أبعاد الدور الإيراني في أفغانستان
مختارات إيرانية ـ العدد 99 ـ أكتوبر 2008
أ.د.محمد السعيد عبد المؤمن - أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس
عند تحديد أبعاد الدور الإيراني في أفغانستان ينبغي أن نضع عددا من التساؤلات، أهمها:
- ما مدى أهمية أفغانستان بالنسبة لإيران؟ سواء من الناحية الإستراتيجية أو السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية الثقافية؟
- ما هو حجم الوجود الإيراني في أفغانستان وتأثيره؟
- ما هو حجم العلاقات بين البلدين؟
- ما هي المشاكل التي تعترض هذه العلاقات؟
- ما هو هدف الدور الإيراني؟
- ما مدى تأثير وجود قوات التحالف على الدور الإيراني؟
- ما تأثير الدور الإيراني على مصالحنا في أفغانستان؟
هذه المجموعة من الأسئلة ينبغي أن نؤكد في البداية أن أفغانستان كانت جزءا من إيران حتى العصر الحديث وحتى التقسيمات الاستعمارية، كما أن العروق الأفغانية امتداد للعروق الإيرانية من بشتون وبلوش وتاجيك وهزارة وغيرها، فضلا عن الشيعة الذين يمثلون معظم سكان غرب أفغانستان، بمعنى أن علاقة إيران بأفغانستان تتجاوز المصالح إلى المشاعر الوجدانية، والنظرة للتقسيمات الاستعمارية أساس نظرة إيران لوجود الاحتلال الروسي ثم قوات التحالف في أفغانستان. ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقات المعقدة بين إيران وأفغانستان.
أهم ملامح الدور الإيراني هو موقف الوصاية الإيراني على أفغانستان، وهذه الوصاية من منطلق أن أفغانستان هي البلد الأولى بالرعاية من خلال الإحساس بفقد وضرورة استعادة هذا الجزء الحضن الأم. هل تعرفون ماذا يقول لنا الإيرانيون عن الأفغان؟ إنهم يتصورون أن كل أم إيرانية ولدت طفلا غبيا خافت منه فأرسلته شرق البلاد أي أفغانستان. بمعنى أن أفغانستان هي المنطقة الإيرانية النائية المحتاجة إلى الرعاية. (مع العلم أن الأفغان يقولون إن الله قد جمع أغبياء الآريين ووضعهم في إيران، حضارة أفغانستان أساس حضارة إيران، ولغة أفغانستان الدرية نسبة إلى (دربار) هي لغة ملوك إيران، والدم الأفغاني أنقى من الدم الإيراني، والأفغان أكثر إخلاصا للإسلام وأكثر فاعلية في بناء الحضارة الإسلامية والدفاع عنها).
نقول من خلال موقف الوصاية تتحرك إيران وهو يفسر تعاملها مع قيادات المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال الروسي، ومع طالبان خلال فترة سيطرتهم على أفغانستان، وتعاملها مع قوات التحالف عند غزو أفغانستان لإسقاط طالبان، ثم تعاملها مع الحكومة الأفغانية الحالية بقيادة كرزاي. تدعي إيران أنها لا تتدخل في شئون أفغانستان، ولكن الخط الأحمر الحقيقي لتدخلها هو مناطق تواجد قوات التحالف، لذلك فنشاطها في مناطق إقامة البشتون يتخذ طابعا طالبان، وهي تتمثل سوقا للسلاح لهاتين المنظمتين، وتشير الوثائق إلى ضبط شحنات من الأسلحة الإيرانية لدى المنظمتين، ومع نفي الحكومة الإيرانية بيعها للسلاح لأي من المنظمتين، إلا أن هناك مؤسسات غير حكومية تقوم بهذه المهمة، مع الوضع في الاعتبار أن الحكومة تسيطر تماما على عملية تصنيع السلاح والاتجار فيه، وليس هناك أي اختراق لهذا الوضع. وإن استخدام طالبان لأسلحة إيرانية مثل الكلاشينكوف والصواريخ المحمولة والألغام من طراز ازدها (الثعبان)، وتفضيلها على الأسلحة من مصادر أخرى يدل على رواجها في أفغانستان، وعلى رخص سعرها بالنسبة لجودتها، وملاءمتها للبيئة الأفغانية.
قبول إيران ملايين اللاجئين الأفغان في أراضيها خاصة في شرق إيران، وعلى الحدود مع أفغانستان التي تمتد 936 كم، ثم تقسيمها المحافظة الشرقية خراسان إلى ثلاث محافظات خراسان الشمالية وخراسان الجنوبية وخراسان الوسطى، وسيطرتها الكاملة على هذه المحافظات والحدود رغم ما فيها من مشكلات، كتهريب الأسلحة والمخدرات وإيواء العصابات يدل على ثبات الإستراتيجية الإيرانية تجاه أفغانستان.
خطة المساعدة التي تقدمها إيران لأفغانستان بموافقة الأمم المتحدة وقوات التحالف تمثل أكبر وأكثر الخطط تنظيما، وتتركز في منطقة غرب أفغانستان، وبشكل يجعلها امتدادا طبيعياً لإيران، سواء ما يتعلق باللغة والمذهب والبنية الاقتصادية والمجتمعية والثقافية، فضلا عن الفكر السياسي، والتشكيل الأمني والعسكري. وإيران تقوم ببناء البنية التحتية من خلال مشروعات المياه والكهرباء وخدمات المناطق الصناعية في هرات وما حولها، ومد الطرق، ومنها طريق الغرب وطوله 122كم، وحتى مشروع مد خط السكك الحديدية الذي يربط إيران بأفغانستان رغم ارتفاع التكلفة، لم يعترض إيراني على المساعدات الكبيرة التي تقدمها إيران لأفغانستان 250 مليون دولار لا ترد، و 250 مليون دولار أخرى في شكل تسهيلات على مدى خمس سنوات، بل إن المساعدات غير الحكومية من المؤسسات الأهلية والأفراد بلغت 45 مليار تومان إيراني، عدا المساعدات العينية، فضلا عن سعي إيران لمد خط أنابيب توصيل الغاز إلى تركمنستان عن طريق أفغانستان لتسويقه عالما، وهو مشروع مفيد لأفغانستان رغم مشروع خط الهند إيران.
كل هذا الإنفاق المباح يدخل ضمن خطة إستراتيجية بعيدة المدى لاستعادة أفغانستان أو أجزاء منها. ويؤيد ذلك التعاون الكبير بين التجار الإيرانيين والأفغان، والأسواق الحرة على الحدود، وحرية تنقل التجار بين البلدين، والتسهيلات النقدية والمصرفية.
إيران تتعامل مع كل التنظيمات الموجودة في أفغانستان الرسمية والشعبية والمحظورة أيضاً، تتعامل مع طالبان رغم موقفها السياسي من هذه المنظمة وتجعلها سوقا ومحلا للتجارب على أسلحتها الصغيرة، وتتعامل مع القاعدة رغم نفيها لأي صلة بينهما، لكن أسلوب التعامل يختلف من منظمة لأخرى باختلاف الهدف من هذا التعامل، فهذا التعامل ليس مفتوحا، وإنما في شكل صفقات بين الحين والآخر، حتى لا توجد وثائق يمكن الحصول عليها حول علاقة دائمة بين إيران وهذه المنظمات، وهناك مثل على تنظيم يطلق عليه الإيرانيون تنظيم الوهابيين، وهو تنظيم مذهبي سني متطرف، يجد دعما من بعض دول المنطقة، فإيران تحاربه مذهبيا وتحارب تشكيلاته التي لها أتباع داخل إيران، ولكنها في نفس الوقت تعقد صفقات مع بعض تشكيلاته التي يمكن تسميتها بالأفغان العرب، تتعلق بالرهائن وعمليات الاختطاف والإيواء والمقاومة العراقية. إن تعامل إيران مع التنظيمات الأفغانية يحقق لها أوراقا يمكنها استخدامها عند الحاجة داخل أفغانستان وخارجها، ويحقق لوجودها في أفغانستان نوعا من التوازن الأمني والاقتصادي، ويضمن لها عدم وجود جار قوي يصعب اختراقه أو يؤثر سلبا على الأمن القومي الإيراني، فضلا عن إشعار كل الأفغان أن إيران مازالت الدولة الأم لهم باختلاف توجهاتهم ومذاهبهم، وتستفيد في ذلك من التناقض في المشاعر الموجود بين بشتون أفغانستان وبشتون باكستان رغم أنهم الأقرب عرقيا.
المهاجرون الأفغان مشكلة لا تريد إيران حلها، هي تشكو منها للأمم المتحدة للحصول على المعونات، ولكنها بالنسبة لإيران ورقة رابحة، ففضلا عن أن هؤلاء المهاجرين يمثلون جسرا للتواصل بين البلد الفرع والبلد الأم، فإيران تستفيد من هذه الورقة سواء للضغط على الحكومة الأفغانية، أو دول التحالف الغربي، أو للاستفادة الاقتصادية المتمثلة في الحصول على عمالة رخيصة لمهن حقيرة، وسوق لسلع فائضة عن الاحتياجات الإيرانية، وحقل تجارب لمنتجاتها الجديدة، أو للاستفادة الأمنية باتخاذ عيون ومصادر للمعلومات، أو بتجنيد الأفراد تجنيداً مخابراتيا، أو بتجربة السياسات والأساليب الأمنية وتدريب قوات الأمن، في مواجهة الفتن الطائفية والعرقية، والحصول مجانا على كميات كبيرة من المخدرات بأنواعها للاستفادة منها في الطب والتجارب، ومن خلال الاستفادة الأمثل تكون إيران إحدى الدول المتميزة في مكافحة تهريب زراعة المخدرات مع وجود مجتمع المهاجرين في دراساتها الاجتماعية والنفسية والسكانية والتعليمية والاقتصادية واللغوية والأدبية، وتقوم بعملية إحلال منظمة بين هؤلاء المهاجرين، فتعيد البعض منهم إلى أفغانستان وتستقدم البعض الأخر وفق خطة مدروسة.
ما هو الموقف الأمريكي أو موقف قوات التحالف عامة؟
من الواضح أنه موقف متساهل مع وضع خطوط حمراء، هذا التساهل هو نوع من المكافأة لإيران على مساعداتها لقوات التحالف في إسقاط طالبان من ناحية، وتحمل إيران عبء اعمار الجزء الغربي من أفغانستان وتأمينه من ناحية أخرى، وجعل أفغانستان حقلا للتجارب في العلاقات الإيرانية الغربية من ناحية ثالثة. وإيجاد جسر ومصدر للمعلومات حول أساليب إيران وسياساتها من ناحية رابعة.
ما أهمية أفغانستان بالنسبة إلى مصر والعالم العربي؟
من أسف أن الأهمية الثقافية والدينية تسبقان الأهمية السياسية والاقتصادية والإستراتيجية للعالم العربي تجاه أفغانستان، في حين أن أفغانستان كانت في الماضي مصدرا دائما لخير الشعوب العربية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، الدول العربية جميعها لها الآن علاقات طيبة بأفغانستان حكومة وشعبا، ولكنها لا تستثمر هذه العلاقات لصالحها بصورة إيجابية لخير الطرفين، ربما تسعى بعض الدول العربية إلى أن يكون لها وجود في أفغانستان من خلال المساعدات التي تقدمها للحكومة الأفغانية، أو الجمعيات الأهلية أو الأفراد والمنظمات، بما يمثل نوعا من التأثير على السياسة الأفغانية التي تبدو مرتبطة تماما بالسياسة الغربية وخاصة السياسة الأمريكية، ولكنها لا تقف على قدم المساواة مع الوجود الإيراني في أفغانستان، فالوجود الإيراني له جذور طردت الجذور العربية، التي كانت له تجربة مماثلة لتجربة الأفغان العرب المعاصرة، ولكنها كانت تجربة رائدة في مجال التعليم والاقتصاد والإدارة والمقاومة، ولها إستراتيجية واعية قائمة على أساس الوحدة الإسلامية، والمصلحة العامة للشعوب الإسلامية، ولشعوب المنطقة عامة.
لإيران تحركات مدروسة في مقابل عشوائية التحركات العربية، وأحاديتها وضيق أفقها من جانب العرب، ربما يكون للوجود الإيراني قبول في جزء من أفغانستان، ولكن الوجود العربي له قبول كبير في كل أفغانستان، وهناك تجربة الأفغان العرب الإسلامية التاريخية، والتجربة المعاصرة التي لم تستغلها الحكومات العربية، فباتت مشكلة تؤرق هذه الحكومات، في حين أنها تدل على القبول الأفغاني للعرب من ناحية، وأساس للتعاون الإيجابي المثمر من ناحية أخرى، إن الدماء العربية التي سالت في أفغانستان واختلطت بالدم الأفغاني في ساحة الجهاد ضد المحتل وضد الكفر ولتثبيت الإسلام في أفغانستان كانت جديرة بأن توضع موضع التقدير والتقييم والدراسة لفتح مجال خصب لاستعادة أفغانستان الإسلامية، كعضو نافع وفعال في المجتمع الإسلامي، وسندا سياسيا واقتصاديا وأمنيا للدول العربية، إن فشل الدول العربية في الاستفادة من تجربة الأفغان العرب واستثمارها لصالحها، أدى إلى خسائر جسيمة دفعت الدول العربية تكلفتها الباهظة، وأفقدتها مصدرا عظيما للفرص، وإن اكتفاء بعض الدول بمساعدة الأفغان حكومة وشعبا مساعدة إنسانية إهدار لهذه الفرص، كما أن عدم استثمار الدول العربية لعملية غزو قوات التحالف لأفغانستان يمثل إضاعة للجهود التي بذلتها في المساعدة على إسقاط نظام طالبان.
ما هو المطلوب؟
المطلوب دراسة تجربة التعاون الإيراني الأفغاني والاستفادة منها، ولا مانع من التعاون مع إيران في مناطق غرب أفغانستان، والسعي لتحقيق وجود عربي في مناطق لا تصل إليها إيران، إن وجود حكومة مرنة في أفغانستان يسمح بتنظيم الجهود العربية تحت مظلة الجامعة العربية، لتحقيق أقصى استفادة من الأوضاع الحالية من خلال إستراتيجية عاقلة، تسعى لوجود حقيقي إيجابي للعرب في أفغانستان، وهو ما يمكن أن يحبط أهداف تنظيم القاعدة وتنظيم طالبان، ولا يسمح بتكرار سلبيات الأفغان العرب.
ما هو تأثير الوجود الإيراني في أفغانستان على الوضع الإقليمي؟
لاشك أن الوجود الإيراني في أفغانستان يمثل ورقة رابحة في يد إيران، خلال عملية تنظيم الشرق الأوسط الجديد، يمكن أن تساعد في أن تحقق لها دورا إقليميا متميزا، يفوق الدور الذي يمكن أن تلعبه أية دولة عربية أو حتى تركيا، ومن ثم يعطيها فرصة للمساومة في أغلب القضايا المعلقة بينها وبين الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وبينها وبين دول المنطقة العربية، وبينها وبين إسرائيل بما في ذلك الملف النووي الإيراني، كما يساعدها في دعم موقفها الأمني، ويوسع من قدراتها الإستراتيجية (ملحوظة: إيران سلمت عددا كبيرا من منسوبي القاعدة إلى دولهم).
ليس من المصلحة منافسة إيران في أفغانستان أو مواجهتها، الوجود هناك، لمصلحة التوازن الإستراتيجي في المنطقة.