د. مصطفي محمدي – كاتب من إيران
أثار التزوير الفاضح في الإنتخابات الإيرانية الأخيرة الشعب و كثيرا من رواد الثورة الذين كانوا يعدون من الرعيل الأول الذي رافق مؤسس الثورة و مرشدها؛ آية الله الخميني، ومات الرجل و هو عنهم راض!
وكشفت الأحداث عن الهوة الواسعة والإنفصام الكبير بين القادة وشعارات الثورة، وبين الشعب وطموحاته. وظهر للعيان ـ و لأول مرة بهذه الصراحة ـ أن الثورة كانت في عيون الشعب الإيراني بائسة بكل المعايير، وأن روادها استغلوا الشعارات الدينية وثقة الشعب فيهم، وتطاولوا في جرائم يندى لها جبين التاريخ المعاصر!
ففي ظل مجريات الأحداث طفح إلى السطح بعض ما نهبه القادة من أموال النفط، وكان أقلها مليار و6 ملايين دولار لمجتبى الخامنهاي ابن القائد الأعلى والمرشد الزاهد (!) في حساب له صودر في لندن، ومن أشهرها 18.5 مليار دولار تم القبض عليه في تركيا، وقيل أنها كانت للقائد الزاهد نفسه!
غير نهب ثروات بيت المال، واستغلال السلطة وحصرها في عدة عوائل، والرشاوي، والتزوير، والكذب، والخديعة، والخيانة في حق الشعب وثوابته وغير ذلك من القضايا التي جرحت مشاعر الشعب، كانت الطامة الكبرى التي عدت قاصمة الظهر لكرامة الشعب الإيراني وهيبته وأصوله و ثوابته تلك الفضائح التي ظهرت خيطها من سجن الحجز الإحترازي "كهريزك"!
فضائح "كهريزك" فاقت فضائح سجن أبوغريب في العراق والسجون الأمريكية في أفغانستان وغوانتانامو في بشاعتها ورذالتها، فقد كان أول ما يستقبل به ( من يتسمون بجنود الإمام المهدي) المسجونين هو التعدي الجنسي عليهم، سواء كانوا رجالا أو نساء، أو شبابا أو شيوخا، وحتى لم يسلم من شرهم الأطفال! و قد قتل تحت شتى ألوان التعذيب وانتهاك الأعراض عدد كبير من المسجونين دفنوا في المقابر الأمنية ( والتي تسمى جنة الزهراء!) ولم يعرف أسر الضحايا من أمر أولادهم إلا عنوان القبر الذي أرسل لهم عن طريق البريد!
ولعله لم تكن لبشاعة هذه الجرائم أن تظهر في ظل هذا النظام الأمني والديكتاتوري المذهبي، لو لم تتعدى الخطوط الحمراء ولم يصل دخانها نيرانها بيوت السادة! فقد راح ضحية هذه الجرائم البشعة "محسن روح الأميني" ابن عبد الحسين روح الأميني "المشاور الأول لأمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، وأمين عام حزب العدالة والتوسعة"، وقاد حملة الدفاع عن الأعراض المنتهكة في هذا السجن حجة الإسلام مهدي الكروبي "رئيس البرلمان سابقا لفترتين، ونائب الرئيس لثلاث فترات متوالية، من أعضاء شورا مراجعة القانون الأساسي للنظام!".
دوي الموقف حرض كثيرا من الشباب والفتيات وحتى كبار السن الذين انتهكت أعراضهم أن يفشوا أسرار ما جرى لهم وراء القضبان الحديدية، مما رفع الأقنعة عن الوجوه الظلامية، و انكشفت عورات السلطة وعلماء الدين و تجار المذهب، وانهارت قدسيتهم وتزعزعت شرعيتهم، مما جعل الخامنئى يتدخل بنفسه ويأمر بإغلال سجن الحجز الإحترازي "كهريزك"!
أغلق "كهريزك"، واعترف ببعض تلك الجرائم البشعة، لكن لم يعاقب أحد من المسئولين!
لكن كان هذا سجنا واحدا، فما بال السجون الأخرى، أكانت الجرائم ترتكب في هذا السجن فحسب، أم أن السجون كلها على هذه الشاكلة لكن من سوء حظ هذا السجن أنه شهد مقتل عدد من فلذات أكباد السادة!
وماذا يجري في سجون سائر المحافظات؟!
بل وماذا يجري في سجون المناطق النائية التي تضعف فيها هيبة القانون بقدر ما يقوى هيلمان الأمن، وعلى وجه الخصوص مناطق أهل السنة كبلوشستان وكردستان التي تشهد بعض الإضطرابات حينا بعد حين، والتي ضربت عليها الأحكام العرفية من زمن بعيد؟!
موقع "روز آنلاين" استضاف عددا ممن افرج عنهم أخيرا من سجن "اوين" في طهران، والتقى مع "علي أكبر موسوي خوئينيها" من اعضاء البرلمان في المجلس السادس، والذي زار عددا من السجون في الفترة التي كان في سلك الدولة. ثم قدم الموقع تقريرا عن ثلاثة أجنحة من هذا السجن وهي؛ (جناح 2/أ للحرس الثوري، جناح/209، و جناح/240)، نضع بين يديك مقتطفات منه...
يعد جناح 2/أ للحرس الثوري (سباه باسداران) في سجن "أوين" أوحش وأرعب السجون في إيران. خصص هذا الجناح لجيش الثورة بعد ما ضغط البرلمان السادس على النظام لإغلاق السجن الجهنمي الشهير في "عشرت آباد". وهذا الجناح استضاف معظم المعارضين السياسيين ورجال الإعلام الذين تم القبض عليهم بعد انتخابات (حزيران/ يونيو 2009) الماضي.
كشف من خرج حيا من وراء قضبان هذا السجن الجهنمي لموقع "روز" أن في هذا الجناح (2/أ للحرس) تزول الأسماء عن الأشخاص، وينادى السجناء بالأرقام، ولا تلمس شيئا من المعاني الإنسانية هناك. يدخل السجين دون أن يعرف الإتهامات الموجهة إليه، ويفترسه الجلادون كالوحوش الضارية دون أن يدروا التهم الموجهة إليه، والمطلوب من المتهم أن يفتري على نفسه بالتهم!!.. المرء في هذا الجناح عدو للثورة وعميل للدول الأجنبية، ما لم تثبت براءته، وكثيرا ما يسبق الأجل البراءة!
قال غير واحد ممن تم الإفراج عنهم: في منتصف الليل كان الجلادون يهجمون علينا في الزنازين ويخرجوننا للتحقيق، ويضربوننا بالسياط ويركلوننا ويدفعوننا والأغلال في أرجلنا وأيدينا، ويقذفوننا بأشنع الشتائم وأقبح الفحش، ويجبروننا على الإعتراف أو الإقرار بالفساد الأخلاقي وانتهاك الأعراض، ويسجلون كل ذلك ويصورونها، ثم يهددوننا ببثها على مواقع الإنترنت ويخوفوننا بقتل أسرنا وإحضار نساء العائلة وانتهاك أعراضهن أمام عيوننا...
أما عن النظافة والصحة فحدث ولا حرج، ليس في الزنزانة الإنفرادية إلا بطانية في غاية الوساخة، تفوح منها رائحة البول، وعلبة وسخة لشرب الماء، فلا غرابة في أن يصاب السيد "ميردامادي" بإلتهابات في الكبد، ويصاب السيد "نبوي" بنزيف والتهاب داخلي!.. هذا الجناح يعرف في السجن بالمقبرة السرية!
في هذا الجناح كذلك مثل جناح/209 ليس هناك جرس لإخبار الحراس لقضاء الحاجة، وإنما هناك ورقة تخرجها من تحت الباب، وإذا ساعدك الحظ ومر الحارس من هناك ورأى الورقة وأراد أن يستجيب لطلبك قادك إلى المرحاض! ولذا كثيرا ما يضطر السجين أن يقضي حاجته في زنزانته..
قال أحد المسجونين ممن كانت آثار التعذيب على جسمه وروحه بادية للعيان: كانوا يجبروننا على تناول أقراص طبية قبل التحقيق، فما كنا نشعر أبدا ماذا نقول أو نكتب أثناء التحقيق، إلا أننا كنا نشعر بشيء من السعادة والراحة، وكنا نضحك كالمجانين، وبعد ذلك كنا نصاب بذبول ويأس شديد، وتبدأ عوارض النسيان تغلب علينا، فننسى الكثير والكثير.
هناك غرفة الموت، يجبرون السجين أن يمر على الأشواك الحديدية ليصل إليها، والغرفة في الطوابق العلوية وهي عبارة عن ثلاثة جدران، والجهة الرابعة مكشوفة على هوة كبيرة، ويشعروننا بأنهم سيلقون بنا من هناك، وقد حان وقت الموت! و يتركونك في هذه الغرفة لوقت طويل لترى الموت أمامك..
يقول علي اكبر موسوي خوئيني "عضو البرلمان السادس"، بأن جناح 2/أ في الواقع هو سجن 59 الذي كان في مقر "ولي العصر" ـ عشرت آباد ـ و التي أغلق بعد متابعات وجهود قدمها البرلمان السادس، فيبدوا تم نقله إلى هذا الجناح من سجن أوين الشهير في طهران.
وقياسا على هذا يتكهن المحللون بأن سجن "كهريزك" الجهنمي، الذي أغلق بأمر من المرشد والولي الفقيه في يوليو الماضي، لم يغلق تماما وإنما نقل ليكون جناحا خاصا في إحدى السجون الكبيرة..
قال هذا النائب البرلماني السابق بأن الحكومة لا تصغي لنصائح المنصفين ولا لشكاوي الناس ولا تتحرك إلا بعد أن تطفح الفضائح وتفوح رائحة الجرائم، ثم يثور أعمدة النظام و يقولون: لماذا تلطخون قداسة الثورة! وتنالون من سمعة النظام! وقال: فاجئنا أحد الطلبة الجامعيين ممن كان مطلوبا لدى الحرس الثوري (سباه باسداران) وطلب منا بإلحاح شديد أن نطلب ـ بما لنا من الحصانة الدستورية، والسلطة القانونية ـ من وزارة المخابرات أن تقبض عليه حتى ينجو من ملاحقة الحرس الثوري ومن سجونه.. وهذه نكتة مبكية و مؤلمة في عصرنا هذا...
جناح 209 وجناح 240 من سجن أوين
جناح/209 يتعلق بوزارة المخابرات، ويستضيف معظم المسجونين السياسيين ورجال الإعلام في السنوات الماضية.
"جيلا بني يعقوب" و "شيوا نظر آهاري" من ناشطي حقوق البشر خرجتا أخيرا من هذا الجناح الذي يقال عنه: الداخل فيه مفقود و الخارج منه مولود!..
تحدثت السجينتان عن طرق التعذيب، والشتم والركل والضرب، والنجاسة في هذا السجن بما يشيب من هولها الولدان.
قالت السيدة "نظرآهاري" بأن قانون السجن يسمح للسجين أن يستحم ثلاث مرات في الأسبوع، ولكن يحرم السجين من هذا الحق القانوني له، بل وكثيرا ما يحرم من التمتع بفترة الخروج لمدة قصيرة إلى الهواء الطلق.
قالت الناشطة في حقوق البشر بأن في الأجنحة العامة للسجن يلبس السجناء ملابسهم العادية، ولكن في جناح/209 كانوا يلبسوننا زيا وسخا تفوح منه روائح النجاسة وتظل هذا اللباس لدى السجين حتى يفرج عنه أو يسبقه أجله!
وقالت بأن كل زنزانة من هذا الجناح يخصص لـ5 إلى 6 أشخاص، أي لكل شخص نصف متر من مساحة الحجرة! والأمر في القسم الرجالي أدهى وأمر إذ يوضع في كل زنزانة 7 أشخاص.
شكت السيدة آهاري عن شدة البرد في الشتاء، وشدة الحرارة في الصيف في هذا الجناح، لكنها قالت بأن السجناء الذين كانوا ينقلون إلى هذا الجناح من جناح التحقيق ( الغرنطينة) أو الجناح العام كانوا يشكرون الله، ويقولون بأن جناح/209 أفضل بكثير من تلك الأجنحة! و ذلك لأن هناك لا يفرقون بين المساجين؛ فالقاتل والزاني والسكران والسارق وقاطع الطريق والسياسي وعالم الدين والأستاذ الجامعي وكل ألوان المسجونين يوضعون في زنازين موحدة، مما يؤدي إلى أضرار نفسية عميقة في السياسيين..
زادت الكاتبة "جيلا بني يعقوب" على ما قالته زميلتها: بأن الشمس لا تدخل أبدا في زنازين جناح/209، و كثيرا ما يحذف السجان فترة الإستشمام والخروج إلى الهواء الطلق من برنامج السجناء، ويظل السجناء في هذه الحجرة الصغيرة لفترات طويلة دون أية حركة. وهناك نافذة صغيرة للهواء في كل زنزانة، وكثيرا ما يعذب الجلادون السجناء بإغلاق هذه النافذة كذلك، فتصبح الزنزانة و كأنه برميل مغلق يصعب التنفس فيه.
ذكرت السيدة "بني يعقوب" بأن هذا الجناح خصص ليبقى السجين لفترة وجيزة فيه، ثم يتم الإفراج عنه أو ينقل إلى أجنحة أخرى، لكنني رأيت أناسا كانوا هناك منذ أكثر من 17 أشهر.
ذكر "علي أكبر موسوي": مع أن الوضع في جناح/209 أفضل بكثير من جناح (2/أ)، إلا أنه لا أثر للقانون في هذا الجناح و جناح/240 على وجه الخصوص. وقال بأن جناح/240 لمخابرات الأمن، وأحيانا يخصص بعض زنازينه للأجنحة الأخرى، فمثلا كثيرا ما يسجن علماء الدين في زنازين من هذا الجناح أيضا.
تعتبر إيران في القوانين الدولية لحقوق البشر من أشد الدول التي تنتهك حقوق البشر، مع أن القوانين الوضعية للدولة تراعي بعض الحقوق للمتهم والمجرم إلا أن تجارب الحكم في السنوات الثلاثين الذي يرفع النظام اسم الإسلام ويهتف بشعارات العدالة والحرية تتسم بدرجات عالية من انتهاكات حقوق البشر مما لا نجد له مثيلا حتى في الدول الشيوعية، أمثال الصين والإتحاد السوفيتي، ناهيك عن أمريكا و الدول الإستعمارية الأروبية!
هذه حكاية السجون المعروفة، وقد زاد الطين بلة حكاية مراكز التحقيق التي شكلت بعيدا عن أعين القانون المغمضة، فلكل أجنحة من المخابرات سجن خاص للتحقيق، وقد تم إغلاق الكثير منها في عهد الدولة السادسة إلا أن كثيرا منها مازالت تمارس نشاطها بعيدا عن جميع الأعراف والقوانين المعترفة بها، ولو شكليا. مثل؛ سجن التحقيق لمخابرات شرطة طهران (شابور)، سجن مخابرات الجيش، حجز أماكن، حجز مخابرات وزارة الدفاع المشهور بـ 64، حجز مخابرات الأمن، حجز مخابرات الحرس الثوري، حجز الأمن الوقائي لمخابرات الحرس، حجز التحقيق في مدينة الري، حجر قسم متابعة المخدرات في مدينة الري، حجر بليس 160،حجز مخابرات مدينة ورامين، حجز مدينة شهريار،حجز متابعة المخدرات في مدينة شهريار، و حجزالعدل في جناح/7 من محكمة الثورة، و.... و غيرها من السجون التي تعمل بعيدا عن عيون القانون العمياء، و تمارس أنشطة غير إنسانية، والتي عبرت عنها جريدة "خبر": سجون الحجز الإحترازي التي تختفي إدارتها وراء هالة من الإبهام!..
لا تشرف على هذه السجون مؤسسة رقابة السجون. و كثيرا ما تتشكل في الأماكن السرية بعيدا عن كل العيون!..