مراكز مرموقة. أجلسوني إلى جوار الشيخ وسرعان ما تحول حواري معه إلى ما يشبه الدرس وتداخل بعضهم بالأسئلة في حوار مفتوح حول التصوف. قال لي الشيخ: من زمان نأتي إلى مولد الحسين أكثر من 30 سنة فهو يعني لنا الكثير لأنه أحد أفراد أسرة النبي وهو أصغر من الحسن والمأساة التي حدثت له نسجت أساطير حول قدوم رأسه لكن الحكاية المشهورة أنها جاءت من دمشق محمولة إلى مصر. في البداية جئت بالعاطفة دون فكر ثم التقيت بالإخوة وعرفت طريق الصوفية.. الإمام الغزالي جلس مع كل الفرق وحاور الفلاسفة وقال لهم: ما عرفتموه فبالحواس والحواس تخطئ ثم قال جلست مع الصوفية ولم أفهم كلامهم وبعد حالة أشبه بالاكتئاب ألمت به وبعد اعتكاف وصل إلى علم المكاشفة وقال أن لكل شيء آلة فلا فكر بدون حواس ولكن الحواس لا تدرك الله وإنما العقل والروح والوصول إليه بالرياضة الروحية.. ويكمل:
"المولد موائد وعوائد وفوائد".. مقولة لأحد أساتذة دار العلوم كان يجلس معنا وفي التاريخ الموالد كانت موجودة قبل الإسلام. والصوفية لا تحظر أي معرفة نحن نقرأ الأناجيل وقرأ الشيخ ابن عربي ونستشهد بنصر حامد أبو زيد الذي يحاربونه فهم يضعون خطوطا حمراء للفكر ونحن نحب المعرفة لأنها تؤدي إلى الله. ولذلك تجد الصوفي الحق ضد التطرف فلا توجد كراهية مقدسة. يروى عن داود عليه السلام أنه كان يبني بيتا وكلما أتمه وقع فقال له الله: أريد أن يبنيه شخص لم يقتل إنسانا. فقال له داود لقد قتلوا في سبيلك. فقال له أريد من لم يقتل إنسانا لأي سبب كان. فلا كراهية باسم الله ولا فرق فالمفروض أننا جميعا جماعة واحدة ربما يرى كل منا جانبا لكننا نعلم أنها جوانب لحقيقة واحدة. ومن يريد معرفة الله فليس هذا بالبحث عن الكرامات بل بالعلم. ونقول لمن يريد الكرامات: ألا يكفيك الخلق ومعجزة الحياة والوجود. لذلك فشعار الصوفية الحقة: العلم أشرف المقامات والحب أشرف الأحوال. وهذا الحب يتسع للجميع حتى من يختلفون في العقيدة لأن الله لو لم يحب ظهور العالم على ما هو عليه وبكل من فيه لما ظهر هكذا وليس أجمل مما كتبه الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
 إن لم يكن دين إلى دينه دانِ
فأصبح قلبي قابلا إلى كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني.....
الشيخ ياسين
آه يا أنا.. أنا من أنا؟.. فناء ساخر.. خيال سائر.. وهم يجل عن الحقيقة وصفه.. وسراب ظمآن يراه الحائر.
بهذه الكلمات أحيا الشيخ ياسين التهامي الليلة اليتيمة لمولد الحسين وهي الليلة التي تعقب الليلة الكبيرة وهلل الذاكرون بالآلاف في الساحة أمام الجامع من بعد منتصف الليل وحتى الساعات الأولى من صباح الأربعاء الماضي.
ومما يستحوذ على انتباهك خلال الزحام ورغم الصخب في تلك الليلة أن الحاضرين كانوا يحفظون ويرددون أشعار ابن الفارض ومعظمهم من البسطاء القادمين من أقاصي الصعيد وأنحاء الريف المصري وقد أصابهم الوجد وراحوا يرددون:
ما نحن إلا كالكتابة في الهواء.. سطور خيال والحروف ضمائر.. شتان بين حقيقة هي مظهري.. تمحو سواها ومالها ما يناظر.
أو وهم يهيمون مع الإيقاع والموسيقى الصوفية والشيخ ياسين يعيد مرات:
ذاب الفؤاد بحب من أتصور.. والوجد حرقني ولم استنصر.. شمس الحقيقة أشرقت في هيكلي. وبها سجودي مهلل ومكبر.. دكت جبالي بشعاع سطوعها.. فتناثر البنيان تيها ومظهر.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: