الدكتور الأحمري يقول: إني أعلم ما لا تعلمون
الخميس 17 مايو 2007
الدكتور الأحمري يقول: إني أعلم ما لا تعلمون
عبد العزيز الحماد
مفكرة الإسلام 13/9/2006
 
الدكتور محمد الأحمري سافر إلى أمريكا أرض الحرية وبلاد الديمقراطية في ربيع عمره، ورأى هناك ما لم نره في بلادنا، فشاهد السيارات والطائرات وناطحات السحاب، بل ربما زار شركة ناسا فرأى المركبات الفضائية، ووقف على ما يسمى بالقنوات الفضائية وكذا ما يعرف بالإنترنت، بينما ترزح بلادنا في التخلف، فلم نشهد شيئًا من ذلك، ولربما لا نشهده إلا بعد مئات السنين.
ولم يكن التخلف فقط في الجانب المعماري والتقني، بل شمل حتى التخلف الإنساني؛ فنحن نقبع تحت الاستبداد والقهر حتى عشقناه، ولم نعد نطيق الحياة بدونه، بل ولا تسمو نفوسنا للحرية.
ولذا فالدكتور ينظر لنا معاشر المستعبدين ممن لم ينعم بالسفر لتلك البلاد، ولم يذق طعم الحرية والديمقراطية نظرة شفقة ورحمة من وجه، ونظرة ازدراء من وجه آخر، خاصة أولئك النفر ممن تسلّم دفة التعليم الديني والفتوى لأننا [أسلمنا الاستبداد] و[شرّعنا الذل والخنوع].
وبعد رجوع الدكتور الفاضل للبلاد بعد أحداث ما يسمى بالحادي عشر من سبتمبر حمل على عاتقه محاولة تثقيف أهل البلاد، خاصة تلكم الفئة البليدة بقسميها المتزمت أو الساذج، فالدكتور يتقن لغة العلم والسياسة ـ الإنجليزية ـ،واطلع على مصادر العلم الحديث الذي غاب عن المتزمتين والسذج.
وقد ظهر جهل تلك الفئة المتزمتة أو الدراويش السذج في أحداث حرب حزب الله مع إسرائيل فكتب لهم الدكتور تلكم المقالة الصاعقة [التحليل العقدي] فأتي على أولهم وآخرهم، ثم ما لبث أن أُجري معه لقاء في [موقع الإسلام اليوم] فجاء بما لم يأت به الأوائل، فقرّع أولئك المتزمتين والدراويش مرة بعد مرة لعل وعسى أن يستفيقوا من سباتهم أو يرعون عن غيهم.
وفي ذلك اللقاء الغريب الذي أظهر فيه الدكتور أنه يعلم ما لا يعلم أولئك المتزمتين أو الدراويش ويرى ما لا يرون، ويفهم ما لا يفهمون، وأنه قد سبر أغوار الشرع كما سبر أغوار السياسة.
قرأت المقال ثم قلبته وبدأت أقرأه من الأسفل للأعلى ومن اليسار لليمين لعلي أتبين بعض الأفكار التي قذفها الدكتور الأحمري في المقال، فوجدت أبرزها خمسة أفكار:
 
الفكرة الأولى: [المشايخ ليسوا مؤهلين للنظر في السياسية، ويندر أن نجد النجابة السياسية في المشايخ].
فهؤلاء المشايخ إما عقائديون متزمتون، أو دراويش طيبون، وهم كما قدمنا لا يعرفون لغة العلم ولم يسافروا لبلاد الثقافة، وقد يوجد فريق ثالث ـ من المشايخ ـ وهم الندرة، وأبرز علاماتهم متابعة الدكتور الأحمري في أطروحاته السياسية.
ولأنهم متزمتون أو دراويش فقد [أكثروا من تكرار قضايا محددة في الاعتقاد، وخصوصًا في الأسماء والصفات بين أهل السنة وحزب الله ـ الشيعة ـ].
فهؤلاء المتزمتون أو الدراويش لم يطلعوا على ما اطلع عليه الدكتور الأحمري من الخلاف بين أهل السنة والرافضة ابتداءً من العصمة الذي بني عليه تكفير الصحابة وقذف أم المؤمنين عائشة إلى تحريف القرآن، وكذلك هؤلاء المتزمتون أو الدراويش حصروا الخلاف بالعقائد ولم ينظروا للمطامع السياسية التي تسعى لها إيران، والتي وصفها الدكتور بقوله: [الحس الإمبراطوري الصاعد].
والعجيب كيف فاتتهم هذه الخلافات الكبرى مع الشيعة والتي بينها شيخهم ابن تيمية في كتابه منهاج السنة النبوية، وقد تنبه الدكتور القرضاوي ـ غير المتزمت ولا الساذج ـ لهذه الخلافات فقال لصحيفة "المصري اليوم" يوم السبت 2/9/2006م.: [حسن نصرالله لا يختلف عن الشيعة المتعصبين، فهو متمسك بشيعته ومبادئه ... أغلب الشيعة يؤمنون بأن القرآن كلام الله ولكن يقولون هذا ليس القرآن كله، وقالوا: إن مصحف فاطمة كان ضعف هذا المصحف.. وقد طالبتهم بالتوقف عن سب الصحابة، فهم يتقربون إلى الله بسبهم ولعنهم].
فهؤلاء ضيعوا الدين فحصروا الخلاف بالأسماء والصفات، وضيعوا الدنيا ولم ينتبهوا للخطر السياسي من إيران وأذنابها في لبنان وغير لبنان.
ومع هذا الخلاف الذي اطلع عليه الدكتور إلا أنه يجب علينا الوقوف على أيدينا ورؤوسنا للأسفل حتى نرى الحقائق بوضوح، فلا أطماع سياسية ولا خطر عقدي علينا من إيران، ولا ذنب لها في لبنان.
ومرجع كل ذلك: أنّ الدكتور يعلم ما لا نعلم.
 
الفكرة الثانية: أن المشايخ بنوعيهم ـ المتزمتين أو الدراويش ـ عليهم قبل التحدث في السياسة معرفة [الجغرافيا السياسية المتجددة والمصالح عمومًا، ومنها الثروة والقوة والدين ـ أو المذهب ـ واللغة والتاريخ والجغرافيا والجنس والأشخاص].
والدكتور جازم أن المتزمتين أو الدراويش الذين خالفوه ليس لديهم أي اطلاع على هذه العلوم الفريدة التي لا يعرفها إلا الندرة من الناس وهم: الدكتور الأحمري والذين اتبعوه فقط، فهذه المعارف حكر على الندرة، أما المشايخ المتزمتون أو الدراويش فليس لهم أهلية النظر في هذه العلوم، ولو نظروا لما استوعبتها عقولهم الضعيفة ولا مداركهم المحدودة!!!
ولو كان عند بعضهم مواقع كبرى على الشبكة العنكبوتية وتترجم لهم عشرات التقارير العالمية، فإنهم لا يملكون الأهلية للنظر في السياسية، وتكمن الإشكالية في عقولهم المؤدلجة.
 
الفكرة الثالثة: يريدنا الدكتور أن نقف مع حزب الله [ولو بحلف كحلف الفضول].
وقد بلغ هؤلاء المشايخ المتزمتون أو الدراويش مبلغًا لم يعودوا يفهمون معه حتى في الدين!! فحلف الفضول له ارتباط بالسياسية الشرعية وقواعد الملة الإبراهيمية، ولكن لشدة تزمتهم ـ أو شدة طيبتهم ـ لم يستطيعوا قياس حلف الفضول على قضية حزب الله.
ومن شدة جهل هؤلاء بالدين كما هم جهلة بالسياسة ألقى الدكتور على مسامعهم درسًا في الشرع فقال: [لو أخذ هؤلاء العقائديون بالفقه ـ فقه المصالح والمفاسد، والسياسة الشرعية ـ لوجدوا أنفسهم مع المقاومة اللبنانية، ولو وازنوا خير الخيريْن وشرّ الشرّيْن لعلموا أن موقفهم العقدي فقط كان خطأ. فالنبي عليه الصلاة والسلام تحالف مع خزاعة وهي بالمجمل قبيلة غير مسلمة، مع أنه "كان فيها مسلمون" وشاور الصحابة في التصالح مع غطفان مقابل نسبة من ثمار المدينة].
فلو حاول أحدهم نقل قول شارون في مذكراته: [لم أر يومًا في الشيعة أعداءً لإسرائيل على المدى البعيد] لقال له الدكتور الأحمري: شارون يبغض الشيعة لأنهم أعداءه، وأنت متزمت أو درويش لا تفهم في السياسة.
ولو نقل آخر كلام مدير قسم الأمن بمركز الخليج للدراسات الدكتور مصطفى العلي: [إن "إسرائيل" تمثل عدوًا مؤقتًا لإيران وذلك تبعًا لمصالحها.... إن الخلاف بين "إسرائيل" وإيران وقتي فقط، ففي السابق تعاملت إيران في عهد آية الله الخميني مع "إسرائيل" حيث كانت تمد الثانية الأولى بالسلاح طول فترة الحرب مع العراق].
ولو ذكر ثالث فضيحة [إيران جيت]، حين باعت إدارة ريغان سراً أسلحة لإيران، وذلك رغم الحظر المعلن على بيع الأسلحة إليها.
لابتسم الدكتور الأحمري وقال: مشكلتكم أنكم تنظرون للأمور نظرة عقائدية متزمتة!!
ولو رمى له رابع بقول أمين حزب الله الذي صرح به يوم الأحد 3/8/1427هـ: [إن قيادة حزب الله "لم تتوقع ولو واحدًا بالمائة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم؛ لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعًا]. وقال له: هذا اعتراف منه بالخطأ الذي وقع فيه.
 
لقال له: يجب أن نقف مع حزب الله، ولا نلتفت لأي خلاف عقائدي أو سياسي ولا نلتفت كذلك للحقائق التأريخية لأنهم مظلومون، [ويجب أن نتحالف ضد الاحتلال] ولو دمرنا بلادنا كما دمر حزب الله لبنان بلا فائدة تذكر، ودمرنا عقائدنا بتأجيل الخلاف العقدي معهم.
 
الفكرة الرابعة: أن حزب الله الذي يأتمر بأمر مرشد الثورة، وينفذ أوامر حكومة طهران ليس له أي علاقة بقتل السنة في العراق، ومن خالف [فليس لديه نسبة من الوعي فهذا بلد وهذا بلد، وكل حالة تُناقش وحدها، وكل موقف يُتّخذ المناسب معه].
قضية أن عقيدتهم واحدة، أو أن مرجع الجميع لإيران، أو أن حزب الله هو الممثل الشرعي للثورة في لبنان حسب تصريحات قياداته المتكررة، كل هذا لا يفهم منه استواء الطرفين في العداوة لأهل السنة.
ومن حاول فهم غير ذلك فهو عقدي متزمت أو درويش، حزب الله الذي خرج من رحم مليشيات أمل التي ذبحت أهل السنة، ووكّل زعيمها "نبيه بري" للتفاهم حول الأسرى، لا يحمل أي حقد على أهل السنة، ولو صرح أحد قاداته الميدانيين لصحيفة الغريديان البريطانية بتأريخ 29 / 7 / 2006م [أن الصراع ليس فقط ضد إسرائيل ولكن أيضًا ضد أهل السنة اللبنانيين،... عندما تنتهي الحرب مع إسرائيل، ستبقى أمامنا عدة معارك لنخوضها في لبنان، الحرب الحقيقية ستبدأ بعد هذا المناوشات الحالية مع أولئك اللبنانيين الذين لم يقفوا معنا...، وأيدينا ستطال كل من صرّح ضدنا.. فلتتوقف هذه الحرب ثم سنبدأ في تصفية الحسابات] فهو أيضًا لا يحمل أي حقد عليهم، ويمكن قياسهم على شيعة العراق!!!
 
الفكرة الخامسة: أن سبب رقي إيران [لأن لديهم دولة واعية منتخبة تمثل الناس، وتمثل الشعب، لديهم حكم ديمقراطي قوي].
فإيران ديمقراطية، ولو أن ثلث الشعب لا قيمة له ولا حقوق له، ولا يسمح بحرية الصحافة، ولو أن مرشد الثورة من حقه حلّ المجلس المنتخب، بل من حقه عزل الرئيس، وبيده تغيير كل النظام، ولو أنهم قتلوا عشرات ممن خالفهم.
الحكومة الإيرانية ديمقراطية حتى لو سحلت 35% من الشعب من أهل السنة!! وهذه الحكومة ديمقراطية حتى لو سحلت 7% من الأكراد!!
هذه الحكومة ديمقراطية حتى لو منعت ترشيح 2500 مرشح إصلاحي إيراني معارض لها في الانتخابات الأخيرة، بحيث انخفض عدد النواب الإصلاحيين من 190 في عام 2000 م إلى قرابة 40 في عام 2004 م.
هذه الحكومة ديمقراطية رغم أن الانتخابات الأخيرة سجلت أقل نسبة من المنتخبين خلال الانتخابات الرئاسية التسع الأخيرة!!
هذه الحكومة ديمقراطية حتى لو كان رئيسها دكتاتوري مجرم مثل نجاد الذي شارك بقمع المعارضة الإيرانية الفارسية والكردية!!
هذه الحكومة ديمقراطية حتى لو كان رئيسها نجاد قائدًا لفرقة كوماندوز قامت باغتيال الشخصية الكردية المشهورة عبد الرحمن قاسملو في فيينا عام 1983م.
مع كل ذلك فهي دولة ديمقراطية، ويجب أن تقف على يديك حتى تراها كذلك، وإلا فأنت عقدي متزمت أو درويش مغفل.
ولكنها ديمقراطية على طريقة الدكتور الأحمري.
ولا أدري لماذا لم تصنع الديمقراطية العز والشرف للكويت ودرجة ديمقراطيتها أكبر من إيران؟!!
ثم هل بدأ التسلح النووي مع ثورة الخميني الديمقراطية أم منذ عهد الشاة؟
أترك الجواب لأستاذ الديمقراطية الحديثة.
ثم ختم الدكتور كلامه بنصيحة: [ليس من مصلحتنا إنشاء عداوات مع إيران في هذه المرحلة؛ لأن إيران قد تتصالح مع أمريكا وبسرعة، وقد تبيع المشروع النووي مقابل ثمن إستراتيجي كبير أهم شيء فيه نوع من النفوذ في منطقة الخليج، ووسط آسيا والعراق].
مع الأسف أننا رفضنا الوقوف على أيدينا لنرى الأمور مقلوبة كما يراها الدكتور الأحمري ومن وافقه من الفضلاء، ورفضنا تأجير عقولنا لغيرنا ليفكر بدلاً عنا.
وإن هؤلاء الذين تنعتهم أنت بالمتزمتين العقائديين، وينعتهم الرئيس الأمريكي بالسلفيين أو الوهابيين هم الخطر الحقيقي على إسرائيل؛ إنهم أصحاب نظرة واضحة للأمور، وإن كانوا ضعافًا في هذه المرحلة، لكن تصوراتهم عن الولاء والبراء واضحة ويعرفون عدوهم جيدًا، وليس لديهم قابلية للتميع، ولديهم قوة دفع لكل من كان معهم ثم حاد عن الطريق، فليس ثمة خلط في المفاهيم والقيم.
وفي الختام يا سعادة الدكتور الفاضل إن كنتَ تعلم ما لا نعلم أو ترى ما لا نرى، فإنّا قوم قد بذلنا جهدنا في فهم ديننا والعمل به، والتنقيب عن مجريات الحياة، وبذلنا وسعنا واستعنا بربنا العظيم الجليل الكبير وهو لن يخذلنا، وهو أرحم الراحمين.
 
" اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فاطر السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: