عودة إيران لحراسة الجيران
الصراط المستقيم (السنة التاسعة العدد 91)( صفر 1421) 5/2000
محمد الأحمري
[ هذه مقالة قيمة كتبها د.الأحمري ، وحين أعلمنا د.الأحمري بنيتنا إعادة نشرها عارض ولم يأذن بذلك ، ونحن لم نقبل هذا الإعتراض ، وفوجئنا ان د.الأحمري أعاد نشرها في موقع العصر !! وعموماً نحن نوافقه على ما جاء فيها ونستغرب لماذا تغير موقفه الأن ؟؟ قمنا بحذف بعض الاستطرادات غير الرئيسية . الراصد ]
مقدمة مجلة الصراط المستقيم :
ما لم نتعرض للقضايا الشائكة والعالقة في أوساط الجيل الإسلامي المعاصر بالتحري والمعالجة والتمحيص وطول النظر، ونباشر مهمة التصحيح الداخلي سواء للمقولات والأفهام الخاطئة أو الممارسات والقوالب المهترئة، فإن أكثر الملفات الساخنة المطروحة على ساحة العمل الإسلامي ستظل حبيسة الأقبية والدهاليز وخاضعة للمراوحة والتأرجح. نعم! إن وصف أفهام وأنماط معينة في التعامل مع الواقع بأنها قاصرة وعرجاء وبحاجة ملحة لوقفات هادئة وناقدة، هو بحد ذاته مسألة قيمية ونسبية، قد تستند لحجج شرعية وخبرات وتجارب وإرث تاريخي، غير أن التعامل مع التراث كثيراً ما يخضع لحسابات وسوابق، فكل يحاول جاهداً لأن يقولب ويكيف ما تقع عليه عيناه أو ما ينتقيه من مقولات ووقائع بما يوافق اختياره وما تبناه من طرائق ليضفي على ما انتهى إليه نوعاً من القداسة والهالة، ويبدو أن ظاهرة الافتتان الأخيرة بالتجربة السياسة الإيرانية داخل أوساط البعض ممن يحسب على الإسلاميين تترست بهذه المقولة (تعدد رؤى وقراءات التراث) لتسويغ هذا التوجه، طبعاً مع الاتكاء على معطيات أملتها التغيرات الأخيرة والنوازل الطارئة، ولكن ما غفل عنه هؤلاء هو أن الأمر أعمق من النظرات السطحية والنزوات العابرة لتداخله مع مسائل الاعتقاد، ثم لارتباطه بأبعاد مكانية (جيو ـ إستراتيجيه) وحيوية قد تخفى عن البعض أو قد يتكتمها، ومن ثم فلا مناص من خوض الرواحل وصناع الحياة وقادة الجيل لهذه المناطق "المحظورة" وبيان ما يحتاج إلى تبيين، إبراءً للذمة وإعذاراً إلى الله تعالى وباعتبار هذه الخطوة ـ بحد ذاتها ـ ركن ركين في تأصيل منهجية العمل الإسلامي المعاصر، ولبنة في صرح التصحيح الداخلي الذي يتصدر قائمة أولويات الهم الإسلامي الراهن. وإثراءً لهذه المعاني وإسهاماً منا في خوض غمار ما نزعم أنه تعرض للطي والإسكات ـ بشكل أو بآخر ـ اجتهدنا في اختراق إحدى هذه "الممنوعات" المصطنعة التي ظلت إلى وقت قريب ـ بل وإلى يومنا هذا ـ عرضة للمساومات والمزايدات، ونعني بها التجربة السياسية الإيرانية والدور الموكل إليها بشكل أو بآخر لحراسة "الخليج"، والتهافت المشهود من بني جلدتنا ووجهتنا لاحتضان "ثورتها الثانية"، ورائد النبش في هذا الملف وسبر أغواره أحد حملة هم التصحيح الداخلي وصناع الاقتحام والدق على الصدر الأستاذ والمفكر الإسلامي الصاعد محمد الأحمري رئيس أمناء التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية.
"الإستراتيجية"
"الأهداف هي الآمال أو الأحلام التي يريد الفرد أو المجموع بلوغها، والإستراتيجية هي الطريقة العملية لبلوغ الهدف، والإستراتيجي هو منفذ الأهداف الذي تعود أن يحول الآمال إلى أعمال".
قبل قرابة خمسة وعشرين عاماً خرجت دراسة إستراتيجية في الولايات المتحدة تتحدث عن أن العقود القادمة لن تحمل للولايات المتحدة أي مفاجآت. وبعد أقل من خمس سنوات جاءت المفاجأة الكبيرة الثورة الإيرانية، وبارت التقديرات والمحاولات الكبيرة للإمساك بعنان الشعوب وأقدارها، فالله وحده هو الذي يملك كل شيء ويفعل ما يشاء ويقدر، ولا يضيع عمل عامل يجد لتغيير ما به. أما الناس فيحاولون ويقدرون ويغفلون، وقد أذن الله لهم وفطرهم على البحث والمحاولة وأرشدهم لطرق العمل والحركة والتفكير والتغيير، ولكن منهم من يقف حائراً فيجعل الحركة لغيره.
تقفون والفلك المسير دائر وتقدرون فتضحك الأقدار فما أحوجنا أن نغادر الوقوف ونسعى للتفكير ثم العمل على صناعة مستقبل لنا ديناً ودنيا، كما نرى الأمم غيرنا تصنع مستقبلها فوق رؤوسنا، وكأننا مواد بناء جامدة لهم يصنعون بها مستقبلهم كيف أرادوا. وعلينا أن نحدد لنا أهدافاً وغاية فتنقلب طبائعها، وتتحرك فيها طاقات ما كان يراها الإنسان في نفسه ولا أمته قبل لحظات الوعي.
في طريق البحث عن مادة هذا المقال وجدت نصاً لأحدهم يرثي مستقبل القوة الأمريكية، ويقول: "أمر محزن ألا يكون لدينا تحد كبير، وأكبر منه أن يمر زماننا بهدوء ورغد وسهولة إن ذلك علامة هرمنا وبعث حياة جديدة في مكان آخر من العالم!".
تلك ملاحظات قوم إحساسهم بالتاريخ السارب من اليد عميق، يتتبعون مرور الزمان، ويدرسون ملامح الحضارات وسحنة وجوهها في زمن الشباب والكهولة والشيخوخة. ويبحثون بكل جد عن وسائل تحافظ على حياة حضارتهم أشد من حرصهم على برنامج "كومبيوتري" جديد، أو على صناعة علاج لداء خطر. ومسكين من يفد من عالمنا ليقرأ في هذا الكم الهائل عندهم الذي يبحث في الإستراتيجية أو فلسفة الحضارة، أو مستقبل علاقاتهم بنا أو بغيرنا، لضخامة المادة المتوفرة التي تتجاوز قدرة فرد أو أفراد على الإحاطة بها. وقد نبالغ في تقدير قولهم ودراساتهم ونغر أنفسنا بتتبع آرائهم المتضاربة، أو قول بعضهم ضد بعض. ويخيل لنا أننا بتحيزنا لمدرسة أو فكرة نكون قد حسمنا الصراع لصالح آرائنا العاطفية.
فمرة نصطف مع شبنجلر طربين فرحين بـ "تدهور الغرب"، أو مؤمنين على قول فوكوياما بأن العالم قد انتهى تاريخه (صراعه في التطور الفكري والعملي) عند الرأسمالية والديموقراطية الليبرالية ولم يعد للفكر مستقبل خارج هاتين الفكرتين. ولكل من الفكرتين جذورهما الدينية التي يعوزنا التحقيق فيهما. كما أننا لا نرود طرق البحث بأنفسنا بما نعرفه من حالنا وحال غيرنا. ويلحق نتيجة لذلك ألا يكون لنا دور في رسم مستقبل الحدث.
حيوية على الشاطئ الآخر
ومنذ فترة ليست قصيرة وبعد متابعة تلك الدراسات والمقابلات الطويلة مع أو عن كتاب ومفكرين من إيران، يهتم بهم غربيون كثيرون من أمثال: كول وروبين رايت، وكيدي، وغيرهم. ومجمل هذه البحوث والدراسات تتعرض لدراسة الحركة الفكرية الكبيرة التي تتفاعل في المجتمع الشيعي. ومستقبل الحكومة والشعب الذي يضطرب بما يزيد عن مائة وخمسين منظمة أو نقابة اجتماعية وسياسية وما يزيد عن ألف ومائة مطبوعة ما بين يومية وفصلية. وحركة فكرية لم تعيشها تلك البلاد منذ قرون، وهذه ظاهرة عامة في حركية الفكر الشيعي المعاصر في إيران وغيره، يقول شيخهم محمد حسين فضل الله: "إن التشيع يشهد حركة اجتهاد لم يسبق لها مثيل إلا حركة الاجتهاد عند السنة في القرن الثاني الهجري"، وهذا إلى جانب الصراع بين اليمين والوسط واليسار السياسي، في مجتمع أقر بمبادئ دينية أو دنيوية يراها حقاً ـ حسب مذهبهم بانحرافاته ـ وهو سائر عليها، أحبها الناس في الخارج أم كرهوها. ويرى المراقبون في هذه الحيوية الفكرية والسياسية صفحة جديدة قد يكون لها أثرها على تاريخ العالم. فلم يُجْد مع هذه الثورة عزلها ولا حربها، ولا حصارها ولا نقدها، فهي تهرب كل يوم من يد الممسك بها. وتتلون في طريق سيرها نحو ما تريد.
وكان مما قرأنا عنه منذ نحو عام أن هذه الثورة الإيرانية ستستعيد النفوذ الذي كان للشاه في الخليج العربي، وأن أمريكا تبحث عن شريك قوي في المنطقة. وإيران لم تعد تلك الدولة الخطيرة المتزمتة ولا ذات الموقف المتشدد في علاقاتها نحو جيرانها، وأنه يسودها الانفتاح والوضوح والتقدم في مسيرة الإنسانية، وكلمات كثيرة من الترويج لا طرف لها مما أوحى بأن شيء يتجه للانفراج بين الخصمين.
وهذه العلاقات تدخل فصلاً مهماً من فصولها فهي من أغرب النماذج التي تستحق البحث والتأمل في دراسات العلاقات الدولية. فكل طرف له معاناته مع الآخر، وحرصه على بقاء خطوط للتعامل.
ولعل من المناسب أن نعطي صورة للأزمة في العلاقة على الجانب الإيرانية. أولاً، خرج في إيران منذ سنوات فيلم بعنوان "رجل الثلج"، يبدأ هذا الفيلم كما لخصه كتاب "الخاتمية" بإظهار ممثل ساخر وهو يقف أمام شباك المراجعات داخل السفارة الأمريكية في أنقرة، متقدماً بطلب للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ووجه طلبه بالرفض كما يحدث لأكثر الطلبات، وأثار موقف السفارة الأمريكية حنق المواطن الإيراني، ويظهر عصبيته وغضبه، وتنفجر وطنيته ويصرخ بوجه موظفي السفارة قائلاً ماذا تريدون مني حتى تمنحوني التأشيرة المطلوبة؟ هل يلزمني أن أنضم إلى المعارضة الملكية المؤيدة لعودة ابن الشاه؟ أم لا بد أن أتحول إلى جاسوس يعمل لديكم؟ هل يجب أن أبيع وطني؟ وتتدفق أسئلة كلها تعدد الأسباب التي يمكن لصاحبها الإيراني أن تقبل بها طلبه. وتستمر مشاهد الفيلم حتى اللحظة الأخيرة منه، وهي تشرح المشاعر المزدوجة والحائرة للمواطن الإيراني العادي، بين رغبته الجامحة في زيارة أمريكا وبين إصراره الدفين على المحافظة على كرامته وعزته، وشخصيته المتميزة أو الوطنية، وأنفته التي ترفض شروط الحصول على التأشيرة القاضية بأن يتحول بطل الفيلم إلى امرأة، في إشارة إلى تشويه صورة المواطن الإيراني، حتى يتمكن (تتمكن) من الزواج بأمريكي، وليربح حق الدخول إلى الولايات الأمريكية. ويسافر بعد ذلك لأمريكا بعد أن غير جنسه. وينتهي الفيلم بأن يعود الممثل من أمريكا ويستعيد شخصيته الحقيقية. وقد عبر الفيلم بدرجة عالية من الحساسية والشفافية حقيقة المشاعر المتداخلة في أعماق العديد من الأوساط الإيرانية تجاه الولايات المتحدة، التي تشترك المسخ قبل العلاقة. وقد أثار الفيلم مشكلات كثيرة، ورفض عرضه لمدة ثلاث سنوات في طهران، ولكن خاتمي وحزبه سمحوا بإخراجه وعرضه. وإن كان الفيلم يمثل شخصاً ومعاناته ولكنه يشرح بوضوح طبيعة العلاقة التي تريدها أمريكا من التعامل مع إيران، وشروطها العسيرة والمدمرة لكيان من يريد أن يتعامل معها من موقع إنسانيته واستقلاله، أو من خلال إبقاء مصالحه([1]).
كان هذا الفيلم يمثل نوعاً من الرد غير المباشر على فيلم "ليس بدون ابنتي" والذي صور الفرس والإسلام بصورة الخاطفين وغير الإنسانيين وذوي العنف والشراسة، وأن الأمريكي يصل في النهاية لأخذ حقه منهم مرغمين مقهورين، وتستطيع الأم أن تأخذ ابنتها من الأب الإيراني.
والصورة أو المشهد الذي ظهر في "رجل الثلج" لم يعد كله تمثيلاً بل فيه من الحقيقة ما يعرفه من يراقب تزمت أمريكا في العلاقات وعجرفتها؛ ثم إن الأيام لم تلبث أن تمر غير بعيدة حتى وجدنا وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين ألبرايت يوم 17 مارس 2000م، تقف على شباك العلاقات الإيرانية تقدم طلب العلاقة والمودة أو كادت، وتخطب عن حضارة إيران: "التي هي من أقدم حضارات العالم الحية"، كما قالت. وتنفخ الفخر والغرور في عظمة شعب فارس! وقد وصلت هذه المحاضرة أو الخطبة نكدة للسامعين فقد مرت بطريق طويل من التمهيد وترتيب المكان أو المركز الإيراني الأمريكي الذي تصرح فيه بخطوتها وخطبتها الطويلة عن العلاقة العسرة. وبدأت بالمدح والقصص والاعتذار عن خطأ أمريكا في إحباط ثورة مصدق وامتهان شعب إيران بتلك الثورة المضادة التي أعادت تحكم الشاه وأمريكا في الشعب. ثم اعتذرت عن موقف أمريكا ومحاولتها قهر ومساندة صدام في الحرب التي عدتها أمريكا حربها على الثورة.
وقد سبق مواقف وزيرة الخارجية ألبرايت حملة لإعادة العلاقة قامت بها الشركات البترولية الكبيرة وعدد من السياسيين والاقتصاديين، وقد تبين أن الذي خسر حرب العزلة ليست إيران فقط، بل أمريكا أيضاً. وما ذكرته الولايات المتحدة من أنها تفتح العلاقات التجارية مع إيران حرصاً على التبادل في مجالات: "الفستق والسجاد والكافيار والثمار المجففة"، ليست هذه البضائع هي كل المشكلة والمكسب، وليس نقص الفستق والسجاد في أمريكا، ولكن هناك أسباب دولية كبيرة تجعل العلاقة الجيدة والانفتاح بين أمريكا وإيران قضية إستراتيجية مهمة. ويحمل الخبر لإيران بشائر عديدة ومخاطر، فمن البشائر إمكان حصول إيران على ما يزيد عن عشرين مليار دولار هي الودائع الإيرانية منذ زمن الشاة كما تقول إيران، وتعترف أمريكا بأكثر من النصف من هذا المبلغ. والتصدير للبضائع الإيرانية، والأهم من كل هذا النفوذ للخليج العربي بشكل أكبر، ولمناطق وتجارات تمارسها إيران بطرق ملتوية. وقد قابل خامنئي الخبر بالشك والتحذير وبعبارات حانقة، أما خاتمي فلم يقل مهما من القول في هذه المناسبة. وظهر القبول منه، والقول الحذر من رفسنجاني، أما وزير الخارجية فبادر للترتيب التنفيذي للعلاقة، ويبدو أن هذا هو الموقف العملي المقرر، وتبقى كلمات للإعلام والاستهلاك العام معادية عند الجهتين تظهر خلاف الحقيقة ولكنها تساعد دائما في التحولات السياسية، ويهم وجودها للمناورين.
أسباب للتوجهات الجديدة
من هذه الأسباب ما هو معلن معروف ومنها ما هو مسكوت عنه أو متوقع ولكنه مهم أيضاً: فمن الأسباب المعلنة أهمية إيران في أمن الخليج "بتروله" ومستقبله، وقد سمته ألبرايت بـ "الخليج" فقط ولم تقل "الفارسي" كما يغلب على الأدبيات الأمريكية. ثم الأسباب التجارية التي أشرت لها.
ومن الأسباب المتوقعة التي يتحدث عنها المراقبون وأظهرت مواقف الإيرانيين وتوجسهم وشكهم منها: أن أمريكا تريد بهذا الانفتاح والعلاقة إثارة أزمة داخلية وصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران. وتأليب الحرب بين المعسكرين مما يعيد إيران إلى مرحلة التبعية التي سبقت الثورة، من خلال إثارة النزاع وعدم الاستقرار، أو سيطرة المعسكر المتغرب التابع الذي يجد لذته في التبعية للغرب، والهرب من الدين والذات، ويكتفي بالسفور والجينز والمكدونلدز ومظاهر التحلل والخذلان، كما هو مسيطر على عقول بقية المتغربين في العالم الإسلامي. ومن الأسباب غير المعلنة في الخطاب: أزمة العلاقة الأوروبية الأمريكية والخلاف التجاري، ودخول فرنسا والصين ميدان الاستثمار البترولي في إيران رغم المعارضة الأمريكية لهذا التوجه.
العامل الإسرائيلي وحزب الله والسلام
هنالك أيضاً رغبة أمريكية في إتمام عملية السلام وإنهاء العداء والإثارة الإيرانية ضد "إسرائيل" وتعويق مصالحها في العالم العربي والإسلامي ووسط آسيا الذي تشهد جمهورياته الإسلامية استثمارات "إسرائيلية" فاحشة في التقنية، والسياحة والتجارة العامة والعقارات. ومن أهم توابع الخلاص من عداء إيران "لإسرائيل": الخلاص من حزب الله في لبنان، فهو عنصر إرهاق "لإسرائيل"، وهو مثير للعداء ولنزعة الحرب والمواجهة في البلاد العربية، ومهيج للحرب ضدها، وأثبت الحزب رغم تواضع إمكاناته أن الحل هو الحرب، وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها وتحترمها "إسرائيل". وهو الجبهة الوحيدة المفتوحة ضد اليهود في عالم العرب والمسلمين.
تبرز أيضاً مشكلة الجواسيس اليهود المعتقلين في إيران وما يمكن أن يلقوه من مصير. وبالرغم من صغر هذه القضية فإن الأولوية تبقى "لإسرائيل" في العلاقات الأمريكية الخارجية، فهي قادرة على تحريك أمريكا لخدمة قضايا صغيرة كهذه.
حلف عسكري وإنذار مبكر
لكوهين وزير الدفاع الأمريكي رحلتان سنويتان لمنطقة الخليج والدول العربية الحليفة، وفي رحلتيه الأخيرتين أخذ يسوق لمبادرة للدفاع المشترك بين الولايات المتحدة ودول الخليج ومصر والأردن، لتبادل المعلومات والإنذار عن أي خطر صاروخي لحماية المواطنين (واشنطن بوست 7 محرم 1421هـ، الموافق 11/4/2000م). وتستعمل الولايات المتحدة صداماً لترويع العرب في المنطقة وإلزامهم بالطاعة لكل مشروع معروض عليهم وشراء أي سلاح يراد تصنيعه أو التخلص منه وقد سكتت أمريكا الآن عن الخطر الإيراني، فهل ستدخل إيران في هذا النظام؟ وأين موقع "إسرائيل" منه؟
مسألة الخليج العربي
لم يكن الخليج مسألة ثانوية في العلاقات الدولية منذ قرون طويلة، ولن يكن أقل خطورة في العقود القادمة، وأكثر القوى العظمى التي حكمت العالم كانت تجد نفسها محتاجة للمرور به، والسيطرة عليه يوم كان ممراً للتجارة في عصور سحيقة إلى زمن البرتغاليين ثم البريطانيين ثم الأمريكيين، ثم ما جاء به عهد البترول من تأكيد خطورة ثم الممر الدولي الذي حسر عن ذهب أسود مغر لكل دول العالم الطامحة، أو لشعوبه الفقيرة، وقد قامت على شاطئه الغربي أهم قاعدة أمريكية ضد روسيا في المنطقة منذ عام 1984م إلى اليوم، وقبل أن نتحدث عن العلاقات الإيرانية الأمريكية في الخليج، نمهد بمسائل تهم كل دارس لهذه العلاقة، منها:
غياب الإستراتجية المحلية
تتعامل القوى الدولية الكبيرة مع الخليج كـ "غنيمة" (The prize) وهذا عنوان كتاب لرئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز عن البترول عامة والبترول في المنطقة خاصة. ويحرص الغرب على إبقاء هذه الغنيمة أو الضحية حية منتجة ومشلولة عن المقاومة عن المقاومة في نفس الوقت، وأبرز ملامح هذه الخطة السلبية الكبيرة التي يحاصر بها البحث السياسي والفكر والثقافة في المنطقة، ومن أكبر المحرمات على السكان والعلماء والمفكرين فيها بحث المسألة السياسية والاقتصادية، ويترك التفكير والقرار لمستشارين غربيين من خارج المنطقة...
العزلة ليست شراً مطلقاً
فرضت أمريكا عزلة على إيران منذ أكثر من عشرين عاماً، تضرر بها الشعب والاقتصاد. غير أن الإيرانيين قد استفادوا من هذه العزلة فوائد عديدة منها تكوين هويتهم وثقافتهم في فسحة من أمرهم كما يريدون، وتم تكوين دولتهم بلا تدخل من رقيب غريب، وهذه أمور لا يدركها إلا من عرف طريقة الغربيين المتواترة في هلهلة الثقافة الوطنية للأمم ومسخها لتصبح فلكلوراً شعبياً قديماً ميتاً، واستخدام المنافذ الثقافية لزرع الشقاق والنزاع وتعدد الولاءات داخل الدول المفتوجة. وهو بعض ما يهدف له الانفتاح المطلوب الآن. وقد واجهوا إمكاناتهم دون زيف ولا تخيل وبلا أمل من حلول يقدمها مستشارون أو سفراء، فتمكنوا من استعمال ثروتهم أو محاولة التعامل معها واستخراجها سواء كانت مادة أو عملاً، وبحثوا عن رزقهم بأنفسهم كما لا تتمكن المستعمرات أن تفعل، واستطاعوا فتح الأسواق المجاورة لصناعتهم فقد فوجئ الغرب بدخول إيران في سوق السلاح الدولية بأسلحة رخيصة وفعالية كبيرة، وبدأوا في ممارسة مهنة الغربيين القديمة التي تبدأ باحتكار السوق الاقتصادي وتنتهي بالسياسي. فالتجارة والسياحة أولاً، ثم تأتي الجيوش لحماية التجارة والمصالح القومية أو الإستراتيجية كما يقولون. كما حدث مع شركة الهند الشرقية التي تأسست نحو عام 1600م، إذ لم تتدخل بريطانيا لحمايتها ـ احتلالها الهند ـ إلا بعد أكثر من قرنين. فهذه التجارة طليعة الاستعمار. وهي سنة القوى الغالبة تكررت في أماكن أخرى غير الهند وغير الخليج وشمال أفريقيا.
وقد أفادت العزلة إيران فائدة كبيرة، وأفادهم حصار العراق في احتكار السوق العراقية. ومدوا أعناقهم لوسط آسيا وبدأوا يمارسون فيها أساليب المستعمرين، دون التزامات دولية أو تبعية للقرار الغربي. وتوفر استقلال القرار مع وجود الهوية الدينية الفكرية وتقدم صناعي ـ مقارنة بالجيران ـ كل هذا صنع لهم وللتعامل معهم جاذبية بين دول العالم الثالث المستبعدة من سياق النمو العالمي في إفريقيا وآسيا، مما يساعد على كسر حواجز العزلة الدولية. وهذا الانفتاح يعزل أمريكا ويساهم في صناعة وتقوية "السوق الدولي المتمرد" على القوة العظمى الذي تقوده الآن أوروبا ودول كثيرة حول العالم بعضها صغيرة مثل ماليزيا، وبعضها كبيرة جداً وتعمل على ذلك وقد لا تهمس بمرادها كشرق وجنوب آسيا عامة بما فيه الصين والهند.
الغرب ليس موقفاً واحداً
الإجمال الذي يلقيه عدد منا على أوصاف الغرب يخدعنا عن مشاهدة الأمر كما هو والتعامل مع الواقع، فالغرب يحب لنا التخلف والكفر والفسوق والفقر والعلمانية والجهل، ولكنه يبقى مضطراً للتعامل معنا مهما كنا، فللغرب مصالح متضاربة يصطرع عليها من قرون...
سلع اقتصادية مؤثرة في الموقف
بترول بحر قزوين في الفترة الأخيرة باهتمام أمريكي مبين، وبخاصة بعد أن أعلنت إيران عن خط الأنابيب الذي يمكنه أن يصدر 370.000 برميل يومياً ومخزون بحر قزوين لا يعرفه أحد. اما التقديرات فتقول بأن فيه حوالي عشرين مليار برميلاً وتصل به بعض التقديرات إلى 160 مليار برميل. ولكن الصين وفرنسا خرجت عن موقف أمريكا وبدأت الاستثمار وساهمت بنوك فرنسية في الاستثمار، وبعضها بدعم من لحكومة الفرنسية ثم مؤخراً وبعد بيانات أمريكا الودية أعلنت إيران اكتشاف حقول الغاز وبكميات هائلة.
وأخرى سياسية بين إيران و "إسرائيل"
كان حزب الله في لبنان يمثل في خطتهم حلقة في الجبهة الشمالية الغربية للعالم الشيعي الموعود، الذي كان يفترض أن يقيم حكومته في لبنان، ويتصل نفوذه بالشيعة في سوريا([2])، والعراق وإيران ولتقوم دولة عظمى من باكستان إلى لبنان، وقد خابت كثير من هذه الآمال، وقد صرح بها أبو الحسن بني صدر، وتحدث عنها حزب الله في منشوراته. أما وقد فشل المشروع نهائياً أو مؤقتاً فلن تبيع إيران الحزب رخيصاً، ولا يثمن لأمريكا أو "لإسرائيل"، ولكن لا بد لإيران أن تترك نفوذها العسكري في لبنان، لهذا سوف تحرص على المقايضة بينها وبين "إسرائيل"، ربما بالقوة العسكرية لحزب الله، وقد يكون لحزب الله مستقبل آخر بحيث يتحول عن دوره الحالي وأسلوب مواجهته ليصبح منظمة سياسية وثقافية وأعمالاً دعوية أو خيرية، وسيسبب هذا التغيير أثراً كبير على مسألة توازن المذاهب في لبنان والوجود الشيعي فيما جاورها. وليساهم مستقبلاً في إستراتيجية أوسع.
وحين تخرج إيران من جنوب لبنان "حزب الله"، فهل تقبض ثمن مغادرتها لجنوب لبنان نفوذاً أكبر في الخليج؟ نشرت جريدة هارتاز يوم الأربعاء الخامس من أبريل 2000م نقلاً عن وزير العدل "الإسرائيلي" يوسي بلين أن على "إسرائيل" أن تعيد النظر في علاقاتها مع إيران في ظروف التغيرات التي حصلت في إيران، وفي جو إمكان السلام مع سوريا، وأشار إلى التحسن في العلاقات الأوروبية الإيرانية، وأشارت الجريدة أن وزير الخارجية ديفيد ليفي وغيره يشاركون بلين الرأي، وإن لم يعلنوا ذلك. وكانت "إسرائيل" تعد إيران عدواً أما اليوم فيعدونها "تهديداً أمنياً" كما رفع خاتمي شعار "الإنسانية وعدم العداوة بين الشعب الأمريكي والشعب الإيراني ولا عداوة بين الثقافتين"، أعاد بيلين القول فيما يتعلق بالعلاقة بين "إسرائيل" وإيران بما يكاد أن يكون نص كلام خاتمي ونفى العداوة بين الشعب الإيراني والشعب اليهودي. وزاد قوله: "ولنا مصالح مشتركة في المنطقة". وتداخل كبير بين المصالح "الإسرائيلية" والإيرانية في الخليج، وقد لا يكون أهمها غاز قطر.
أم سيكون ثمن حزب الله مقابل نفوذ في وسط آسيا؟ لقد ألمحت أمريكا سابقاً إلى أنها قد تتخلى عن النفوذ في وسط آسيا، والأدلة على عكس هذا القول، فقد أعلن المفكرون اليهودي برنارد لويس ـ له علاقة قوية بأصحاب القرارات ـ من منصة سياسية مهمة ـ هي مجلة الشؤون الخارجية([3]) ـ أن الجمهوريات الإسلامية مما يدخل مستقبلاً في الشرق الأوسط، وفي دائرة نفوذ "إسرائيل"! ووسط آسيا من مناطق النزاع القادمة التي قد تسوى فيه بعض العلاقات بعد التسوية في البنان. وإيران لن تكون خارج هذه التسويات. وهي مرشحة لدور هنا أكثر من تركيا كما سيأتي.
الخروج من الخليج أم المشاركة؟
تتحدث بعض الجهات التي تصنع القرار عن مشاركة إيران في أمن الخليج، وأنه طعم سيقدم لإيران في الوقت المناسب، وقد تعامل البريطانيون مع إيران الشيعية ذات يوم لإبعاد شبح الوهابية عن الخليج، فهل كانت بريطانيا تهتم بسلامة الاعتقاد؟! ثم لما خرج البترول في عبدان تحالفت مع الكعبيين السنة في عربستان لإبعاد الفرس أو كما قالت الهرطقة الشيعية من المنطقة!
وقد تحالف الغرب مع مسلمين في المنطقة وخارجها لرفع شعار التضامن الإسلامي ليكون حاجزاً ضد الشيوعية والقومية والبعث. وتحالفت أمريكا مع الخليج لإبعاد خطر الثورة عن الخليج، ومع العراق للقضاء على الثورة الإيرانية، ثم اتفقت مع إيران على عدم التدخل في العراق، عندما أرادت أمريكا إخراجه من الكويت وتدمير العراق. وكانت إيران مشلولة وقتها عن المشاركة، بعد الحرب العراقية الخليجية الأمريكية عليها، وفي الحرب التالية بين العراق وأمريكا كان واضحا قبل بدء الحرب أن الفائزين الوحيدين في المنطقة هما "إسرائيل" وإيران. وأن الحرب ستدمر اقتصاد دول الخليج وتحل بها البلاء.
"الحرب الطيبة"
... وما يخشاه الخليجيون من عودة الحراسة الإيرانية يبدو وكأنه أمر لا بد منه. ولكن خطر إيران اليوم أكثر من خطرها أيام الشاة، فالجديد هو ابنعاث فكرة أو عقيدة دينية شيعية جذابة لشيعة الخليج وزارعة للولاء واختراق النظم المحلية، وابنعاث فكرة سياسية ومذهب حريات وديموقراطية تخرب الهدوء والوداعة السائدة في الخليج، وتزرع بذور القلق والبحث عن نظم ذات احترام وتمثيل شعبي ومشاركة في صياغة القرار. وهذه عوامل لم تكن من قبل يوم كان الشاة قائماً كحارس مؤذ لكنه كان مقبولاً لأنه علماني بلا دين.
....
إستراتيجيات أغرب
كتبت ثلاث دراسات أخرى صدرت من مواقع مهمة عن باحثين في الخارجية وفي مجلس العلاقات الخارجية الذي يصدر مجلة الشؤون الخارجية تتوقع أن يكون في الجزيرة العربية ثلاث دول السعودية واليمن وعمان، فيكون هناك اليمن واحداً ـ والبحث منشور قبل توحيد اليمن ـ وعمان تدخل فيها الإمارات. أما السعودية فسوف تحتوي الكويت والبحرين وقطر([4]). وهذا يصنع منطقة أقل تكليفاً أمنياً وعسكرياً وأسهل للتعامل دولياً، وتمثل مواجهة ممكنة مع إيران أو العراق وقت الحاجة. ومن المهم أن نعلم أن هذه عمليات اختبار أو إثارة، قد لا تعني ما ينشر فعلاً، فحرية التفكير والجدل في المستقبل عند الغربيين تجعلهم يبحثون أبعد الاحتمالات وأقربها ويدرسون البدائل الممكنة، ويعدون لها الحلول الأنسب، حتى لا يفاجئهم حدث.
هل تغامر أمريكا بإعادة إيران للحراسة؟
الذي يبدو أن ذلك ممكن جداً، فأسلحة إيران لهذا العمل هي: دولة منتخبة قوية، وسلاح كاف ويمكن إغراؤهم بالمزيد من الغرب، وهامش عربي في الخليج متعب للغرب بإزعاجه وكلامه وصراعاته الصغيرة التي ليس وراءها شيئ وأمريكا تبحث عن التعامل مع دول إقليمية قادرة على تولي مسؤوليتها وإن شاركتها في المغنم والمغرم.
ومن العوامل المؤثرة التي سوف يكون لها أثرها المستقبلي على العلاقة بين إيران والولايات المتحدة ما يلي:
ـ حدود التدخل الأمريكي في الوضع الداخلي لإيران، فقد وعدت وزيرة الخارجية الأمريكية بعدم التدخل في السياسة الداخلية واحترام الموقف الإيراني من قضايا، ولكن هذا أمر مستبعد أن تفكر فيه أمريكا وهي التي ما فتئت تحرك الصراعات الداخلية في الدول كما تريد.
ـ علاقات إيران الخارجية وأذرعها الشيعية القوية، وبخاصة في مستقبل العراق ومستقبل حزب الله، وحدود النفوذ في الخليج. وهذه من وجوه النزاع بين الطرفين. فبقاء صدام يعطي فرصة أطول لمعرفة وتحديد البدائل المناسبة، وهو الآن خير نظام للغرب، ولاشك أن إيران أيضاً قد استفادت من بقاء صدام على هذا الحال، وعدم مجيء غيره.
ليس من حال لا يحول! فقد أعدت إيران للمستقبل العراقي بعد صدام ورسخت أقدامها في العراق خلال هذه السنوات العشر التي تلت الحرب بما لم يتيسر لها من قبل، وأصبح البديل القادم إيراني الهوى غالباً كما تقول أكثر التوقعات. وأمريكا تتعامل مع حقائق الواقع التي لا نرجوها بهذه الطريقة ولكن قومنا أضاعوا العراق ومستقبله بخدعة "علمانية المستقبل العراقي".
الصيف ضيعت اللبن ولكن بقي..
بعد استسلام العراق تتابع العرب الخليجيون، وحتى من قبل الهزيمة، في البحث عن الديل المستقبلي، فزعمت أمريكا أنها سوف تعطيهم عراقاً علمانياً متغرباً وصديقاً موثوقاً! وبعد عشر سنين لم يتغير شيء ولم تأتي العلمانية العراقية الأمريكية، وبقي صدام وشبحه مخيماً والاستغلال والحرب قائمة. بل الذي حدث أن إيران مدت أيديها لطلاب الحوزات وللسياسيين الشيعة، وفتحت جامعاتها ومعاهدها ومدارسها لشيعة العراق وأقامت حركة سياسية ودينية وزرعت الولاءات في كل مدينة، ولما هددت أمريكا بضربة نهائية لصدام مرة أخرى في عام 1999م هرب عدد كبير من سكان بغداد إلى القرى السنية لأنهم رأوا أن الشيعة سيأخذون بغداد حال حدوث أي اضطراب. فهم القوى التي قوي وعظم شأنها في عهد صدام الأخير.
أما العالم السني المجاور للعراق والذي يمثل العراق عمقاً وامتداداً لعشائره وقبائله ولدينه فقد ترك ما بيده من إمكان صناعة مستقبل العراق، أو المساهمة في صناعته، كما ينفع المنطقة عامة، ويفيد السنة في العراق بخاصة ويرسخ مستقبلهم المنشود، فقد كانت دول السنة المجاورة تملك أن تفتح الجامعات والمدارس في الداخل أو على الحدود العراقية للشباب السني العراقي الذي كان يهيم بلا مأوى ولا استقرار، حتى تشردوا أو رحمتهم أمريكا وكنائسها واستقدمتهم، وكان بالإمكان أن يكون لهم مأوى وعمل وبناء مستقبل سياسي وثقافي كبير في بلدهم، ولكن للأسف، فقد راهن الخليجيون بإلحاح غيرهم عليهم وبتوجهات النافذين على انتصار شراذم العلمانيين المتغربين، وأبعدوا الإسلاميين وأرهبت أمريكا قلوبهم من أن يقبلوا السنة في أي من جبهات المعارضة، وقد تحدث أحد كبار وزراء الخارجية الخليجيين عن توجيهات خارجية تمنعهم من القبول بالإسلاميين في أي بديل لصدام أو التعاون معهم. فكانت كل الجبهات المعارضة لصدام مرحباً بها ولو كان الحزب مكوناً من رجل وامرأته فقط، وكثيرة هذه الأحزاب الصورية والمخادعة كانت تتلقى مساعدات ومعونات سياسية ضخمة من الدول العربية ومن الغرب، وهي لا تقدر على شيئ في العراق مهما قل. وعدد هذه الأحزاب يزيد عن ثمانية وعشرين حزباً معارضاً أو مرتزقاً، وربما زادت الآن كثيراً. واستبعدت مجموعات إسلامية كبيرة ومعتدلة من أن يكون لها وجود في مستقبل العراق، رغم وجودها واعتدالها وتاريخها الطويل. ولم تكن هذه المجموعات أيضاً حريصة على أن يكون لها مكان في معارضات مصطنعة بلا وجود.
أما إيران فقد أحيت الأحزاب الدينية الشيعية، وأوجدت أحزاباً جديدة مهمة، وقادة المعارضة الشيعية أغلبهم في إيران وفي داخل العراق، وصوتهم وتهديدهم عال، والحكيم والبياتي من الوجوه التي قد يكون لها أثر في مستقبل العراق القريب.
والذي بقي
أما الذي بقي فهو الخروج من الوصاية الأمريكية على طريقة التعامل مع العراق، وقبل ذلك مع مجمل السياسة. أو التفاوض معهم بما يعطي هامشاً للحرية السياسية في التعامل مع المسألة العراقية، وهذه الدول المجاورة في الخليج لو صدقت مع الله أو حتى مع مصلحتها لما تابعت الغواية الأمريكية في تحديد مستقبل علاقاتها مع العراق. فالجزيرة والعراق ليستا مما يمكن لأمريكا أن تكون حائلة بيهما طوال الزمن، ومصلحة الجزيرة في عراق سني إسلامي. وأي دولة علمانية قائمة أو موعودة فهي مهددة بدولة دينية بديلة إما سنية أو شيعية. وإن الإسلاميين العراقيين إن لم يحكموا وإلا فإنهم على الأقل سيكونون عمقاً إستراتيجياً مواجهاً للنفوذ الإيراني، فكبوة العراق قد لا تطول، ولن يكون العراق صدامياً للأبد، ومستقبل الخليج السني يعتمد كثيراً على استقرار وسنية وقوة العراق مهما تكن الخلافات، ومشكلات حاكم ستكون عابرة مهما طال حكمه أو أثره في العراق أو خارجه، وسنة العراق اليوم وتاريخياً هم أتباع الإمام أحمد عقدياً. وناصروا التوجهات السلفية وتبنوا نصرتها وتوجهها في الشام والجزيرة، والألوسي أحد النماذج المهمة لهذا التوجه، كما أن الإخوان العراقيين المتأخرين أكثر تسنناً من إخوانهم في مناطق أخرى عديدة.
موقف الأمريكيين من العلاقة
ينصح الحكومة الأمريكية مفكرون كبار ومنهم من قضى خمسة وعشرين عاماً كجاسوس في إيران، وأجاد اللغة والثقافة ويتربع على مؤسسة مهمة تصنع أو تشارك في صناعة القرار، ويرى بعضهم أن العلاقة الجيدة الصريحة والمنفتحة مع إيران هي التي ستعيد للخليج استقراره. وهذا ما ينسجم مع مبدأ سابق جرى تحريره والحديث عنه مباشرة بعد استسلام العراق. وهذا المبدأ يقوم على أسس منها:
أولا: ضمان استمرار المصالح الأمريكية ويسرها، وعلى رأسها البترول رخيصاً، وضمان أمن "إسرائيل".
ثانياً: أن تكون علاقات أمريكا مع الدول القوية في المنطقة، وتجمع قواها الدبلوماسية والإستراتيجية في مراكز قليلة، ولا تبذر قواها المالية والسياسية والعسكرية مع الهوامش الضعيفة، التي تتعب أصحاب القرار الأمريكي بتعقيد وتفصيل إداري، وطقوس دبلوماسية ومشكلات داخلية وخصومات دولية عديدة لا فائدة مها، وتستنزف العلاقة معها وقتاً وجهداً وربما مالاً طائلاً. ولهذا فأمريكا يهمها قيام علاقة قوية مستقرة وآمنة مع أحد الأطراف في الخليج، يقمع نيابة عنها، ويروج لها، ولا يفاجئها بمغامر مجهول في ليل ولا نهار. ولا يتطلع لأكبر من دور الحراسة، بحيث يكون مستوعباً لدرس نورييجا ـ في بنما ـ ودرس صدام، ولا بأس بأن يكون لهذا الحارس نصيبه من الغنيمة، كما تفرض الحقائق الجغرافية السياسية ومبدأ المشاركة.
ثالثاً: بعض ملامح إيران أصبحت واضحة وبعضها لم تحسم بعد، لأن الثورة لم ينته موسمها، ولم تتحد الكثير من معالم التكوين القادم، وإن أمكن فيما يبدو تسمية بعضها ثوابت، أقرتها الثورة وانتصرت فيها مثل:
ـ إسلامية هوية الشعب والدولة، وهذه مسألة لم تعد منطقة نقاش في الشارع ولا في هوية الأمة، ويخدع نفسه من يفرق بين الليبرالي والمتدين في هذا فالليبراليون الإيرانيون على عكس من يحملون هذا الاسم في الغرب ومن تبعه من بلاد المسلمين، يقرون ويؤيدون إسلامية الحكومة وهويتها الدينية.
ـ الديموقراطية أو الشورى أي اختيار الشعب لحاكمه النابه المرضي مسألة أخرى حسمت.
ـ استقلال القرار من النفوذ الغربي أو غيره، وهذا من أهم أسباب الانفتاح القادم.
ـ انتهاج بناء الدولة الغنية والمسلحة، التي نفعتها العزلة والحصار والحرب في المقاومة ورغم كل الجهود الأمريكية للحصار والمحاولات لهدم الثورة ولكنها استقرت واستمرت واستطاعت أن تحول الكثير من السلبيات إلى إيجابيات.
ـ أن القوى والفئات السياسية في إيران أصبحت جزءاً من حكم شعبي متآلف لأنه يمثل الغالبية، وهو مرضي من قبل هذه الفئات غالباً.
ـ الثقة التي أولاها الشعب للحكومة وللمثلين المنتخبين تدل على نهاية وهم إسقاط الثورة بقوة غاشمة من الخارج، أو بعميل من الداخل.
لماذا المبادرة؟
لا ننسى أن أمريكا يهمها أمران: القوة في التفوق العسكري بيد والتفوق الديبلوماسي والمالي باليد الأخرى ولا يكفي أحدهما عن الآخر. وتعمل لضرورة بقائها وتفردها بهما، وقد استطاعت إيران رغم فقرها أن تبني قوة عسكرية، وأن تبدأ تصدير السلاح، وأن تجد في أواسط آسيا وفي إفريقيا وفي الصين مناطق للتبادل الجاري، أشعر أمريكا بأن هؤلاء القوم يقتطعون قطعاً من السوق كل يوم. وأن العزلة لم تحطمهم ولم تنه دورهم ووجودهم، بل تجاوزوا حواجزها نحو آسيا وأوربا وإفريقيا.
وبقاء الموقف الأمريكي هذا يعطي لأوربا والصين نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً قد لا تستفيد منه أمريكا في القريب وقد يضر جداً بمصالحها مستقبلاً فهذه الشركات الفرنسية تأخذ عقود البترول والطعام، وأمريكا لا تملك إلا محاولات تعد بفشل كبير مستقبلاً، فهذا السلام والهدوء الدولي لا يبشر القوى الدولية القديمة (أمريكا) بالخير القادم، فهو غالباً وسنة تاريخية: هدوء يصنع خروج القوى الكبرى من التاريخ، ولكن المستعمرات لا تراه، فهي مبهورة بشمس المدنية الغاربة، والمستقل تبنيه قوى أخرى لا تنتفع بقوتها ولا بعملها. وقد كان كرستوفر وزير الخارجية في الإدارة الأولى لكلينتون يقول: "أهم ما عرف في عمله أن أمريكا أقوى ـ لعله يريد في عيون العالم ـ مما تظن" فالمهابة والخوف المسيطر على العالم جعلهم يبالغون في قوتها.
وعامل آخر مهم هو التطور قد يحدث للقوة الإسلامية في وسط آسيا وحوادث الشيشان مؤشر مهم وما يمكن أن تجلبه هذه من مشكلات منها نشر الجهاد ضد المستبدين في المنطقة. فيتحدث تقرير الاستخبارات الأمريكية بصراحة عن مخاطر انتشار المجاهدين الشياشانيين وأنصارهم للجمهوريات الإسلامية وزعمائها مما يهدد حلفاءها ويهدد استثماراتها البترولية، ونضيف: أهمية الاستثمارات "الإسرائيلية" في المنطق. وقد افتتحت وكالة الاستخبارات الأمريكية مكاتب جديدة في أغلب العواصم المسلمة في وسط آسيا، وتحدث رئيسها محذراً من الخطر السني المتطرف على هذه الدول وعلى المصالح الأمريكية من أفغانستان والشيشان! ولم يذكر إيران.
ومع هذا فلا تثق أمريكا بعد بالثورة تماماً ولكن المؤشرات والنداءات تقول الآن أن هذا الموسم آت قريباً. فانتصار خاتمي ثم تأييد هذا بالتوجه الجديد يجعل إيران تتجه لعلاقة جيدة مع الغرب بادر بها خاتمي تحت شعار حوار الحضارات، ويغازل غربيون كثيرون إيران، ففرنسا محافظة على علاقة خاصة وألمانيا أيضاً، والدول الصغيرة في أوروبا.
النفعية
في إيران حاكم نفعي عملي (خاتمي)، يرى أن من المهم أن يقوم للنفعية سوق قوي وأنصار وزملاء وتلاميذ وهم ناجحون إلى الآن في توجيه مدرسة وحملة خاتمي، ومن قراءة كتابيه المنشورين بالعربية، وكتاب "الخاتمية" الذي يمثل هذا التيار يتبين هذا الرجل المتملص الذي يعرف ما يريد ويسعى له ويسخر الدين والفلسفة والعلاقة والثورة لهدفه، وعنده براعة في استخدام هذه المتناقضات، وتسخيرها لاستمراره ولاستمرار توجهه وأنصاره في الحكم، وهذا يمثل مرحلة جديدة في صعود الثورة نحو مرحلة أقوى وأكبر وأخلد في التأثير، أو سقوط مربع لهذه الجبهة على عتبة الصراع الفكري. وقد كان الغرب يحاول في الماضي أن يسقط الثورة من خارجها ولم يستطع فعدل إلى محاولة لإسقاطها من داخلها، باللعب بالصراع من داخله، أو فهم ما يتم والتعامل معه.
من مأمنه يؤتى الحذر
يتحدث خاتمي عن الانفتاح والحوار مع الحضارات وعينه على رغبات المتشوقين للانفتاح من الشباب الناخبين في الداخل، وعلى رضا أمريكا وغيرها في الخارج. وأمريكا سوف تفتح أحضانها لو جاءها، وتعطي المال الإيراني المحجوز في بنوكها، وستكون أمريكا أسعد لو اقترضت إيران من البنك الدولي، أو قدم لها البنك أي تسهيلات لمشاريع إنمائية واقتصادية كبيرة، ثم تدخل في ظلمات القروض وينتهي استقلالها. إن الدولار سوف يبذل رخيصاً لهم لو جاءوا، ولكنه سيكون ثمناً لما هو أهم منه، وسيكون آخر عهدهم بالاستقلال والحرية. والجيل القيادي يعي هذه الموازنة، ولكن الناخبين المؤثرين قد لا يعونها، وهذه من الصعوبات التي يواجهها أي نظام أو شعب طموح للكرامة والاستقلال في العالم الإسلامي في هذا العصر فماذا يصنع أمام بريق قوة دولية علمية مؤثرة، مسلحة ببريق السلاح والعدل والمال وشعوب العالم الإسلامي التي تنظر لنفسها فلا ترى إلا شعوباً أهلكها الاستبداد والجهل، وتعيش يومها قلقة بين دينها وهويتها وبين تبعية استعمارية مدمرة، لا ترضى بغير طريقها طريقاً: يقول مدير الاستخبارات الأمريكية جورج تنت: "كلما زادت قوتنا زاد الخطر علينا، نحن أقوى دولة في العالم، لكننا معرضون للخطر من الذين يختلفون معنا في المصالح والعقائد والقيم الأخلاقية". فإذا انتفت هذه الموانع رضيت عنهم أمريكا! قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}، ولكن حتى لو تحقق هذا فلن يرضوا كما يقول هذا المدير. ولن يكون المنفتحون الإيرانيون أرضى لأمريكا إلا عندما يكونوا خيرا لها من بدائل أخرى، أو تكاليف أكبر.
سيرة أمريكا مع أصدقائها
لم تبال أمريكا ولن تبالي مستقبلاً بخذلان من يرون أنفسهم أصدقاءها، فإن تبينت مصلحتها ذهبت معها فسياستها سياسة مقودة بمصالح مادية، وليس للدين والخلق فيها موقع كبير، وأصحاب التوجهات الدينية المحاربون في الكونغرس أو غيره، مدفوعون برغبات ناخبين متدينين، والدين لحماية المال والقوة، والضغط على المسلمين لأسباب دينية ظاهره يصحبه أيضاً رغبات استعمارية كامنة أو ظاهرة. فالكنيسة أو البعثة العربية التنصيرية هي التي قادت أو سهلت طريق أمريكا لبترول الخليج. والشركات الأمريكية الكبرى تقود الحكومة الأمريكية بالقوة لحماية مصالحها ولفتح الأسواق الدولية لها. فالشركات هي التي تصنع الأسلحة وتمون الحكومة والجيش وغيرها. والصداقات مع أمريكا تخضع للمال والقوة أولاً ولا يرون فيها ثبات فهي تموج موج المال.
والأصدقاء عليهم إدراك ذلك فحين انتهت صلاحية الشاة ولاح في الأفق بديل آخر أيدوه. ولم يفوا للشاة لحظة واحدة، ورموه من عرشه، فهو مد يديه يستجدي منهم أن يبقوه في المستشفى في نيويورك ولا يستجيبون، وهو الذي كان يدمره السرطان والخذلان، وزوجة الشاه التي كان يهتز لمكالمتها البيت الأبيض تقول كنت أحاول الاتصال بالبيت الأبيض فلا يرد علي أحد، ويتجاهلها حتى السكرتارية الصغار، ويقول لها موظف صغير في المستشفى في نيويورك: "أخرجيه! ـ يعني زوجها الشاه ـ فليس عندنا له مكان! المستشفى عندنا مزدحم"! لقد ضاقت أمريكا به، وضاقت الدنيا عن أن يكون له فيها سرير يموت عليه، ثم يقذفونه إلى المستعمرة بنما، فيهرب خائفاً ليستقبله السادات جثة مؤذية لمصر ولعلاقاتها، ولتزيد مصر في تاريخها فرعوناً ميتاً مستورداً. إن أمريكا تخضع كأي قوة لمن له هدف وغاية، وعنده ما يقوله وما يفعله وإن كان في جزيرة صغيرة جداً مثل كوبا، ولكنها تغالي في إذلال الضعفاء الجاهلين الخائفين، والهائمين على الدروب، بلا دين، ولا قيمة، ولا فلسفة للحياة، وإن كانت بلداً كبيراً: مصر أو إيران الشاه أو البرازيل. وتذل الذين يعبدون أنفسهم وشهواتهم، لأنها بضاعتها السهلة الرخيصة المصدرة، والمتوفرة لدى كل ضعيف، ووسيلتها لهدم الشعوب والقيم.
وجاء دور مجاهدي خلق وبدأ التلميح ثم التصريح باعتبارهم مجموعة إرهابية، وهي المجموعة التي احتفلت بها أمريكا وحلفاؤها سنين وزودتها بالمال، والتدريب، وبنت لها مؤسسة إعلامية قوية ومدربة. وتلقت مساعدات كبيرة لتطيح بالثورة. والآن يواجه مجاهدو خلق مصيراً أسوأ من مصير جبهة الإنقاذ الليبية وهذا يعني على المدى الأبعد أن أمريكا تنطلق من المصلحة الواقعية المشتركة مع إيران، وليس من خلال شخص الحاكم أو نظام الحكم المرغوب ما دام تغييره الواقع لم يعد ممكناً في المدى القريب. ويعني أيضاً ترك الجيران يواجهون مصائرهم وصراعاتهم وحدهم. وهم على أي مصير مستقبلي يواجههم سوف يبيعون البترول ـ وهم تحت الحماية الإيرانية أو الأمريكية ـ لمن يشتري وسوف يرضخون دائماً للضغوط الدولية والإقليمية، ماداموا قلة ضعيفة وجاهلة وممزقة. وسوف تصبح أمريكا الصديق البعيد والملجأ المحبوب وليس المستعمر الكريه، الذي لا تقف رغباته وإذلاله عند حد.
المودة الصعبة وسقوط المبادئ
حيرة أمريكا مع إيران كبيرة، واختيارها لهذا الطريق أذكى وأصعب، وقد تكون نتائج المغامرة القريبة معها احتواء القوة والصعود الإيراني، وتعطيل السلاح النووي الإيراني كما حصل مع مصر وغيرها، وإيقاف الاقتصاد النامي إذ بلغ النمو زمن رفسنجاني 3%، ولم يحقق كثيراً في زمن خاتمي، ويبرر هذا بأسباب منها تدني سعر البترول. ذلك في الزمن القريب، أما مع المستقبل البعيد فقد يتحقق عكس الطموح الأمريكي، فتصبح إيران مع الزمن هي القوة النافذة في الخليج ويخرج البعيدون ويصغر الصغار. وتشتري إيران لها في المنطقة حرساً، وتخرج أمريكا من الخليج مقابل اتفاق وعهود ليس بعيداً أن تكون "إسرائيل" طرفاً فيها، ولم لا؟! فليست قصة إيران "كونترا" بعيدة، وحدثت في ذروة العداء أو كلام العداء "الإسرائيلي" الإيراني والإيراني الأمريكي، وهذا المستقبل النفعي قد يتغلب إن لم يكن هو الغالب الآن.
صراع المبادئ والمصالح
الثورة الإيرانية اليوم تتجه للتعامل الواقعي، ولو على حساب المبدأ المكلف، فقد كانوا يحبون تصدير الثورة في زمن مضى يوم كانوا مولعين بأيديولوجيين نشطين، واليوم يرون تصدير الديموقراطية، ولكنهم غداً سيكتشفون أن هذه العنقاء أيضاً لا تصلح للتصدير، فهي تكريم لا يصلح للهُمَّل ولا للمستعمرات، وكلا الحرية والديموقراطية طعام سام يفتك ببطون أطفال السياسة. ولكنه إن تسرب لهم فإنه ينميهم فيكبرون ويتمردون.
ومن قبلهم أمريكا عندما كانت غرة صغيرة شابة فاتكة أصرت زمناً على تصدير ثورتها وحريتها، وتولع متولعون بجمهوريتها وديموقراطيتها في كل مكان، ثم فهم الأمريكيون الدرس بعد قرابة قرنين فتركوا الثورة واتجهوا للحرية والديموقراطية، ثم عادوا بتحريمها على القاصرين الذين لا يفهمون الحرية!
فالحرية والديموقراطية تعلم الصغار في المستعمرات التمرد، ولن تبقى مستعمرات عامرة، ولا أسواق حرة، ولا بترولاً موفوراً، ولا سوقاً للسلاح فانقلب كهنة الديموقراطية يحذرون من سحرهم القديم. لأنهم أدركوا أن الصغار يتعلمون بسرعة، وتجرأ منهم من يحاول سحب البساط من الكبار، بسرعة فائقة. فبدأ الكهنة يقيمون الحد على من يروج للحرية والديموقراطية، ويقلب السحر عليهم وقد فعل الإيرانيون فلا مناص من تحريم الحرية على غيرهم. إن الغرب لا يحب أن يحكم العالم الإسلامي إلا العساكر والجواسيس فقد أثبتوا كونهم خير حليف وسجان موثوق.
فهذه دولة الثورة والحرية أو ما سمي بالتنوير: فرنسا هي اليوم تقتل الجزائرين بجنودها الجزائريين لتحرم عليهم الحرية والديموقراطية! وأمريكا الرأسمالية تمنع حركة رأس المال الذي لغيرها حيث لا تريد، بل وتحجزه أمام أعين العالم وتقيم الحصار على دول عديدة تكاد أن تكون كلها إسلامية وتحرم الثورة والحرية ولديموقراطية وحقوق الإنسان على المستعمرات!
وجوه أخر للقوى القادمة
تركيا المجاورة بدأت تسبب قلقاً وشكاً كبيراً في مصيرها، مع أنها من أهم القواعد الأمريكية في المنطقة. كما أن دول أوروبا والولايات المتحدة لا تعرف الآثار الأبعد لقيام حكم أكثر عقلاً واعتدالاً مع الإسلام في تركيا، واحتمال اقتراب تركيا من الإسلام مسألة مخيفة للغرب، فتركيا ذات عمق عنصري ولغوي مع الجمهوريات الإسلامية في المنطقة الواقعة بين إسطنبول وغرب الصين تشترك معهم في اللغة والجنس، ولتركيا عمقها السني الأبعد، وبقاء تركيا وإيران مختلفتين ومتحالفتين مع الغرب أضبط لمستقبل الوجود الغربي.
وقد كانت أمريكا وأنصارها محظوظين بأن قامت الثورة في إيران ولم تقم في تركيا أو بلد سني عربي أو أعجمي آخر، ذلك أن إيران منذ تشيع قسم كبير منها قبيل الصفويين، ثم ألزم الصفويون لها على التشيع بالقوة، بدأت تحافظ على صياغة قومية خاصة للإسلام، فالتشيع والعنصرية الفارسية (الدين، واللغة، والجنس) ساعدتهم على التماسك وصناعة الهوية الداخلية لدولة قومية دينية، ولكن بالمقابل عزلتها هذه الهوية والخصوصية نفسياً ودينياً وسياسياً عن الجيران، ويمكن لهذه التركيبة أن تستخدم بطريق مختلفة. وأصبح من الممكن أن تقوم بدور قد لا يتفق مع مصالح دول العالم العربي والإسلامي المجاور، ويسهل عليها ربط مصلحتها بخصوم المسلمين بسهولة، تحت أي شعار أو مصلحة ضيقة لإيران "الفارسية الشيعية" وليس الموقف الإيراني من قضية الشيشان إلا مثالاً صغيراً في سياق قادم للعلاقات الإيرانية مع قوى دولية تنتفع إيران خاصة من العلاقات معها، وقد يخسر المسلمون كثيراً جراء تلك العلاقات.
.........
الذين يسارعون فيهم
عدد كبير من الكتاب الإسلاميين، الذين يستخدمون الخطاب الإسلامي لأنه السائد المنتصر، يسارعون في التعلق والتمجيد لإيران ومنجزاتها، وهؤلاء يغفلون عن حقائق مهمة عميقة في العقول والقلوب وفي الثقافة والاعتقاد وتاريخ المنطقة، وليس بإمكان أحد نسيانها أو تجاهلها، يدركها الموالون لإيران في العراق، والخليج، ويدركها الذي لهم صلة بالتجمعات الشيعية في مناطق عربية أخرى، من هذه الأمور الخلاف العقدي الكبير، والصنمية التي يغالي الشيعة فيها برفع آل البيت لها، واستخدام التشيع كسلاح قومي ضد العرب، ولا يجد حرجاً بعض من أصف منهم أن يذكره بصراحة وأن التشيع الصفوي ـ المتنفذ اليوم ـ مبني على العداوة مع العرب قوم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين. وأقاموا دينهم القومي([5]) (الإسلام الشيعي) الذي له مقدساته في قم وقبر الرضا ثم قبر الخميني، وما يتبعه الشيعة في كل وقت من زعامات، ويخلطون الإسلام بقومية صارمة، تناقضه. ثم إن عملية التمجيد هذه لا تزيد عن مظهر إعجاب لدى بعضهم غير ذي معنى ولا يمكن نقل هذه الأفكار لحيز التطبيق، وبالتالي تكون تمهيداً لزرع عقدة استعمارية جديدة دون وعي! مع ما تحمله أيضاً من فقدان للهوية الشرعية. والنظر الشمولي في الواقعة قد يساهم كثيراً في إدراك أحسن الطرق للتعامل معها. وليس هذا موطن نقد الموقف الإسلامي بطرفيه لأن هذا له سياق آخر.
إيران القومية الإسلامية أم الاستعمارية القادمة
ينمو الحس القومي الإيراني في مرحلة استقرار الدولة وانتصار الدين بشكل لم يعهد من قبل، فالمعرضة السياسية كانت تتخذ الدين وسيلة لمقاومة فساد السلطة وللمواجهة أما وقد أصبح الدين حاكماً فإن القومية الفارسية قد تكون ملجأ المعارضة، ففي العام الماضي ـ كما يقول أمير طاهري ـ لم يعد اسم علي وحسين أكثر انتشاراً، بل أخذ مكانهما اسم: "آراش" واسم "داريوش" اللذان يعودان لإيران ما قبل الإسلام، وكلمة "ميهان" التي تعني وطن وكان يراها الخميني وثنية عادت للاستخدام، بل وظهرت صحيفة يومية باسم "هام ميهان" التي تعني "الوطني". وتضاعف زوار قبر قورش ملك فارس وزوار آثار بيرسيبلوس أربع مرات بعد حكم خاتمي بين عامي 1997م ـ 1999م.
والملجأ الثاني الآخر لمقاومة السلطة ـ ولعله ظاهر الآن ـ هو التغريب أو ما يسمونه بالانفتاح. فهل سيكون هذا الانفتاح علمانية غربية؟ أم علمانية إسلامية وطنية؟ مسألة تستحق البحث والخوض في المجهول تماماً، غير أننا نطلق عنان التوقع لوضع يراه طائفة من الإيرانيين والفلاسفة الجدد مثل سروش أنه مجتمع يحترم الإسلام ويطبق منه ما يخدم مصلحته القومية ويجافي أي تحكم للمتدينين وأنصار ولاية الفقيه من الملالي ويعلمنون الإسلام من داخله، وهذا طرف فاعل في توجهات الرأي مؤثر في الواقع ومستنكر في العلن.
ستشهد إيران المستقبل صراعاً بين قوميتها ودينها، بين تشيعها ومناصرتها لبقية الشيعة وبين مصالحها كما في الخليج وفي لبنان. ثم ما بعد تلك المرحلة بين الثقافة الاستعمارية والشعارات الإسلامية. فالفرق بين إيران الشاة والإسلامية في المستقبل القريب قد لا يكون مختلفاً كثيراً في جانبه القومي السياسي، وسيكون العامل القومي هو من أهم المكونات القادمة للسياسة الإيرانية، وسيكبر هذا الجانب ويطغى على سواه. ويكبر الخلاف من أجله مع المجاورين العرب وغيرهم. وسيفتح علاقات أقوى مع خصومهم. فالجيل الذي لم يواجه العلمانية الإيرانية وخلاعة الشاة وعمالته لن يكون خطابه الإيديولوجي أقوى مما كان. ولن يكون خطابه الإسلامي أعلى من المصالح القومية القريبة العاجلة.
وهي سنة الله في نسيان الأجيال المتأخرة ما مر بسابقيها، وعمر رضي الله عنه قال إنما يحل عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية. ووجود أكثر من نصف الشعب الذي يقارب السبعين مليوناً هم أقل من الثلاثين عاماً في إيران لا يجعله يذكر الحروب ولا يذكر الشاه ولا الخميني، ولا يتذكر الصراع الماضي بين الدين والشاه، ولا يكره فكرة الاستعمار، وقد يقبل أن يمارسها أو أن تمارس عليه.
كما أن الحس القومي الفارسي والعنصري للدولة وشيعيتها مكونات مطلوبة لأدوار دولية قادمة يغفل عنها الجيران. فإيران المستقبل لا تريد للخليج أن يكون متديناً سنياً ولا حراً في قراراته. لأن صعود شأنه يبعث قلقاً كبيراً لها، وغفلته السادرة الآن خير مؤهل لأن يكون لإيران دور استعماري أكبر قريباً. ولن تستأذن أمريكا العرب عندما تتفاهم مع الفرس، وللفرس عمق ونصير داخلي شيعي في دول الخليج قد يستخدم دينه لمصلحة القومية الفارسية، وهو مكون كبير في العلاقات، وسيتعاظم دوره في مرحلة الهدوء والغفلة أو العلاقات الأكثر مرونة. وليس مما يمكن اعتباره ثانوياً في المعادلات السياسية لبعض مناطق الخليج. وسيكون موقفها من حريته كموقف القوى الطامعة الأخرى، التي تفيدها الديكتاتورية العلمانية والتبعية والغربية في المنطقة أكثر من سواها. لتكون القوة البديلة عن الغرب تحالفاً الآن وبعد رحيله المتوقع متصرفاً، فموقف أمريكا لم يتغير منذ زمن طويل ورأي نيكسون الشهير تتوارثه الإدارات اللاحقة: امرأة تتكئ على الذهب في الصحراء منفردة لن تعدم الغزاة. يقول مؤلف كتاب حراس الخليج: "والفترة الزمنية التي ستحافظ الولايات المتحدة خلالها على مواقعها في المنطقة سوف تتحدد على الأرجح بعوامل من خارج الخليج العربي. والوصول إلى مستودعات البترول هو في نهاية المطاف وسيلة إلى غاية، وسوف تكشف مجريات الأمور ما إذا كان الأمريكيون سيستخدمون نفط الخليج في تنشيط النمو الاقتصادي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين أم لا. فإذا لم يحدث فإن الأمريكيين سيكتشفون في يوم ما ـ ربما لن يكون بعيداً ـ أن دولة اوروبية أو آسيوية أو مجموعة من الدول سوف تتجه نحو تحقيق هدف أمني، تحل به محل الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً في المنطقة. ولكن إلى أن يجيء هذا اليوم فسيظل الأمريكيون هم حراس الخليج([6]). وفي حال فراغ المنطقة من الحارس الغربي النافذ، وعدم الرضا عن إيران هل تكون الهند هي البديل الآسيوي؟
ألم يأن لهذه المنطقة أن تتصالح مع نفسها ودينها وشعوبها، وأن تجعل لنعم الله العظيمة عليها أثراً يعود عليها بالخبر والعزة والمنعة، ولتتخلص من ربقة الغزاة والمحتلين منذ البرتغاليين إلى اليوم. إن المنطقة تملك كل مؤهلات العزة، ولكن المستعمرين في كل زمن يحذرونها من نفسها، فتكره قومها ودينها وتثق بالغرباء الغزاة، ويغرونها بشراء سلاحهم وإغناء أسواقهم بالشراء والاستيراد. وإنها ما لم تع وتعرف نفسها وتتجه للحق الذي تكرهه فسيبقى كل مستعمر يعدها بغيره، ويسملها لمن هو أقوى منه، والمستعمر القادم آسيوي قد تطول إقامته! وقي الله المسلمين من كل مكروه.
خطورة الفراغ الخليجي بإقصاء الدين
يلعب الخبراء والمستشارون والصحفيون ومؤسسات التفكير (think tanks)، دوراً كبيراً في صناعة القرار الغربي. والمؤسسات ذات حضور مهم جداً في قرارات الحكومات الغربية، وليست هذه المؤسسات موجودة في العالم العربي، لذا يضطر أصحاب القرار فيها أن يستسلموا لخصومهم الذين تتوفر لديهم هذه المؤسسات، أو أنهم بحكم عقدة الخواجة يفقدون الثقة في أنفسهم وفي مؤسساتهم، ولم يعودوا قومهم أن يكون لهم رأي مختلف مع السلطة، فإن ظلت فلا هادي لها وتتلمس الهدى عند من يود لها الخسارة والضلال. وفي العالم العربي يحرم التفكير في أمور الدولة، والوعي بما يدور، ودراسة الواقع والمستقبل جريمة تسمى تدخلاً في السياسة، فينتصر الوهم والخوف وضروب أشبه بالكهانة السياسية التي تخسر في آخر المطاف، لأنها تبدأ بجهل وتنتهي بهزيمة. وقد تقام في العالم العربي مهرجانات صاخبة لقطعان من المنتفعين وبقايا ممن يرون أنفسهم محترفي سياسة وهم جاهلون ومن مخلفات اليسار والقومية، وبقية المدارس الفكرية الخاسرة. وهذه طائفة جاثمة على القرارات ومصائر الشعوب ومؤهلاتها الوحيدة القدم وعدم الصلاحية للمغامرة السياسية والفكرية، وكراهية التوجه الإسلامي.
إن الخليج فيه أوضح ملامح الخوف من التفكير، فصاحب القرار لا يستطيع أن يبوح بحريته من الخطورة الأمريكية المفاجئة، ويخشى ذكر الحقيقة ونقاشها مهما تكن خارج إرادته، ويتوقع أن شعبه يظن فيه عبقرية لا مثيل لها فليسكت خوفاً من الانكشاف، أو أن يقال لقد وثقت بغير موثوق، وسيتبدل الوهم والأماني بالحقيقة، ويتعامل مع أمنياته وليس مع الحقائق الواقعة التي يستبعدها حتى تعبر عن نفسها. والمفكر أو العالم أو السياسي لا مكان له، فلو تحدث قيل هذا يطمح أن يكون ثائراً أو أن يكون "آية الله". فليقبض على جمر الغبن ويصمت، فقد قرر له الغزاة موقعه وأن يكون بعيداً عن المسيرة الفكرية والسياسية لبلاده، فحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس. فيكون الأمر للرويبضة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، والروبيضة لا يفهم ولا يسمح لنفسه ولا لغيره به. وحال الإسلاميين في هذه المنطقة من العالم أنهم إن قالوا المحال رفعوا الأصوات وإن قالوا الحق أطالوا الهمس. فأصواتهم مصادرة، وحقوقهم مستباحة، والمؤسسة الفكرية الإسلامية محرمة ومصادرة الحقوق يتزايد فيها تحكم السلطة، وملكيتها المركزية عودة لأسلوب روسيا والتركيز الشيوعي للسلطة مع أن هذا زمن التخصيص والحريات في كل جوانب الحياة سوى هذا.
ولكن العالم المتقدم يجلب الشعب للمشاركة السياسية، ويتمنى منه المساهمة في الفهم والتوجيه للسياسة ونقد السلطة. فالحكومة التي يكثر نقدها صراحة أقدر على الإصلاح، والسلطة التي يتزلف لها المتزلفون والمداحون الدجالون تبادلهم بمثل ما يبذلون وتتزلف لعدوهم كما يتزلف لها رعاياها.
لذا تعاني منطقة الخليج من الفراغ الفكري والسياسي، وهذا مما يساعد في ضعف البنية السياسية، ويزرع الخلل وعدم الثقة وسيطرة الخوف من الداخل والخارج، وهذه البنية هي أحسن الأجواء التي تمكن للمحتلين ولعشاق المغامرات الكبرى من المبادرة، بعد صنع التحالفات والمصالح للشاطئ الذي يتعود أن يكون "متصالحاً" مع الغزاة المختلفين، فتمزق هذه الجهة من الخليج سهل دور الغزاة في زماننا. ولا بد من وجود مجتمع مسلم متماسك، يسوده الدين والعدل والثقة، وبهذا يكون قادراً على مواجهة مشاريع الاستلحاق من القريب والبعيد.
ولم يعد ممكناً أن يقترح أحد على إيران إبعاد الدين عن السياسة، فهذا مكون من مكونات البلد التي تجاوزت النقاش، وشعار "احتشمي في طهران" يقابله شعار "ابتسمي في دبي"، وكريستيانا أمبور مراسلة سي إن إن تتحجب في طهران، وتخلعه على الشاطئ الغربي العربي. ومنع أمريكا الدول العربية أن تدخل السياسة في الحياة تطفيف عليهم، فأمريكا تعترف أن جمعياتها التنصيرية (البعثة العربية) هي التي فتحت لها باب الخليج: والعلاقات العربية البترولية يعود فضل إنشائها وهيمنة امريكا عليها إلى البعثة الأمريكية التنصيرية التي سميت بالبعثة العربية، كما يقول تشارلز هاميلتون "يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة العربية المبدع لما استطاع التجار الأمريكيون أن يشتركوا في استغلال مصادر البترول الهائلة في الشرق الأوسط([7])".
التقية إلى الشاطئ الآخر
إن علينا أن نتدبر بوعي ودون وصاية أثر إبعاد الدين وترسيم وتجميد المؤسسة الشرعية في الشاطئ الغربي، بينما يحكم التشيع الحياة في إيران، وتقوم حركة وثورة فكرية دينية وسياسية حرة مناصرة لطائفتها في كل مكان بدعم من كيانهم العقدي السياسي. وتناقش كل أمورها على الملأ دون إرهاب جاسوسي ولا خوف. ويأخذ رجالها مكانتهم بقدراتهم وجدارتهم بلا تنصيب من مستعمريهم. وهنا يجدر بمن يعي الأمر أن يدرك أن مفاهيم التقية قد غادرت مجتمعهم منذ ثورة مصدق 1953م ثم وقفة 1963م ضد الشاه، ثم أكدتها ثورة 1979م، وغادرت مفاهيم الضعف هذه إلى مواقع أخرى في أماكن أخر، إما شيعة يمتطونها ويتمسكنوا حتى يتمكنوا، أو سنة تلبسوا هذا المفهوم تاريخاً وعملياً بأسوأ تفسيراته، فهو أخطر عليهم من عقائد الإمامية الأخرى التي تسربت للسنة.
ما يعدكم الله
إن الله يعدكم مغفرة منه وفضلاً وعزة ولا يعدكم هؤلاء من النصارى والمنحرفة إلا الذل والقهر والاستعمار والتبعية، وهذا شأن عظيم رغم خصوصيته بمنطقة، إلا أنه يهم بقية الدول العربية والإسلامية المشرقية وغيرها، ومن شك فعليه بقصة الفاطميين فكرة ولدت في المشرق، ثم فرخت في الشام ثم قامت دولتها في الجزائر ثم حكمت مصر والشام والحجاز واليمن وغزت العراق في فتنة البساسيري الشهيرة. وللأسف فإن المعرفة والوعي تقود غالباً للتشاؤم، والتصرف الحق هو العلم والوعي ثم فعل الخير وتجنب المزالق، وقد أظهرت هنا جانباً مما يحدث أو يتوقع حدوثه، لائماً ومشيراً ومحذراً ومشفقاً، ومعرفاً بما يتم الآن من علاقات، لا دعوة للتشاؤم، بل توعية وقراءة في توجهات دولية يدور الحديث عنها لعل في ذلك بدء يقظة. إننا لم نر بعد أهدافاً لهذه الدول في قلب العالم السني، بلاد العرب المسلمين، ولم نر آمالاً لهم ولا أعمالاً لنتحدث عنها ولتكون بديلاً يتعلق به الناس فيها. ولم نرى منهم إلا محاولة الإسكات، وطلب الهدوء وأكل القوت وانتظار الموت. ولم نرد بهذا بذر الخوف ولا عدم الثقة، فمن يواجه هذا فعليه أن يكون واضحاً مع الواقع كما هو، ثم الإقبال على ذاته بالوعي والعمل لدينه وفتح مجالات الحرية والمزيد من العلم والاجتهاد والعدل والمزيد من الإعداد البشري كماً ونوعاً، للإنسان المسلم الواعي الحر الشجاع، فلا يحمي الذمار خائف، ولا يعز من قهر قومه، أو أخافهم، أو أذلهم، لأنه يبوء بها قبلهم، ويستولي عليها ذل الجاهلي من كل شيئ وعندما يتجه الناس للخير والإعداد، فآنذاك نتحدث عن بناء مستقبل. ويحسن بالمسلم أن يتفاءل ويعمل فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة. ولم يكن تفاؤله صلى الله عليه وسلم بارداً ولكنه يتفاءل في تنفيذ عمل معروف، وهدي قاصد محددة أهدافه وغاياته في الدنيا والآخرة. ولم يكن التفاؤل بالمعنى الميت الذي خيم على المسلمين المتأخرين، وهو أن تتمنى الخير وتأمله ولا تعمل له. أو تتفاءل بفعل السوء أو فاعليه، بل الفأل أساس التخطيط الإسلامي الصحيح. يسبقه ويعقبه ويصاحبه إخلاص ووعي وتفان في العمل. وهذه مسألة لا يصح أن تبقى في دائرة الصمت، فهو قرين الاستخذاء والهزيمة والعجز، والصمت قاتل العلم، وآفة الفهم، وما طال صمت قوم إلا طال ذلهم، وفقدوا حقوقهم، واستتبعتهم الأمم، نسأل الله أن يصرف عن المسلمين كل سوء، والله أعلم.
[1]) ) ـ من المناسب أن نشير هنا إلى أن الأفلام التي تنتج في الدول العربية تتعمد الحط من قيم المسلم وتهاجم دين الشعب ومقدساته من خلال وصم طائفة العلماء والمثقفين الإسلاميين والدعاة بالإرهاب، لأنهم دعاة حرية واستقلال، وحُفاظ على الكرامة والهوية، ويقوم هذا الفن الأجير على تزويق وتزيين المنافقين من العلمانيين المشوهين نفسياً وثقافياً والتابعين للغرب سياسياً، وجعلهم المثل الذي يتبع، وهنا نلاحظ كيف يتوجه الإعلام الواعي لمشكلات شعبه وبلاده مع القوى المحتلة الطاغية حتى تأتي راكعة. وكيف يلتف معقدون آخرون لجعل الإعلام مدمراً لدينهم، ومقسماً لشعبهم إلى طائفتين: إسلامي رافض للتبعية عزيز بدينه وكرامته وأمته فهو عدو متطرف مخيف، وبين موال متغرب مطيع فهو تابع لطيف قابل بالاحتلال لذا يوصف بأنه موثوق متحضر تقدمي!
[2]) ) ـ يتنامى التشيع والشيعة في سوريا بسرعة، ولديهم وضع سياسي واقتصادي وثقافي مميز تكلفه لهم الحكومة، ونشاط إيران السياسي والثقافي قوي ظاهر في دمشق وغيرها.
[3]) ) ـ نشرة "الشؤون الخارجية" (foreign affairs) أخرج هذا البحث فيما بعد على شكل كتب صغير عن مستقبل الشرق الوسط.
[4]) ) ـ نشر الدكتور عبد الله النفيسي تلخيصاً لهذه الرؤية في جريدة القبس الكويتية، وأثارت المقالات آنذاك جدلاً على مستويات عليا في المنطقة.
[5]) ) ـ كتب المستشرق الفرنسي هنري كوربان كتاباً قديماً مهماً عن هذا التطور، في مفاهيم الإسلام الإيراني، وقد ترجم بعض الكتاب الإنكليزية، وترجم للعربية أكثر من مرة، منها ترجمة سيئة لذوقان قرقوط، وآخر ترجمة للموسوي صدرت عن دار النهار هذا العام.
[6]) ) ـ مايكل أ. بالمر، "حراس الخليج: تاريخ توسع الدور الأمريكي في الخليج، 1833م ـ 1992م"، ترجمة نبيل زكي، ص 248.
[7]) ) ـ هاميلتون، "الأمريكيون والزيت في الشرق الأوسط"، ص11، انظر بونداريفسكي: "الغرب ضد العالم الإسلامي، من الحملات الصليبية حتى أيامنا"، طبعة دار التقدم، موسكو 1985م ص 72.