النفوذ الإيراني في أفغانستان
الخميس 9 سبتمبر 2010

أمير بانمربور وأسد فرهد* - (كريستيان سينس مونيتور) 9/8/2010

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني - نقلا عن الغد الأردنية 19/8/2010

 

بعد قضاء عدة أسابيع في كابول، يستطيع المرء بالكاد أن ينكر مدى النفوذ الإيراني في أفغانستان. وكلاعب رئيسي في المنطقة، تتمتع إيران بحصة حيوية في كيفية السيطرة على جيران أفغانستان. وقد انتبهت لهذا الأمر أكثر بعد أن أمضيت عدة أيام مع وحدة كوماندوس من النخبة، مكلفة بحراسة موقع رئيسي لعقد اجتماعات رفيعة المستوى. ولم يتلقّ أفراد الكوماندوس هؤلاء التدريب على يد القوات الأميركية الخاصة، وإنما أيضاً على يد قوات الحرس الثوري الإيراني، أي المجموعة شبه العسكرية عالية المهارة، والمهتمة بتسليح وتدريب المتمردين الشيعة في العراق.

وعندما أسسنا مستوى معيناً من الثقة، كشف لي اثنان من القادة الكوماندوس الأفغان أنهما يحملان تحت أزيائهما الرسمية قلادتين تحملان صور آية الله روح الله الخميني. وكان هذان الجنديان من الطاجيك من وادي بنجشير المعروف بمقاومته الشرسة للاحتلال السوفييتي، ومن بين القليل من المناطق التي احتفظت بالحكم الذاتي في ظل حكم طالبان. وقال أحد الجنود: "لدينا علاقات وثيقة مع الإيرانيين، والتحدي الأكبر الماثل أمام الاستقرار يكمن في الحكومة الأفغانية نفسها".

ودفعني تجاذب أطراف الحديث إلى النظر بعمق أكثر إلى دور إيران في أفغانستان. وفي وقت لاحق من ذلك الأسبوع، قابلت مستشارا رئيسيا للرئيس الأفغاني حامد كرزاي، وبحثت معه في شأن النفوذ الإيراني في بلده، فاعترف بعد تردد بأنهم "منخرطون رسميا وعلى مستوى غير رسمي وبوتيرة عالية"، وأضاف: "ولا أعتقد بأن هذه الحكومة تستطيع تحقيق النجاح ما لم يدرج موضوع إيران على طاولة البحث". ومضى هذا المستشار إلى القول: "رغم وجود بعض العداء حيال الإيرانيين، إلا أنه يظل أقل بكثير من العداء تجاه الباكستان، وربما تجاه أميركا".

مصالح اقتصادية وروابط ثقافية

لأنهما جاران يشتركان في لهجات متشابهة ولديهما قواسم مشتركة كثيرة تاريخياً، فإن الروابط الثقافية بين إيران وأفغانستان تظل عميقة جداً. وتقع هيرات التي تعد ثالث أكبر مدينة أفغانية على بعد 80 ميلا فقط من الدولة الإيرانية، وكانت عاصمة للإمبراطورية الفارسية في القرن الخامس عشر. وفي وقت قريب، أوصلت إيران التيار الكهربائي إلى المدينة وحولت مشاريع طرق سريعة تعاونية مع الهند، حتى أنها تشارك مع أعضاء في حلف الناتو في إنشاء خط سكة حديد بين إيران وأفغانستان.

وتتعزز هذه الروابط الحديثة من خلال دعم إيران للأقليات الاثنية الشيعية الأفغانية، مثل الهازارا والطاجيك. ومنذ العام 2001، أسهمت طهران بأكثر من نصف بليون دولار في المساعدات الإنسانية التي تذهب لأقليات أفغانية مشردة. وفي الحقيقة، تعد إيران موطنا لحوالي مليوني لاجئ أفغاني، فيما يبدو وأنه مشكلة تفاقمت بسبب العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة، بالاضافة إلى ضغوطات التضخم. ورغم ضغوطات داخلية من أجل إبعاد المهاجرين الأفغان غير الشرعيين، وافقت طهران على تبطيء العملية إلى أن يرى جيرانهم الأفغان نوعا من الاستقرار السياسي.

لكن المشاكل الاجتماعية الاقتصادية التي تواجهها أفغانستان لا تدور كثيرا حول تدفق اللاجئين بقدر ما تحوم حول تدفق المخدرات المحظورة. ومع ارتفاع إنتاج الأفيون في أفغانستان، ارتفع معدل استخدامه في إيران. وتواجه الحكومة الإيرانية راهنا مواطنين يضمون حوالي أربعة ملايين مدمن على الأفيون -والعدد مستمر في الارتفاع. وقد قدر تقرير عالمي أخير حول المخدرات أن إيران تستهلك حوالي 40 % من الأفيون المستخدم كونيا. وبالاضافة إلى تزويد مشكلة الإدمان هذه بالوقود، فإن أرباح تجارة الأفيون توفر أموالا لمتمردي طالبان.

