محمد عبدالهادي – الأهرام العربي 23/10/2010
يسعي بعض رجال دين مسلمين شيعة في لبنان إلي إعلان نفسه مرجعا شيعيا لتعويض غياب المرجع السيد محمد حسين فضل الله, الذي مثلت وفاته في يونيو الماضي خسارة كبيرة للبنان, لما جسده من قيم التسامح بوصفه كان من كبار دعاة الانفتاح والحوار بين أتباع المذاهب والأديان, وأيضا لأنه كان اللبناني الوحيد الذي كان في مرتبة المرجع الديني ومن ثم يحرص رجال دين شيعة علي ألا يبقي لبنان بدون رجل دين في هذه المرتبة, وهو البلد الذي خرج منه العلماء الذين حولوا إيران نفسها في القرن السابع عشر من المذهب السني إلي المذهب الشيعي, وسط الخلافات مع الدولة العثمانية السنية مركز الخلافة الإسلامية آنذاك.
ومن المعروف أن المرجع الديني للتقليد لدي المسلمين الشيعة لا يعين من قبل أي جهة, وإنما اختياره مرجعا يكون من جانب من يريدون اتباع تقليد فتواه والعمل بآرائه الفقهية, فالمسألة تخضع للرغبة وليس للسياسة, فلكل مرجع شيعي مريدون ومؤيدون وأتباع, وله وكيل عام يتولي الإشراف علي أنشطته ومؤسساته, وتحت الوكيل وكلاء في المناطق والبلدان التي يوجد فيها أتباع قرروا اتخاذه مرجعا يتبعونه في فتاويه وآرائه الفقهية. وقد كان للسيد فضل الله أتباع ومريدون في كل من لبنان والبحرين والعراق ودول عربية بها مسلمون شيعة.. وهناك شخصيات في لبنان يرشحها علماء وشيوخ لكي تكون مرجعا دينيا شيعيا للتقليد بسبب مكانتهم العملية والدينية.. لكن هل تسمح الظروف السياسية بإقدام أي منهم علي إعلان نفسه مرجعا, بعد ما كان إعلان فضل الله نفسه مرجعا عام1995 أثار حفيظة البعض وعرضه لانتقادات؟!!
شيعة لبنان والمراجع الإيرانية
برغم أن السيد فضل الله ـ بما له من مكانة علمية وفقهية ـ قد وفر غطاء شرعيا إضافيا للمقاومة ضد الكيان الصهيوني, فإن إعلانه مرجعا دينيا شيعيا أثار عدم ارتياح بعض المرجعيات الإيرانية بسبب عدم رغبتها بوجود مرجعيات دينية, للشيعة خارج قم بإيران والنجف بالعراق, حتي لا يخرج أبناء المذهب الشيعي في المنطقة العربية عن سيطرة هذه المرجعيات, وحتي لا يشجع ذلك فقهاء وعلماء دين آخرين في المنطقة علي اتخاذ فضل الله نموذجا ومثلا, ويخرج أبناء المذهب في المنطقة عن نطاق السيطرة.
وقد تجلي عدم الارتياح هذا في إصدار المرجع الإيراني الإمام التبريزي فتوي عام2000 يحذر فيها الشيعة عموما واللبنانيين والعرب خصوصا من اتخاذ فضل الله مرجعا, ويصفه فيها بأوصاف لا تليق بمكانته وعلمه, وتجلي ذلك أيضا في قيام وكلاء للمرجع الشيعي العراقي آية الله السيد علي السيستاني, بأنشطة في لبنان دون توجيه دعوة أو اتصال مع السيد فضل الله, كما كان للسيد الراحل عبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق خلاف فقهي وسياسي مع السيد فضل الله برغم القرابة العائلية التي تجمعهما بسبب علاقة الحكيم بإيران.
وعلي صعيد لبنان نفسه فإن كثيرين من أبناء المذهب الشيعي لم يتخذوا فضل الله مرجعا, حتي إن معظم البيانات التي صدرت لنعي الفقيد وصفته بـ العلامة المجتهد ولم يرد فيها وصفه بـ المرجع برغم أنها أعطته حقه بوصفه إمام المقاومين والمجاهدين, وهو الأمر الذي لا ينكره الإيرانيون, ويتخذ لبنانيون مراجع دينية إيرانية وعراقية للتقليد, فوكلاء السيستاني في لبنان يعادلون ـ وربما أكثر ـ من وكلاء فضل الله.
ويعود عدم رضا البعض عن فضل الله إلي رفضه مسألة ولاية الفقيه, ففيما تري المرجعيات الإيرانية أن ولاية الفقيه عامة في جميع جوانب الحياة وشاملة لكل أتباع المذهب أينما كانوا, كان السيد فضل الله يري أن ولاية الفقيه جزئية في الأمور الدينية, ومحددة في زمانها ومكانها حدود الولاية أي احترام سيادة الدول وخصوصية المجتمعات, فاختلف بذلك مع المرجعيات التي تؤمن بولاية الفقيه العامة والشاملة علي حجم الولاية ونطاقها, كما كان السيد فضل الله من جانب آخر حريصا علي زيارة السعودية وفتح حوار مع رجال الدين السنة في السعودية ومصر.
ومن ثم شكل غياب السيد فضل الله بمعني من المعاني راحة فكرية لتيارات سياسية في لبنان.. وراحة سيايسة لإيران ومرجعياتها الدينية, حيث أنهت وفاته معاناة البعض في لبنان من ازدواجية علي المستوي الفكري وصراعا داخليا نفسيا ما بين الرغبة في تقليد فضل الله واتخاذه مرجعا وطنيا وعربيا, وبين الخشية من إغضاب البعض في إيران بسبب عدم الاعتراف به من قبل مرجعياتها ـ كمرجع تقليد ـ وفي كل الأحوال فقد شكلت وفاته بالنسبة للبنانيين عامة خسارة إنسانية ومعنوية وسياسية لما كان يمثله من دعم للمقاومة, حيث كان فضل الله يحظي باحترام الجميع مسلمين ومسيحيين.
علي ضوء ذلك فإن إقدام رجال دين شيعة علي إعلانهم مرجعيات دينية لتعويض غياب فضل الله يواجه تحديات سياسية أكثر منها فقهية, والمسألة تأخذ وقتها في التفكير إلي ما بعد مرور فترة علي غياب المرجع الراحل, وقد تمر المسألة بدون اعتراضات في حالة تجاوز المرجع الجديد الخلافات حول ولاية الفقيه.
فالعلاقات بين إيران وحزب الله وقبول الأخير بـ ولاية الفقيه تشكل كذلك حساسية باعتبار أن الحزب يحظي بدعم وأنصار قطاع كبير من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان, كما يشكل الدعم الإيراني للحزب والمقاومة من ناحية واعتبار إيران ظهيرا إقليميا في المحيط السني وفي البيئة الرافضة للمقاومة وسلاحها حساسية خصوصا أيضا لدي الجمهور الشيعي لعدم إثارة غضب إيران.
ومن المستبعد أن يقدم أحد علي اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه في هذه الآونة لا سيما في ضوء الخلافات السياسية الداخلية حول المحكمة الدولية وأجواء إثارة فتنة شيعية سنية قد تكون الطائفة الشيعة ـ في هذه الأجواء ـ تحتاج فيها إلي هذا الظهير الإقليمي.
ومن ثم ربما شكلت زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لبيروت, الأسبوع الماضي عائقا وكابحا لأي تفكير علي المدي القريب في ضوء ما تعنيه الزيارة من دعم ليس للمقاومة والحزب والطائفة فقط وإنما للبنان, وفي ضوء ما لاقاه من استقبال وترحيب غير مسبوقين أو متوقعين.
خلافة قبلان
لقد فتح غياب السيد فضل الله الباب أيضا أمام طرح مسألة خلافة الشيخ عبدالأمير قبلان ـ نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلي ـ للنقاش في الأوساط اللبنانية في حالة غيابه ـ أمد الله في عمره ـ واحتمال حدوث خلافات داخلية حول خلافته.. وترجع جذور المسألة إلي أنه بعد اختفاء الإمام موسي الصدر عام1978, رؤي عدم انتخاب رئيس للمجلس, وتسمية من يتم انتخابه نائب رئيس, ثم طرحت أفكار بانتخاب مرشح مدعوم من حركة أمل رئيسا, ومرشح مدعوم من حزب الله نائبا لرئيس باعتبار الإمام الغائب موسي الصدر رئيسا مدي الحياة.
وتقول المصادر: إن الرئيس بري رفض هذه الأفكار حتي لا يصبح نائب الرئيس المدعوم من حزب الله تلقائيا ـ في حالة غياب الرئيس ـ رئيسا للمجلس, ومن ثم انتخب السيد عبد الأمير قبلان عام2001 نائبا للرئيس مع استمرار منصب الرئيس خاليا حتي الآن.
وتضيف المصادر: أنه في حالة غياب قبلان المقرب من الرئيس بري فمن المنتظر أن يطرح كل من حزب الله وحركة أمل مرشحا لمنصب نائب الرئيس, وربما قد يعاد طرح فكرة انتخاب رئيس مدعوم من الحركة ونائب رئيس مدعوم من الحزب, لكن المصادر ترجع توصل الطرفين في النهاية إلي تسوية, كون المنافسة هي علي نفس الأرض والجمهور, والرغبة مشتركة في تأكيد التحالف وتجنب الانقسام, ومن المعروف أن انتخاب رئيس المجلس أو نائبه للرئيس يتم من جانب هيئة عامة تضم هيئتين الأولي هي: الهيئة الشرعية وتضم رجال الدين, والثانية: هيئة تنفيذية تضم الوزراء والنواب وشخصيات عامة.