الإسلام النسوي... و إشكاليات الجنوسة والأيدولوجيا!
حسين أبو السباع - العربية 18/6/2006
ظهر مع مطلع تسعينيات القرن الفائت مصطلح (الإسلام النسوي) في مقابل الخطاب القرآني باعتباره خطاباً ذكورياً كما يدَّعي أصحاب هذا الاتجاه، فلا بد للمرآة أن تحدِّث هذا الخطاب الذي لا يحترم المرأة باعتبارها تساوي نصف قيمة الرجل في الشهادة والميراث، لتكون كائناً مساوياً له في كل الأمور، والخروج من كل قيد عليها تجاه الرجل.
ظهر مصطلح (الإسلام النسوي) ليحدث ثورة مرأوية تهدف إلى تحرير المرأة والخروج بها من أية سيطرة ذكورية على الإطلاق، وتم بث مواقع كثيرة على الانترنت أهمها موقع يسمى (قنطرة) يكتبون في الافتتاحية (تستعين نساء مسلمات في كفاحهن من أجل التحرر والمساواة، ومن أجل التخلص من النظرة النمطية بالقرآن وبالتاريخ الإسلامي، ويعارضن جزئيا التفسير المتوارث للقرآن). والعلماء المسلمون لا يحسنون الرد على مثل هذه الدعاوى التغريبية الدخيلة على إسلامنا بالتجاهل تارة، وبآراء قد تؤيد على استحياء، أو تعارض على مستوى تغيير المنكر بالقلب وهذا أضعف الإيمان، وتتستر صاحبات هذه الدعوى تحت شعار ضرورة عصرنة الدعوة الدينية برمتها لتتناسب وطبيعة العصر، ويرون أن خلع المرأة للحجاب مثلاً هو غاية (الموديرنيزم) أو التحديث، ونسوا أن العصر صناعة بشرية يمكن أدلجتها تبعاً للدين وليس العكس.
فنجد أن الفقيهة الألمانية حليمة كراوزن ترى أن مصطلح (الإمام) لا يصف رتبة وظيفية محددة ولكنه يستعمل لمعانٍ كثيرة. فالمصطلح مشتق من فعل (أمَّ) ويعني يتقدم أو يقود، كلمة إمام متجانسة مع لفظ (أم) أي الوالدة وهو يغض النظر عن المفهوم البيولوجي يعني المصدر أو الأساس أو الجوهر. وترى أن تغير مفهوم الإمامة يجعل مفاهيم جميع الأمور قابلة للتفسير والتغيير. وتنادي أسماء بارلاس الأستاذة في جامعة أثيكا في نيويورك بعدم التشكيك في القرآن ولكننا نطالب بتفسير متحرر. كما يرون أن الخطاب الديني الذكوري قلل من شأن المرأة باعتبارها كائناً ناقصاً في العقل والدين، فكيف تبقى على هذه الحال، وقد تغيرت الأوضاع والمفاهيم وخرجت المرأة لتتقلد أرفع المناصب، إلى أن أصبحت قاضية فكيف يكون القاضي ناقص العقل والدين.
يرون أن الوحي لا يخاطب إلا ذا عقل، فيكون اكتمال الرسالة بالوحي والعقل معاً، وإذا كان هذا هو أساس الدين الإسلامي، فلماذا نتقيد بآراء سلفية، كان لها ضرورتها في وقتها، واليوم بعد أن حكمنا عقولنا في كل الأمور، جاء الوقت لكي نعدل بها كلام الله سبحانه وتعالى، وكأن القران يتناسب مع فترة زمنية من دون الأخرى، وتناسى صاحبات هذا الاتجاه أن الله جعل العقل للإنسان ليستطيع التمييز بين المتناقضات، لا لكي يجادل خالقه، ويتطاول على أمور ظاهرة واضحة لا تأويل فيها، (للذكر مثل حظ الانثيين) مثلاً هذه الآية لا يصح فيها إلا أن تكون كما أنزلها الله سبحانه وتعالى، فليس اليوم نستطيع أن نقول: إن للذكر مثل حظ الأنثى، فالله عليم بعباده ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ولو كان الله يريد أن يتم عصرنة هذه الآية تبعاً لمتغيرات العصر لكانت صياغتها مختلفة عما وردت بحيث يجري وراءها العلماء ليتبينوا مقاصدها المتعددة، لكنها جاءت صريحة من دون لبس في الفهم.
كما تسعى صاحبات هذا الاتجاه إلى الحرية في كل الأمور وينادون بوجوب المساواة في الزواج والطلاق والمواريث وما إلى ذلك من قضايا نزلت في كتاب الله، ويرون أن حدود الله التي أنزلت بها كثير من العسف بالمرأة، كما أن بها وحشية لا تتناسب أيضا مع ما نحياه اليوم من تحديث، وينادون أيضا بخلع المرأة للحجاب باعتباره تميزاً للمرآة المسلمة أدى إلى إقصائها عن المجتمع الإنساني، وبدلاً من أن تجاهد المرأة بدينها ولأجل دينها، يطالبونها بالتحرر من هذه القيود المزعومة التغريبية التي مالت بنا نحو تيار بعيد جداً عن إسلامنا الذي احترم المرأة وقدَّم لها حرياتها المصانة، وأقر لها ذمتها المالية الخاصة، وحررها من العبودية التي كانت تمارس عليها في الجاهلية.
التحديث لا يتعارض مع الدين بضوابط، وإنما من يرون بفصل الدين عن الدولة جعلوا الدين حاجزاً بينهم وبين التقدم، وكأن التقدم مقرون حدوثه بالمخالفة الصريحة للدين الإسلامي، وإذا افترضنا أن الدين الإسلامي هو العائق الذي يقف بيننا كمسلمين وبين التقدم فالسؤال المطروح الآن: كيف إذن تقدم المسلمون الأوائل وصاروا أصحاب حضارة إسلامية كبيرة نفخر بها إلى اليوم، وما فرطنا فيه من تراث حضاري هو خطأنا نحن، وليس لنقص في الدين. إذا كان الإسلام يحارب ممن لا يدن به، فهذه قضية معروفة، لكن الذين يدعون الليبرالية في الفكر يميلون إلى زاوية بعيدة جداً عن مقاصد الدين الإسلامي الصريحة التي وردت في الكتاب والسنة، وهؤلاء المسلمون الذين يعملون على تقسيم الخطاب الديني إلى ذكوري وأنثوي هؤلاء أخطر بكثير من الحرب المعلنة من خارج المسلمين. الله سبحانه وتعالى، كرَّم المرأة، وأعطى لها حقوقها كاملة من دون نقصان، لكن أولات النساء المدعيات ليبرالية الفكر نسين أو تناسين قول الله سبحانه وتعالى: «إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون».
الجنوسة الدينية لا مجال لها ولا مكان في أصل الدين الإسلامي، فالإسلام نبذ العنف والتمييز والإقصاء، فالداعيات المسلمات المقيمات في بلاد الغرب لا بد أن يعوا خطورة هذه الممارسات، وعلى رجال الدين أن يعملوا جاهدين على التفتيش وراء هذه الأفكار ودحضها بالحجة والبرهان كي نبعد عن الإسلام هذه الشبهات المصطنعة.