قراءة في الشخصية الإيرانية
السبت 16 يناير 2010

 عادل علي عبدالله – كاتب من البحرين

خاص بالراصد

تتمايز الشعوب بخصائص هي بمثابة طبعات مفردة واحدية، تشكلها جغرافية الأرض ومناخها، ثم الحياة الحضارية التراكمية، بمكوناتها الثقافية والفكرية، وطموحاتها وإنجازاتها التاريخية، وهذا يحفر البَصمَة التعريفية المستقلة للأعراق والمجتمعات؛ ما يسمح بفك رموز الأفكار وتحليل «الشخصية القومية»؛ أو بمصطلح علماء الأنثروبولوجيا: «الفلسفة السُّلاليّة» (Ethnophilosopy).

وبالمنظور الاجتماعي يلاحظ على سلالات الإمبراطوريات الكبرى البائدة، تضَخُّم صُوَر الذات، بأبعادها الثقافية والأيديولوجية والحضارية والنفسية، التي تتجذَّر في اللاوعي التراثي (= الفلوكلور) والخيال الشخصي، مُتحوِّلة إلى «عقدة» تُعَوِّل كثيرا على التَّمَركُز العرقي لإثبات التمايُز الحضاري، فتعمد إلى ماضيها لتجمِّدَه، وتعمل على استدعاء تجريدي لشخصياته، وتعيد تمثيل الأحداث بما تحلم به وتتمناه، وهذه السيكولوجية تقود إلى «تزييف الوعي»، والاستغراق في تعظيم التاريخ القومي الروائي، فتتحول شخوصه وأحداثه إلى «أسطورة» يمتزج فيها الكمال المنشود بالخيال الطليق، وتتخلق منه الأيديولوجيا المسيطرة على «الوعي» الجماعي، فيما يشبه من بعض الوجوه التنويم الإيحائي، وهو ما يمكن أن نسميه بـ«التنويم الاجتماعي»، فالمجتمع يُسلّط على الإنسان -منذ طفولته الباكرة- إيحاءً مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية، وهو بذلك يَضعُ تفكيرَ الإنسان في قوالبَ معيّنةٍ يصعُبُ الخروج منها؛ هذا هو الذي يجعل الإنسان الذي نشأ في بيئة معينة ينطبع تفكيره غالبا بما في تلك البيئة من عقائد دينية، وميول سياسية، واتجاهات عاطفية، وما أشبه؛ فهو يظن أنَّهُ اتخذ تلك العقائد والميول بإرادته واختياره، ولا يدري أنَّه في الحقيقة صنيعةُ بيئته الاجتماعية، ولو أنَّهُ نشأ في بيئة أخرى لكان تفكيره على نمط آخر"([1]).

ولعل للمحرك التاريخي تأثيرا بالغا في نحت «الشخصية القومية» الإيرانية الطامحة لإعادة مَجدٍ عريض قد تمزَّق لحظة تمزيق كسرى «عظيم الفرس» كتابَ «العربي الأُمِّي» محمد بن عبدالله [صلى الله عليه وسلم]([2])، لأنه أقدم على كتابة اسمه قبل اسمه: "من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس..."، وفهم مقدمات ونتائج تمزُّق السلالة الملكية الساسانية على أرض «المدائن» - في معركة «نهاوند» خلافةَ عمر بن الخطاب([3])- يُعدُّ مفتاحا ذهبيا لتحليل الشخصية الفارسية التي تعاني أعراض «الحرمان الطُّمُوحي» المُزمِن لأكثر من ألف وأربعمائة عام، جعل الفرس يدورون حول عُقدة (اجعلها كنتيحة) النقص والقهر والحرمان والعجز والاضطهاد والمظلومية، التي تحوَّلت إلى أيديولوجيا ثورية، تفكر بعقلية الأقلية وتعمل عمل الأكثرية، وتنتقل إلى فضاء الإقليمية من ضيق المحلية، وتسعى جاهدة لتصدير نتاجها الفكري الأسطوري من مراكش إلى جاكارتا؛ كما يُمكن أن يُطلق على مقولة الخليفة الثاني: "لوَدِدتُّ أن بين السواد وبين الجبل سدًّا، لا يَخُلصُون إلينا ولا نخلُصُ إليهم..."([4]) أنها نُبُوءةٌ سبقت الزمان والمكان والحال.

لقد درس كثير من المختصين الشخصية الفارسية -عن قُرب ومعاشرة- لغموضها المستفز وتلوُّنها المستمر، وطموحها المتوثب الذي لا يهدأ، ومن أقدم الكتابات المعاصرة كتاب «مغامرات حجي بابا الأصفهاني» للقنصل البريطاني العام في أصفهان جيمس جستنيان موريير (1820-1826م)، وكتاب «الشخصية الإيرانية ومكوناتها» للأمريكي جاك ميلوك([5])، وكتاب الفرنسي أدور سابيليه([6]) «إيران مستودع البارود»؛ ومن العرب المؤرخ العراقي د. عماد عبدالسلام رؤوف في تقديمه لكتاب «الصراع العراقي الفارسي».

ويعتقد هؤلاء أن صورة الشخصية الإيرانية ترسمها دوافع نفسية كامنة مُحتقنة برؤية متفرِّدة عن الذات في الماضي والحاضر والمستقبل، وفي عالم الشهود وعالم الغيبة؛ وعبر تحليل الدوافع يمكن تسمية سلوكيات اختصت بتلك الشخصية، مع ملاحظة أن لكل قاعدة شواذا، فمنها:

-                الشعور المُزمِن بعدم الأمان، ما يجعل الإيراني –على الأغلب-مرتابا من كل ما حوله من أقوال وأفعال، فالأمور ليست بالبساطة التي تبدو عليها ظاهريا؛ وهذا ولَّد لديه خاصية «سوء الظن».

-                وبسبب سوء ظنه وعدم ثقته بالآخرين – أيًّا كانوا- جعلته قليل القدرة على الامتزاج، فيضطر للبحث عن الأمان في الانعزال عن الناس، أو بواسطة توجيه ضربته الأولى كوسيلة دفاع؛ وهذا ولَّد لديه خاصية «الغدر».

-                وسوء الظن والغدر إذا اجتمعا أفرزا نوعا من الجُرأة -كوسيلة دفاع عن النفس- تظهر في شكل «وقاحة» قولا وفعلا، لا يتردد معها في سوء استعمال السلطة، أو إذلال أو تشويه السمعة والافتراء، كما لا يتردد – فيما لو طُردَ من أحد الأبواب- أن يدخل بابتسامة ساذجة من باب آخر، أو أن يظهر الوقاحة والغطرسة سويا مع الغباء المصطنع.

-                الارتياب وعدم الاطمئنان والتخفي طبيعة رسخها أعظم شعراء الفرس، كسعدي حين قال: "إن الكلمات التي تخدعك وتُضَلِّلُك، ولكنها تُسعد قلبك هي أغلى من الصدق، وتزيد في قيمتها عن الشيء الذي يجعلك حزينا ويُعَكِّرُ مزاجك"، والمثل الفارسي القائل: "احجب عن العيون ذهابك وذَهَبَك ومَذهَبَك"، وهذا غيض من فيوض التحذيرات الفلوكلورية الفارسية، التي تُعد في قاموس الأخلاقيات غير الحقيقة، وهذا ولد لديه خاصية «الكذب».

-                ولكي تصمد الشخصية القومية أمام التحولات لابد من أن يكون لكل مقام لَبُوسُه، وقد طغت هذه الخصلة على الشخصية الإيرانية، فكانت مُتلونة – من وجهة نظر الآخرين- لا تراهن إلا على الفَرَس السابق، وهذا جعل منها شخصية «متملقة مداهنة».

-                يلاحظ الأجانب في الإيراني أنه مسلم يمارس شعائر دينه، لكنهم لا يجزمون بأنه من المؤمنين؛ بحكم أن الفارسي تعوَّد ألاَّ يُظهر معتقداته علنا، إلى درجة أنه من الصعوبة بمكان اليوم أن تعرف مَن مِنَ الإيرانيين مسلم ومن منهم زرادشتي مثلا، وهذا ما يُجعل من الإيراني شخصية «مراوغة وباطنية».

-                والثنائية سمة واضحة في الشخصية الإيرانية، فهو شفاف جدا في عاطفته، وعنيف جدا في عقيدته، ربما يكون في بيته موسيقيا أو شاعرا أو رساما، ويقترف ما تقشعر منه بهيمية الحيوان في غياهب السجون التي يعمل بها؛ فالثنائية عند الفارسي هي صفة تاريخية تعود إلى ثنائية النور والظلمة، وهو ما ولد لديه ما يسميه الآخرون: «الازدواجية الأخلاقية».

-                تلك الخصال الوقائية مكَّنت الشخصية القومية من امتصاص آثار الغزوات المتكررة التي واجهت فارس عبر قرون، فغاصت بهويتها إلى القعر، ومنعت الانصهار الحضاري مع الغُزاة، وهذا ولد خاصية «الشعور بالتفوق الاستثنائي».

-                كما ولَّدَ شعورُ التفوُّق الاستثنائي طبيعة «الغطرسة واحتقار الآخر»، وخاصة إذا اعتقد أنه يحاول إخضاعه وإذلاله، فلا يتردد في إظهار إعجابه بنفسه أمام شعوب الأرض.

 

الشخصية الإيرانية -على هذا- تركيبة سيكولوجية وليس تركيبا أخلاقيا، من الواضح أنها شكَّلت درعا واقيا من الانصهار الحضاري، ترسَّخ مع مرور الزمن ليَنطَبع في مفردات التكوين الحضاري للشعب الإيراني.

تلك الملاحظات تساعد على تقريب صورة الشخصية القومية الإيرانية المسؤولة عن تشكيل حدود سلوكها الأخلاقي والحضاري المعاصر؛ على اعتبار أن لكل شخصية إنسانية -على رأي العقاد- مفتاحا صادقا يُسهّل الوصول إليها، والأقرب أن مفتاح شخصية الإيراني هي: «الحرمان الطموحي»([7])؛ وهذا أقرب وصف لتلك التركيبة النفسية المتفردة بين النفسيات الجماهيرية.

ويُلحظ أن من أهم خصائصها الميل إلى القوة وتعظيمها، مع انغماس في الرمزية التجريدية، ومرونة فائقة في الانزياح – متى شاءت- عن الواقع إلى الخيال والعكس؛ وعن الأيديولوجيا إلى الأسطورة والعكس؛ وعن الدين إلى السياسة والعكس، بدهاء مقتدر على إخراج الإسقاطات النفسية على الآخرين (= الخصوم) مخرجَ الحقائق المنطقية، وصناعة المشاهد الناطقة كالسحر بحقيقة الوهم؛ وتلك كلها تركيبة تستهدف معالجة عقدة «الحرمان الطموحي».

وعلى هذا التحليل يمكن فهم سر نجاح الصفويون الأوائل – بسبيل التمايز الحضاري عن العثمانيين- في صناعة «دين مُوَازٍ» لدين الإسلام و«عالمٍ افتراضيٍّ» غيبي - يَحيَاهُ الرعايا الشيعة فقط - مُتزَامِنٍ معنويا مع عالم الشهادة، لا يخضعان لقانون السبب والنتيجة أو الزمان والمكان، ولا يَعبُرُ العالمين إلا عرَّابوه الكبار «السفراء» أو «النوَّاب» أو «الوكلاء» أو «المجتهد/ الولي الفقيه»، إما عبر بوابة التَخاطُر مناما أو يقظةً، أو عبر بوابة التلبُّس والحلول الروحاني، أو عبر الرؤيا والاتصل العرفاني، ما يسمح بإلقاء الإرشادات أو الأوامر التي لا جدال فيها أو رد، ومن ثم تتولى الآيات (=الواسطة) ومَن يمثلها محليا وإقليميا، توجيه دفَّة القيادة السياسية والعسكرية بما تُمليه نتائج القفز عبر بوابات العالَمَين مِنْ وإلى «الغائب» في عالمه المُوَازي، وهذا هو عصب فلسفة «نيابة المعصوم» في زمن الغيبة.

لقد عرفت الأيديولوجيا الإمامية خلافا جوهريا في مسألة «خِلفَة» الحسن العسكري، وهي أساس نظرية «أبواب» العالَمَين المُتوَازيين، فيُقرّ الطوسي بخروج «الوكالة» من بيت العلويين إلى أربعة وكلاء، تمثل نيابتهم «صلة شخصية» مع المهدي؛ إذ "وُلِدَ الخَلَف المهدي صلوات الله عليه سنة ست وخمسين ومائتين، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، وأوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبو القاسم إلى الحسن علي بن السمري..."([8]).

هؤلاء «الأبواب الأربعة» الأُوَل لهم ما للإمام من حق الطاعة وثقة الرواية وخصوصية التواصل والتحديث باسمه، امتثالا لأمر الحسن – الذي تم توزيع ميراثه وخَلَفَته أُمُّه أول الأمر مدة سنتين- القائل: "هذا إمامكم من بعدي – وأشار إلى ابنه- وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عُمُر؛ فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره فهو خليفة إمامكم والأمر إليه (...) فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدَّى إليكم فعنِّي يؤديه"([9]).

وهذا – بلغة العصر- يسمى «توقيع على بياض» لهؤلاء القافزين عبر أبواب العالَمين المتوازيين؛ إذ بعد وفاة الباب الرابع «السمري» حصل تطوُّر آخر في مسألة الاتصال بين العالمين، أنتج تغييرا في «وسيلة» الاتصال و«مباشرته» مع المهدي، باشتراط بلوغ درجة «الاجتهاد» المذهبي، فخرج توقيع «الغائب» الشهير: "أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حُجَّتي عليكم، وأنا حجة الله"([10])؛ وهذا إعلان عن الانتقال من مرحلة «الاتصال المباشر» إلى مرحلة «الاتصال العرفاني»، وهو ما يعرف في الفكر الشيعي بمرحلتي الغيبة الصغرى (الأبواب الأربعة) والغيبة الكبرى (الرُّواة).

لقد قلب الفرس - في تجربة الصفويين الأولى- نظرية الانتظار السلبية الانعزالية، لخلق مُحرك أيديولوجي لـدولة فتية عن طريق «اتصال عرفاني» مع «صاحب الزمان» في كهف منعزل على ضفاف إقطاعية تبريز، بل إن المهدي "شد حزامه بيده، ووضع خنجرا في حزامه، وقال له: اذهب فقد رَخَّصتُك..."، بل إن الشاه إسماعيل تطوَّر في إتقان الاتصال العرفاني عبر بوابات العالمين المتوازيين ليشاهد "الإمام علي بن أبى طالب في المنام، وأنه حثه على القيام وإعلان الدولة الشيعية"([11])؛ ومن هنا كان الشاه إسماعيل يعدُّ نفسه «نائبَ الله وخليفة الرسول والأئمة الاثنى عشر»، والممثل الشرعي لـ«صاحب الزمان».

وفي عهد «ولاية الفقيه»، عندما ظهرت النتائج الأولية لاستطلاعات الرأي العام الإيراني في الانتخابات الرئاسية بين الرئيس المحافظ «الحُجَّتي» أحمدي نجاد وخصومه الإصلاحيين «البازاريين»، كان المِزَاج يسير بخلاف رغبة الرئيس تجديد ولايته بفوز ساحق، فأعلن الأب الروحي لنجاد «آية الله محمد تقي يزدي» أنه اتصل عرفانيا بـ«الإمام المهدي» في منامه، وهو يرشح «نجاد»، فانقلب مزاج المحافظين لصالح نجاد، فما كادت مرحلة فرز الأصوات تنتهي حتى أعلن «يزدي» أنه "حين يُنَصِّب المرشدُ الرئيسَ، فإن طاعته تكون بمثابة طاعة الله"([12]).

وليس هذا بدعا من القول، فالخميني يرى أن "معظم فقهائنا – في هذا العصر- تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم"([13])؛ وعليه ينص محمد رضا المُظَفَّر أن الرَّادَّ على المجتهد -الذي هو في مقام الإمام الغائب- "رادٌّ على الله تعالى، وهو على حدِّ الشرك بالله تعالى"([14]).   

 

ويُمكن القولُ: إن الرؤية الشيعية – طبقا للرؤية الإيرانية- للماضي والمستقبل لا تختلف في بُنيَتها عن الرؤية الحلولية الصوفية (=التلبُّس والاتحاد)، فتاريخ الشيعة يجب أن يتدخَّل الله فيه بشكل مكثَّف، ما يعني أن التِحَامَ العالَمَيَن المُتَوَازيَين لابد لهما من «تخطيط إلهي» -على تعبير محمد الصدر([15])-؛ وبهذا تتحول المراجع العظمى (=المجتهدون) عمليا إلى جماعة من المعصومين، وسائر المؤمنين (=المقلّدين) لهم تبع، كما يتحوَّل التاريخ الخاص إلى وَحيٍّ مُستمر؛ ولذا، فالشيعة – في عالم الشهادة الموازي لعالم الغيبة- أمةٌ تعيشُ تخطيطا إلهيا منفردا عبر تاريخها المُطَهَّر، في انتظار نجاح التحام العالمين، وانفتاح الأبواب والتحوُّل الجماعي إلى عالم السيادة المطلقة تحت راية «المهدي المنتظر».

إن هذه الأيديولوجيا تخلق «نفسية إنسانية مُغايرة»، وتُثمر سلوكا حضاريا يتماهى كلية بين عالم «أفقي أرضي»، معاكس في الاتجاه تماما لعالم عموم المسلمين «الرأسي السماوي»؛ الذين يؤمنون بالغيب المنصوص عليه في الكتاب والسنة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى)، ويقيمون أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)، والرابط بين العالمين الرأسيين «الغيب» و«الشهادة» هو الإحسان – كما في حديث جبريل المشهور- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

في حين تَفرض الأيديولوجيا الإيرانية تلك رباطا أفقيا أرضيا بين عالمين متناقضين وجودا وعدما، حلت فيهم القدرات الإلهية، فانقلبوا إلى مُفوَّضِين بتصريف خيوط الزمان وهندسته، ويتحرك العالمان بوساطة قافزين بين أبواب الاتصال العرفاني، في مسيرة تحقيق «الذات المغايرة» عن الآخر، وليس ثمة آخر سوى «عموم المسلمين» في كامل تلك الأيديولوجيا ومفرداتها.



[1]) يراجع: علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث [1/ص6]/دار الوراق – لندن/2007.

[2]) كتب النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة إلى كسرى (خسرو الأول أنو شروان 531-579م) ملك فارس: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لينذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين؛ فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.". حملها إليه عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه؛ وما لبث كسرى حتى قامت ثورة كبيرة من داخل بيته بعد أن لاقت جنوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله، وأخذ الملك لنفسه، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الوحي، وأبلغ الرسولين اللذين جاءا للقبض عليه، فخرجا من عنده حتى قدما إلى باذان فأخبراه الخبر، وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه، وكان ذلك سببا في إسلام باذان كسرى ومن معه من أهل فارس باليمن.

[3]) وقعت عام 21هـ/641م، في زمن عمر بن الخطاب ضد آخر ملوك الساسان يزدجرد الثالث (633-654م)، بقيادة النعمان بن مقرِّن المزني، وقد سماها المسلمون بفتح الفتوح لأنهم قضوا على آخر الجيوش الفارسية.

[4]) وردت مقولته حول الفرس في أغلب كتب التاريخ في مرويات موقعة نهاوند فليرجع إليها، وفيه استشفاف يعرفه كل من عايش الفرس بأنهم قوم لحوحون يلتصقون بما يرغبون فيه التصاق العَلَقَة (=دودة تمتص الدم) التي لا تنفك حتى تقضي وطرها.

[5]) باحث من جامعة الدفاع الوطني الأمريكية، شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية فترة رونالد ريغان، ورئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في طهران أيام الشاه، وكتابه ضمن كتاب: (الثورة الإيرانية والتمدن الحديث)؛ أورد فيه أهم ما يُمَيّز السلوك الإيراني تجاه الآخرين، وهي: هيمنة المصالح الذاتية، وسوء الظن أو الارتياب، والقلق وعدم الاستقرار، والاستغلال الشخصي للأفراد بعضهم البعض؛ كما نقل في كتابه انطباع شاه إيران نفسه (محمد رضا بهلوي) عن الشخصية الإيرانية بأنها مُولعة بالنفاق والمراءاة، وبعدم الرغبة في العمل الجماعي، وبعدم الإحساس بوجود الآخرين، فضلا عن تمتُّعها بضعف المبادئ.

[6]) باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط والقضايا الإسلامية والساحة الإيرانية؛ كان مقربا من الشاه ورئيس الوزراء مُصدَّق في خمسينيات القرن الماضي.

[7]) يطلق عليه بالإنجليزية (Aspirational Deprivation).. يراجع: تيد روبرت غير: لماذا يتمرد البشر؟، ترجمة مركز الخليج للأبحاث- الإمارات العربية المتحدة/2004

[8]) الغيبة/ ص241-242

[9]) المصدر السابق/ ص 5 و217

[10]) لا يخلو كتاب متأخر من ذكر هذا النص، يراجع على سبيل المثال لا الحصر: الكافي، وإكمال الدين، والغيبة والاحتجاج للطوسي، ووسائل الشيعة، وغيرها.

[11]) يراجع: تاريخ الشاه إسماعيل/ ص88/ طبع مركز تحقيقات فارس إيران وباكستان، إسلام آباد.

[12]) نص منقول عن وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية «إيرنا»، بتاريخ 13 أغسطس 2009م

[13]) يراجع: تحرير الوسيلة/ ص 365/ دار المنتظر- بيروت/1982

[14]) يراجع: عقائد الشيعة/ ص 57/دار الفريد- بيروت/

[15]) يراجع: القسم الثاني من الجزء 2: تاريخ الغيبة الكبرى، من موسوعة الإمام المهدي، لمحمد محمد صادق الصدر: في تاريخ الإنسانية في عصر الغيبة الكبرى[ج2/ص201]

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: