حوار إسلامي حول الحرية والمبادرة داخل التنظيم !
الأحد 25 ديسمبر 2011

 

 

 

أحمد الريسونى وعبدالرحيم الشيخي منسق مجلس شورى التوحيد والاصلاح

جريدة التجديد المغربية 12/8 – 16/8/2011

قصة هذا الحوار بيني وبين أخي العزيز أحمد الريسوني –حفظه الله- تعود أصولها إلى الحوار الذي أدلى به لجريدة أخبار اليوم بعد 20 فبراير 2011 وعبر فيه عن عدد من الآراء والمواقف فيما يخص الأحداث الجارية آنذاك في العالم العربي وتفاعلاتها بالمغرب، وقد أورد في حديثه بعض الآراء تتعلق بالحرية والمبادرة داخل التنظيمات وكذا تعدد الانتماءات وموجباتها، مما كان يستدعي مناقشة وتمحيصا. وقد أعددت رسالة في الموضوع وكان العزم على إرسالها خلال تلك المرحلة غير أن ذلك لم يتم لأسباب متعددة. وحينما تيسر ذلك أرسلت ملاحظاتي للدكتور أحمد يوم 21 يوليوز 2011 من مراكش مكان قضاء جزء من عطلتي السنوية وقد عنونت المراسلة الإلكترونية ب"التأخر في الوصول خير من عدم الوصول"، فكان جوابه تحت عنوان "حوار حول حوار" مما أوحى لي بفكرة تعميم مضامين هذا النقاش ونشره على صفحات جريدة التجديد خلال شهر رمضان الكريم لما أقدر أن فيه فائدة للجميع فعرضت الفكرة على الدكتور أحمد الذي رحب بها ولم ير مانعا من ذلك.

رأي الريسوني كما جاء في حواره لـ "أخبار اليوم"

* ما هو رأيكم في موقف عدد من القياديين في العدالة والتنمية الذين خرجوا عن قرار الحزب بهذا الشأن وانضموا إلى المسيرة؟

- أنا دائما أدافع عن الحرية باعتبارها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي منحة نفيسة خص الله بها بني آدم وميزهم بها على سائر المخلوقات. ولذلك فمن حق من رغب في المشاركة في حركة 20 فبراير وغيرها أن يفعل ذلك. وأنا ضد أن تقوم الأحزاب والتنظيمات بتكبيل حرية المبادرة المسؤولة لأعضائها، وأن تجعلهم لا يتحركون إلا بقرار منها، فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ثم لا ننس أننا حين ننتمي إلى حزب أو حركة، فنحن - قبل ذلك - منتمون إلى وطن وإلى شعب وإلى أمة ودين. فانتماؤنا الحزبي لا يسقط الحقوق والواجبات التي تقتضيها انتماءاتنا الأخرى، لا سيما إذا كانت أسمى وأسبق.

والذي أعلمه هو أن الحزب قرر عدم المشاركة باسمه وهيئته، ولكنه لم يقرر منع أعضائه من المشاركة. ولو فرضنا أنه قرر ذلك هذه المرة أو في مرة أخرى، فأنا لا أقبل هذا الحجر على العباد. فلكل أن يبادر ويمارس حريته ويصونها، والمحاسبة تكون على الإساءة والإضرار ومخالفة المبادئ والالتزامات المعتمدة.

* كيف تقرؤون تضارب مواقف حركة التوحيد والإصلاح بشأن التضامن مع الحركات الاحتجاجية، حيث دعت إلى التظاهر من أجل مساندة الثورة الليبية في الوقت الذي دعت فيه إلى مقاطعة مسيرات 20 فبراير بالمغرب؟

- الذي أعرفه - وأنا بعيد ومعلوماتي ناقصة - هو أن حركة التوحيد والإصلاح قررت شيئا واحدا هو عدم المشاركة الرسمية في التظاهرات، لكنها لم تدعُ أبدا إلى مقاطعتها، ثم قرأت بيانا للمكتب التنفيذي للحركة فيه تأييد صريح وقوي لمطالب حركة 20 فبراير، وتثمين لها وإشادة بسلميتها. وهذا موقف إيجابي جيد، وأما من الناحية الشكلية والتنظيمية والتنفيذية فلا يمكننا أن نصب الناس جميعا في قالب واحد ونحشرهم في يوم واحد وفي ساحة واحدة.

تعقيب عبدالرحيم الشيخي

أخي العزيز أحمد، السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد

فها أنذا أعود لمراسلة الشيخ الموزون كتابة بعد طول غياب.

كنت أود أن يكون موضوع حديثنا قضايا عديدة جالت بخاطري منذ أول رسالة إليك، بيد أن ما تعرفه اليوم بعض البلدان العربية من أحداث أصبحت ربما أم القضايا التي تفرض نفسها على أي متحدث.

ولأنك "دائما تدافع عن الحرية باعتبارها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي منحة نفيسة خص الله بها بني آدم وميزهم بها على سائر المخلوقات" كما جاء في حوارك الأخير، فها نحن نجدك حاضرا "في الميدان" و"في الساحة" بقلمك تدافع عن حق الشعوب في انتزاع حريتها المسلوبة واستعادة كرامتها وتصرخ في وجه المستبدين "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟".

ولست أدري، أيها الشيخ الموزون، هل هي رياح "تونس الشهيدة" و"مصر الثورة" التي دفعتك لإعادة النظر في بعض قواعد العمل الجماعي التي لطالما حظيت بنقاش واسع ومستفيض استقر عندنا على اجتهاد معتبر أعلم أنه كان لك في تأصيله وترسيخ العمل به إسهام مقدر، أم أن "خلوتك الشرعية" بمَعلمة القواعد الأصولية والفقهية جعلتك تقف على قواعد جديدة لا نعلمها.

إن حديثي إليك اليوم أخي الكريم يتعلق بما جاء في حوارك الأخير وتحديدا الرأي الذي عبرت فيه عن أنك "ضد أن تقوم الأحزاب والتنظيمات بتكبيل حرية المبادرة المسؤولة لأعضائها، وأن تجعلهم لا يتحركون إلا بقرار منها، فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ثم لا ننس أننا حين ننتمي إلى حزب أو حركة، فنحن - قبل ذلك - منتمون إلى وطن وإلى شعب وإلى أمة ودين. فانتماؤنا الحزبي لا يسقط الحقوق والواجبات التي تقتضيها انتماءاتنا الأخرى، لا سيما إذا كانت أسمى وأسبق"، وأضفت أن "والذي أعلمه هو أن الحزب قرر عدم المشاركة باسمه وهيئته، ولكنه لم يقرر منع أعضائه من المشاركة. ولو فرضنا أنه قرر ذلك هذه المرة أو في مرة أخرى، فأنا لا أقبل هذا الحجر على العباد. فلكل أن يبادر ويمارس حريته ويصونها، والمحاسبة تكون على الإساءة والإضرار ومخالفة المبادئ والالتزامات المعتمدة".

أخي الكريم، إنني أكاد أجزم بأن الأغلبية الساحقة للأعضاء – إن لم يكن جميعهم – سواء في حركة التوحيد والإصلاح أوحزب العدالة والتنمية، يعبرون مثلما تعبرون عن أنهم "ضد أن تقوم الأحزاب والتنظيمات بتكبيل حرية المبادرة المسؤولة لأعضائها، وأن تجعلهم لا يتحركون إلا بقرار منها"، بل إننا لا نفتأ ندعو الأعضاء في جلساتنا وهيئاتنا وجموعنا إلى نبذ الانتظارية والتحلي بالفاعلية والفعالية، وأحدثت الحركة جوائز ومحفزات لأحسن المبادرات. كيف يمكن أن توصم الحركة أو الحزب بتكبيل حرية الأعضاء، وأنت تعلم أن من بين ما يؤاخذه علينا بعض من محبينا في الداخل والخارج كون أعضائنا لديهم "حرية زيادة" تتجاوز في بعض الأحيان توجهات التنظيم وقراراته، وأننا نبالغ في الشورى والاستشارة ومراعاة الآراء إلى درجة قد تفقد التنظيم قوته التي تقوم على "الجندية والانضباط" التي يشار إلى كونها ناقصة في تنظيماتنا بالمقارنة مع تنظيمات نعلمها جميعا في الداخل والخارج. وليس خافيا عنك أيضا ما يؤاخذ على هيئاتنا المسيرة من تباطؤ في مساءلة أو محاسبة عدد من الأعضاء الذين لا ينتظرون قرارا من الحركة ليجعلهم يتحركون فقط بل إنك تراهم "يحلقون" في مختلف الأجواء والفضاءات معبرين عن آرائهم ومواقفهم منتقدين الحركة وقيادتها إلى درجة تصل في بعض الأحيان إلى "جلد ذاتي" وتسفيه لآراء ومواقف المخالفين لهم من إخوانهم وأخواتهم، إن لم يتعدى الأمر ذلك إلى اتهام للنوايا مما يدعو بعض محبينا الذين أشرت إليهم سابقا إلى الاستغراب من كون هؤلاء أعضاء في الحركة.

قد أتفق معك أنه يوجد في بعض الأحيان ضيق بالرأي المخالف وخشية من أن يؤدي الاختلاف في الرأي والتعبير عنه إلى التشويش على صورة التنظيم الموحدة الجامعة المنسجمة، أو إلى إضعاف مستوى التفاعل مع ما قد تتخذه الهيئات والمؤسسات المعتمدة من قرارات، غير أنني أعتقد أن المقياس الجديد الذي أضفتموه لتحديد التزام الأفراد بالقرارات التنظيمية المتخذة من طرف الهيئات التي ينتمون إليها والذي يفهم منه تمكينهم من معارضة هذه القرارات بحجة ما تقتضيه الانتماءات الأخرى، أعتقد أنه يحتاج إلى تفصيل وتدقيق من خلال التمييز بين التعبير عن الرأي والالتزام بالقرار، وكذا التمييز بين حرية المبادرة المسؤولة للأعضاء قبل اتخاذ القرار ومسؤوليتهم في تنفيذه خصوصا إن كانوا من المشاركين في اتخاذه أو عند صدوره من هيئة مسؤولة بطريقة سليمة وصحيحة. وعلى افتراض وجود خلل في ذلك، ألا يكون المنهج السليم لتدبير الاختلاف في الرأي ومعالجة الأخطاء داخل التنظيمات، بالرجوع إلى الهيئات المعتمدة المخولة لذلك عوض نقلها إلى فضاءات أخرى والسعي لحشد التأييد خارجها؟.

ثم كيف لنا في حركة التوحيد والإصلاح أن ننسى أخي الكريم "أننا حين ننتمي إلى حزب أو حركة، فنحن - قبل ذلك - منتمون إلى وطن وإلى شعب وإلى أمة ودين. فانتماؤنا الحزبي لا يسقط الحقوق والواجبات التي تقتضيها انتماءاتنا الأخرى، لا سيما إذا كانت أسمى وأسبق"، كيف يتأتى لنا ذلك ونحن نعتبر أن انتماءاتنا التنظيمية ما هي إلا وسيلة لتعزيز انتماءاتنا القبْلية "إلى وطن وإلى شعب وإلى أمة ودين" وللقيام بجزء من واجبنا الذي تؤطره قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". لقد سطرنا في ميثاقنا تأصيلا "للعمل الجماعي المنظم" وجعلناه سادس مبادئنا ومنطلقاتنا الإحدى عشر ونحن مدركون تمام الإدراك لما كان يثيره البعض من شبهات حول التنظيمات وشرعيتها وما كان يوجهه البعض الآخر من سهام لأصحابها متهما إياهم بتفريق الأمة والتحزب المذموم شرعا وغير ذلك، داعين إلى الانتماء إلى الدين فقط وإلى الأمة لا غير ونبذ كل ما يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتخذه أسلوبا أو وسيلة من الوسائل في دعوته.

"لقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم وسائل دعوية متعددة حسب المرحلة التي كانت تجتازها الدعوة في مكة والمدينة، لكن الاختيار المبدئي الذي لم يتغير هو اعتماد العمل الجماعي المنظم والموجه نحو مقاصد مرسومة يتم تنفيذها في كل مرحلة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يضم الفرد بعد إسلامه إلى الجماعة المسلمة، فيرتبط بإخوانه برباط المحبة في الله ويتحول الإسلام إلى قضية مصيرية في شعوره وتفكيره، وينمو لديه الشعور بالانتماء إلى الأمة والبراء من الباطل وأهله." (الميثاق)

"والإسلام جاء برسالة إصلاحية شاملة ، فيها ما بين العبد وربه، وفيها ما بينه وما بين نفسه، وفيها ما بينه وما بين الناس، وحتى تنزل هذه الرسالة بكل أبعادها وامتداداتـها إلى الواقع لابد من دعوة يجتمع فيها العمل العلمي والتربوي والثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحتى تسير هذه الأنواع من العمل الإسلامي في انسجام لابد من خطط ونظم وقوانين، ولا بد من مؤسسات ولجان ومسؤولين ومهام، ولابد من اجتماعات ولقاءات ومشاورات وقرارات، ولابد من محاسبة ومراجعة وتقويم، وهذا لا يكون بغير عمل جماعي منظم يجد فيه كل مسلم مكانه ويمارس فيه دوره فيخدم دينه ودعوته بما يحسن، في الوقت الذي يقوم غيره على ثغور أخرى." (الميثاق)

وبما أننا أيضا كنا واعين تمام الوعي بما قد يثار حول مكانة هذه المنطلقات والمبادئ وموقعها فقد صدرنا للحديث عنها بما يزيل أي لبس قائلين: "نقصد بالمبادئ والمنطلقات تلك الكليات والأسس التي ننطلق منها ونرتكز عليها لتحقيق أهدافنا، وهي مستمدة من الكتاب والسنة، فنحن نجعل الكتاب والسنة المصدر الأعلى لكل مبادئنا ومنطلقاتنا وأهدافنا، والموجه الأسمى لاختياراتنا واجتهاداتنا، ونجعل ما تضمَّناه فوق آرائنا وقوانيننا وقراراتنا، وقديما قال بعض الأئمة : (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ونحن نقول :كل ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو قولنا ومذهبنا وشرعتنا".

كما أكدنا في آخر صفحة من الميثاق على أن "الوسائل والسبل لا حصر لها، ولا حد لتغيرها وتطورها. والمهم أن نستعمل الوسائل الفعالة والمشروعة ونسلك السبل الناجعة والموافقة لديننا ولمبادئنا. فنحن لا نحجر على أنفسنا في وسائل العمل وصيغه وأساليبه"، وهو ما صاغه بعض إخواننا قاعدة ذهبية تميز عملنا عن بعض ما تقوم به تنظيمات أخرى، أي "العمل بالجماعة وليس العمل للجماعة".

رد أحمد الريسوني على عبدالرحيم الشيحي

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الحبيب عبد الرحيم الشيخي حفظك الله

السلام عليك وعلى من معك ورحمة الله وبركاته، ومرحبا برسالتك وملاحظاتك وبعد.

فحتى لا أحتاج إلى التفصيل والتطويل، مما قد يجر إلى انتظار وتأخير كالذي حصل لك، فإني أختصر القول بذكر أهم الدواعي لما عبرت عنه من أفكار قد تكون مزعجة أو مثيرة للدهشة؟ فلربما على الأقل: إذا عُرف السبب زال العجب.

كل ما أقوله - فيما له صلة بالعمل الإسلامي - لا تكاد تغيب عنه أحوال الحركات والأحزاب الإسلامية وآفاتها واحتياجاتها مَغربا ومَشرقا، خاصة وأن كلامي يُقرأ ويُتداول في المشرق أكثر مما في المغرب. ولذلك قد يصدق فيه أحيانا المثل القائل: إياكِ أعني واسمعي ياجارة. فإذا كان بعض كلامي موجها إلى حركتنا، فإن أكثره - أو كله - موجه في المقام الأول إلى غيرها.

لديَّ إحساس قديم وراسخ بأن القيادات التنظيمية عموما، تجنح باستمرار إلى الضبط والتحكم والتنميط. ولذلك فهم عادة يَضيقون بالحرية ويُضَيِّقونها شيئا فشيئا، بوعي أو بدون وعي. ورغم أن حركة التوحيد والإصلاح تعتبر نموذجا ممتازا في موضوع المرونة التنظيمية وإعطاء الحرية وتشجيع المبادرة، كما أوضحتَ ذلك بما فيه الكفاية، فإن الجنوح المذكور (للضيق والتضييق) قائم، وأحيانا يأخذ في التضخم، وينتج توترات أو انكماشات، سواء في صفوف الحركة أو في مشتقاتها. والأمثلة حاضرة عندي بالوقائع والأمثلة المتنوعة. ولكن دعني أغتنم هذه الفرصة لأشير خاصة إلى إعلام الحركة، ففي المرة الأخيرة التي كنت بالمغرب وجدني الأخ مصطفى الخلفي أنظر في جريدة التجديد، فسألني: كيف تجد مستواها؟ فقلت جيد ومفيد. ولو سألني: فلماذا في رأيك مبيعاتها ضعيفة؟ لقلت له: إنه الالتزام بالخط الحزبي الرسمي. ولطالما ناديت بخوصصة إعلام الحركة حتى تتسع حريته وتقل قيوده ويكون قادرا على المنافسة.

هذا الاقتناع الذي يلازمني وينتفض بداخلي في بعض المناسبات المستفزة، تَعَزز بما قرأته عند علال الفاسي في كتاب (بديل البديل)، حيث اتفق هو وروجيه جارودي وعالم عراقي ذكره هناك، على ما في «التنظيم» من آفات، لعل أخطرها قتل الحريات وشل المبادرات... ولذلك كنت وأصبحت أكثر «ضد أن تقوم الأحزاب والتنظيمات بتكبيل حرية المبادرة المسؤولة لأعضائها، وأن تجعلهم لا يتحركون إلا بقرار منها». وهذا الذي أرمي إليه مقرر في نهجنا الفكري والتنظيمي، فكلامي أعتبره تثبيتا لمنهج حركتنا قبل أن يكون نقدا لها.

وقد تزامنت قراءتي وكتابتي في هذه النقطة مع الحوار المذكور والأحداث المعنية فيه. فجاءت تلك الجرعة القوية التي أصبحتُ أكثر اطمئنانا إلى ضرورتها ومناسبتها.

بعض الأمراض والظواهر الاجتماعية شبه الطبيعية، تحتاج دوما إلى شيء من المضادات الفكرية والنفسية لمنع ظهورها أو لمنع استفحالها أو لمنع استتبابها والاعتياد عليها. وقد يتطلب الأمر شيئا من التشدد المعاكس لمسار المرض. وللشاطبي كلام جيد في هذا المعنى، أعول عليه وأستند إليه، ولو أنه في المجال التشريعي.

وربما يحسن أن أنقل ولو جزءا منه. يقول رحمه الله: «... فإذا نظرتَ في كلية الشريعة (أي في مجملها) فتأمَّلْها تجدْها حاملة على التوسط. فإن رأيتَ ميلا إلى جهةِ طرف من الأطراف، فذلك في مقابلةِ واقع أو متوقع في الطرف الآخر. فطرفُ التشديد وعامةُ ما يكون في التخويف والترهيب والزجر، يؤتَى به في مقابلة من غَلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف وعامةُ ما يكون في الترجيَّةِ والترغيب والترخيص، يؤتي به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيتَ التوسط لائحا ومسلكَ الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه والمعقل الذي يُلجأ إليه. وعلى هذا: إذا رأيتَ في النقل من المعتبَرين في الدين من مال عن التوسط، فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى.» (الموافقات 2/167- 168)

هناك فكرة أستـبطِنُها فيما قلتُه عن تكبيل حرية الأعضاء، وأرى أنها بحاجة إلى نقاش وتبين؛ ومفادها عندي: أننا وُجدنا في الحركة وأوجدنا الحركة وائتمرنا بأمر الحركة لكي نفعل وننجز، ولكي نُقْدم ونتقدم ونتعاون على الإقدام والفعل، ولم نتجمع لكي يمنع بعضنا بعضا، ولا لكي نمنع أعضاءنا مما يرونه مفيدا لدينهم ووطنهم وأمتهم. فالأصل في الوجه الأول (الإقدام والفعل والإنجاز) هو أن نجتهد فيه ونتواصى به ونأخذه بالعزم والعزيمة والانضباط. وأما الوجه الثاني (الامتناع والمنع من المبادرات والمشاركات)، فالأصل فيه هو عدم المنع بل ترك الناس أحرارا، ثم قد يحاسبون لاحقا على نتائج أفعالهم وما قد يظهر من إساءتهم. قديما كنت أقول ساخرا: إن وزارة الأوقاف تعني أن مهمتها التوقيف والمنع، تمنع الخطباء والعلماء وتوقفهم. بينما في الأصل يجب أن تكون هي التي تمكمنهم من الفعل والتقدم في مختلف الميادين وفي المعالجة الشرعية لمختلف القضايا، بينما هي الآن تمنعهم من معظم الميادين والقضايا والمشاركات، ومن حاد أوقفته. لكنها لا تحاسب المتهاونين والمتغيبين والمفَرِّطين. وكلنا نتذكر العالم الخطيب الذي أوقفوه وعزلوه لمجرد حضوره في مؤتمر للعلماء بمدينة اسطنبول. أليست هذه وزارة الأوقاف بمعنى توقيف الأعمال والعاملين؟!

أنا لا أريد أن نكون حركة أو منظمة إسلامية توقف أعضاءها عن مبادراتهم التي هم مرتاحون إلى صوابيتها وجدواها. لكن أريد أن نكون حركة تلحُّ وتحاسب على تنفيذ الالتزامات والبرامج والتكليفات، بانضباط وإتقان.

قضية انتماءاتنا المتعددة ومقاماتها المتفاوتة، (الإسلام، الأمة الإسلامية، أهل السنة، الوطن، الحركة، الحزب، النقابة...)، وخاصة حالات التعارض بين هذه الانتماءات ومتطلباتها، يجب أن نعترف أنها أيضا قضية غير مدروسة عندنا. وهي على كل حال ليست قضية ملحة، وذلك راجع أولا إلى التكامل والتوافق والانسجام الذي يسود غالبا تعاملنا معها، وثانيا بحكم أن العرف الجاري به العمل عند كافة الحركات والتظيمات، هو أن الكلمة العليا للتنظيم والانتماء التنظيمي، مهما بدا وبدا... فلذلك على العضو أيّاً كانت صفته وتقديره أن يُسَلِّم للتنظيم، ويترك ما يتوهمه من كذا وكذا...

لذلك فنحن إما نحتاج إلى شيء من النقاش والتبين والضبط لهذه القضية، وإما أن نتركها، على أن نعالج إشكالاتها ونتحمل تداعياتها - النادرة الوقوع - في حينها، ولكن ليس على أساس ما جرى به العمل، ولكن على أساس أنها «مسألة اجتهادية غير منصوص عليها».

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: