الإمـامـيـة
من فرق الشيعة، وهم القائلون بإمامة علي ـ رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنص الظاهر، والتعيين الصادق، ليس تعريضا بالوصف، بل إشارة إليه بالعين. وقالوا: وما كان في دين الإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، وقد بُعث ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرفع الخلاف، وتقرير الوفاق، فلا يجوز أن يفارق الأمة دون أن يعين شخصا يرجع إليه، وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه، فلا يجوز لأحد من المؤمنين أن يختار إماما برأيه، ومعقوله، وكيف يجوز هذا وقد حظره الله عز وجل على رسله، وأنبيائه وجميع خلقه، فقال في كتابه {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا} [الأحزاب: 36]، وقال سبحانه تعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} [القصص: 68] وإنما اختيار الحجج والأئمة إلى الله عز وجل، وإقامتهم إليه، فهو يقيمهم ويختارهم، ويعلن أمرهم إذا أراد، ويسترهم إذا شاء فلا يبديهم، وقالوا: إن عليا رضي الله عنه قد عين في مواضع تعريضا، وفي مواضع أخرى تصريحا.
أما تعريضاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها أنه بعث أبا بكر ليقرأ سورة براءة (التوبة) على الناس في المشهد، وبعث بعده عليا، ليكون هو القارئ عليهم، والمبلغ عنه إليهم، وقال: "نزل على جبريل، فقال: يبلغه رجل منك" أو قال: "من قومك"، وهو يدل على تقديمه عليا عليه، وكذلك أنه كان يؤمر على أبي بكر وعمر ـ وغيرهما من الصحابة ـ وقد أمّر عليهما: عمرو بن العاص في بعث، وأسامة بن زيد في بعث، وما أمّر على عليّ أحدا قط.
وأما تصريحاته ـ صلى لله عليه وسلم ـ في إمامة عليّ ـ رضي الله عنه ـ حين قال: "من الذي يبايعني على ماله؟" فبايعته جماعة، ثم قال: من الذي يبايعني على روحه وهو وصيي وولي هذا الأمر من بعدي؟ "فلم يبايعه أحد، حتى مد أمير المؤمنين علي ـ رضي الله عنه ـ يده إليه فبايعه على روحه ووفى بذلك، حتى كانت قريش تعير أبا طالب: أنه أمّر عليك ابنك. وكذلك عندما نزل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67]، فلما وصل إلى "غدير خم" نادوا الصلاة جامعة، ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه، ألا هل بلغت: ثلاثا" فادعت الإمامية أن هذا النص صريح. وتقول الإمامية: وقد فهمت الصحابة من التولية ما فهمناه، حتى قال عمر بن الخطاب حين استقبل عليا: طوبى لك يا علي، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
ومن التصريحات ـ عندهم ـ على إمامة علي رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: أقضاكم علي "فالإمامة لا معنى لها إلا أن يكون أقضى القضاة في كل حادثة، والحاكم على المتخاصمين في كل واقعة، وهو معنى قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قالوا "فأولو الأمر" من إليه القضاء والحكم، والقضاء يستدعي كل علم، وليس كل علم يستدعي القضاء.
ثم إن الإمامية تخطت هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة: طعنا وتكفيرا، وأقله ظلما، وعدوانا، وقد شهدت نصوص القرآن على عدالتهم، والرضا عن جملتهم، قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18]، وكانوا إذ ذاك ألفا وأربعمائة، وقال الله تعالى ثناء على المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100] وقال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55] وفي ذلك دليل على عظم قدرهم عند الله تعالى، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابي في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة الجراح" إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في حق كل واحد منهم على انفراد.
والإمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين، وعلي بن الحسين ـ رضي الله عنهم ـ على رأي وحد، بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها.
وهم متفقون في الإمامة، وسوقها إلى جعفر بن محمد الصادق، ومختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده، إذ كان له خمسة أولاد، وقيل ستة: محمد، وإسحاق، وعبد الله، وموسى، وإسماعيل، ثم منهم من مات ولم يعقب، ومنهم من مات وأعقب، ومنهم من قال بالتوقف والانتظار، والرجعة، ومنهم من قال بالسوق والتعدية.
وكان الإمامية في أول الأمر على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم، وتمادى الزمان، اختارت كل فرقة منهم طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة، إما وعيدية، وإما تفضيلية، وبعضها إخبارية، إما مشبهة . أ.هـ