علي حسين باكير/ باحث في العلاقات الدولية
خاص بالراصد
في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر 2009، أعلن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، عن الوثيقة السياسية التي أصدرها المؤتمر العام للحزب. وتعد هذه الوثيقة الثانية بعد البيان التأسيسي الأول الذي أطلق في العام 1985 تحت عنوان "من نحن وما هي هويتنا" والذي اعتبر بمثابة الوثيقة الأولى.
ولا شك أنّ إصدار "الوثيقة السياسية للحزب" في العام 2009، إثر العديد من التحليلات والتكهنات حول طبيعة التحولات والتوجهات الحالية والمستقبلية للحزب، وقد تحدّث كثيرون في لبنان عن انّ هذه الوثيقة الجديدة بمثابة إعلان لبننة للحزب وتمهيد لانخراطه الفعلي في الدولة. لكنّ هذا الانطباع غير صحيح، وهو مبني على تمنيات وأهواء وليس على أسس فكرية ودينية وسياسية يعبّر عنها واقع الحزب وحقيقته، فالأقرب والأصوب القول بما يعكسه واقع الحال اليوم بأنّ لبنان يتّجه نحو "الحزبنة" وليس أن الحزب يتّجه نحو "اللبننة"، وحتى ولو اعتبرنا انّ الحزب يتجه نحو اللبننة، فإن في هذا القول اعترافاً بأنّ الحزب لم يكن يوما لبنانيا "من زاوية التبعية العضوية لإيران" وهو أمر رفضه ونفاه هؤلاء الذين يقولون إنّ الحزب يتجه إلى "اللبننة" اليوم.
على أيّ حال، نسعى في هذا المقال إلى تسجيل بعض الملاحظات على نص "الوثيقة السياسة" التي أعلن حزب الله عنها مؤخرا، ذلك انّ إعداد قراءة حول الوثيقة يحتاج إلى عمق والى تفصيل.
بداية نركز على أنّ هذه الوثيقة جاءت تحت إطار ومسمى "الوثيقة السياسية"، أي أنّ الحزب قام وعلى عكس الوثيقة الأولى بإخفاء طبيعة وحقيقة علاقته الدينية بإيران، والولي الفقيه تحديدا، والتي يتفرع عنها كافة العلاقات الأخرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فالتبعية العضوية لإيران والولي الفقيه هي التي تحدد طبيعة توجهات حزب الله، وإخفاء هذه المسألة لعله يعود إلى الانكشاف الكبير الذي تعرض له خلال السنوات الماضية، وإلى رغبته برفع هذا الجدل حوله أو طمس المرتكزات التي يمكن الاحتجاج بها ضده من معينه، ولأنه أصبح لديه حليف مسيحي في لبنان يحتاج إليه لتغطية نفوذه سياسيا، ولأنه لا داعي لكي يحرج نفسه بوثيقة تعتبر شاهدا عليه وعلى تبعيته، قرر إصدار وثيقة "سياسية"، بما يعني بالضرورة وجود وثائق أخرى صادرة عن المؤتمر الحزب كالوثيقة الدينية والوثيقة الاجتماعية..الخ.
الدولة في لبنان والنظام السياسي:
الدولة في لبنان: في الوثيقة وضع الحزب حوالي سبعة عشر شرطًا للدولة التي يتطلع إلى المشاركة في بنائها. والمثير انّ العبارات أو الشروط المستخدمة نسبية ولا يمكن الحكم بتحققها، فالحديث عن الدولة العادلة والقادرة والقويّة والعزيزة والكريمة والمنيعة...الخ هي عبارات نسبية، لا بل المعروف انّه وفي الفقه الشيعي الامامي الذي يدور حزب الله في فلكه والذي نتجت عنه هذه الوثيقة وغيرها من الرؤى، فان الدولة العادلة لا تقوم الاّ بظهور المهدي المنتظر، وهذا يعني انّ حزب الله سيبقى في وضعه الحالي معطّلا لقيام الدولة الحقيقية في لبنان إلى ما شاء الله دون منظور زمني الاّ إذا اقتضت الحاجة والضرورة. فحتى دولة الولي الفقيه التي أفرزت حزب الله ليست بدولة عادلة ولا كريمة ولا عزيزة.
التقسيم والفدرلة: يتحدث الحزب في وثيقته صراحة عن "رفض أي شكل من أشكال التقسيم أو "الفدرلة" الصريحة أو المقنَّعة"، لكن عمليا وكما يشهد الواقع، يعتبر الحزب مساهما رئيسيا في تكريس تقسيم لبنان وفدرلته الصريحة في الأولى والمقنّعة في الثانية. فسلوك حزب الله في لبنان ذهب أبعد من منطق الفدرلة. والفدرلة لمن لا يعرف باختصار يعني إعطاء صلاحيات واسعة في الحكم للمناطق التي تشكّل الدوّلة فيصبح لها قانونها الداخلي الخاص وتمثيلها الداخلي الخاص وموازنتها المالية والداخلية الخاصة وشرطتها الخاصة..الخ، لكن تبقى ثلاثة أمور رئيسية في يد الحكومة المركزيّة التي تمثّل الدولة الكليّة ألا وهي السياسة الخارجية والدفاع والمال. وفي حالة حزب الله، فهو يملك سياسة خارجية خاصة به، فيقيم تحالفات إستراتيجية مع دول أخرى بمعزل عن الدولة الرسمية ويتفاوض مع أطراف ودول بمعزل عن الدولة، ولديه جيش خاص ولديه عملة خاصة (ملاحظة: موازنة حزب الله تأتي من الخارج بالدولار الأمريكي وليس بالليرة اللبنانية!!)، وهذا يعني تجاوز الفدرلة إلى شبه دولة مستقلة.
سلاح حزب الله ودور المقاومة: طرح حزب الله في وثيقته سياقا جديدا لتبرير بقاء سلاحه وبالتالي دور حزب الله الذي يرتكز في مجمله وأساسه على السلاح أولا، بالقول أنّ "هذا الدور وهذه الوظيفة ضرورةٌ وطنيةٌ دائمةٌ دوام التهديد الإسرائيلي ودوام أطماع العدو في أرضنا ومياهنا ودوام غياب الدولة القوية القادرة".
بمعنى آخر كان حزب الله يبرر للبنانيين أولا بقاء سلاحه بوجود الإسرائيلي في لبنان وكان محقا في ذلك، بعد العام 2000 إثر الانسحاب الذي جاء بناءً على تفكير استراتيجي إسرائيلي، أصبح حزب الله تحت مجهر الضغط الشعبي اللبناني، فقام بتبرير سلاحه ببقاء أسرى لدى إسرائيل ومزارع شبعا المحتلة. وبعدما لم يبق هناك أي أسرى وتم طرح موضوع شبعا للحل الديبلوماسي بعد استيفاء سوريا المطالب، لم يجد مبررا لشرعنة سلاحه خاصة بعد استعماله في الداخل اللبناني. والآن نراه يقول أنّه حتى لو لم يبق شيء لإسرائيل في لبنان فإنها ستبقى تهديدا وبالتالي يجب أن يبقى سلاح الحزب إلى ما شاء الله، ولأن الدولة ضعيفة (حزب الله يحرص على بقائها ضعيفة) فان السلاح ضرورة، وبقاءه مرتبط بهذين الأمرين.
هذا يعطينا فكرة عن مبدأ التقيّة المتحرّك لدى حزب الله في خلق المبررات المناسبة في الزمان المناسب لإحداث البلبلة والتيه في طريقة تفكير الآخرين تجاهه، يقول الحزب للدولة أن السلاح لتقويتها ويقول للبنانيين ان السلاح لحمايتهم من إسرائيل، ويقول للمسيحيين أن السلاح ضد التوطين ولحماية لبنان من الفلسطينيين ومنعهم من الاستيطان في لبنان، ويقول للإسلاميين انّ السلاح لتحرير القدس، ويعطي كل فئة ما تريد من مبرر، لكنّ الحقيقة أن سلاح حزب الله غير مرتبط بكل هذه المبررات بل مرتبط بالولي الفقيه وقراره بهذا الشأن، ويحرص حزب الله على أن لا يظهر هذا الشق وان يجد مبررات ذات علاقة بلبنان لتكون أكثر عقلانية وأكثر واقعية في إقناع الآخر بشرعية سلاحه وضرورة الحفاظ عليه، أي ربطه شكليا بأجندة لبنانية في حين ان الحقيقة ليست كذلك أبدا.
الإستراتيجية الدفاعية والعلاقة مع الجيش: يقول حزب الله في وثيقته، "التهديد الإسرائيلي الدائم يفرض على لبنان تكريس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تساهم في الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو إسرائيلي، وجيش وطني يحمي الوطن ويثبّت أمنه واستقراره، في عملية تكامل أثبتت المرحلة الماضية نجاحها".
التلاعب على الكلام أمر غاية في الأهمية لدى حزب الله، وهو طرح في هذه الفقرة مثلاً عبارات مثل "مقاومة شعبية"، "صيغة دفاعية"، "المزاوجة" و"تكامل". فالأولى تنفي الصفة الطائفية عن حزب الله وتقول ان المقاومة شعبية في حين أن الحقيقة هي أن حزب الله طائفي بامتياز، أمّا قوله صيغة دفاعية فذلك كي لا يلتزم إذا حصل إجماع ما حول إستراتيجية دفاعية بما ينتج عنها، امّا التكامل فيعني عدم اندماجه مستقبلا في الجيش او خضوعه له.
ونلاحظ أوّلا ان الحزب قرر انّ هذه هي الصيغة التي يريدها وذلك بعيدا عن طاولة الحوار التي قلنا مرارا انها شكلية وتضييع للوقت ومماطلة يجيد حزب الله لعبها وإشغال الآخرين بها. وها هو يقرر صيغة يكون هو بموجبها بمثابة الجيش، ويكون الجيش اللبناني بمثابة الشرطة ينحصر دوره في تحقيق الاستقرار الداخلي.
وحتى هذا الدور (أي الشرطي) لا يحق له ممارسة سلطته كاملة، إذ يمنع على الجيش ممارسته مهمته إذا كانت موجهة لجمهور محسوب على حزب الله!! بمعنى آخر، يريد حزب الله من الجيش أن يكون آلة قمع لخصومه ولا يقترب من جمهوره (محاكمة قادة الجيش اللبناني لأدائهم دورهم في الشياح العام 2008 معروفة) وضابط ارتباط لتحركاته الداخلية (كما حصل في اجتياح بيروت 7 أيار).
كما أنّ الحديث عن تكامل أو مزاوجة يعني بقاء الكيانين قائمين. بمعنى آخر من المستحيل دمج حزب الله في الجيش أو إيجاد صيغة له تكون فيها مرجعيته الى الجيش اللبناني والدولة اللبنانية، وبالنسبة لنا، فان هذا شيء طبيعي وواقعي في ظل الجهل الموجود عند شرائح عديدة من المفكرين والعامة حول طبيعة العلاقة بين حزب الله وإيران. فحزب الله تابع للولي الفقيه سياسيا ودينيا وعسكريا (هذه مكونات كلية مترابطة في فقه الولي الفقيه)، وبالتالي فإنه من غير الممكن أن يكون حزب الله تحت إمرة أحد أو قيادة أحد دون الولي الفقيه وممثليه كائنا من كان، وإذا حصل عكس ذلك، فان الحزب يفقد مبررات وجوده ودوره المرتبط بإيران وهذا غير ممكن.