مصالح أمنية وضبط إيراني للنفس

في العام 1998، عمل مقتل 11 دبلوماسيا إيرانيا والقتل الجمعي لآلاف المسلمين الشيعة على يد طالبان على تهيئة إيران لغزو أفغانستان تقريبا. وتم حشد عشرات الآلاف من القوات الإيرانية على الحدود الأفغانية تحضيرا للهجوم، ثم رأى القادة الإيرانيون الذين مسحوا الأراضي المغبرة والجرداء في نهاية المطاف عدم المضي قدما في العملية. وفي التحليل النهائي، احتسبت طهران أن كلفة قتال طالبان ستفوق بكثير أي مزايا تنجم عن احتلال أفغانستان التي كانت في ذلك الوقت أفقر بلد في العالم. ومن خلال ممارسة ضبط النفس في ظل تلك الظروف، أظهر الإيرانيون أنهم كانوا لاعبين سياسيين عاقلين، وهي حقيقة نادراً ما ذكرت في وقت تجعلهم ملاحظات الرئيس محمود أحمدي نجاد يبدون فيه وأنهم أي شيء سوى ذلك.

أبقت إيران على عشرات الآلاف من قواتها لحراسة الحدود، وهي تلزم نفسها اليوم بتخصيص حوالي 10 % من جنودها العاملين للقيام بهذه المهمة. وبدلا من المبادرة إلى شن حرب تقليدية على أفغانستان، شنت إيران ما وصفه ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي أي ايه) بوب باير بأنه "حرب بالنيابة"، حيث تقوم بتدريب وتزويد ما أصبح يعرف اليوم بشكل عام باسم التحالف الشمالي. وكان زعيم التحالف الشمالي أحمد شاه مسعود قد اغتيل على يد ناشطي تنظيم القاعدة في العام 2001، لكن نفوذه يبقى قويا... ويقام اليوم احتفال بيوم وطني، باسم يوم مسعود، تخليدا لذكراه.

خلال حكم طالبان وبعد ذلك، ظلت استراتيجية إيران تقوم على دعم الأقليات الأفغانية، الشيعية والسنية منها على حد سواء. ورغم أن غالبية الأفغان هم من الباشتون السنة، فإن إيران تمارس تأثيراً قوياً على السكان الشيعة الذين يشكلون نسبة 19% من الأفغان ( هذه النسبة مبالغ فيها جداً فهم لا يتجاوزون 10%، الراصد). وبالإضافة إلى ذلك، أسس الإيرانيون شبكة دعم في صفوف أقليات الهازارا والأوزبك والطاجيك سوية -وهي المجموعات الاثنية الثلاث التي تشكل ما نسبته 30 % من الأفغان. وقد لعبت هذه الشبكة دوراً محورياً في الإطاحة بطالبان في أعقاب هجمات 11/9. ورغم عدم وجود أي لاعب أجنبي أو محلي يحظى بولاء الأغلبية في البلد، تظل إيران لاعباً لفترة طويلة مع أفغانستان، حيث تتمتع بنفوذ يساوي على الأقل حجم النفوذ الباكستاني أو الأميركي نفسه، إن لم يكن أكثر منهما.

طوال السنوات الثلاثين الماضية، استطاعت إيران أن تدير بمهارة وحنكة علاقتها مع جارتها الشرقية. وتعد منطقة الحدود الإيرانية الأفغانية مستقرة وآمنة نسبيا مقارنة مع الحدود التي لا تخضع لأي حكم والمتوترة بشكل كبير بين أفغانستان والباكستان. وسواء كانت معارضة للاحتلال السوفياتي أو مستجيبة لحكم طالبان، فقد تصرفت إيران بحذر، وهي تنتهج سياسة تقوم على خفض كلفة النزاع إلى الحد الأدنى أولاً، وزيادة فرص النجاح إلى الحد الأقصى ثانياً -وهو ما يعرف باستراتيجية الادنى والاقصى. وتتجسد هذه الاستراتيجية من خلال تسليح إيران وتدريبها لقوات رجال حرب العصابات، حتى فيما هي تتفادى الانخراط العسكري التقليدي. وفي المقابل، لم يحقق دعم الباكستان لطالبان، رغم أنه يعكس استراتيجية شبيهة، نجاحاً مشابها. كما أنه ورغم أن الحدود الأفغانية الباكستانية تنطوي على شبكات قبلية معقدة، والتي تعصف بها أيديولوجيات متطرفة، فإن إيران ظلت تبدي حكمة واضحة في التعامل مع أفغانستان أكثر من الباكستان بتصرفها النازع للاستقرار المدمر للذات.

تجب الإشارة إلى أن انخراط إيران الجسور لا يتم كله بالانابة؛ ففي العام الماضي في كابول، خرج السفير نادا حسين مالكي من السفارة الإيرانية متوجها إلى السفارة الهندية، حيث طالب بوقف عمليات الانشاء في سد "سالم"، وهو مشروع الانشاء الذي يقع على بعد 112 ميلا من هيرات والممول من الهند وقيمته 150 مليون دولار. ووفق وجهة النظر الإيرانية، فإن سد "سالما" سيخفض تدفق مياه النهر إلى إيران. وفي تشرين الاول (اكتوبر)، قدم قائد شرطة أفغاني مكلف بمهمة حماية السد شهادته أمام البرلمان الأفغاني فيما يتعلق بالنوايا الإيرانية لنسف وتخريب المشروع إذا لم يتم وقفه.

مخاوف عامة وانقسام معمق

أفضى التسريب الأخير لوثائق سرية من وزارة الدفاع الأميركية إلى كشف الحقيقة المغطاة بغير كثافة، وهي أن الاستخبارات الباكستانية تقوم بتسليح ودعم طالبان وعناصر أخرى معادية لأميركا. وقد وضع هذا الكشف الولايات المتحدة في وضع حذر. ذلك أن جارة أفغانستان الكبيرة المفترض أنها حليفة للولايات المتحدة تعارض في الحقيقة الجهد الأميركي في أفغانستان، كما تعارض حكومة كرزاي الحالية. ومع أن الولايات المتحدة تحتفظ، على السطح بشراكة مع الباكستان بعد تفنيد الدعاية، فإن من الواضح أن تفضيلاتها تظل متناقضة إلى حد يبعث على الصدمة.

فبالمقارنة، تعد الرغبات الإيرانية في أفغانستان منسجمة أكثر بكثير مع المصالح الأميركية الحيوية. ذلك أن إيران تعارض طالبان والمتطرفين السنة الآخرين تماما مثلما يعارضهم الأميركيون. وبالإضافة إلى ذلك، تفضل طهران وجود أفغانستان مستقرة تقوم بوقف تدفق اللاجئين، وتخفض في نهاية المطاف حاجتها إلى إبقاء قوات أمنية على الحدود. كما أن نظام أحمدي نجاد يعارض أيضاً تجارة الأفيون التي تمول مجموعات التمرد، بينما تزيد في الوقت نفسه من تفاقم مشكلة الادمان في إيران.

الفكرة هي أن التعاون مع إيران يستطيع أن يفيد أفغانستان والولايات المتحدة بطرق لم تفد فيها الشراكة مع الباكستان، ولا تستطيع أن تفيد. لكن طبول الحرب شرعت في القرع مجددا خلال العام الماضي، مثيرة احتمال وقوع نزاع عسكري بين إيران والولايات المتحدة حول برنامج طهران النووي المثير للجدل. ورغم أن التعاون بين البلدين يستطيع أن يفيدهما بطرق غير مسبوقة، وضعت الآلام التاريخية وعدم ثقة متبادلة الولايات المتحدة في منظومة عقل تجعل التعاون عصيا على التحقق. وفي الأثناء، تزداد إيران تمزقاً ضمن العقوباب الاقتصادية والخلاف السياسي الداخلي.

وقد شرح مسؤول أفغاني رفيع المستوى الوضع جيدا حين قال: "تذهب الولايات المتحدة لاصطياد ثعلب وهي تقود فيلاً. وكلنا يعرف أن صيد الثعلب يتم على أفضل وجه عن طريق نصب الشراك وليس بمطاردته بواسطة فيل. ويستطيع الأميركيون تعلم شيء أو اثنين من الإيرانيين". وهذا التشبيه عادل ومطابق، فالتكلفة السنوية المقدرة لكل جندي أميركي في أفغانستان تبلغ حوالي مليون دولار، ويتجاوز إجمالي الكلفة منذ العام 2001 مبلغ 300 بليون دولار. ومع ذلك، لم تفلح الولايات المتحدة، وربما يترتب عليها أن تترجل عن الفيل وتسعى إلى العمل مع إيران في شراكة يمكن أن تفيد بشكل الخصمين القديمين بشكل متبادل.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: