التقية أولاً
السبت 19 ديسمبر 2009

 يحي بو زيدي - باحث جزائري

خاص بالراصد

 تعتبر الازدواجية من أهم سمات الثقافة السياسية الإيرانية، وتناقض المواقف في تصريحات القيادات الإيرانية وأحيانا عند نفس الشخصية السياسية من العوائق التي تحول دون فهم دقيق للسلوك السياسي الإيراني، لأنها تثير  الكثير من الغموض لدى المحللين السياسيين وتعكس وجود ما تخفيه إيران ولعل هذا من أسباب انعدام الثقة بين الإيرانيين والغرب حول الملف النووي.
هذه الازدواجية لها سند شرعي عند الشيعة  يتمثل في "التقية" التي تعد من أهم ركائزهم العقدية فهي واجبة ولا يجوز تركها إلى يوم القيامة، وإن تركها بمنزلة ترك الصلاة، وأنها تسعة أعشار الدين، ومن ضروريات مذهب التشيع، ولا يتم إيمان الشيعي إلا بها، وهي ضرورة في ذاتها، وتستعمل مع مخالفيهم من المسلمين وغيرهم.
فرووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه وبقية أهل البيت رحمه الله روايات كثيرة تمجد التقية وتؤيد اعتقادهم فيها، وجل علمائهم قديما وحديثا يقولون بذلك بل وقد ذهب البعض منهم إلى التأصيل لها في علم النفس وعلم الاجتماع.
هذا كله يبين أن استعمال التقية لا يقتصر على تعاملهم مع الغرب وإنما مع كل من يخالفهم من المسلمين.
ولذلك يطالب علماء أهل السنة الشيعة بنبذ " التقية " حتى تقوم الوحدة الإسلامية على أسس صحيحة وثابتة، أما الحديث والمطالبة بوحدة إسلامية والشيعة تمارس التقية في عقائدها ومواقفها فهذا نوع خداع وقبوله جنون!!
ولكن بعض الحركات الإسلامية السنية ترى استحالة تحقيق هذا المطلب لأن الخلافات المذهبية ( وهو التعبير الدارج في أدبياتهم، حيث أن مصطلح مذهب يخفف من حدة حقيقة الخلاف مع التشيع الذي يقوم أصلاً على الإختلاف في الأصول الإعتقادية ) موغلة في التاريخ ولا يمكن تغييرها وكل المحاولات في هذا المجال السابقة باءت بالفشل، لذا ترى هذه الحركات الإسلامية أنه لابد من البحث عن القواسم المشتركة بيننا ونبذ التطرف والتعصب، وفي المرحلة الحالية تشكل القضية الفلسطينية ومواجهة الصهيونية والغطرسة الأمريكية هدفا نشترك فيه مع إيران والأفضل لنا التوحد تحت هذه الراية.
يعتبر البعض أن هذا الطرح مقبول ومقنع، ولكن هل من ضمانات تؤكد أن إيران تقف حقيقة ضد أمريكا والصهيونية، لأن الوقائع السياسية بينت أكثر من مرة أن إيران تهدف من معارضتها للمشروع الأمريكي والصهيوني إلى أن تكون أكبر قوة إقليمية في المنطقة،  وأنها إنما تطالب أمريكا والغرب بالاعتراف بدورها في المنطقة، ولتحقيق ذلك تستغل كل ما هو متاح بيدها من أوراق ضغط بما في ذلك القضية الفلسطينية، التي توظفها إيران في المزايدات الإعلامية والتثوير ضد الأنظمة العربية، إضافة إلى استخدام القوى الشيعية في الوطن العربي وعلى رأسها حزب الله.
وقد يجادل البعض ويقول بأن دعم إيران لحزب الله يأتي في سياق وقوفها ضد الصهيونية، ولكن ماذا نقول عن دعم إيران للحوثيين في اليمن ؟ وهو بدون شك لا يصب في صالح الوحدة الإسلامية، بل بالعكس هذا الدعم للحوثيين هو يخدم المشروع الصهيوأمريكي القائم على التجزئة والتفتيت والذي تحذر منه إيران!!
هذا من جهة ومن جهة ثانية هناك سوابق تاريخية تؤكد إمكانية عقد صفقة أمريكية إيرانية  لخدمت مصالح الطرفين، ولا يستطيع أحد أن ينكر الدعم الإيراني لحكومة الاحتلال في العراق وتصريحات أبطحي التي أكد فيها دعم إيران للاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق. فضلا على أن نتحدث عن عدم دعم المقاومة في العراق بل تشويهها!!
كل هذا يقودنا على الأقل لطرح سؤال مفاده: ما هي الضمانة أن موقف إيران ضد الصهيونية وأمريكا ليس سوى إدعاء وتقية ليس إلا ؟
وإيران في كل يوم تؤكد على البعد الشيعي في سياستها، ومن أخرها تصريحات نجاد بقرب ظهور المهدي، فلماذا لا تنتبه هذه الحركات الإسلامية للبعد الشيعي الديني في سياسة إيران وهي تصرح بها علناً ودوماً !!
وحتى عزمي بشارة  في كتابه "أن تكون عربيا في أيامنا"  يحذر من الثقافة السياسية الكلامية التي تغفر حتى لمن يتآمر على المقاومة إذا طرح فقط تصريحا لصالحها، ويحذر من السكوت على من يدعم المقاومة ولو كان الدعم بالكلام فقط.
قضية التقية قضية مركزية في الفكر الشيعي والنظام الإيراني، وبما أن الخميني نفسه قال: "إن التقية حرام، وإظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة"، فقد يظن البعض أنه سيكون من السهل أن يتنازل الشيعة عن التقية حتى يطمئن أهل السنة والجماعة لهم، ولكن الخميني يناقض نفسه حيث يقول في موضع آخر: "وترك التقية من الموبقات التي تلقي صاحبها قعر جهنم، وهي توازي جحد النبوة والكفر بالله العظيم"، وهكذا عندنا من جديد لا نعرف ما هو الموقف الحقيقي وما هو موقف التقية!!
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: