قصة التسلل الشيعي والإيراني للقارة الأفريقية
السبت 1 فبراير 2014

أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

اليوم وبعد 35 عاماً على الثورة الإيرانية نجحت إيران والشيعة بالتسلل إلى أفريقيا، فظهرت بؤر شيعية هنا وهناك، وأقيمت مؤسسات ثقافية واقتصادية تتبع قوى إيرانية وشيعية، وأصبح لإيران نفوذ وحلفاء بين دول القارة، ولكن أيضاً هناك مقاومة كبيرة لهذا التسلل وهناك حالة سخط شعبية ورسمية على كثير من نتائج هذا التسلل.

فقد قطعت بعض الدول علاقاتها بإيران كالمغرب ونيجيريا وغامبيا، وجرّمت بعض الدول التشيع كجزر القمر مؤخراً، فضلاً عن الغضب الشعبي لما تقوم به المؤسسات والشخصيات الشيعية من تعكير حالة السلم المجتمعي عبر استثارة الغالبية الساحقة بالسب والطعن في رموزها ومقدساتها، ولعل أبلغ مثال على ذلك ما حصل للمتشيع المصري حسن شحاته الذي تمادى كثيراً في الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم بالطعن في زوجته أم المؤمنين عاشة رضي الله عنها، وبالطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مما أدى لقيام الجماهير الغاضبة بضربه حتى الموت، أثناء محاولته التبشير بالتشيع في إحدى القرى السنية بمصر.

في هذا المقال سأطوف سريعا حول المنافذ التى سلكها هذا التسلل الشيعي للقارة الأفريقية في العصر الحاضر بحسب التسلسل الزمني، إذ لم أجد من قدّم رؤية كلية لذلك على مستوى القارة، وإنما الذي وجدته إشارات جيدة لكن لمناطق محددة من القارة، والغاية من هذا وضع تصور كلي بداية لهذا التسلل وإطاره الزمني والجهات الراعية له، ومن ثم يمكن دراسة كل منفذ على حدة في دراسات قادمة، قد ينشط لها الباحثون.

1-   جهود مراجع شيعة العراق للتسلل لمصر  

لعل مصر شهدت أولى محاولات التسلل الشيعية للقارة الأفريقية، فمنذ مطلع القرن العشرين قام المرجع الشيعي العراقي حسين البروجردي بإرسال دعاة شيعة لمصر لغزوها ونشر التشيع بين أهلها([1])، فأرسل في أواخر سنة 1353هـ وأوائل سنة 1354هـ أبا عبدالله الزنجاني، ثم عبدالكريم الزنجاني، وقد فشلا في مهمتهما، وكشف العلماء المحققون كالعلامتين محب الدين الخطيب ومحمد الخضر حسين حقيقة تعصبهما الشيعي وكرههما للصحابة، ثم أتبعهما البروجردي بثالث هو الشيخ محمد تقي القمي الذي نجح بتأسيس دار التقريب في القاهرة سنة 1366هـ، 1946م، ثم أصدر من خلالها مجلة «رسالة الإسلام»، واستقطب لها بعض العلماء والفضلاء، وخدعهم بفكرة التقريب ثم انتبه البعض ونفض يده منها مثل: الدكتور محمد البهي، والشيخ محمد عرفة -عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر-، والشيخ طه محمد الساكت؛ وأهم ما نتج عن تسلل القمي شيئان:

الأول: فتوى شيخ الأزهر شلتوت بجواز التعبد على المذهب الشيعي([2])، والتي اتخذها الشيعة مطية للرواج بين البسطاء.

والثاني: هو استمالة حسن البنا لقبول فكرة التقريب برغم اعتراض واستنكار أستاذيه العلامة رشيد رضا، والعلامة محب الدين الخطيب([3])، على التقريب والغزو الشيعي، وقد نتج عن هذا أن سهلت جماعة الإخوان للشيعة اختراق الجسم السني في كل الدول التي تواجدوا فيها، والأخطر هو تشيع بعض أفرادها في أكثر من بلد وتحولهم لرموز شيعية تقود الغزو الشيعي، ومنهم أحمد راسم النفيس، وكمال الهلباوي من مصر، ومبارك بعداش من تونس، وإدريس هاني بالمغرب، وغيرهم.

وبعد القمي جاء للقاهرة السيد مرتضى الرضوي صاحب مكتبة النجاح في النجف الأشرف، والذي تردد على مصر 30 مرة، وكان يحرص على اللقاء بالأدباء والعلماء وإهدائهم الكتب الشيعية، وكان القمي يعده من دعاة التقريب، وقد طبع 25 كتاباً شيعياً في مصر وجعل بعض المصريين يكتب لها مقدمات نظير أجرة مالية! وقد دوّن الرضوي لقاءاته مع المصريين في كتاب ضخم بعنوان "مع رجال الفكر في القاهرة"، وقد أثنى على جهده السيد محمد باقر الصدر مرجع حزب الدعوة العراقي بسبب نجاح الرضوي بتخصيص جناح لكتب الشيعة في دار الكتب المصرية.

ثم واصل قيادة التسلل الشيعي لمصر السيد طالب الرفاعي([4])،الذي استوطن مصر بطلب من المرجع العراقي محسن الحكيم والذي عينه وكيلاً عنه فيها سنة 1969، فأسس جمعية آل البيت سنة 1973م، والتي لجأ إليها د. فتحي الشقاقي – قائد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية- ليبشر بالوحدة بين السنة والشيعة عقب الثورة الإيرانية([5]).

وطالب الرفاعي أصلاً جاء لمصر سنة 1967 من أجل إكمال دراسته الجامعية، فحصل على الماجستير سنة 1976م ومن ثم حصل على الدكتوراه سنة 1981م!

وأيضاً كان للمتشيع العراقي علي البدري جهود في نشر التشيع بالمناقشات وطباعة الكتب وتوزيعها، وهو جاء لمصر عام 1967 وبقي عدة أعوام فيها([6]).

ثم كان للطلبة العراقيين والخليجيين في مصر دور في هذا التسلل، ولما قامت الثورة الإيرانية فرح بها الإخوان والجماعة الإسلامية، وبعدها أصبح التشيع ينتشر قليلا قليلا في مصر([7]).      

2-  الجاليات اللبنانية في أفريقيا:

عرفت أفريقيا قدوم المهاجرين اللبنانيين وخاصة النصارى منهم قبل بداية القرن العشرين، وتوالت موجات الهجرة اللبنانية، وكان السبب في ذلك البحث عن فرص عمل أو هرباً من التجنيد الإجباري في الجيش العثماني، ثم أصبح للاستبداد السياسي دور في الهجرة، وكذلك كان لصراعات الطوائف ومن ثم الحرب الأهلية دور أيضا في هذه الهجرات، كانت مصر هي الوجهة الأولى، وقد استوطنتها النخب اللبنانية مثل العلامة رشيد رضا من التيار الإسلامي، أو روز اليوسف صاحبة المجلة المعروفة لليوم.

ثم تعدت الهجرة لدول أفريقيا الأخرى، وكان منهم لبنانيون شيعة، ولم يعرف لهم دور شيعي إلا قبيل الثورة الإيرانية بعقد تقريباً، وكان يهدف للحفاظ عليهم بداية.

وكان القائم على ذلك موسى الصدر اللبناني مؤسس حركة أمل، والذي زار أفريقيا عدة مرات، لكن زيارته لدول غرب أفريقيا سنة 1967 تعد أهمها، إذ عمل على زيارة الدول التي بها جاليات شيعية لبنانية، وحثها على التمسك بالتشيع والحرص عليه، وأرسل سنة 1969 مندوبا عنه ليقود شؤون الشيعة في السنغال، وهو الشيخ عبد المنعم الزين، الذي أسس سنة 1978 المؤسسة الإسلامية الاجتماعية، وقد نتج عن جهوده نشر التشيع في بعض دول أفريقيا المجاورة كموريتانيا، ولكن عمله في نشر التشيع بين السنغاليين كان عقب نجاح الثورة الإيرانية.

وأيضا قام اللبنانيون الشيعة في ساحل العاج سنة 1977 بإقامة (الجمعية الإسلامية الثقافية) بشاطئ ساحل العاج، وهذا بتأثير موسى الصدر قبل قيام الثورة الإيرانية، لكن عقب نجاح الثورة أصبحت الجاليات اللبنانية في أفريقيا هي أداة السفارات الإيرانية لاختراق المجتمعات الأفريقية، باستغلال علاقاتها مع النخب الحاكمة وسيطرتها الاقتصادية.

3-   المدرسون والتجار العراقيون والسوريون واللبنانيون الشيعة:  

منذ فترة الثمانينات سافر عدد من المدرسين العراقيين، ثم قدم سوريون ولبنانيون للعمل والتجارة في دول أفريقية مثل ليبيا والجزائر، وقد كان لهؤلاء المدرسين دور في تسلل التشيع لتلك البلاد من خلال احتكاكهم بالطلبة والناس.

4-  المتعاطفون مع نجاح الثورة الإيرانية من أبناء الحركة الإسلامية – الإخوان المسلمون:

عقب سقوط نظام الشاه وتسلم الخميني للحكم في إيران عمت الفرحة كثيرا من قادة وأبناء الحركة الإسلامية، وبسبب الموقف السابق للأستاذ حسن البنا الداعم للتقريب بين السنة والشيعة، فقد تصاعدت النداءات للوحدة بين السنة والشيعة، وقامت قيادة جماعة الإخوان من دول متعددة بالسفر معاً لطهران لتهنئة الخميني بالنصر.

وقد كانوا يعدّون الخميني وحركته مساوية لهم تماماً، يقول حسن الترابي وراشد الغنوشي حول مفهوم الحركة الإسلامية: إنه "الاتجاه الذي ينطلق من مفهوم الإسلام الشامل، مستهدفاً إقامة المجتمع المسلم والدولة الإسلامية على أساس ذلك التصور الشامل، وهذا المفهوم ينطبق على ثلاثة اتجاهات كبرى: (الإخوان المسلمون، الجماعة الإسلامية بباكستان، وحركة الإمام الخميني في إيران)"([8]).

ومن ثم توالت بعض الوفود الطلابية من الحركة الإسلامية من دول أفريقيا وخاصة من السودان على زيارة طهران أو سفاراتها، وكان من هتافات طلبة الجامعات في السودان سنة 1981: "يا خميني رفعت الراية! أنت المشعل أنت هداية!"، ثم بدأ هذا التعاطف العام يتحول لدى البعض إلى تشيع عقدي في عدد من الدول الأفريقية. 

5-  نشاط تيار الشيرازيين في أفريقيا:

عقب سقوط نظام النميري في السودان سنة 1985، أرسل تقي المدرسي زعيم حركة الطلائع الرسالية التابعة للتيار الشيرازي ومرجعية محمد الشيرازي، أحمد الكاتب -الباحث المعروف- للتبشير بالتشيع في السودان، وذلك استغلالا للقابلية العالية لدى أبناء الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي للتشيع، بسبب التعاطف الكبير مع دعاوى الوحدة والتقريب من جهة ومنهج الترابي العقلاني والمتميع في قضايا العقيدة والصحابة وأمثالها.

حيث قام أحمد الكاتب بتأسيس فرع لحركة الطلائع الشيرازية من بين المتشيعين، تحت غطاء حسينية الإمام القائم([9])، ومن ذلك الزمن وللشيرازيين نشاط كبير في أفريقيا.

ثم أكمل المسيرة علي البدري المتشيع العراقي، والذي بعد أن مكث في سوريا عدة سنوات عقب تركه مصر، عاد سنة 1986 لأفريقيا والسودان تحديداً، فطبع عددا من الكتب الشيعية فيها.

6-  السفارات الإيرانية والمستشاريات الثقافية:

عملت السفارات الإيرانية في المرحلة الأولى على توزيع بعض المطبوعات والمجلات على المترددين عليها، وأيضاً عملت على تقديم المنح للطلبة الأفارقة للدراسة في الجامعات الإيرانية والحوزات، وقد تشيع عدد كبير من هؤلاء الطلبة وأصبح بعضهم رأساً في نشر التشيع بين قومه.

ثم تطور عمل هذه السفارات والمستشاريات في التسعينيات وأصبح يقوم بدور رعاية الشيعة من الجاليات اللبنانية والمتشيعين وإقامة المؤسسات لهم، وذلك بعد الانفتاح السياسي لإيران على أفريقيا، والتي دشنتها زيارة الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفنسنجاني للسودان سنة 1991 ثم زيارة أخرى سنة 1996 لعدد من الدول الأفريقية، ثم تتالت زيارات الرئيسين السابقين خاتمي ونجاد لدول أفريقيا.

وأثمرت هذه الزيارات عن إقامة مصانع ومصافي بترول وعلاقات تجارية وسياسية وقواعد عسكرية، وهذا كله دفع عجلة التسلل الشيعي قدماً للأمام.

7-   المتشعيين من الجاليات الأفريقية في الخارج وخاصة أوروربا:

كان للنشاط الشيعي في أوروبا مستغلا جهل هذه الجاليات بدينها دور في التسلل الشيعي لأفريقيا، وخاصة عند رجوعهم لبلادهم للزيارة أو الاستقرار، فضلاً عن تأثيرهم على عائلاتهم، وهذه الظاهرة موجودة في المغرب بشكل خاص.

 

خاتمة:

هذه هي المنافذ التي تسلل منها التشيع لقارة أفريقيا، ثم تمكن من تكوين بؤر انطلاق وعمل، فأسست عدد من المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وأصبح لها مجلات وصحف ومدارس ومعاهد وجامعات، فضلاً عن نفوذ وعلاقات اقتصادية وسياسية مع حكومات الدول الأفريقية.

ولكن مع كل هذا لا يزال التسلل التشيعي طارئا على القارة الأفريقية وليس له جذور راسخة، وهو قائم بشكل كبير على جهل العامة به واستغلاله لفقرهم وحاجتهم.

ولذلك إن بقاء هذا التسلل واستمراره شبه مستحيل، لكن الركيزة في ذلك هو وجود وعي بهذا التسلل بداية، ثم وجود عمل فاعل للتحذير منه وإبطال خداعه، وهو ميسور للمخلصين، لأن الله عز وجل علّمنا (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد: 17).

 



[1]  - مجلة الفتح التي كان يديرها محب الدين الخطيب،  ج 17، ص 709.

[2]  -  لفهم ملابسات هذه الفتوى راجع: الموسوعة الشاملة للفرق المعاصرة في العالم، التجمعات الشيعية في أفريقيا العربية، أسامة شحادة وهيثم الكسواني، مكتبة مدبولي، ص 21.

[3]  - انظر: مجلة الفتح التي كان يصدرها محب الدين الخطيب، عدد 862، مقال (كلام صريح وكلام مبهم حول خرافة التقريب بين المذاهب)، وهو رد على حسن البنا شخصياً.

[4]  - انظر مقالي: أمالي السيد طالب الرفاعي، بالراصد عدد 118،

 http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6045

[5]  - انظر مقالي: حركة الجهاد الإسلامي والهوى الشيعي الإيراني، الراصد عدد 51،

 http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4888

[6]  - المتحولون حقائق ووثائق، هشام قطيط، دار المحجة البيضاء، ص 79.

[7]  - لمعرفة واقع التشيع في مصر، راجع الموسوعة الشاملة للفرق المعاصرة في العالم، التجمعات الشيعية في أفريقيا العربية، أسامة شحادة وهيثم الكسواني، مكتبة مدبولي.

[8]  - الحركة الإسلامية والتحديث، حسن الترابي وراشد الغنوشي، ص 17.

[9]  - أحمد الكاتب، سيرتي الفكرية والسياسية، على موقعه الشخصي. 

 
 
 
الجالية اللبنانية الشيعية في إفريقيا .. الواقع والدور
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

تمثل إفريقيا إحدى الوجهات المفضلة للهجرة اللبنانية، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن 350 ألف لبناني على الأقل منتشرون عبر القارة، وتمثل ساحل العاج، والسنغال، ونيجيريا أهم أقطاب الجاليات اللبنانية المقيمة في إفريقيا، بجانب آلاف اللبنانيين الآخرين يقيمون تقريبا في كل الدول الإفريقية، وتعيش الجاليات اللبنانية حياة يسودها الرخاء هناك، وهي أساسية ومنافسة لكثير من الجاليات الأخرى، إذ تبلغ قيمة الاستثمارات اللبنانية في إفريقيا نحو 45 مليار دولار تسبقها الصين بـ 75 مليار دولار أميركي.

يمارس معظم المواطنين اللبنانيين المتوزعين عبر القارة أنشطة تجارية، وفي السنغال التي تعود بداية الهجرة اللبنانية نحو هذا البلد إلى عام 1870م أنشأ اللبنانيون على مدار السنين أكثر من 65 ألف موطن عمل، وهناك مستوى اندماج كبير لللبنانيين في السنغال، حيث يشكلون "الجيل الرابع من السنغاليين ذوي الأصول اللبنانية"، وهناك العديد من اللبنانيين اندمجوا بصورة كاملة في السنغال على غرار فيصل شرارة رئيس مجلس إدارة صندوق الضمان الاجتماعي السنغالي والذي ينحدر من أصول لبنانية.

كما يتمركز الكثير من اللبنانيين كذلك في الدول المنتجة للألماس على غرار الكونغو الديمقراطية وسيراليون وغينيا الاستوائية وغينيا وإفريقيا الوسطى، ويتمتعون في هذه الدول بسجلات تجارية رسمية لشراء الألماس الذي يصدرونه نحو بلدهم الأصلي لبنان، وعلى ضوء ذلك يمثل الألماس أكثر من 80 في المائة من الصادرات اللبنانية نحو بلجيكا.

لعبت الظروف الاقتصادية المهيأة فى إفريقيا وفرص العمل المتوفرة دورا فى استقطاب عدد كبير من الجماعات اللبنانية إذ نجد أن بلاد إفريقيا تحتل المكانة الثانية بعد البرازيل بالنسبة للمهاجرين اللبنانيين فى العالم قاطبة، ولقد تبعت هجرة المسلمين اللبنانيين إلى إفريقيا هجرة اللبنانيين الموارنة بعد عام 1920. وتجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين الأوائل من المسلمين إلى بلاد إفريقيا كانوا من الشيعة ومن منطقة جنوب لبنان بالذات، ولعب العاملان الاقتصادى والسياسى فيما بعد دورا فى هجرة المواطنين اللبنانيين إلى إفريقيا، فمنطقة الجنوب اللبنانى التى يسكنها غالبية من الشيعة -بحسب بعض الإحصائيات- تفتقر إلى الموارد الطبيعية الكافية التى تساعد في سد حاجات الإنسان الاقتصادية، علاوة على أن الترتيبات الاستعمارية الفرنسية ساعدت أيضا في خلق طبقات طائفية في لبنان مما جعل الغالبية الشيعية مجموعة اقتصادية وسياسية هامشية إلى وقت قريب.

ساعدت هذه العوامل مجتمعة على هجرة شيعة الجنوب اللبناني إلى الخارج، الأمر الذى تزايدت وتيرته مع احتلال إسرائيل للجنوب اللبناني وتنامي المقاومة المسلحة لهذا الاحتلال والتي قادها الفلسطينيون في البداية، ويمكن إيجاز الأسباب المؤدية للهجرة اللبنانية بصفة عامة، وإلى إفريقيا بصفة خاصة، فى الفترة الزمنية الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وحتى اليوم في النقاط التالية:

1- الوضع الاقتصادي المتردي الذي عرفه لبنان فى مراحل عدة من تاريخه، وهذا الوضع انعكس سلبا على الوضع المعيشي.

2- الظروف السياسية التي عانى منها اللبنانيون وخاصة في خواتيم وبداية القرن العشرين.

3- انتشار الأمراض والأوبئة واستشراء المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى.

4- السعى وراء تحسين الوضع المعيشى للفرد والرغبة فى الارتقاء الاجتماعي.

5- الأجور المغرية والفرص الجديدة التى عرضت على المهاجرين الأوائل والإغراءات المالية والوظيفية التي تعطى للكفاءات اللبنانية في الخارج وخاصة في البلدان العربية المصدرة للنفط.

6- الحروب التي عصفت بلبنان وخاصة الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمان وما رافقها من ظروف أثرت في الوضع الاقتصادي والمعيشي.

7- ضآلة فرص العمل والتي وإن توفرت فإنها غالبا ما تكون معروضة بأجور هي دون تطلعات أصحاب الكفاءات.

8- تدني الرواتب بشكل عام وخاصة في القطاع العام.

9- ازدياد عدد خريجي الجامعات بأكثر من فرص العمل المعروضة سنويا مما يفرض أن تكون لبنان بلدا مصدرا للعقول.

10- ورود أخبار النجاحات التي أصابها بعض المغتربين ورغبة بعض اللبنانيين المقيمين في حذو وسلوك درب الهجرة.

11- وجود أقارب في بلد الاغتراب قد يسهل فى اتخاذ قرار الهجرة نظرا للدعم الذي يمكن أن يقدمه الأقارب عبر تحمل أعباء فترة التكيف فى الاستقبال وعبر توفير المتطلبات الضرورية القانوية للهجرة.

خارطة انتشار اللبنانيين في إفريقيا:

ليبيريا:

منذ وصول اللبنانيين إلى ليبيريا في العام 1895، وزعوا نشاطهم على مختلف القطاعات، في التجارة والصناعة والعمل الاجتماعي والتربية والبنى التحتية، فمنحهم أهالي البلاد ثقة كبيرة توجت بوصول أحد أفراد الجالية اللبنانية (موني قبطان) إلى منصب وزير الخارجية في العام 1997، وتراجعت أعداد اللبنانيين حاليا في ليبيريا بفعل الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد خلال التسعينيات، حيث تشير الإحصاءات إلى وصول عدد اللبنانيين إلى أقل من 1000 بعدما كانوا 15 ألفا في عام 1996.

ساحل العاج:

وفي ساحل العاج، تعتبر الجالية اللبنانية الموجودة هناك منذ عام 1920 الأكبر في القارة السمراء، إذ يزيد عدد أفرادها على 120 ألفا، وهم يشكلون ركيزة اقتصادية مهمة في البلاد، حيث يسيطر اللبنانيون على 60% من الأنشطة الاقتصادية حيث يمتلكون بها أربعة آلاف مؤسسة من بينها 1500 مؤسسة صناعية يعمل بها نحو 150 ألف مواطن من أهل البلاد، وقد حظي اللبنانيون بامتيازات خاصة من قبل الدولة هناك، فمنحتهم دون غيرهم من الجاليات حق العضوية في غرف التجارة والصناعة والزراعة.

نيجيريا:

وفي نيجيريا، تعيش الجالية اللبنانية التي تبلغ حوالي 30 ألفا منذ حوالي 120 عاما. وقد اندمجت في المجتمع المحلي، فأخذت الكثير من عاداته وتقاليده حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من التركيبة المحلية للبلاد. وبرز منها رجال أعمال كبار لعبوا دورا أساسيا في تحريك الاقتصاد المحلي بحيث أصبحوا عاملا مساهما في التقدم الذي حققته نيجيريا إلى اليوم.

السنغال:

يبلغ عدد المغتربين اللبنانيين في السنغال حوالي 25 ألفا، وهم يعملون حاليا في صناعة الصابون والبلاستيك والحلويات. كما نجحوا في احتلال مراكز مهمة سياسيا وعسكريا واقتصاديا في تلك البلاد، مثل النائب في البرلمان علي صالح، والجنرال في الجيش فائز برجي.

سيراليون:

هاجر اللبنانيون إلى سيراليون في عام 1890 حتى بلغ عددهم 25 ألفا في نهاية التسعينيات، قبل أن يقلوا إلى نحو 6 آلاف حاليا، بسبب الأزمات في سيراليون، واستقطبت مناجم الماس أعدادا كبيرة منهم، ويعتبر تاجر الماس جميل سعيد اللبناني الأشهر في سيراليون.

غانا:

استطاع اللبنانيون الذين قدموا إلى غانا في مطلع القرن الماضي، أن ينسجوا علاقات متينة مع الشعب الغاني، ويعتبر عددهم الذي يبلغ ما بين 3-5 آلاف متواضعا بالقياس مع عدد اللبنانيين في الدول الإفريقية المجاورة.

أنشطة المهاجرين اللبنانيين في إفريقيا:

تنوعت أنشطة اللبنانيين في إفريقيا، وقد تمثلت في عدة مجالات أساسية متتالية ومتوازية في أوقات كثيرة، ومنها:

1- الوساطة وتجارة التجزئة: حيث عمل الكثير من المهاجرين الأوائل كوسطاء للقوى الاستعمارية تجاه الوطنيين حيث اتجهوا إلى المناطق الداخلية من القارة الإفريقية التي أحجم الأوروبيون عن الولوج إليها حيث كانوا يقومون بجمع المحاصيل والمنتجات الإفريقية لبيعها للأوروبيين، وكذا بيع المنتجات الأوروبية إلى الأفارقة في المناطق الداخلية، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين منهم يتخصصون في مجالات النقل وما يرتبط به من خدمات.

2- تجارة الجملة وخدمات النقل والمواصلات: امتد نشاط اللبنانيين إلى تجارة الجملة وسيطروا عليها في العديد من دول القارة مع إرهاصات خروج المستعمرين واستقلال تلك البلاد، في ذات الوقت الذي اتسعت فيه أنشطتهم في مجالات الخدمات الفندقية، والأنشطة الترفيهية، وخدمات النقل والمواصلات، والاستيراد والتصدير، وشق الطرق والبناء التي لم تعد تقتصر على النقل البري أو الشحن البحري كما هو الحال في معظم الدول التي يوجد بها اللبنانيون، بل امتدت إلى النقل الجوي الداخلي، على نحو ما حدث في دولة الكونغو برازفيل، والخارجي على نحو ما تشهد خبرة شركة مصطفى الحاج في دولة بنين.

3- التصنيع والوكالة: مثل الاتجاه نحو التصنيع خيارا أساسيا للكثير من المهاجرين اللبنانيين في مرحلة ما بعد استقلال الدول الإفريقية بفعل اتجاه العديد من أبناء الدول الإفريقية إلى الأنشطة التي كانت مقصورة على اللبنانيين، وتنامي قدراتهم في تلك المجالات مع تشجيع حكوماتهم لهذا الاتجاه، وتعتبر مجالات الصناعات البلاستيكية، وصناعة الورق والأخشاب والحلوى، ومستلزمات البناء والدهانات، والمنسوجات والمفروشات، والصناعات الغذائية المختلفة، وصناعات الزيوت والصابون، وصناعة الأدوية، وتجميع السيارات وصناعة الهياكل المعدنية للشاحنات، وكذا استخراج الماس وتصديره خاصة إلى بلجيكا، وإلى جانب نشاط التصنيع استطاع البعض من المهاجرين الحصول على توكيلات بعض الشركات العالمية لاسيما في مجال السيارات والأجهزة الكهربائية، وعملوا كوكلاء وموزعين لهم في الدول الإفريقية.

4- الخدمات الفنية والاستشارية والاتصالات: ارتبطت تلك النوعية من الأعمال بالتطورات سالفة البيان بشأن تركيبة المهاجرين اللبنانيين في المراحل الأخيرة للهجرة في نهايات القرن العشرين، حيث تخصص العديد من المهاجرين في تقديم الاستشارات الفنية في مجالات المعمار والصحة وبناء وتجهيز المستشفيات، والاتصالات وشبكات الإنترنت، والصرافة والأوراق المالية، ويُذكر في هذا المقام أن المهندسين اللبنانيين استطاعوا الحصول على مناقصة تصميم وبناء القصر الجمهوري في دولة غينيا الاستوائية، وكذا عدة مناقصات أخرى لشق وبناء الطرق في عدة دول وعواصم إفريقية (من ذلك نيامي النيجر، مالابو غينيا الاستوائية، ياوندي الكاميرون .. إلخ).

يعتمد اللبنانيون في معظم مشروعاتهم على الأيدي العاملة الوطنية (الإفريقية)، على أنه يتم الاعتماد في المستويات الأعلى على الكوادر اللبنانية من المقيمين في الدولة الإفريقية أو من يتم استقدامهم خصيصا لهذا النشاط، ففي نيجيريا على سبيل المثال توظف مجموعة شركات شاغوري للتجارة نحو 000, 100 من النيجيريين مقابل 200 من الأجانب معظمهم بطبيعة الحال من اللبنانيين، وعلى ذات الصعيد يملك فريد مكارم، اللبناني الأصل، سلسلة من مصانع المفروشات يعمل بها نحو 4000 عامل وطني، ويبلغ عدد الشركات المسجلة بأسماء لبنانيين في جنوب إفريقيا نحو 300 شركة، كما سلف بيان أن اللبنانيين أوجدوا نحو 150 ألف فرصة عمل في ساحل العاج، ولا يختلف الأمر من حيث الطبيعة (الاعتماد على العمالة الوطنية) وإن اختلف من حيث حجم العمالة باختلاف طبيعة النشاط وحجمه من دولة إلى أخرى.

ترتبط عملية اندماج المهاجرين العرب في مجتمعات المهجر في أحد جوانبها بطبيعة هذه المجتمعات ومدى تقبلها لهؤلاء المهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى مدى استعداد هؤلاء المهاجرين للاندماج في هذه المجتمعات، وقبولهم فيها، إلا أن طموح الكثير من هؤلاء المهاجرين الأوائل كان دافعا لتغلبهم على كل هذه الصعوبات والعقبات، وسعيهم الدؤوب لمحاولات الاندماج في هذه المجتمعات والتغلب على كل محاولات التهميش، وقد لعبت العوامل الاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية دورا كبيرا في عملية اندماج المهاجرين العرب في بلاد المهجر، فقد عجز المهاجرون ذوو الإمكانيات الاقتصادية المحدودة عن تحقيق الاندماج، ولاسيما هؤلاء الذين كانوا من أصول قروية ولم يتجاوزوا مرحلة التعليم الأساسي، ولم يتعلموا اللغة الوطنية، وكان أن تكتل هؤلاء في أماكن ومناطق محدودة خاصة بهم، وربما تمثل هذه المجموعة نمط الانعزال والانفصال عن المجتمع الذي تعيش فيه.

أما المهاجرون الذين تمكنوا من تحقيق ثروات لا بأس بها، وكان مستواهم التعليمي فوق المتوسط ومن القادمين أساسا من المدن، فقد مثلوا نمط الاندماج، وقد عمد هؤلاء إلى تقليل علاقاتهم مع أقرانهم من المجتمعات السابقة، والتي كانوا يرونها عائقا يحول دون اندماجهم في مجتمع المهجر بسبب تشبثهم بعاداتهم وتقاليدهم التي نقلوها معهم من وطنهم الأم إلى بلاد المهجر، ينطبق ذلك على المهاجرين اللبنانيين إلى إفريقيا وغيرها من أصقاع العالم.

حين النظر للتأقلم الحضاري والثقافي والاجتماعي للبنانيين مع مجتمعات المهجر، نلاحظ أن هناك أربعة أنماط له:

الأول: نمط الانعزال والانفصال الكامل للمهاجر عن المحيط الاجتماعي والثقافي الذي هاجر إليه، ويعود سبب هذا الانعزال والانفصال لعدم قدرة المهاجر على التكيف والتأقلم مع عادات هذا المحيط وتقاليده، فيحدث أن يلجأ – مع مجموعة من أقرانه الذين يشاركونه الظروف نفسها- إلى التجمع والتكتل في منطقة سكنية محددة، ويكاد تعامله اليومي فيها يكون مقتصرا على هذه المجموعة من أقرانه، بحيث تقل فرص اختلاطه وتعاملاته اليومية – الحياتية مع الآخرين خارج هذه الدائرة الضيقة، وهذا النمط يتم عادة بشكل اختياري.

الثاني: نمط التهميش، وهو يتم بشكل إجباري للمهاجر يجعله يعيش ما يمكن تسميته بـ (أزمة الهوية) حيث يتم تغريبه عن ثقافته وتقاليده، فلا يسمح له بالمشاركة في أي من مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجتمع المهجر، بالإضافة إلى تهميشه من جانب هذا المجتمع.

الثالث: نمط الاندماج، وهو يسمح للمهاجر بالمشاركة الفعلية في مختلف مجالات الحياة في بلاد المهجر، وقد يتمكن المهاجر في الوقت ذاته من الاحتفاظ بشخصيته الحضارية الأصلية وثقافته ولغته، ومنظومة القيم والعادات التي ورثها عن مجتمعه الأصلي، فالمهاجر في سعيه للاندماج في مجتمع المهجر يحتفظ بكل مقومات الإرث التاريخي والثقافي والديني في وطنه الأم.

الرابع: نمط الذوبان (الانصهار) وهنا يصبح المهاجر جزءا لا يتجزأ من المجتمع الذي يعيش فيه، بل يعتبره وطنه الأم، وينشغل بهمومه ومشاكله، وينفصل تماما عن ماضي الآباء والأجداد وتاريخهم وثقافتهم، ويسعى لإقامة علاقات اجتماعية وعائلية خارج مجموعته الإثنية التي ينتمي إليها، بل ويسعى إلى فك ارتباطه وعلاقاته معها، لأنه يرى فيها عائقا يحول دون اندماجه الكامل في المجتمع.

هل يشهد الوجود الشيعي في إفريقيا تضييقا ما؟

تتحدث بعض التقارير الرسمية عن تضييق يتم على الجالية الشيعية في إفريقيا، في حين يقول مسؤول اغترابي رفيع لـصحيفة لبنانية: «إنه لا تضييق ممنهجا وواسعا ضدّ اللبنانيين كما يصوّر البعض، ما يوجد هو قرارات متباعدة زمنيا أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية أدرجت فيها أسماء عدد من اللبنانيين بتهم تحويل أموال الى حزب الله أو تبييض أموال، واكبتها قرارات مماثلة من بضع دول إفريقية أبرزها توغو وبينين وغانا والسنغال ونيجيريا، باتهام شخصيات بعضها من فعاليّات الجالية اللبنانية في هذه البلاد، والبعض من الأشخاص هم مسؤولون في حزب الله لكنهم قلّة، بينما بعضهم الآخر لا علاقة لهم بالحزب، لا من قريب ولا من بعيد». ويلفت المسؤول المذكور الى أنّ «العدد انخفض من 25 شخصا إلى 15 معتقلين، وقد تمّ تجميد أموالهم، بينما أطلق البقيّة وتجري وساطات معهم كي لا يرفعوا دعاوى أمام المحاكم المختصة للتعويض عن الأذى المعنوي والمادّي الذي لحق بهم».

هذه الوقائع دفعت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية إلى الاتصال بسفراء الدول الافريقية المعنية «لتوضيح الأمور»، ويعتبر المسؤول المذكور أن «اللبنانيين محبوبون في الدول الإفريقية وهم ركيزة في بناء اقتصادها، وأثناء زيارة الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان أبيدجان خاطبه الرئيس العاجي الحسن واتارا، كاشفاً أن المؤسسات اللبنانية تشغّل 350 ألف عاجي في حين أن مؤسسات الدولة الرسمية لا تضم أكثر من 150 ألفا، وأن الضرائب السنوية التي يدفعها اللبنانيون للدولة تبلغ أكثر من مليار دولار أميركي، في حين أنّ إسهامهم في الناتج القومي المحلي يبلغ 15 في المئة».

وتحدّثت بعض التقارير عن احتمال أن يحذو الاتحاد الإفريقي حذو الاتحاد الأوروبي بإدراج «حزب الله» على لائحة الإرهاب، في هذا الإطار يقول ديبلوماسي لبناني في إحدى الدول الإفريقية ذات جالية لبنانية كبيرة: «لا علم لدينا بوجود أي لوائح إرهاب لدى الاتحاد الإفريقي، كما أن أي قرار يتّخذه يجب أن يحظى بإجماع كل دولِه، أي 52 دولة، وهذا مستحيل وسط رفض دول عدّة لذلك، ومنها دولة جنوب إفريقيا التي تنتمي إلى دول البريكس».

لكنّ الديبلوماسي المذكور، الذي رفض الكشف عن اسمه، يتوقّع مزيدا من التضييق على المغتربين اللبنانيين في إفريقيا بالنسبة إلى نقل الأموال وإصدار الـتأشيرات من وإلى أوروبا، وكلّ ذلك بسبب إدراج ما اسمته الدول الأوروبية «الجناح العسكري» لـ «حزب الله» على قائمتها الإرهابية، «فالتضييق مرشّح للتوسّع نظرا إلى التنسيق الإفريقي _ الأوروبي الوثيق»، كما يقول.

من جهته، يعلّق المسؤول الاغترابي اللبناني الرفيع قائلا: «في هذا الملفّ يتمّ خلط السياسي بالإنساني بسبب مشكلة المقاومة مع إسرائيل». ويروي قول أحد المسؤولين الأمنيين الأفارقة له عن كيفية رصد السلطات المعنية للبنانيين يضعون صورا لهم بالسلاح على حساباتهم الشخصية على الفيسبوك تعلوها صور للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.

وقد شرح المسؤول اللبناني للمسؤول الإفريقي أن قطعة السلاح هي نوع من التراث الذي يحتفي اللبنانيون باقتنائه في بيوتهم، وهذا لا يعني أنهم إرهابيون أو ينتمون إلى «حزب الله» كعسكر، وهم يعيشون مسالمين في إفريقيا وليسوا إلا مناصرين للمقاومة. ويخلص المسؤول الاغترابي إلى القول: «مع الوقت يتبيّن عدم صحة الكثير من الادعاءات، كما حصل مع البنك الكندي الذي ظهر أخيرا أنه لا تترتب عليه أية تهمة مما وضعتها وزارة الخزانة الأميركية، وبالتالي فإن الادعاءات الملفقة غير مقبولة، وهي تدخل في إطار الاستهداف السياسي. الدولة اللبنانية لا تغطي أي مخالف للقانون أو يعمل على زعزعة أمن الدول الإفريقية، لكننا أيضا لا نقبل بالتجني، ونحن نثق بالدول الإفريقية وبرؤسائها ذوي الحس الوطني العالي».

شيعة لبنان في إفريقيا.. الدور والمستقبل:

تشير بعض الإحصائيات الرسمية اللبنانية إلى أن المغتربين اللبنانيين في إفريقيا ينتمي 70 في المئة منهم إلى الطائفة الشيعية، وجلّهم من أهل الجنوب اللبناني، ويدعمون حزب الله اللبناني، وتميزت الهجرات اللبنانية في فترة ما بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بزيادة عدد شيعة جنوب لبنان إلى غرب إفريقيا، حيث مثلوا حوالي 90% من مجموع المهاجرين اللبنانيين في تلك الفترة، وهو ما تسبب في نشر المذهب الشيعي في العديد من الدول، مثل السنغال التي بلغ عدد الشيعة فيها نحو 6000 شخص، كما أن التجار اللبنانيين الشيعة في دول غرب إفريقيا شكلوا موردا ضخما للتبرعات لحزب الله، وشكلوا مركزا لنفوذ إيران في غرب إفريقيا، بحسب تقارير صحفية لبنانية.

تعتبر منطقة غرب إفريقيا الغنية بالمعادن والمناجم، مصدر تمويل كبيرا وضخما لحزب الله وإيران على حد سواء، فهما اللذان استطاعا الوصول إلى تلك الدول لزرع استثمارات ضخمة درّت أموالا طائلة إليهما، وأسهمت في توسع نفوذ المذهب الشيعي في تلك الدول، وتجنيد مواطنين من تلك البلاد لنشر المذهب، وتتركز استثمارات إيران وشيعة لبنان هناك في مجال المعادن كالماس والذهب، وبحسب صحيفة الشرق الأوسط، فإن تعداد الشيعة في غرب إفريقيا حتى عام 2010، تخطى حاجز الـ7 ملايين، مشيرة إلى أن طهران وحزب الله كانا سبب انتشار هذا المذهب تحديدا بين مسلمي المنطقة.

نقلت قناة العربية الإخبارية، في يونيو من العام الماضي 2015م، خبر تغريم بنوك لبنانية أدينت بتهم غسيل أموال تابعة لـ "حزب الله"، وهو ما كشفت عنه تحقيقات مطولة للاستخبارات الأمريكية، أثبتت فيه استخدام الحزب لدول غرب إفريقيا في نقل المخدرات بين عملاء تابعين لهم بأمريكا اللاتينية للتوسع في هذه التجارة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، وأثبتت التحقيقات أن عناصر حزب الله "يجندون" عملاء جددا في سيراليون والسنغال وساحل العاج، بهدف جمع الأموال لصالحه.

فيما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أن لبنانيين مقربين من "حزب الله" يسيطرون على تجارة الماس في عدة دول في غرب إفريقيا أهمها غينيا وسيراليون، قائلة إن هؤلاء اللبنانيين يشكلون خطرا على مستثمرين إسرائيليين يعملون بكثافة هم أيضا في هذه التجارة بغرب إفريقيا.

سعت إيران خلال السنوات الخمس الماضية إلى تعزيز وجودها الاستراتيجي والاقتصادي والاستثماري في أفريقيا وسط تنافس على النفوذ بين دول عربية وإيران وإسرائيل على القارة التي تتمتع بموارد مائية كبيرة، وبدأت طهران توسيع استثماراتها خصوصا في البنية التحتية وصناعة السيارات (تم إنشاء مصنع لتركيب السيارات يعد من أهم وأكبر مصانع تركيب السيارات في غرب أفريقيا. كما زادت السنغال من صادراتها إلى إيران حيث قفزت ما بين 2005 و2006 إلى 240%). ومن النفوذ الاقتصادي توسع النفوذ الديني إذ بنى الإيرانيون حوزة علمية في قلب العاصمة داكار، تسمى حوزة الرسول الأعظم. ووفقا لمصادر عدة فإنه يوجد الكثير من الجمعيات الشيعية الناشــــــــــــــطة في السنغال، ترعاها الجالية اللبنانية ذات النفوذ المالي والاقتصادي القوي، ويعمل بعض هذه الجمعيات في المجال الاجتماعي كمساعدة الأهالي وبناء المدارس والمستوصفات.

 ونقلت «هآرتس» آنذاك عن تجار ألماس إسرائيليين في دول غرب أفريقيا أن المشــــــــــكلة الكبرى  للإسرائيليين في هذه المنطقة هي أن هناك دولا يسيطر فيها لبنانيون متماثلون في الغالب مع حزب الله، على صناعة الألمـــــــــــــــــاس، وهناك دول صارت تعرف أن حزب الله يعمل كذراع للنفوذ الإيراني في القارة. واعتبرت أن اللبنانييــــــــن يعدون بالملايين في أفريقيا، وقسم منهم شـــــــــــيعة يســــــــاندون حزب الله بالمال الوفير وبالدعم اللوجيستي، مما يسهل أكثر نقل المذهب الشيعي وبناء الحوزات العلمية والمراكــــــــــــز الثقافية.

المراجع:

1-    الجالية اللبنانية في إفريقيا، مقال منشور بموقع وكالة الأنباء الإفريقية (بانا).

2-    الوجود اللبناني في إفريقيا: قضايا الماضي والواقع، وآفاق المستقبل، مقال منشور بمجلة قراءات إفريقية، نوفمبر 2014م.

3-     لبنان في غرب إفريقيا.. قصة الاغتراب والثروة، مقال كتبه إبراهيم مصطفى، منشور بموقع دوت مصر، على الرابط: http://old.dotmsr.com/ar/1001/2/106135

4- 7 ملايين شيعي في غرب أفريقيا وتأسيس «مجمع أهل البيت» في غينيا، صحيفة الشرق الأوسط، 11 مايو 2010 العدد 11487.

 

 
 
 
انتشار التشيّع وتأثيره في النسيج الاجتماعي في غرب إفريقيا
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 

 محمَّد الأمين سَوَادغو - باحث في الشؤون الإفريقية من بوركينافاسو.

 

 

استوطن إفريقيا كثيرٌ من المعتقدات الوافدة، ومن أبرز أسباب ذلك أنّ الشَّخصية الإفريقية شخصية مرنة، سهلة الاستجابة، تتقبل كلّ شيء، وقد أدرك الشِّيعة الرافضة هذه السمة في الشَّخصية الإفريقية؛ فسعوا إلى القارة السّمراء، يروّجون لمذهبهم تحت دعاوى محبّة أهل البيت وموالاة عليّ رضي الله عنه.

وعلى الرَّغم من أنَّ المسلم في غرب إفريقيا سنّيّ العقيدة، مالكي المَذْهب، منذ قرون، فإنَّ التّشيّع أصبحَ يتوغَّل في إفريقيا عامّة، وغربها خاصّة، وأصبحَت الدعوة إلى التشيّع ظاهرة، وهذا ما يستلزم التَّناول العلمي، خصوصاً مع اتجاه الدراسات المنسوبة للمتشيّعين الأفارقة، من مختلف المرجعيات الشِّيعية، نحو أسلوب التَّضخيم والمبالغة عن التمدّد الشّيعي في غرب إفريقيا.

تاريخ الوجود الشيعي في غرب إفريقيا:

إنّ دراسة الوجود الشِّيعي من النَّاحية التَّاريخية في منطقة غرب إفريقيا عملٌ شاقٌّ ومهم؛ لأنّ غرب إفريقيا تمثّل منطقة شاسعة، تضمّ: (بوركينافاسو، موريتانيا، السنغال، غامبيا، الغابون، غينيا بيساو، غينيا كوناكري، ساحل العاج، مالي، غانا، نيجيريا، النيجر، سيراليون، توغو، ليبيريا، بنين، والرأس الأخضر)، ويزيد عدد سكان المنطقة على «250 مليون نسمة»، وهي تمثّل أكبر كتلة مسلمة في إفريقيا، فأغلب سكانها مسلمون، إضافةً إلى أنّها أكثر أجزاء القارة من حيث الوحدات السياسية، والازدواجية في التَّقسيم الدِّيموغرافي.

والتَّمدّد الشِّيعي في غرب إفريقيا -أو غيرها- من المستجدات الميدانية التي تثير اهتمام الفعاليات الإسلامية والجهات المهتمة بالدعوة وغيرها في غرب إفريقيا اليوم، وإنَّ المتتبع لتاريخ دخول الشِّيعة والمتشيّعين الأفارقة وغيرهم في إفريقيا بعامّة، وغربها بخاصّة، يُدركُ بوضوح أنَّ دخولهم مرّ بعدّة محطات؛ أهمها:

المحطة الأولى: الجاليات اللّبنانية، أول نواة للشِّيعة في غرب إفريقيا

منذ حقبةٍ من الزمن هاجر بعض اللبنانيين إلى إفريقيا لغرض التِّجارة والاستثمار فيها، وكان منهم الشِّيعي، والسُّنّي، والنصراني، والدرزي، وتزايد عددهم بشكلٍ واضحٍ مع النصف الأخير من القرن التَّاسع عشر، وكانت المستعمرات الفرنسية في إفريقيا أولى محطات الهجرة اللبنانية إلى القارة؛ لأنّ بعضهم يتقن اللغة الفرنسية بسبب الاستعمار الفرنسي للبنان، وتركّزوا في ستة أقاليم كانت خاضعة للسّيطرة الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى، هي: (السِّنغال، وغينيا كوناكري، ومالي، وبنين، والنيجر، وموريتانيا)، بالإضافة إلى مستعمرتي: (غامبيا، وسيراليون) الإنجليزيتَين، ومستعمرة غينيا الاستوائية البرتغالية.

وفَد مع التُّجار اللّبنانيين متشيّعون لبنانيون لنشر العقيدة الشِّيعية في إفريقيا، فشكّلوا النواة الأولى للوجود الشِّيعي في غرب إفريقيا، وقد ازداد نشاطهم بعد تقلّد بعض أبناء جالياتهم مناصب عليا في بعض بلدان إفريقيا؛ فوفَّروا للمتشيّعين حمايةً قانونيةً وغطاءً سياسيّاً؛ وتُرجم «الثقل الاقتصادي للجالية اللبنانية إلى ثقلٍ سياسيٍّ بدخول بعض الأفراد ذوي الأصول اللبنانية إلى البرلمانات الوطنية في الدول الإفريقية، على نحو ما حصل في غينيا بيساو، بينما وصل آخرون إلى منصب مستشار الرئيس كما في غينيا الاستوائية وبوركينافاسو. يُضاف إلى ذلك الاتصالات الشَّخصية للعديد من رجال الأعمال اللّبنانيين بكبار المسؤولين ورجال الدولة في الدول الإفريقية بغية تأمين مصالحهم وحمايتها، وهي اتصالات تتمّ في معظمها على أُسس فردية ولمصالح خاصّة»([1]).

المحطة الثَّانية: الدبلوماسية الإيرانية

وقد ظهر الشِّيعة بشكلٍ منظّم في غرب إفريقيا منذ عام 1949م إلى 1990م تحت رعاية الدبلوماسية الإيرانية، وهناك مَن يرى أنَّ حقيقة الظهور المنظّم في غرب إفريقيا بدأ بين عامي 1980م و1990م؛ لأنَّ معظم بلدان غرب إفريقيا ارتبطتْ علاقاتها الدبلوماسية بإيران في هذه الحقبة([2]).

المحطة الثَّالثة: الثورة الإيرانية الخُمَينية

تعدّ الثورة الخمينية عام 1979م المحرِّك الأساس للشِّيعة في إفريقيا، حيث أطلقت مشروعاً عالميّاً بعيد المدى؛ لتصدير (الثورة الإسلامية) التي تستهدف العالم الإسلامي والمسلمين السنّيين؛ إذ إنَّه من المعروف أنّ النشاط الدعوي الشيعي مقصورٌ على الداخل الإسلاميّ في معظمه الغالب، ولا ينشط خارج إطار المسلمين؛ فهو غير معنيٍّ أصلاً بانتشار الإسلام، وإنما معني ّبذيوع الفكرة الشِّيعية المتمردة في المحيط السُّني، وفي إفريقيا (محلّ الدراسة)، وعند تتبع النشاطات والمؤسسات التي تأسّست في إفريقيا يُلاحَظ أنّ معظمها بدأْ عمله في الأعوام التي تلتْ الثورة الإيرانية؛ بدءاً من عام 1983م تقريباً([3]).

واستطاعتْ إيران طيلة ثلاثة عقود من العمل المنظّم والمستمر، ومن خلال المنظمات الخيريَّة الإيرانية والعراقية، والهيئات الحكومية والأهلية، والمراكز التَّعليمية والثَّقافية، والمشاريع الاقتصاديَّة الاستثماريَّة، إضافة إلى العمل الدبلوماسي الدِّيني، والتَّغطية الإعلامية القوِّية والمستمرة، إيجاد حواضن لعقيدة الشِّيعة الاثناعشريَّة في غرب إفريقيا، تتباين حولها المواقف؛ حيث «يعمد المناهضون للتقليل منها، والمناصرون إلى المبالغة فيها، يُضاف إلي ذلك دثار (التّقية) الذي يتلفع به أفراد الطائفة، على أنَّ هذا الحضور الشِّيعي يرقى إلى حدّ الظاهرة التي لا تخطئها العين في: غانا، ونيجيريا، والسِّنغال، وساحل العاج»([4]).

عوامل انتشار الشِّيعة في غرب إفريقيا:

هناك العديد من العوامل، يتلخص أهمّها فيما يأتي:

1 - تقليل دعم النشاط الدعوي السنّي بحجّة مكافحة الإرهاب:

لقد طوَّقت الدول الغربية أبرز الجمعيات الإسلامية المموِّلة للدعوة الإسلامية في إفريقيا بحجّة مكافحة الإرهاب، واتخذتْ من أحداث 11 سبتمبر 2001م ذريعةً لمحاربة نشر الإسلام الصحيح في إفريقيا، فوضعوا قيوداً صارمةً وملزمةً على الدول العربيَّة السّنية لتضييق الخناق على «قطاع العمل الخيري الخليجي (السُّني) وما يرافقه من نشاطات دعوية، ما أدى إلى تخوُّف كثيرٍ من المؤسسات الخيرية من دمج التوعية الدينية مع عملها الخيري...؛ لاسيما مع توافر أجواء تسمح بلصق تُهَم دعم الإرهاب به من قِبَل قوى دولية»([5])، إضافة إلى التَّفجيرات وأعمال العنف التي حدثت في أكثر من بلدٍ إفريقي، مثل: (تنزانيا، وكينيا، والصومال، والجزائر، ونيجيريا)، التي يستغلها الشيعة في «بعث رسالة إلى الحكومات والأنظمة والشعوب الإفريقية بأنّ البديل (الآمن) للفكر التكفيري العنيف هو الفكر الشِّيعي ومعتقداته (السلمية!)»([6])؛ فجمَّدت بعض الجمعيات الدعوية الإسلامية كلّ أنشطتها الضعيفة أصلاً؛ خوفاً من تهمة الإرهاب والملاحقة القانونية من دولها الإسلامية، أو من المنظمات الدولية الغربيَّة، فانتهز الشِّيعة هذه الفرصة لنفث عقيدتهم الفاسدة في غرب إفريقيا.

2 - عوائد النَّفط العراقية:

سقطت العراق السّنّية بيد الشّيعة، وتحكمها الآن مرجعيات شيعية مرتبطة بإيران، وأصبحت العراق مصدر تمويلٍ للشيعة الرافضة في كلّ إفريقيا، وبخاصّة غربها؛ حيث وُجّه «جزءٌ من عوائد النفط إلى النشاط الدعوي بإفريقيا، واستغلال ارتفاع أسعار النفط أثناء حرب الكويت، ثم العدوان على العراق، وما تلا ذلك من ضخِّ أموالٍ لتُصرف على التشييع بإفريقيا»([7]).

3 - ضعف دور المؤسسات التَّعليمية الإسلامية السنّية في غرب إفريقيا:

يلاحظ كلُّ متابع لحال الدعوة الإسلامية في إفريقيا تراجع دور المؤسسات التعليمية العريقة والقوّية من الدول العربية والإسلامية، مثل: جامعة الأزهر الشَّريف، الذي كان منبع العلوم الإسلامية ومصدراً لنشر الإسلام في القارة، كذلك الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية بليبيا، وجامعة الزيتونة في تونس، وأدى ضعف دور هذه المؤسسات الإسلامية السنّية إلى ظهور بيئة مناسبة لنشر العقيدة الشِّيعية الرَّافضية.

4 - تضييق الدول الغَربية على نشر الإسلام الصحيح في غرب إفريقيا:

يمارس الغرب ضغوطاً على الدول الإفريقية لفتح أبوابها أمام المدّ الشِّيعي ليكون بديلاً للإسلام السّنّي الصّحيح، ففرنسا وأمريكا – مثلاً - راضيتان وداعمتان لوجستيّاً لـ «النشاط الشِّيعيّ في دولٍ إفريقية ذات غالبية مسلمة، كنيجيريا وغانا وإريتريا وكينيا والسنغال... وغيرها»([8])، يعرف الغربيّ النصرانيّ العلمانيّ الليبراليّ أنّ الإسلام الصحيح «يمثّل بالنسبة للجنس الأسود العامل الحضاري الأعمق أثراً»([9])، كما يعرف الغربيّ أنّ الإسلام السنّي الصحيح وقايةٌ من كلّ المعتقدات المنحرفة والتَّغريب.

أثر التَّشَيُّع في النسيج الاجتماعي الإفريقي:

تَفرض قضية اتساع نطاق المدّ الشّيعي في غرب إفريقيا حزمةً من التأثيرات الخطيرة المحتملة على النسيج الاجتماعي التي تحمل في طياتها عدّة مخاطر جسيمة ومدمِّرة، لاسيما مع توافر بيئة خصبة تتسم بحالة القلق؛ بسبب تزايد وتيرة الفقر وأصحاب النفوس الضعيفة، وتردي الظروف الاقتصاديَّة في غرب إفريقيا المسلمة؛ ويمكن تلخيص تلك التَّأثيرات في المخاطر الآتية:

الخطر الأوَّل: تفكيك النَّسيج الاجتماعي (الأسرة – الفرد):

دأبت إيران منذ قيام «دولة الشيعة الرافضة» عام 1979م في توظيف التّشيّع؛ بشكلٍ يهدّد وحدة المجتمعات في العالم الإسلامي.

ويمكن أنْ ألخص آثار التّشيّع السَّلبي على المسلمين في غرب إفريقيا في الآتي:

1 - زرع الفُرقة وتعميقها في الأسرة الواحدة: زرعت الشيعة في إفريقيا الفُرقة بين العائلة الواحدة، حيث انقسمت بعض العائلات في غرب إفريقيا إلى قسمَين: قسم على عقيدة أهل السنّة والجماعة، وقسم آخر على عقيدة الشيعة، بينهما بغضٌ وكراهيةٌ وفُرقة وتناحرٌ كامل، وصل إلى انقطاع رحمٍ بينهما، والسّبب هو دخول الرافضة في إفريقيا.

 2 - تفكيك قوَّة المسلمين ووحدتهم: هناك ضعفٌ وارتباكٌ في صفوف المسلمين في غرب إفريقيا اليومَ، كان المسلمون قوَّةً متماسكةً في إفريقيا بعامّة، وغرب إفريقيا بخاصّة، لكن منذ أنْ ظهرتِ الشّيعة الرّافضة اختلفوا وذهبت قوَّتهم، فالمتشيع الإفريقيّ لا يصليّ في مساجد أهل السنّة والجماعة، والسّنّي ناصبيٌّ عند الشّيعة الرّافضة، والسّبب هو الشّيعة الرّافضة التي ظهرتْ بمعتقداتٍ باطلةٍ في إفريقيا.

3 - تمزيق أواصر الأخوّة والمحبّة بين المسلمين: السُّنِّي في غرب إفريقيا لا يصاهر الشِّيعيّ، وكذلك العكس، لوجود تناحرٍ بين الطائفتَين، في حين كان الأفارقة في الماضي يتصاهرون بالرغم من اختلاف مذاهبهم، فقد كان المعيار الوحيد عند المسلمين في إفريقيا هو «اعتناق الإسلام»، لكن لمّا دخلت الشيعة وطعنت في الكتاب والسنّة، وشكّكت في نصوص الدّين الصريحة النقلية والعقلية، وطعنت في الصحابة وأمّهات المؤمنين - رضي الله عنهم جميعاً -، أصبح السُّنِّي يفارق المتشيع ويبتعد عنه؛ لأنّه صار فيروساً خطيراً يسعى لتسميم جسد الإسلام في إفريقيا.

4 - إضعاف روح التَّضامن والتَّعاون بين المسلمين: بمجيء الشيعة ظهرت لهجة العداوة والجفاء التامّ في المعاملات الاجتماعية بين المسلمين والشيعة في غرب إفريقيا؛ فالشيعيُّ يلعن السّنّيَّ جهاراً، ويتمنّى لأهل السنّة الموت في أسوأ ظروف، ويفرح بل يمرح بموت عالمٍ سنّيٍّ، أو بوباء نزل بساحتهم، فهناك عداوةٌ حقيقية في الأسواق والمؤسسات الاجتماعية، ويعامل الشيعيُّ زميله الشيعيّ بكلّ حبٍّ وودٍّ وسهولة، ويعبس في وجه السّنّيَّ ويعامله بقساوةٍ، وربّما تآمر عليه ليعرقل إجراءاته ومعاملاته الاجتماعية أو التجاريّة في الدولة.

5 - تفتيت الصرح التَّعليمي الإسلامي في غرب إفريقيا: انقسمت المدارس الإسلامية في إفريقيا إلى قسمَين، مدارس سنّية كانت منتشرة في غرب إفريقيا بشكلٍ واسعٍ، ومدارس شيعية رافضية حديثة، تمثّل حسينيات وحوزات وكليات شيعية، يُنفق عليها بسخاء، الهدف منها خلق هوّة وفرقة لطمس المؤسّسات السنّية، فتسعى لجلب أبناء أهل السنّة لهذه المؤسسات، وهي خطة لتدمير النسيج الاجتماعيّ والتّعليميّ في إفريقيا، لأنها تُدخل الأسرة الواحدة في جدالٍ عقيمٍ عن أسباب موت الحسين ويوم الجَمَل.. إلخ، ويتباغض أفرادها بسبب هذه الخلافات التي تشتعل بينهم وهم في غنىً عنها.

6 – إثارة التناحر والتباغض بين المتعلمين المسلمين: فهناك سِجَالٌ عقيمٌ بين طلاب العلم في المعاهد والمدارس الإسلامية في إفريقيا وفي الأنديّة الشبابية، إضافةً إلى الشّبكة العنكبوتية الإنترنت، وبين الوجوه الشّبابية التي تشيّعت، وقد وصل هذا السِّجال ببعضهم إلى صراعٍ دائمٍ وانقطاعٍ كاملٍ، شَحَنَ نفوسهم بالكره والبغضاء.

7 - فقدان الثقة بين المسلمين: بسبب انتشار التشيع في إفريقيا فُقدت الثقة بين المسلمين الأفارقة، حيث قسمهم التشيع إلى الإفريقيّ السنّيّ والإفريقي الشيعيّ الرافضيّ، ومن ثمّ ينظر الشيعيّ الرافضيّ إلى الإفريقيّ المسلم بوصفه ضالاً، فكلّ مسلم لا يؤمن بدين الرافضة ولم يبايع مراجعهم الشيعة فهو ضالٌّ حسب رؤية الشيعيّ الإفريقي.

الخطر الثَّاني: تزايد احتمالات نشوب صراعات مذهبية وطائفية:

إنّ انتشار الشيعة الرافضة في إفريقيا يزيد احتمالات نشوب صراعات مذهبية وطائفية في كلّ إفريقيا بعامَّة، وغربها بخاصَّة، حيث وُظفّ التشييع لأغراضٍ سياسيةٍ لخدمة إيران وحلفائها، قال الشَّيخ محمَّد الحاج حَسَن رئيس «التَّيار الشِّيعي الحرّ» في لبنان: إنَّ «إيران تستخدم الشِّيعة العرب وقوداً لمشروعها الخاص (في المنطقة) الَّذي لا يَخْدمُ الشِّيعة؛ بل يخدم هدفها السِّياسي»([10])، هذا في الوطن العربي، وهو المشروع نفسه في إفريقيا، استخدمت إيران «حبّ آل البيت» في إفريقيا لخدمة أهدافٍ سياسيةٍ، ولهذا تدعم الصراعات الطائفية المذهبية بالمال والفكر.

ولم يعد خافياً أنّ التشيع في غرب إفريقيا أصبح يُنذر بإمكانية اندلاع صراعات ذات طابعٍ مذهبيٍّ بين السنّة والشيعة، لا سيما مع انتشار النزاعات والحروب الطائفية في الدول العربية كافة، وتوسعة رقعة هذه الحروب في العالم الإسلامي بما فيها إفريقيا، وستكون ردود الأفعال بلا حدود، وإفريقيا جزءٌ من العالم، تتوغل الشيعة الرافضة فيها بشكلٍ مريب، تخترق المجتمعات كما تخترق النار الهشيم، وتسعى لتفتيت المجتمعات المتماسكة اجتماعيّاً وثقافيّاً.

ويمكن أنْ ألخص تزايد احتمالات نشوب الصراعات المذهبية والطائفية في إفريقيا في الآتي:

1 - احتمال انعكاس الصراعات (العربيَّة -الفارسية) على المسلمين في إفريقيا: فالدول السنّية لها حضورٌ قويٌّ في إفريقيا، حيث تموّل المشاريع في بناء الجامعات والكليات التي تنشر العقيدة الإسلامية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنّة بفهم سلف الأمّة في إفريقيا، وتتبعها الجمعيات والمراكز التي تبني المساجد والمعاهد ودور الأيتام والمشافي وتحفر الآبار وغيرها، وفي المقابل الدول الراعية لنشر التشيّع في إفريقيا تبني جامعاتها ومعاهدها وإذاعاتها ومساجدها وعياداتها ومشافيها ومراكزها، فردود الأفعال متوقعة، ونسبة الاصطدام المتوقعة بين أبناء هذه الدول وأتباعها عالية.

2 - تصاعد حِدّة الطعن في الصحابة وأمّهات المؤمنين – رضي الله عنهم أجمعين - في الخطاب الديني للشيعة الرافضة في غرب إفريقيا: وقد تهوّر المتشيعون في نشر مطوياتهم وتسجيلاتهم التي تحوي ذلك، وسيُقابل هذا التهور الشيعيّ الرافضيّ من قِبل أهل السنّة بتصحيحٍ علنيّ، وقد يحدث اصطدامٌ بين الحقّ والباطل.  

3 - فتح جامعات شيعية في مناطق ذات أغلبية سنية، بدعمٍ ماديٍّ سخيٍّ لها: والغرض من هذا التنافس غير الشريف زرع البلبلة بين المسلمين السنّيين، وإشعال فتيل الفتن بينهم، ويعتمد الشيعة على علمانية الدول الإفريقية لاستفزاز السنّيين في مناطقهم.      

4 - تجاهل الحكومات الإفريقية لخطر الشّيعة الرافضة في إفريقيا، وتركيزها على ما يسمى بـ «التّطرف السّنّي»: فأهل السنّة والجماعة في غرب إفريقيا طائفة مسالمة، لا تعرف التَّطرف ولا الغلو فضلاً عن السّلاح، وإذا خرج منهم بعض الجهلاء باسم الجهاد وغير ذلك؛ فهم بريئون منهم، فتجاهل الحكومات الإفريقية لخطر الشيعة الرافضة في إفريقيا خطأٌ استراتيجيٌّ؛ يسبّب توترات عميقة بين المسلمين في إفريقيا.

 5 – تحريض إيران للحكومات الإفريقية على مؤسسات أهل السنّة والجماعة: تستخدم إيران الحقيبة الدبلوماسية والعلاقات الحكومية بينها وبين حكومات الدول الإفريقية للتحريض على المنظمات السنّية؛ فتتهمها بنشر التطرف وتكوين الحركات الجهادية القتالية، ويا للأسف الشديد! بعض الحكام الأفارقة يصدّقون هذه الأكاذيب، فيصدرون قوانين تمنع عمل المؤسسات الإسلامية السنّية أو تعرقل أعمالها في إفريقيا، وهذا سيسبّب توترات مستقبلية، وقد يشعل حروباً لا تبقي ولا تذر.  

الخطر الثالث: الشيعة خطر على أمن المجتمع الإفريقي المسلم

يتعامل المتشيعون الجدد مع أوطانهم بوصفها أوطاناً ثانوية، حيث يتحول انتماؤهم – بعد تشيّعهم - لإيران أكثر من انتمائهم لبلدانهم، وتصبح مدينتهم المقدّسة هي (قُمْ).

تسعى إيران من خلال نشر التشيّع إلى التأثير في أمن إفريقيا، ففي أكتوبر 2010م استطاعت السلطات النيجيرية رصد ثلاث عشرة حاوية شحن تحتوي على أسلحة، بما في ذلك راجمات صواريخ مدفعية 107 ملم، ورصاصات بنادق، والعديد من الأسلحة الخفيفة الأخرى، وكانت الحاوية مكتوبا عليها من الخارج: «مواد بناء»، وطبقاً للتحقيق الذي أجرته السلطات النيجيرية بعد ذلك؛ فإنّ الشحنة جاءت من إيران، وكانت في طريقها إلى غامبيا، وردّاً على هذا الاكتشاف قامت السلطات الغامبية في عام 2010م بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وطردت الدبلوماسيين الإيرانيين من البلاد.

وفي فبراير 2011م قال وزير الخارجية النيجيري أودين أجوموجوبيا: «إنَّ حكومته أبلغت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بضبط شحنة أسلحة غير مشروعة قادمة من إيران، اعترضتها أجهزتها الأمنية في لاغوس الشهر الماضي... واستجوب محققون نيجيريون أحد الإيرانيين الذي لجأ إلى السفارة الإيرانية في أبوجا عاصمة نيجيريا فيما يتعلق بشحنة الأسلحة، بعد أن قام وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي بزيارة نيجيريا يوم الخميس، لكنّهم لم يتمكنوا من استجواب الآخر؛ لأنه يتمتع بحصانة دبلوماسية .وقالت مصادر دبلوماسية إنّه يعتقد أنّ الرّجلين من أعضاء: (وحدة القدس) التابعة للحرس الثوري الإيراني والمتخصصة في العمليات الخارجية»([11]).

اعترفت إيران في النهاية أنّها قامت بشحن تلك الحاوية، وزعمت أنّ الشحنة كانت جزءاً من اتفاقيةٍ سريّةٍ أجرتها طهران مع العاصمة الغامبية (بانجول)، ولكنها أنكرت أنها خرقت بذلك الحظر الأممي على مبيعات السلاح الإيرانية؛ لأنّ الصفقة تمّ توقيعها عام 2008م؛ أي قبل عامين من فرض حظر السلاح على إيران([12]).

لقد أدى هذا التدخل إلى انهيارٍ سريعٍ في العلاقات التي كانت تربط كلاً من إيران والسنغال من جهة، وإيران وغامبيا من جهةٍ أخرى، حيث استدعت السنغال سفيرها من إيران، وذلك بعد علمها أنّ إيران أمدّت الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» بالسلاح الذي استُخدم لقتل ثلاثة من الجنود السنغاليين([13])، فقد وصل تقريرٌ قدّمه رئيس أركان الجيش السنغالي إلى الرئيس عبد الله واد، أكّد فيه أنّ القوات الانفصالية لحركة «كاسامانس» استخدمت أسلحة متطوّرة وذخيرة تمّ استيرادها من إيران([14])، وقد أصدر الرئيس السنغالي بياناً قال فيه: «إنّ السنغال تشعر بالغضب من أنّ الرصاصات الإيرانية استُخدمت لقتل ثلاثة من الجنود السّنغاليين»([15])، وهذه الحالات هي المعلنة وما خفي قد يكون أخطر وأعظم، فإيران تتوغل سلباً في إفريقيا، والحروب الطائفية القادمة في إفريقيا سيكون سببها إيران.

يتخذ المشروع الإيرانيّ الفارسيّ الصفويّ من المذهب الشيعيّ غطاءً له يهددنا تهديداً عقديّاً ووجوديّاً، ويهددنا في قيمنا الإفريقية والإسلامية، الاستراتيجية الإيرانية لها أيد غير ناعمة في إفريقيا، تورطت في تصدير الأسلحة لمناطق الصراعات الإفريقية بغية تحقيق مصالح سياسية واستراتيجية إيرانية، ولربما توصل إيران هذه الأسلحة بتكليفٍ من الدول الغربية التي تدعم الانفصاليين في كثيرٍ من البلدان الإفريقية.

ويمكن تلخيص المشكلة القادمة على أمن القارة في النقاط الآتية:

1 - تكوين أحزاب شيعية سياسية في إفريقيا على غرار حزب الله في لبنان، والأحزاب العراقية واليمنية والبحرينية والكويتية: فجماعة الزكزاكي مثلاً في نيجيريا بمثابة كتلة سياسية خطيرة، تعتمد على سياسة حزب الله اللبناني في تجنيد أعضائها، وترمي إلى خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبارها المرجعية الوحيدة، وتزعم مواجهة المصالح الغربية في إفريقيا ومواجهة الإمبريالية والاستكبار الغربي لمجرد ذرّ الرماد في العيون.

2 - أسّسوا حزباً سياسيّاً في موريتانيا باسم: (حزب الجبهة الشعبية) قبل 16 - 17 سنة: لم يعلن في وقت تأسيسه أنه حزب شيعي، إلا أنّ فكرة التشيع وخدمة الأجندات الخمينية كانتا ضمن برامجه، صرّح بذلك رئيس الحزب نفسه قائلاً: «الجبهة الشعبية حزب - فعلاً - متأثرٌ بالأفكار الخمينية، وهو حزب من الأحزاب التي تأسست منذ حوالي 16 إلى 17 سنة، ومنذ ذلك الوقت نحن على هذا الخط، ونحاول مع القوة اليسارية الموريتانية أن تكون مساندة لهذا الخط، خاصّة الخط الذي يتمثّل اليوم في حزب الله وسوريا والجمهورية الإسلامية، نحن مؤمنون بخطّ الخميني وندافع عنه في موريتانيا، وندافع عنه في جميع الدول العربية، وندافع سياسيّاً عن هذا الخطّ ضدّ الحركات السّلفية، وبعضٍ من الحركات القريبة من الإمبريالية ومن الصهيونية العالمية، وهذا خطنا من الناحية السّياسية»([16])، هذا الكلام خطيرٌ على مستقبل أمن موريتانيا، فهي دولة سنّية على مذهب الإمام مالك، والقبول بحزبٍ سياسيٍّ شيعيٍّ يعني تطبيق النموذج اللبناني في موريتانيا، وهو نموذج سفك الدماء والحروب.

3 - تسليح أتباعهم وتجنيدهم وتدريبهم: مما يعني أنّ مستقبل القارة حروبٌ ودمارٌ وسفكٌ للدماء، فما علاقة نشر التشيع بتجنيد الشباب وتسليحهم في إفريقيا؟! إنّ هذا يعني أنهم يخططون للعبث بأمن القارة وبوحدة المسلمين فيها، كما فعلوا ويفعلون بالوطن العربي اليوم.

سبيل مجابهة التمدّد الشيعي الرافضي في غرب إفريقيا:

لكلّ ظاهرة سيئة بدايتها، ويمكن وضع نهايتها وفق خطة مدروسة، وأهم سبل مجابهة الشيعة الرافضة في غرب إفريقيا ما يأتي:

1 - وضع خطط مدروسة بعناية شديدة: فالشِّيعة الرافضة تسير وفق خططٍ طويلة المدى، ومدعومة من إيران وبعض الحكومات الإفريقية، أما جهودنا – فغالباً - مبنية على مبادرات فردية أو جماعية عشوائية، ولا تحظى بدعمٍ حكومي، ومن المهمّ بمكانٍ تأسيس جمعيات ومنظمات إفريقية تقودها كفاءات واعية مقتدرة، تدرس الواقع وترصده بشكلٍ جيد، وتشرف على الدعاة، وتعدّ لهم البرامج المناسبة لتنفيذها في المدن والقرى في منطقة غرب إفريقيا، وعلى مستوى كلّ دولة على حدة.

2 - توحيد الجهود العلمية والدعوية لمجابهة هذه الظاهرة الخطيرة في غرب إفريقيا: يقول المثلُ الإفريقيُّ: (اليد الواحدة لا تصفّق)، فعدم وجود تنسيق وتواصل بين العلماء والشخصيات الدعوية من أهل السنّة والجماعة، وقلّة المؤتمرات والمخيمات الدعوية والقافلات الدعوية للاطلاع على خطورة هذا التمدد، يزيد في نفوذ هذا السرطان الخبيث.

3 - تقوية البعثات الدبلوماسية التي تمثّل الدول العربية والإسلامية في غرب إفريقيا: يدرك كلّ مَن يتابع واقع الحياة الدبلوماسية في غرب إفريقيا أنّ بعثة الفرس الدبلوماسية أقوى ميدانياً من دبلوماسية الدول العربية والإسلامية، فتجد السفير الإيراني سفيراً ميدانياً في الدعوة والتّشيّع، وكذلك الملحق الثقافي الذي يتخصّص في الدعوة أصلاً إلى المذهب، بخلاف سفراء كثيرٍ من الدول العربية والإسلامية الذين لا يهمّهم أمر الدعوة الإسلامية.

4 - تكوين الدعاة من غرب إفريقيا تكويناً جيداً: لا يقتصر على الندوات التي تُعقد بين حينٍ وآخر، والتي لا تعدو أن تكون مجرد لقاءاتٍ لتوزيع شهادات المشاركة والشكر والتقاط الصور التذكارية، فلا بد من تكليف الدعاة الميدانيين بإعداد تقارير سنوية أو موسمية عن خطورة هذا التّمدّد، وأساليب ووسائل مقاومته، يتمّ رفعها للحكومات والمنظمات الدعوية لمناقشتها، ووضع الخطط المناسبة، وإعداد الدعاة، وتوفير الإمكانيات المطلوبة للوقوف في وجه التمدّد الشيعي.

5 - إيجاد مصادر لتوفير تمويلٍ داخليٍّ أو خارجيّ ينفق على الدعاة الميدانيين وتفريغهم لتوعية المسلمين بخطورة الشيعة الرافضة: فمعظم الدعاة في غرب إفريقيا فقراء، يحتاجون إلى ما يعينهم على القيام بواجبهم وتحمّل مسؤولياتهم الدعوية.

6 - الاهتمام بالجانب الإعلامي لتوصيل الإسلام الصحيح، وفضح الملل والنحل الفاسدة، وعقائد الشيعة الرافضة: والاستفادة في ذلك من كلّ تقنيات التواصل ووسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمرئية والمطبوعة وغيرها، والشبكة العنكبوتية، والبثّ والتواصل باللغات المحلية، إضافةً إلى اللغة العربية، والفرنسية، والإنجليزية، وكذلك فتح إذاعات محلية في المدن والقرى، وطباعة البحوث والرسائل التي تناولت القضية بشكلٍ جيد، وترجمتها إلى اللغتَين الفرنسية والإنجليزية، وترجمة الكتب والمطويات وتوزيعها على الطلاب والدارسين، وإصدار المجلات المتخصّصة باللغة الفرنسية والإنجليزية والعربية وبعض اللغات المحلية، لتوعية الناس بخطر الرافضة.

الخاتمة:

من خلال هذا التناول تتبين عدة نتائج مهمّة، منها:

1 - التشيع الرافضيّ دعوةً ووجوداً في غرب إفريقيا أصبح ظاهرة تستوجب التصدي لها.

2 - لا توجد إحصائيات دقيقة بنسبة المتشيّعين في غرب إفريقيا؛ إذ يلجأ الشيعة إلى سياسة التّقيّة وإخفاء إحصاء أتباعهم، فيقدّمون إحصائيات مزوّرة لأهدافٍ عديدة، منها: خداع المزيد من أبناء المسلمين، ومنها تضليل مَن يدعمهم بأنهم يحقّقون نجاحاً؛ ومن ثمّ لا يمكن أن نعطي أي مصداقية للأرقام الضخمة التي تطرحها «مراكز الشيعة الرافضة في غرب إفريقيا»، فعدد الذين تشيَّعوا من السنغاليين والماليين والبوركينبيين لا يتجاوز المئات، علماً أنّ بعضهم تراجع عن التشيُّع، كما حدث مؤخراً في جمهورية السنغال حين انسحب قرابة نصف طلاب «جامعة المصطفى العالمية» فرع السنغال؛ بعد أن اكتشفوا أنّه تمّ التَّغرير بهم، وأنَّ هدف الجامعة هو تشييعهم وليس التَّعليم، لدرجة أنّ بعض الطلاب الَّذين كانوا قد ذهبوا إلى (قُم) أصروا على العودة إلى بلدانهم لمّا اكتشفوا الحقيقة.

3 - أنّ الجالية اللبنانية كانت النواة الأولى للشيعة في غرب إفريقيا منذ القرن التاسع عشر.

4 - أنّ الثورة الإيرانية الخمينية أصبحت - بعد قيامها - المحرك الأول والداعم الأساس لنشر العقيدة الشيعية الرافضية في غرب إفريقيا.

5 - استغلال الشيعة لمسألة استشهاد الحسين رضي الله عنه، وحبّ آل البيت، مطيةً للوصول إلى أهدافهم، كما يتخذون من قضية المستعمر اليهوديّ والأمريكيّ والأوروبيّ أسلوباً لغسل أدمغة الشباب الأفارقة.

6 - ضعف الدعم الرسميّ من الدول السنّية للمؤسسات والكيانات الإسلامية، وتضييق النطاق على العمل الخيريّ الإسلاميّ، ساهم في إخلاء الساحة للمؤسسات الشيعية لتتحرك بسهولة.

 



[1]- اللبنانيون في إفريقيا، تريز منصور، مقال من موقع، مجلة الجيش، بيروت– لبنان، العدد: 311، مايو 2011م-  الموقع الرسمي للجيش اللبناني، موقع/ http://www.lebarmy.gov.lb/.

[2]- التّشيّع في إفريقيا، تقرير ميداني، تقرير خاص باتحاد علماء المسلمين تحت إشراف: لجنة تقصي الحقائق بمجلس الأمناء، ط1، 1432هـ / 2011م، ص: 123 - 343.

[3]- إيران المتجهة إلى إفريقيا تبشيراً واستثماراً، أمير سعيد، مجلة البيان، مجلة إسلامية شهرية جامعة، السعودية، العدد: 281، 1432هـ - 2010م، ص 48.

[4]- التشيّع في غرب إفريقيا، محمد با بكر أحمد، مقال علمي، 1/7/2013م، في موقع/

 http://sudaneseonline.com

[5]- المرجع السابق، ص 49.

[6]- إيران المتجهة إلى إفريقيا تبشيراً واستثماراً، أمير سعيد، مجلة البيان، ص 49.

[7]- المرجع السابق، ص 49.

[8]- إيران المتجهة إلى إفريقيا تبشيراً واستثماراً، أمير سعيد، مجلة البيان، ص 49.

[9]- التيار الإسلامي في الأدب السنغالي، خالد عبد المجيد مرسي، وشيخ حامدو كاني، منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية، سبها، ليبيا، ط1، 1989م، ص 53.

[10]- مقال بعنوان: الشيعي الحر.. إيران تستخدم الشيعة العرب وقودًا لمشروعها الخاص، موقع مفكرة الإسلام، 23 مايو 2015م.

[11]- نيجيريا تبلغ مجلس الأمن الدولي عن مصادرة شحنة أسلحة إيرانية، موقع قناة العربية، 16، نوفمبر 2010م.

[12] - Anna Mahjar-Barducci, Iran‘s charm offensive in Africa. Hudson New York, 18 March 2011,  http://www.hudson-ny.org/1974/iran-charm-offensive-africa.

[13] - Senegal severs ties with Iran, Al Jazeera, 23 February 2011.

http://english.aljazeera.net/news/africa/2011/02/201122392022223897.html.

[14]  -Senegal ends relations; says Iran arms rebels, International Iran . 

  Times3March 2011,  http://www.irantimes.com/english/index.php?option=com_content&view=artic... says-iran-arms-rebels&catid=98:whats-left&Itemid=425.

[15] - Senegal severs ties with Iran. Al Jazeera, 23 February 2011. http://english.aljazeera.net/news/africa/2011/02/201122392022223897.html.

 [16]- قناة العربية (مهمة خاصة)، بعنوان: إيران في موريتانيا.

 
 
 
الاختراق الإيراني لأفريقيا العربية.. مدخل للفهم
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

عُرفت القارة الإفريقية ومنذ قرون بأنها القارة المسلمة بعد أن انتشر فيها الإسلام بشكل سريع منذ السنوات الأولى للدعوة الإسلامية بل إنها تعرفت على هذا الدين الحنيف ووصلتها دعوته قبل أن تصل المدينة المنورة في شبه الجزيرة العربية حيث كانت هجرة المسلمين الأولى – نحو 83 رجلاً فضلا عن النساء والأطفال - إلى الحبشة وهي الهجرة التي كان لها عميق الأثر بالنسبة للجماعة المسلمة في مكة المكرمة.

وظلت القارة الإفريقية طيلة هذه القرون متشبثة بإسلامها الصافي والنقي على الرغم من كل ما تعرضت له من محاولات استهدفت تعكير هذا النقاء، واستغلالها عبر شعارات زائفة لتوريطها في صراع سياسي لتحقيق حلم شعوبيين أبوا إلا أن تكون قيادة الأمة في أيديهم حتى لو كان ذلك على حساب ما يفترض أنه المعنى الحقيقي للدين الإسلامي فنجحت القارة وعبر تاريخ طويل من صراعات ممتدة على أرضها في أن تؤكد مرارا وتكرارا عودتها لتمسكها بصحيح الدين وأنها في تمام اليقظة تجاه محاولات استغفالها بدعاوى حب آل البيت بعد أن تكشف أن ذلك شعار زائف لا يسعى رافعوه إلاّ إلى تحقيق طموحاتهم التوسعية على أنقاض ما بذله أصحاب الدين الحق من تضحيات، فبدا وكأنهم معول هدم، لا بناء أو دعوة.

ولعلنا نجد في كل من الدولة الإدريسية والدولة الفاطمية الشيعيتين ما يؤكد ما ذهبنا إليه فعلى الرغم من تمكن هاتين الدولتين من حكم مناطق عديدة من القارة الأفريقية ولفترات زمنية ليست بالقليلة سعت خلالها الدولتان إلى نشر المذهب الشيعي بين سكان هذه المناطق إلا أن مسلمي هذه البلدان عادوا ليتشبثوا بمذهب أهل السنة والجماعة بل ويشاركوا وبكل قوة في مواجهة محاولات نشر التشيع الذي رأوا فيه الكثير من المخالفات الصريحة والانحراف والبعد عن صحيح الإسلام.

غير أنه وبعد أن انتصرت ثورة الخميني الفارسية على شاه إيران عام 1979م ومن ثم تمكن الخميني وأنصاره من تولي مقاليد الأمور في إيران عادت من جديد أحلام الهيمنة والسيطرة عبر ما أعلنه الخميني نفسه من تصديره لما يسمى بالثورة الإسلامية، لكنها هذه المرة رفعت شعارات الاستقلال من الهيمنة والاستبداد الغربي وتنمية روح المقاومة لدى الشعوب الإسلامية والصمود أمام الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت عليها لقب "الشيطان الأكبر" وهي شعارات براقة تتفق في كثير منها مع روح الإسلام الذي يرفض الظلم والجور ويسعى إلى تعبيد الناس لله رب العالمين غير أنها لم تكن لدى هؤلاء إلا وسيلة خداع تستهدف الاستقطاب وتقوية معسكر الهيمنة الجديد الذي ما أن وجد في التحالف مع "الشيطان الأكبر" وأنصاره من سبيل حتى سارع إلى سلوكه كما هو الحاصل الآن بعد توقيع الاتفاق النووي.

والحقيقة أن الخطة الخمينية لتحقيق الهدف لم تقصر في بدء التنفيذ منذ العام الأول بعد الإطاحة بالشاه حيث نجحت بشكل كبير في أن تخدع الكثير من النخب الإسلامية -فكرية وتنظيمية- في العديد من البلدان العربية والإسلامية كي تتبنى نفس نهج الخميني وأن تقنع بأن النموذج الإيراني هو النموذج الذي يجب الاحتذاء به إذ أحسن الخميني ورجالاته استغلال الحالة السياسية المزرية التي كانت عليها أغلب البلدان العربية والإسلامية والأوضاع المتردية التي تعانيها الحركة الإسلامية في هذه البلدان ومعاناة رجالاتها الأمر الذي  كان له انعكاسه السريع فيما يتعلق بالتمهيد لأن تحدث الكثير من الاختراقات الإيرانية في البلدان المحيطة لنشر الأفكار الخمينية والشيعية.

ولولا الجهود الكبيرة التي بذلتها بعض الشخصيات والمؤسسات الواعية من أجل فضح حقيقة النيات الإيرانية في محيط البلدان المجاورة لإيران  فضلا عن انكشاف سياساتها الطائفية القميئة لتواصلت حالة الاستقطاب داخل الصف السني إذ أدركت قطاعات كبيرة من المخدوعين أن الأمر ليس كما تصوره طهران وأن لافتات المقاومة والممانعة أكذوبة كبرى ما ترتب عليه أن تركز طهران على أطراف العالم الإسلامي ومنها القارة الأفريقية لتحدث اختراقات في بلدانها مستغلة الأوضاع الاقتصادية السيئة وحالة السيولة السياسية في بعض البلدان وهو ما سنحاول أن نرصد بعض مظاهره في عدد من البلدان الأفريقية العربية.

المغرب:

تنطلق إيران في تعاطيها مع منطقة المغرب العربي بجملته على اعتبار أنها منطقة شيعية وأن المذهب الشيعي كان راسخا متجذرا فيها وهو الأمر الذي يتعارض مع واقع المغرب وشعبه إذ أنه ووفق أعلى التقديرات العددية التي تناولتها وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها حول الحريات الدينية في العالم والتي أقرها عصام الحسني أحميدان أحد أهم قيادات الشيعة المغاربة فإن هذا العدد لا يتجاوز ثمانية آلاف شيعي وهي بالطبع نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بعدد المغاربة بجملتهم التي تفوق 33 مليون مغربي!

غير أن الشيعة في المغرب – أيا كان عددهم –  يحاولون أن يشكلوا "لوبي ضغط" ينتزع لهم حقوقا خاصة ليست منحصرة في الحقوق السياسية المتعارف عليها باعتبارهم مواطنين، فالدستور والقانون يكفلان للمواطنين أن يمارسوا حرياتهم وحقوقهم غير أن الحرية المقصودة هنا هي الظهور بهوية معينة والسماح لفئة بعينها للعمل على نشر أفكار خاصة دون أية عوائق تحت دعوى الحرية وهي الثغرة التي يستغلها الكثيرون –للأسف- لنشر أفكارهم وأطروحاتهم غاضين الطرف عن أن مثل هذه الدعوة يمكن أن تؤدي إلى تهديد الأمن القومي لأي بلد وتحدث حالة من عدم الاستقرار.

وما أشرنا إليه ليس من باب التجني على شيعة المغرب إذ تشير الكثير من تصريحات وتحركات قادتهم إلى أن العمل قائم على قدم وساق بهدف السماح لهم بوجود كيان سياسي أو ثقافي خاص يمكنهم من خلاله العمل وبشكل فيه "تمييز" لتحقيق مآربهم الخاصة وبما يتعارض مع الدستور والقانون.

ففي حوار لحميدان الحسني القيادي البارز في مؤسسة الخط الرسالي لصحيفة "هسبريس" المغربية قال: "نعتبر أنفسنا عناصر تنوير في المجتمع لمواجهة الطائفية والتطرف ومعنيين بكل القضايا التي تعني الوطن والمواطنين" مضيفا أنه سبق أن شكلوا لجنة حوار سياسي التقت بالدكتور محمد ضريف قبل المؤتمر التأسيسي لحزب الديمقراطيين الجدد غير أنهم لم يلتحقوا بالحزب" ومشيرا إلى أنه بعد اللقاء بدأت بعض النخب الحزبية تتواصل معهم بشكل غير رسمي وأنهم في انتظار أن تتشكل لديهم قناعة بالجهة الحزبية التي يرونها مدافعة بحق عن المواطنة وعدم التمييز على أساس المعتقد وقيم التعايش والتسامح.

وكشف الحسني أيضا عن أن لجنة تمثل مؤسسة الخط الرسالي التقت الأمين العام لحزب الديمقراطيين الجدد في المغرب دون أن ينضموا إلى هذه الهيئة السياسية فيما ظهر قبل أسابيع من هذه التصريحات إدريس هاني أحد أشهر وجوه الشيعة بالمغرب في مؤتمر لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.

والشاهد في كلام الحسنى هو أن الرجل يتحدث عن مجموع الشيعة باعتبارهم كيانا واحدا وأن انضمامهم لحزب من الأحزاب إنما سيأتي بشكل جماعي وهو بالطبع تقسيم على أساس طائفي وليس على أساس سياسي لا يعكس إيمان هؤلاء بفكرة الانتماء السياسي على أساس  أيدلوجي كما هو متعارف عليه في الحياة السياسية في البلدان العربية والتي تدور انتماءاتها حول ثلاثة مدارات " إسلامية – ليبرالية – يسارية" وإنما يعكس رغبة في الحصول على أكبر قدر من الامتيازات التي تسمح لهم باعتبارهم مجموعة طائفية بالتحرك وتشكيل ورقة ضغط لانتزاع حقوق خاصة ومتميزة حتى لو كان ذلك عبر ابتزاز الكيانات السياسية الموجودة بالفعل، فلا يشغل هؤلاء توجه هذا الكيان أو ذاك بقدر ما يشغلهم تحقيق المراد.

وهو ما أكده الحسني في حوار آخر مع موقع "بديل" حيث يقول: إن الشيعة يوجدون داخل جميع الأحزاب المغربية بما فيها أحزاب "النهج الديمقراطي" و"العدالة والتنمية" و"الحزب الاشتراكي الموحد" وداخل جماعة "العدل والإحسان".

ولا تمنع محاولات بعض الكيانات السياسة المغربية استرضاء شيعة المغرب من أن يواصلوا العمل على أن يكون لهم كيان خاص فوفق المثل الشعبي "زيادة الخير خيرين" إذ هم أيضا نجحوا في الحصول على رخصة للعمل من خلال مؤسسة عرفت باسم مؤسسة "الخط الرسالي للدراسات والأبحاث" والتي يعلم الكل أنها شيعية وهي الرخصة التي كانت امتنعت عن إصدارها وزارة الداخلية مرارا فيما أصدرتها المحكمة التجارية هناك.

ورفعت المؤسسة شعارات "التنوير، التغيير، التحرير" فيما أكدت أن من مبادئها احترام وحدة المذهب السني المالكي كاختيار عام وعدم الإضرار به والدعوة لحيادية واستقلالية المؤسسة الدينية الرسمية عن كل الحركات والأحزاب والجماعات وعدم السماح لأفراد التيارات الدينية والسياسية باختراق الحقل الديني الرسمي وتوظيفه لفائدة طرف ضد آخر، وفي نفس الوقت التأكيد على ضرورة احترام حرية المعتقد وضمانه لكافة المواطنين.

وترى المؤسسة أن المذهب حالة فردية وليس مشروعا مجتمعيا يفتت المجتمع عصبيا وطائفيا وبالتالي فلا ينبغي تحويل "الدين" و"المذهب" إلى محددات للهوية الجماعية وقاعدة للعمل المدني والسياسي، والعمل من داخل المجتمع المدني والسياسي بالمغرب حق دستوري وقانوني لكل مواطن مغربي وممارسة العمل المدني والسياسي يتم من خلال المشروع المجتمعي على قاعدة المواطنة لا من خلال الهوية الدينية أو العرقية أو القبلية وهو مثبت في قانون الجمعيات والأحزاب السياسية بالمغرب.

وبالطبع إعلان هذه المبادئ وكما هو واضح يستهدف أمرين:

الأول: إرسال رسالة طمأنة للمجتمع المغربي بأن الهدف ليس طائفيا.

والآخر هو تحقيق حالة من السيولة السياسية التي تسمح لهؤلاء بحرية الحركة ليس لممارسة نشاط سياسي مجرد فحسب بل وللدعوة للمذهب الجديد حتى يتحقق ما يريدون ثم لكل مقام حديث.

ويجدر بنا أن نشير كذلك إلى أن شيعة المغرب يرون في إيران القدوة والنموذج، إذ يقول الحسني: إننا نعتبر إيران تجربة إسلامية رائدة في مجال التحرر والأصالة الإسلامية والاستقلال الحضاري عن الشرق والغرب، وبناء على ذلك فإننا ننظر بكثير من الاحترام لهذه التجربة التي تمثل سندا للحركات التحررية ولقضيتنا المركزية "القضية الفلسطينية" ولا يمكن إلا أن نحترم هذه الدولة.

وهي تصريحات مثيرة ومستفزة ذلك أنها جاءت على الرغم من تكشف الكثير من السياسات الإيرانية التي تتعارض مع الشعارات المرفوعة التي تؤكد أن إيران بعيدة تماما عما يحقق مصلحة الأمة العليا، وأن كل تحركاتها طائفية قحة تثير القلاقل والبلبلة في العراق وسوريا واليمن والبحرين والمملكة العربية السعودية وما خفي كان أعظم. بل إنها تتعارض مع المبادئ المعلنة للمؤسسة نفسها إذ أن مثل هذا القول لا ينسجم مع ما كان قد ذهب إليه العاهل المغربي عندما دعا رابطة علماء المغرب عام 1980 لبحث موضوع الخميني حيث أصدرت الرابطة فتوى نارية في حقه تكفره فيها وتدعوه إلى التوبة بعدما خرج بتصريح أثار ضجة في العالم الإسلامي بقوله: «إن الأنبياء جميعا جاؤوا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا وحتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة لم ينجح في ذلك وإن الشخص الذي سينجح في ذلك ويرسي قواعد العدالة في جميع أنحاء العالم ويقوّم الانحرافات هو الإمام المهدي المنتظر».

تونس:

أما رصد الحالة التونسية فإنه يكشف عن أمر في غاية الخطورة فعملية الاختراق الشيعي لتونس لم تنحصر فحسب في الحياة السياسية أو الثقافية، مع أهمية ذلك، لكنها امتدت إلى ما يعد كارثة أمنية تنذر إن صدقت أقوال شهودها بأن البلاد يمكن أن تدخل أتون صراع عسكري في أية لحظة.

ففي تصريحات صحفية قال عادل العلمي رئيس جمعية الوسطية للإصلاح والتنمية إنه وأعضاء جمعيته قد اخترقوا جمعية تونسية شيعية متواجدة في ولاية قابس على أساس الانتماء إليها وسافروا معها إلى دولة إيران فاكتشفوا أن أبرز نشاطاتهم تتمثل في التدرب على استعمال السلاح فقاموا بتوثيق هذه العمليات.

وأكد العلمي تصريحاته قائلا: إن الجمعيات والأحزاب التي تنتسب إلى الشيعة كثيرة في تونس وتقوم بتظاهرات ورحلات إلى دول أجنبية للتدرب على استعمال السلاح متخفية بالتراخيص الحزبية والجمعياتية.

وفي تصريحات أخرى لفت العلمي إلى أنه تقدم بمذكرة تفصيلة حول ما أشار إليه من اتهامات صريحة وموثقة لكل من وزارة الداخليّة ورئاسة الحكومة ومع ذلك فإن أحدا لم يهتم بالأمر ولم يتم التحقيق فيها وهو ما يشي بأن النفوذ الشيعي في تونس ليس بسيطا بل إنه وصل إلى حد أنه نجح في التغطية على قضية بمثل هذا الحجم والتي كانت تستدعي أن تتحرك الدولة التونسية وعلى أعلى مستوياتها للتحقيق فيها والتأكد من صحة بياناتها.

ربما ووفق الإحصائيات التي أشارت إليها الكثير من المصادر ما زال عدد المتشيعين التوانسة قليلا إلا أن النفوذ الشيعي في تونس فوق قدرات هذا العدد حتى لو افترضنا جدلا صحة ما يدعيه القيادي الشيعي التونسي الدكتور محمد التيجاني السماوي الذي يقول إن أعدادهم تقدر بمئات الآلاف فإن هذا العدد لا يحول على الإطلاق أن يتم غض الطرف عن هذه القضية.

أما فيما يخص العمل السياسي فإن شيعة تونس كغيرهم يسعون إلى التواجد السياسي وإحداث التأثير بشتى الطرق وهم لا ينكرون ذلك بل إن بعضهم لا يتردد في أن يعرب عن استيائه من أن ذلك لم يحدث بعد ومن ذلك ما عبر عنه زعيم الشيعة في تونس مبارك بعداش حيث أشار إلى أنهم يعيشون تشتتا بين مختلف ولايات الجمهورية الأمر الذي جعلهم غير موحدين ولم يتمكن تيار الشيعة من توحيد صفوفه وقراراته فيما يتعلق بمستقبله السياسي في البلاد.

ولا ينكر بعداش أيضا أن الشيعة في تونس يتحركون وكأنهم كتلة موحدة إذ أوضح أنه وصَلته منذ شهرين مطالب للتحالف مع بعض الأحزاب أو تأمين أصواتهم لحزب معين في الانتخابات القادمة الأمر الذي يعني أنهم يتحركون بشكل جماعي ما يعد تحديا صارخا للدستور والقانون الذي يرفض التمييز على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي فيما يخص التكوينات والتنظيمات السياسية.

بل إنه وبلهجة حاسمة عقّب على ذلك مؤكدا أنهم كتيار للشيعة لن ينضموا إلى أي حزب وهمّهم الوحيد هو جمع شملهم ومن ثم سيفكرون في المشاركة في الانتخابات.

وكعادة الشيعة في العديد من البلدان في تقسيم الأدوار ففي حين يؤكد التيجاني أنه ليس للشيعة مطالب في تونس فلا هم يريدون مسجدا أو حسينية أوصحيفة يرى السيد عماد الدين الحمروني غير ذلك إذ يرى أن شيعة تونس يهمهم الشأن الوطني ويتدخلون فيه بل يشير إلى أن التونسيين المنتمين إلى مدرسة أهل البيت ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي متواجدون على الساحة الوطنية وشاركوا مشاركة فاعلة في إسقاط النظام البورقيبي.

لكن وبعد تأمل سريع لموقف الدكتور التيجاني تكشف أن الرجل يصرح بما صرح به لسببين أساسيين يتسقا مع منهج الشيعة إذ يرى التيجاني أنه ليس معقولا أن تطرح كل مطالب الشيعة الآن فالأمور وحسب قوله تجري رويداً رويداً وأنه لا يتدخل في شؤون الحكم والحكام حيث لديه مهمة أسمى من ذلك بكثير ألا وهي تقديم النصيحة وكشف الحقيقة فضلا عن أن التيجاني يعتقد – وفق ما لديه من معلومات - أنه ليس هناك أي عائق يعترض التشيع في تونس على شرط أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يتم تجنب التعرض للنظام القائم ولا يتم التآمر عليه.

وما عبر عنه التيجاني من مبررات ربما يصدقه الواقع ذلك أنه معلوم لدى الجميع تلك العلاقة الوثيقة بين حركة النهضة التونسية وبين إيران حتى أن الحركة أيّدت وبشكل كامل الاتفاق الذي وقعته وزيرة السياحة التونسية مع الجانب الإيراني وهو الذي أبدت الكثير من الأطراف التونسية تخوفها منه على اعتبار أنه تهديد للأمن القومي التونسي.

لكن وبعيدا عن تصريحات المتشيعين أنفسهم فقد كشف العديد من المتابعين والمراقبين التونسيين عن أن إيران وفي أعقاب الثورة التونسية عام 2011 صعّدت من نشاطها لنشر التشيع وأن المركز الثّقافي الإيراني في تونس هو الجهة المسؤولة عن تمويل وتنظيم هذا المدّ حيث توجد بعض الجمعيّات والأحزاب والصّحف الشيعيّة المندسّة في المجتمع المدني على غرار الرّابطة التونسية للتّسامح وحزب الوحدة وجريدة الصّحوة.

موريتانيا:

بغض النظر عن اللغط الذي أثير مؤخرا حول انتشار التشيع في موريتانيا ورغبة في عدم الاستجابة لمحاولات التهويل أو التهوين من هذا الانتشار إلا أن الثابت الذي لا يمكن أن ننكره أن إيران بالفعل تتحرك في كل الاتجاهات حتى يكون لها موطئ قدم في كل بلد عربي ومسلم ومن ثم فإن موريتانيا ينطبق عليها ما هو جار على كل البلدان العربية والإسلامية التي اخترقتها الأيادي الفارسية الإيرانية.

وفضلا عن ذلك فإن ثمة شواهد عديدة أشارت إليها مصادر موريتانية تؤكد أنه أصبح يوجد بالفعل العديد من المكونات السياسية الموريتانية التي باتت متأثرة بدرجة كبيرة بإيران تتحرك وفق أهوائها وتدافع عن توجهاتها وذلك عبر طريقين أحدهما الاستقطاب المذهبي والذي نجح في إقناع بعض رجالات الحياة السياسية والثقافية بالتشيع، أما الآخر فعبْر الاستمالة بالمال الكثير.

ولعل ما تناقلته بعض المواقع والصحف العام الماضي حول مصادرة المملكة المغربية لنحو 100 ألف دولار قام بتحويلها القيادي الشيعي الموريتاني الشيخ بكار ولد بكار محمد على أحد بنوكها وذلك خلال زيارته لإيران يؤكد ذلك إذ كان مبرر المخابرات المغربية لسحب المبلغ هو تلقي تمويلات خارجية إرهابية من إيران.

وعلى الرغم من أن بكار لم يقدم مبررا لتلقي هذه الأموال وتحويلها على حسابه الخاص إلا أن بكار لم يعدم أن يجد من يقف بجواره ويدعمه من الأحزاب الموريتانية حيث شكل أربعة أحزاب جبهة للدفاع عن بكار ضمت السياسي الموريتاني المعروف الشبيه ماء العينين وهو نفس التحالف الذي ندد بعملية عاصفة الحزم التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن وهو الموقف التي يتوافق مع إيران وحلفائها.

ومن الشواهد أيضا تلك الزيارة التي قام بها العام الماضي أيضا الشيعي اللبناني محمد قانصو لموريتانيا والتي اعتبرها الكثير من المراقبين مؤشرا على تطور المد الشيعي بموريتانيا حيث شملت الزيارة لقاءات مع مسؤولي أحزاب سياسية صغيرة معروفة بعلاقتها بالنظام السوري مثل رئيس حزب الوحدوي الديمقراطي الذي يقوده محفوظ ولد اعزيزي فيما أشرف قانصو على تدشين مدرسة قرآنية صغيرة باسم الزعيم الروحي لشيعة غرب أفريقيا عبد المنعم الزين الأمر الذي فجر غضبا كبيرا لدى الأوساط الدينية ما دفع السلطات الأمنية لإجراء تحقيقات مع بعض مستقبلي الشيخ الشيعي.

وتطرح زيارة قانصو ولقاءاته السياسية سؤالا هاما حول أعداد الشيعة ومدى التوغل الشيعي في موريتانيا وهل هم بالفعل كما أشارت بعض المصادر الإعلامية نحو ثلاثين ألف شيعي أم أن هذا الرقم مبالغ فيه وفق ما أكدت وزارة التوجيه الإسلامي الموريتانية أو أشار إليه قانصو نفسه والذي صرح بأن عدد أتباع مذهبه بموريتانيا لا يتجاوز العشرات وأن الحديث عن وجود عشرات الآلاف من الشيعة في موريتانيا "كلام يراد منه التخويف والتهويل".

وعلى كل فإن كلا الرأيين يبدوان غير مطابقين للحقيقة غير أن ما يعنينا هو الإشارة إلى أن ما صرح به قانصو من أن المتشيعين بالعشرات هو من باب التقية للحفاظ على الشيعة هناك وعدم تحرك الدولة الموريتانية لمواجهة هذا المد ومن ثم فإن ما يمكن أن نتوقعه هو أن عمليات المد قائمة بلا توقف وإلا فما الدافع الحقيقي وراء زيارة قانصو لموريتانيا؟

وختاما فإن الحديث عن حق الشيعة في التواجد السياسي ربما يروق للبعض في إطار فهم مغلوط لمعنى الحرية لكننا ولو افترضنا جدلا الاتفاق مع أمثال هؤلاء على ما ينادون به فإننا نرى أنه من حقنا أن نطرح تساؤلين في غاية الأهمية:

الأول: ألا يعد إصرار المتشيعين على العمل المشترك من خلال تنظيم واحد ووفق رؤية موحدة تمييزا يستهدف إحداث تجمع لأصحاب مذهب بعينه وهو ما يتعارض مع القوانين والدساتير التي تسمح لأي مواطن بشكل بديهي أن ينخرط في الحياة السياسية؟

أما الآخر: فيتعلق بحقيقة ولاء هؤلاء المتشيعين وهل يكون لبلادهم أم سيكون لإيران التي تتحدث عن عودة الإمام الغائب وتقود أتباعه؟

 

 
 
 
استضعاف المستضعفين: إيران والانقلابات العسكرية في إفريقيا
الأربعاء 30 أبريل 2014

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

   رفع الخميني عقب نجاح الثورة في إسقاط نظام الشاه مبدأي حماية المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي اللذين أصبحا من أهم مبادئ السياسة الخارجية الإيرانية، وأكسبا الجمهورية الإسلامية الكثير من الشعبية في الأوساط العربية، حتى جاءت الثورة السورية ليصطدم الرأي العام العربي بموقف إيراني غير مسبوق في دعم نظام مجرم ومستبد، وتسخير كل الطاقات للدفاع عنه، والمشاركة في العمليات العسكرية ضد الشعب السوري، بل دفع بوكيله حزب الله اللبناني ضد الثورة السورية، حتى ذهل الكثيرون من مواقف حزب الله ومفاخرته بجرائمه بحق الشعب السوري، وتقديمها كانتصارات على الصهاينة، في حين أن الدماء التي سالت ولا زالت دماءٌ سورية لم تكن فيها أي قطرة إسرائيلية رغم "التحرشات" المبررة في القانوني الدولي للرد عليها، وهو ما لم يحصل بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات.

  والإشكالية في هذه المبادئ الخمينية المثالية أنها تنطلق من خلفية دينية تتمحور حولها العقيدة الشيعية، فحماية المستضعفين رسالة حسينية عند الشيعة، ومرتبطة في مخيالهم بمظلوميته، مما يجعل الخروج عن هذه المبادئ لا يبرر إلا بالنفاق والمتاجرة بالدين، خاصة وأن من يقف على رأس النظام المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو مرجع ديني في مستوى آية الله العظمى. وإذا ما استثنينا الحالة السورية وسلمنا جدلا بأنها مؤامرة كونية كما يبرر عملاء إيران في المنطقة فإلى أي مدى التزمت طهران بهذه المبادئ في مناطق أخرى؟

الانقلابات العسكرية والمستضعفون:

  تبرر أي حركة تغيير للنظم السياسية بأنّها محاولة لتخليص الشعب من نظام مستبد وفاسد أضاع حقوق المواطنين وجعلهم يعيشون الفقر المدقع، ولا تخلو من اتهامات له بتسليم مقدرات البلد وثرواته للقوى الأجنبية، وفي المقابل تعِد بغد مشرق وزاهر يسود فيه العدل والرخاء والحرية، تسخر فيه كل طاقات الدولة لمشروع تنموي رائد.

وإن كانت الحركات الاحتجاجية الشعبية والثورات التي تنطلق من الأسفل إلى الأعلى تعبر عن هذه الحقيقة فإن المحاولات التي تكون من الاتجاه المعاكس ممثلة بشكل خاص في الانقلابات العسكرية، وإن لم تكن مخطئة في التوصيف أعلاه إلا أنه في الغالب الأعم يكون مجرد تبرير لصراعات بين النخب الحاكمة سرعان ما يقوم المنتصر فيها بممارسات أفظع وأشنع، ويتشبث بالسلطة أكثر ممن سبقه، حتى وإن زينها ببعض المساحيق القانونية التي لا تخطئ العين أنها مجرد غطاء لنظام ديكتاتوري مستبد.

وتعد القارة الإفريقية من أكثر المناطق التي تموج دولها بالانقلابات العسكرية، إذ لم تنعم جلها بحالات استقرار سياسي متوسطة المدى وتداول سلمي على السلطة منذ استقلالها عن القوى الاستعمارية. حتى أضحت ظاهرة الانقلابات خاصية مميزة للقارة، وبحسب بعض التقديرات فقد شهدت إفريقيا في الخمسين سنة الماضية ما لا يقل عن ثمانين عملية انقلابية معظمها في دول غير عربية، واستهدف بعضها نظما منتخبة ديمقراطيا([1]).

  هذه الاضطرابات السياسية تؤثر بشكل كبير على السياسات الخارجية للقوى الإقليمية والدولية تجاهها، في ظل تضارب المصالح وارتباط القوى السياسية الحاكمة بأطراف خارجية تدعمها، وبحث القوى المعارضة عن أطراف أخرى خاصة في حالة الانقلاب العسكري، وهذا ما تشهده الكثير من الدول، ومن بينها إيران، التي سنحاول أن نقدم نماذج عن طريقة تعاطيها مع الانقلابات العسكرية في إفريقيا ومدى تناقضها مع مبدأ حماية المستضعفين الذي ترفعه في سياستها الخارجية.

الدفاع عن المستضعفين الأفارقة في السياسة الخارجية الإيرانية حاليا:

  لا تغيب مبادئ حماية المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي عن الخطاب الإيراني الحالي تجاه إفريقيا، إذ كانت في واجهة أسباب انفتاحها عليها، حيث ارتكز الانفتاح الإيراني على القارة الإفريقية على مواجهة الاستعمار العالمي وتشكيل ما يسمى بجبهة معادية للاستعمار الموازية للقوى الغربية التي تنهب ثروات القارة، كان رفعها الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد خلال عهدتيه الرئاسيتين.

كما أكد المرشد الأعلى علي خامنئي، أن إيران ترحب بتطور وتنمية الدول الإفريقية واتحادها. وأشار إلى الممارسات العدائية لبعض الدول الأوروبية وكذلك أمريكا في استعمار الدول الإفريقية وإثارة الفتن والمؤامرات في هذه الدول، معربا عن أمله بأن تشهد القارة الإفريقية مستقبلا أفضل بكثير مصحوبا بمزيد من التطور يوما بعد آخر([2]).

  وإزاء القضايا الحالية على سبيل المثال لا الحصر اعتبر السفير الإيراني في إسبانيا مرتضى صفاري نطنزي أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ناجمة عن تبعية الأنظمة الديكتاتورية للغرب وإذلال الشعوب في المنطقة([3]).

واعتبرت طهران أن التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى بعد الانقلاب الأخير وما أعقبه من عنف هو استغلال لحالة الفوضى كذريعة لادعاء ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة، وذلك بعد تدخلها في مالي وليبيا. وأن الأمر ليس جديدا على تاريخ فرنسا الاستعماري المليء بالدموية والوحشية، خاصة بعد سقوط أبرز حلفائها بالمنطقة زين العابدين بن علي، وهو الأمر الذي دفعها إلى التصيد من أجل إرضاء طموحات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الاستعمارية، للنهوض بالاقتصاد الفرنسي على حساب دم ونهب ثروات الشعوب الأفريقية([4]).

كما صرح قبلها المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمان باراست أن إيران تدعم جهود الاتحاد الإفريقي لاستعادة "السلام والأمن" في مالي عقب الانقلاب العسكري وقال إن الجمهورية الإسلامية "تدعم دائما وحدة، وسلام، واستقرار، وسلامة أراضى مالي، وتحترم حقوق الشعب والديمقراطية في البلاد" .وأن أي إخلال بالأمن في إفريقيا سيلحق الضرر بالشعب الإفريقي، وتستغله القوى الخارجية، وأضاف أنه يتعين على الشعوب الإفريقية حل خلافاتها الداخلية من خلال المفاوضات والمحادثات السلمية"([5]).

ولكن الموقف لم يخرج عن مستوى التنديد والتشهير الإعلامي لممارسات القوى الدولية للتغطية عن أعمالها التي لا تختلف عنها لا من حيث الأساليب ولا من حيث الأسباب، وإن كان حجم التدخل العسكري الإيراني أقل بكثير مقارنة بالقوى الغربية واعتماده الأساليب غير المباشرة والمحلية في الكثير من الأحيان.

ردود الفعل الإيرانية عن الانقلابات العسكرية في إفريقيا

اللافت للانتباه في براغماتية السياسة الإيرانية أنها لا تراعي الجانب الإنساني الذي تدعيه، وإنما كل ما يحرك ويوجه مواقفها من الأنظمة الإفريقية هو علاقة الأخيرة بالدول الغربية، وما تتيحه لها من فرص اقتصادية أو سياسية لتزاحم أو تساوم بها القوى الأخرى ولو على حساب الدماء الإفريقية، وأبرز ما يدلل على هذا موقفها من الانقلابات العسكرية والأنظمة الديكتاتورية، حيث لم يحصل أي موقف سياسي إيراني أقدمت فيه طهران على قطع علاقاتها مع بلد إفريقي حصل فيه انقلاب عسكري واعتبرته مضرا بمصالح ذلك الشعب، وديكتاتورية لا يمكن أن تسمح لها مبادئها تجاه المستضعفين تجاهل ما يعانيه هؤلاء من ظلم واضطهاد بسبب تلك الانقلابات، ورغم إدراك حقيقة الويلات التي تعقب الانقلابات العسكرية إلا أنها لم تتوانَ عن نسج علاقات متينة وقوية مع الأنظمة الناتجة عنها خاصة عندما ترفع الأخيرة شعارات مواجهة الغرب ممثلا في الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا.

فإثر الانقلاب العسكري في النيجر (فبراير 2010) وعلى الرغم من عدم وضوح تأثيره على العلاقات بين النيجر وإيران، فإن أحد التقارير ذكر أن الدبلوماسيين الإيرانيين غادروا عاصمة النيجر نيامى عقب استيلاء المجلس العسكري على السلطة مباشرة، وبعد خمسة أيام ذكرت الصحافة التليفزيونية الإيرانية أن الرئيس المخلوع مامادوا تانجا أصبح أقل شعبية لأنه قام بتغيير الدستور للبقاء في السلطة([6]).

وهذه كانت بداية تحول إيراني في تأييد الانقلاب والتنكر لعلاقاتها مع نظام مامادوا تانجا الذي لم تكتشف ديكتاتوريته وتراجع شعبيته إلا بعد الانقلاب بخمسة أيام. بل وهناك من يذهب إلى أن الانقلاب ورغم أسبابه الداخلية البحتة إلا أنه لم يخلُ من بعد خارجي تمثل في العلاقات التي نسجها الرئيس مع المحور الصيني الإيراني على حساب المحور الأوروبي الأمريكي([7]).

ولعل هذا ما يفسر مغادرة الدبلوماسيين الإيرانيين النيجر رغم أن الانقلاب وصف بالأسرع والأقل عنفا. وبعد استتباب الأوضاع هناك وخلال زيارة نجاد للبلاد في أواخر عهدته الثانية سنة 2013 كان اليورانيوم من أولويات الرئيس الإيراني وليس المستضعفين وأوضاعهم وحقوقهم.

كما أن توقيت قرار قطع العلاقات الجامبية مع إيران أثار الكثير من علامات الاستفهام، حيث جاء عقب 10 أيام من محاولة انقلاب فاشلة اتهم الرئيس الجامبي يحيى جامع ضباط الشرطة الذين تم اعتقالهم في 11/11/2010  بمحاولة إقصائه عن رئاسة جامبيا وقلب نظام الحكم فيها .وهي الثانية التي يتورط فيها مسؤولون كبار في المؤسستين العسكرية والأمنية في جامبيا بعد إحباط المحاولة الانقلابية الأولى قبل أربعة أشهر ما يطرح المزيد من التساؤلات حول الدور الإيراني والانقلابات الأخيرة بجامبيا، في ضوء القرار الجامبي الذي جاء قويا وسريعا([8]).

مع العلم أن العلاقات الجيدة بين البلدين والتي كانت متطورة جدا انتعشت في ظل نظام ديكتاتوري اعتلى فيه الرئيس السلطة بعد انقلاب عسكري، وبغضّ النظر عن صحة الاتهامات لإيران بالوقوف وراء محاولات الانقلاب العسكرية من عدمها فإن مما لا شك فيه أن شحنة الأسلحة المهربة التي كانت السبب المباشر لقطع العلاقات ضحاياها كانوا (لو تمت العملية) من المستضعفين بكل تأكيد الذين تدعي إيران دعمهم ومساندتهم.

وكما يقول الكاتب رضا عبد الودود، فإن الاستبداد السياسي والتضييق على القوى المعارضة في جامبيا طوال الثلاثين عاما الماضية لم يدفع إيران الثورة "الإسلامية" و"المبادئ" أن تقف ضد سياسات جامبيا أو تدفع نحو تحقيق التصالح بين الحاكم والشعب المقهور، ما يؤكد أن مصالحها فوق كافة الحقوق والشعارات التي ترفعها، ففي الوقت الذي شنت فيه طهران هجوما على قرار جامبيا قطع علاقاتها معها ووصفتها بأبشع الأوصاف من الخضوع والانصياع للأجندات الأمريكية والدولية، لم تتحرك لدعم حق الشعب الجامبي الذي يعاني الاستبداد المؤبد، إذ يؤكد المراقبون أن الرئيس الجامبي يحيى جامع الذي دخل عامه التاسع والعشرين في الرئاسة وكان ضابطا شرفيا برتبة ملازم في الجيش قبل تنفيذ انقلابه يسعى إلى تأبيد حكمه لمدى الحياة من خلال دعوته للاستفتاء على ذلك.

كما أنه بسبب معارضة الأحزاب والقوى السياسية لهذه الخطوة من جانب جامع بدأ نظامه في تضييق الخناق على أنشطتها بصورة تكاد تقترب من حظر نشاطها واتهام نشطائها له بالسعي إلى تقويض نظام حكم البلاد من الجمهوري إلى الملكي وهو ما بدأ التمهيد له بإصدار القيادات التقليدية والعرقية الموالية له مسمى ملك جامبيا عند مخاطبته([9])، مع العلم أن الدولتين كانتا قبل الأزمة تريان أنهما تعانيان من الاضطهاد الدولي، فإيران تعاني نتيجة لبرنامجها النووي، أما جامبيا فلها ملف من انتهاكات حقوق الإنسان([10]).

الإسلاميون والانقلابات العسكرية: السودان والجزائر

وبالنسبة للدول الإفريقية العربية التي حصلت فيها انقلابات عسكرية نجد التناقض نفسه في مواقف إيران حتى بدخول عامل إضافي للمعادلة ممثل في الإسلاميين، وأبرز الأمثلة كان في الانقلابين اللذين شهدتهما الجزائر والسودان في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، فبينما نددت بالانقلاب العسكري في الجزائر سنة 1991 بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات واصفة إياه بالانقلاب العسكري ومعتبرة مواقفها رد فعل طبيعي بحكم التزامها بمبادئ حماية المستضعفين، كانت في وقت سابق أيدت انقلاب آخر قام به الفريق عمر البشير في السودان، ولم تلتفت لشرعيته من عدمها باعتباره انقلابا عسكريا أم ثورة، لتشهد علاقتها مع النظام وليد الانقلاب تطورا كبيرا، فإضافة للتعاون الاقتصادي ساهمت في بناء جهازه الأمني الذي تعزى إليه أغلب حالات القمع وممارسات العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، فقد مكنت المساعدات الفنية والتدريبية والأسلحة التي قدمتها إيران، الحكومة السودانية من قمع العديد من الانتفاضات، كما حدث في الشمال بسبب ارتفاع معدلات التضخم (120%) وما حدث في مقاطعة دارفور، ثم في جبال النوبة([11]).

 العامل الخارجي وفرص النفوذ: موريتانيا

سبق الموجة الثورية التي شهدتها دول شمال إفريقيا العربية عدة انقلابات في موريتانيا، ففي شهر أوت/ أغسطس 2008 وقع انقلاب عسكري، رفضت إيران في البداية تغيير السلطة ودعت إلى إعادتها إلى ممثلي الشعب الموريتاني ونددت بالانقلابات العسكرية، وربما يعود ذلك إلى الخطب الإيجابية التي ألقاها الرئيس السابق عبد الله ووزير الخارجية الموريتانية أحمد ولد سيد أحمد في أبريل 2007، والتي عبَّرا خلالها عن تقديرهما لجهود إيران في العراق ولبنان، ولكن بعدما عبّر المجلس العسكري عن معاداته لإسرائيل، وأكد استمرار الاستثمارات الإيرانية، وتجميد الحكومة الموريتانية علاقاتها مع الدولة اليهودية في يناير 2009، ردا على هجوم إسرائيل على غزة قبل شهرين من هذا التاريخ، وطرد السفير الإسرائيلي، تحسنت العلاقات بين الطرفين وعملت إيران على سد الفجوة التي خلفتها إسرائيل، بدعم بعض المشاريع التي كانت تمول من الحكومة الإسرائيلية واللجنة اليهودية الأمريكية.

وعندما زار قائد الانقلاب ولد عبد العزيز إيران في يناير 2010 للاحتفال بافتتاح السفارة الموريتانية في طهران، أشاد كلٌ من أحمدي نجاد، وعلي خامنئي بقطعه لعلاقات بلاده مع إسرائيل، كما أشاد أحمدي نجاد أيضا بالدعم الذي تقدمه موريتانيا لإيران على الساحة الدولية. ودعا خامنئي الموريتانيين إلى تجنب استضافة الوجود العسكري الأمريكي، في إشارة إلى البحث الذي تقوم به القيادة الأفريقية للولايات المتحدة عن قواعد لها في القارة([12]).

الثورات والانقلاب عليها: تونس ومصر

وبينما كانت علاقتها جيدة مع نظام زين العابدين بن علي ولم تراع ظلمه لشعبه ولا ديكتاتوريته ولا موالاته للغرب والاستكبار العالمي بل لم تلتفت حتى لقمعه للحركة الإسلامية التي كانت تدعي الدفاع عنها مما تسبب في قطع العلاقات بين الطرفين في الثمانينات، لتعود وتتحسن ابتداء من سنة 1990، بعدما قامت طهران مقابلها ببيع حركة النهضة لنظام زين العابدين بن علي في الوقت نفسه الذي كانت تدعي الدفاع عنها في الجزائر والسودان كما سبق الإشارة، ولاحقا ومع تطور العلاقات بلغ بها الأمر درجة منع راشد الغنوشي الذي كان من أكثر المؤيدين لنظام الجمهورية الإسلامية من دخول إيران مقابل صفقات اقتصادية وغضّ النظر عن نشر التشيع في تونس مما جعل الأخير ينتقد طهران وينعت مراهنتها على نظام ديكتاتوري بالانتهازية([13])، ولكن عند الثورة تغير الحال حيث أعربت عن تأييدها للشعب التونسي، وأصبح زين العابدين بن علي مواليا للغرب وديكتاتورا وهو المشهد الذي تكرر في مصر.

 فهناك كانت علاقتها متأزمة مع نظام حسني مبارك، لذلك احتفت كثيرا بسقوطه وحاولت نسبة الثورة المصرية لنفسها، ولكن مع وصول الإخوان للسلطة وانتهاجهم لخط سياسي مخالف كثيرا للمواقف الإيرانية الذي بلغ ذروته برفض قمع نظام بشار الأسد للشعب السوري، تغير الموقف الإيراني حيال مصر وجاء الانقلاب ليكشف تلون المواقف الإيرانية حيث وقعت إيران في شباك رد فعل "انتقامي" احتفى على استحياء أحيانًا، وبوضوح أحيانًا أخرى بـ "سقوط الإخوان".

فإيران لم تنس لمرسي خطابه الذي تحدى به المنظومة الفكرية الشيعية في عقر دارها، ووجّه النقد إلى دور الجمهورية الإسلامية في سوريا خلال زيارة إلى طهران لم تتجاوز الساعات الأربع تجنب خلالها مقابلة مرشد الثورة علي خامنئي. وغلبت نبرة تبريرية على القراءة العجولة لما حدث في مصر؛ فمرسي لم يتخذ "موقفًا متشددًا من إسرائيل كما كان متوقعًا، وتراجع عن مبادرته لحل الأزمة في سوريا سلميًا، وارتكب الكثير من الأخطاء"، وتجاوز ذلك إلى وصفه بـ "قلة الكفاءة والغرور"([14]).

الخلاصة:

ربما تكون مصادفة أن يكون معنى الثورة في اللغة الفارسية هو انقلاب، ولكن في اللغة السياسية هناك فرق كبير بين الكلمتين لا شك أن طهران تدركه جيدا، وهي في تفسير معانيه تستند إلى قاموس مصالحها، وهذه أمور طبيعية جدا فالدولة ليست جمعية خيرية كما يقال.

ولكن في المقابل هناك جملة من القيم والمبادئ يجب أخذها بعين الاعتبار في التحليل السياسي لمواقف الدول، وهذا ما يستند إليه في تحليل استراتيجيات القوى الدولية، حيث الإجماع على أن نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كان مجرد واجهة من طرف القوى الغربية لتبرير سياساتها في المنطقة، وهذا ما تجلى في كثير من المواقف بداية من فلسطين وانتهاء بالعراق وسورية.

ولكن في المقابل الكثير من الأكاديميين والسياسيين في الأوساط العربية، يحاولون لي عنق هذه الحقائق عند الحديث عن السياسة الخارجية الإيرانية، مستثمرين في تناقضات المشهد العربي، ولعل النافذة الإفريقية البعيدة نسبيا عن الانفعالات العاطفية في التحليل، تكشف بما لا يدع أي مجال للشك أن الدور الإيراني هناك تخريبي يستند لنفس الآليات التي تنتهجها القوى الغربية في سياساتها وهو ما يمكن تعميمه انطلاقا من هناك على المنطقة العربية أيضا.

وبالنسبة للموقف من الانقلابات العسكرية الذي اتخذناه نموذجا في هذه الدراسة، المتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ الدفاع عن المستضعفين، اتضح تشابه محددات السلوك الإيراني تجاهها في الدول الإفريقية والعربية، فإيران تعوّل على أي تغير سياسي وتستثمر فيه بما يخدم مصالحها لمنافسة القوى الدولية والإقليمية، دون الأخذ بعين الاعتبار أوضاع الشعوب ومعاناتها جراء التغييرات السياسية، وحتى إن اقتضى ذلك توظيف دماء المستضعفين في صراعات داخلية فضلا عن الالتفات لما تقوم به الأنظمة العسكرية في حقها، ومن ينتظر من مثل هذه الأنظمة التصويت لصالح ملفه لحقوق الإنسان في المحافل الدولية وتبادل الأدوار معه في نفس المجال وتعليق وتبرير كل الانتهاكات والظلم على مشجب مواجهة الاستكبار، هل يمكن الحديث إذا عن مبادئ وقيم دينية لدى آيات الله العظمى الشيعية؟!

 

 



([1]) إفريقيا تاريخ حافل بالانقلابات، الجزيرة نت، 16/04/2012، على الرابط:  

http://www.aljazeera.net/news/pages/f476eff5-b0fd-4536-94c2-64c45a72cb24?GoogleStatID=9

([2]) قائد الثورة الإسلامية: إيران ترحب بتطور وتنمية الدول الإفريقية واتحادها، قناة العالم، 10/04/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1462983

([3]) تبعية الأنظمة الديكتاتورية للغرب وراء تطورات المنطقة، قناة العالم، 08/08/2011، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/654531

([4]) فرنسا تبدأ حملة عسكرية لإنهاء «فوضى الانقلاب» في أفريقيا الوسطي .. وصحيفة إيرانية: سياسة هولاند تحلم بالعودة إلى الماضي، موقع الوادي الإخباري، 07/12/2013، على الرابط:

http://elwadynews.com/world-news/2013/12/07/4497

([5]) إيران تدعم جهود الاتحاد الأفريقي لاستعادة السلام في مالي، صحيفة الشعب،27/03/2012، على الرابط:

http://arabic.people.com.cn/31663/7769808.html

([6]) أميرة محمد عبد الحليم، أحمدى نجاد في غرب أفريقيا، الأهرام الرقمي، 01/02/2011، ، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=485862&eid=122

([7]) سمير صالحة، النيجر.. انقلاب بلا دماء، جريدة الشرق الأوسط، 05/03/2010، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=45&article=559721&issueno=11420#.U1YeDlV5Ozw

([8]) جامبيا.. مخطط انقلابي للإطاحة بالرئيس بمشاركة الاستخبارات، المصري اليوم، 12/11/2010، على الرابط:

http://www.almasryalyoum.com/news/details/95055

([9]) رضا عبد الودود، تداعيات قطع جامبيا علاقاتها مع إيران، موقع المسلم، 27/12/1431 هـ، على الرابط:

http://almoslim.net/node/137784

([10]) أميرة محمد عبد الحليم، المرجع السابق.

([11]) صلاح سالم زرنوقة، السودان من الانقلاب العسكري إلى المعارضة المسلحة: النظام السوداني من منظور علاقاته مع إيران، الأهرام الرقمي نقلا عن مجلة السياسة الدولية، 01/04/1997، على الرابط:

http://www.ahramdigital.org.eg/articles.aspx?Serial=218714&eid=3379

([12]) أميرة محمد عبد الحليم، المرجع السابق.

([13]) أسامة شحادة، من تاريخ الحركة الإسلامية مع الشيعة وإيران، كتاب الراصد 7، ص 129.

([14]) فاطمة الصمادي، بين اللوم والتوجس قراءة إيرانية مرتبكة لأحداث مصر، مركز الجزيرة للدراسات، 30/07/2013، على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/reports/2013/07/2013729134937923407.htm

 
 
 
السلاح الإيراني في إفريقيا ... الواقع وسيناريوهات التصدي
الخميس 7 يناير 2016

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

توجه إيران نحو إفريقيا كان إحدى محاولاتها لفك الحصار العالمي عليها، وكانت إفريقيا الفضاء الأنسب لذلك، باعتبارها ساحة الصراع الثانية عالميًّا والمورد الطبيعي الأكبر للعالم، والعلاقات الإيرانية الإفريقية تعد من العلاقات التى شهدت توسعاً كبيراً خاصة خلال العقدين الماضيين.

ويلاحِظ المتأمل وجود رؤية واضحة حول أولوية أفريقيا في أجندة السياسة الخارجية الإيرانية؛ فعلى سبيل المثال تمتلك إيران سفارات في أكثر من 30 دولة إفريقية، وفي منتصف 2010 عقدت القمة الأفريقية الإيرانية في طهران بمشاركة ممثلين عن 40 دولة أفريقية بينهم رؤساء ووزراء ودبلوماسيون ورجال أعمال، وتتمتع إيران بصفة العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي، وتحرص القيادة الإيرانية على مستوى الرئاسة وكبار المسؤولين على زيارة العواصم الإفريقية بشكل دوري، ولعل من أكبر تلك الزيارات زيارة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى كل من غانا وبنين والنيجر في 2013م، وبما أن نجاد هو أول رئيس إيراني يتجه لأفريقيا بهذا الشكل قبل أن يترك منصبه، فإن من أهم ما ساعده على توثيق العلاقات وتطويرها واستقباله بحفاوة في كل دولة زارها هو رئاسة إيران لحركة عدم الانحياز، الحركة التي تأسست فعليًّا في عام 1955، وتضم الآن 118 دولة عضوة و18 دولة كمراقب و10 منظمات، وجميع دول أفريقيا عضوة فيها باستثناء جنوب السودان المنفصلة حديثاً والتي لم تنضم للحركة حتى الآن.

ويبدو تطور العلاقات الإيرانية الأفريقية جليًا في ما مضي من سنوات، وهي مرشحة للزيادة، وعلى مستوى التمثيل الدبلوماسي يتوقع أن تعيد المغرب علاقتها الدبلوماسية قريبًا مع طهران في تطور جديد، وتعيد إيران فتح سفارتها في الرباط بعد القطيعة الشهيرة بينهما في 2009م حينما اتهم المغربُ إيران بأنها كانت تستغل سفارتها في المغرب من أجل القيام بأنشطة تشييع في المغرب ومالي، والسنغال، وكانت تخطط لتوسيع رقعة النفوذ الشيعي في غرب إفريقيا جنوب الصحراء، وجعل المغرب منطلقا لهذا الهدف، مما دعا المغرب لشن حملة ضد الشيعة للحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة.

والنظرة الفاحصة تؤكد أن هناك أبعادا ودلالات أخرى كثيرة وراء هذا التدافع الإيراني الكبير نحو أفريقيا، ورغم أن قراءة الملف الإيراني الأفريقي تعكس تبانيا واضحا في الرؤى والتوجهات، فهناك من يرى أن حدود العلاقة تتوقف عند غاية التبشير ونشر المذهب الشيعي، وهذا وإن كان فيه قدر كبير من الصحة والأولوية إلا أن هناك غايات إيرانية أخرى مكملة يجب أن توضع في الحسبان منها الغاية الاقتصادية والأمنية والعسكرية لإيران في إفريقيا، وسيركز هذا المقال على النشاط العسكري الإيراني سيما نشاط تهريب وتصنيع السلاح في إفريقيا، والتورط الإيراني في صناعة الإرهاب في بلدان إفريقيا.

ماذا تريد إيران من إفريقيا:

بمتابعة النشاط المحموم لإيران في إفريقيا، يلمح الناظر المتفحص أن إيران تريد بنشاطها في أفريقيا أن تبلغ عدة أمور، يمكن تلخيصها في التالي:

أولاً: نشر المذهب الشيعي وتكوين مليشيات عسكرية تابعة لها

استراتيجية إيران في أفريقيا ليست سياسية فقط، بل سعت لتوظيف تأثيرها السياسي من أجل تطويره ليأخذ طابعا دينيا مذهبيا، وهو ما يدخل في إطار نشر المذهب الشيعي بين الجماعات المسلمة في أفريقيا، ولعل أبرز مثال في هذا السياق هو تجربة الحركة الإسلامية في نيجيريا أو "إخوان نيجيريا" بزعامة الشيخ إبراهيم الزكزاكي الذي قام بزيارة مدينة قم الإيرانية منذ بداية جمهورية الخميني وتلقى تمويلا إيرانيا ليحوّل جماعته بعد ذلك إلى جماعة ثورية تحارب الحكومة العلمانية وتسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للنموذج الإيراني.

وتنتشر جماعة الزكزاكي في ولايات الشمال ولا سيما في كانو وكادونا وخاصة مدينة زاريا التي فيها مقر زكزاكي الذي تم تدميره من قبل الجيش النيجيري بسبب عدوان أتباع زكزاكي على قائد الجيش ومحاولة اغتياله، وتعتمد هذه الجماعة في تجنيد أعضائها على خريجي بعض جامعات الشمال النيجيري المسلم مثل جامعة أحمدو بيلو وعثمان دان فوديو، وهذه الاستراتيجية الإيرانية ترمي إلى تكوين تنظيم/مليشيا محلية موالية لها ذات بعد ديني وسياسي وعسكري.

واستراتيجية نشر المذهب الشيعي لم تطبق فقط في نيجيريا وإنما شملت دولا أخرى مثل السنغال التي شهدت بناء حوزة علمية بجوار جامعة العاصمة داكار، وهي تمنح الطالب شهادة تعادل الثانوية، كما أن هناك المركز الثقافي الإيراني في مالي. ومن الملاحظ أن الجاليات الشيعية اللبنانية تسهم بدور كبير في نشر التشيع بين الأفارقة، كما هو الحال بالنسبة لساحل العاج وغيرها، وسيتم محاولة تكوين تنظيم/مليشيا منها إذا نضجت الظروف الموضوعية لذلك.

ثانياً: اليورانيوم

مشكلة إيران الكبرى التي تتعارض مع طموحها لتكون دولة عظمى أنها دولة فقيرة باليورانيوم، ومخزونها –القديم- على وشك النفاد في الأعوام القادمة (مخزونها حصلت عليه من كيب تاون في 1970)، والولايات المتحدة تضيق الخناق على مصدّري اليورانيوم الأساسيين لطهران (أوزباكستان/ كازخستان/ البرازيل)، ومع برنامج طموح يستهدف بناء ستة عشر مفاعلًا نوويًّا في السنوات التالية سوى السلاح النووي، لذلك تمثل أفريقيا لها كنزًا حقيقيًّا كقارة ترقد على جزء ضخم من الاحتياطي العالمي، حيث احتياطاته عالية جدًا في جنوب أفريقيا والنيجر ومالاوي وناميبيا وزيمبابوي وأوغندا، وهي الدول التي تتجه إليها إيران وتضعها على أولوية سياساتها الخارجية.

في 2006، كشفت إحدى وثائق ويكيليكس المسربة أن الولايات المتحدة تلقت تقريرًا استخباراتيًّا من سفارتها في دار السلام (عاصمة تنزانيا السابقة) أن يورانيوم الكونغو ربما يمر من تنزانيا عن طريق شركتين سويسريتين للشحن ثم يصل إلى إيران، يفسر هذا بعدها الاهتمام الأمريكي الشديد بتوقيع اتفاقية مع الكونغو الديموقراطية تهدف لمنع الاتجار في المواد النووية بهدف قطع الطريق على طهران.

في 2007، تم اكتشاف اليورانيوم في غينيا علي يد الشركة الأسترالية (مورتشيسن يونايتد) وبطبقات سمكها من سبعة أمتار إلى أربعة عشر مترًا وهو سمكٌ ضخم، مما أدى إلى تحولها من دولة هامشية لمحط أنظار الدول النووية، حينها بدأت إيران مباشرة في برنامج للتعاون الاقتصادي مع غينيا، وفي نفس العام زار أحمدي نجاد هراري (عاصمة زيمبابوي) ليعقد اتفاقًا مع روبرت موجابي بموجبه توفر زيمبابوي تموينا لطهران من اليورانيوم الخام تقدر كميته بـ 455 ألف طن على مدار خمس سنوات، في صفقة كانت في حينها تحديًا سافرًا وضربة لجهود الأمم المتحدة في عرقلة البرنامج النووي الإيراني.

ويعطي تطور العلاقات الإيرانية مع غينيا في غرب أفريقيا مؤشرا واضحا حول أهمية متغير اليورانيوم في السياسة الخارجية الإيرانية. فمنذ اكتشاف اليورانيوم في غينيا عام 2007 توطدت علاقات طهران بها، حتى إن التبادل التجاري بين البلدين في العام 2010 قد زاد بنسبة 140%.

ثالثاً: اقتصاد موازٍ وقوة ناعمة

تشير بعض الإحصائيات إلى أن العلاقات التجارية المتبادلة بين إيران وإفريقيا وصلت لأكثر من مليار دولار، الرقم الذي قد لا يبدو ضخمًا هو بشكل ما باب مهم من أبواب الدخول الإيراني لتحقيق أهداف أخرى قد لا تتحقق إلا عن طريق الاستثمار والشراكة التجارية، حيث اتجهت إيران لتعاون مفتوح يضمن ترابطًا اقتصاديًّا في القارة بأكثر مما تفعل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى.

أما جنوب أفريقيا فيكفي ذكر التعاون الوثيق بين إيران وبين عملاق الاتصالات هناك (MTN) حيث تسيطر المجموعة الجنوب أفريقية الآن على 45% من سوق الاتصالات في الجمهورية الإسلامية بعد أن أعطتها طهران ترخيص العمل، كما أن إيران تُولي اهتمامًا خاصًا للصومال، حيث من جهة تدعم بشكل غير مباشر حركة الشباب (فرع تنظيم القاعدة هناك) بالسلاح وبغيره، وهو ما يبدو غريبًا لكنه حاجز جيد لمواجهة النفوذ الأمريكي هناك، فضلًا عن أنها لم تنس الحكومة فتعهدت ببناء مرفق طبي إيراني يماثل تطور العيادة الإيرانية الشاملة في أكرا (غانا)، وهو أيضًا يعتبر تحديًا للنفوذ التركي المتنامي في مقديشو.

رابعاً: قــوة بحريــة وتســليحية

إحدى أقوى مميزات إيران هي حدودها البحرية، فمن الشمال يحدّها بحر قزوين أهم منطقة نفطية مستقبلية على سطح الأرض لما يحتويه تحت قاعه من احتياطات نفطية وغاز طبيعي هائلة، ومن الجنوب الغربي نجد الخليج العربي، وهو يضمن وصولا سريعا ومضمونا لسواحل دول الخليج العربي بالكامل، من الجنوب الشرقي الخليج العماني ثم بحر العرب مما يعطي وصولًا لـ (عمان/ اليمن/ الصومال) وخليج عدن لنصل إلى البحر الأحمر، أو المحيط الهندي بطول ساحل أفريقيا الشرقي أو جزء من الجنوب الغربي الآسيوي، وتتمدد البحرية الإيرانية في أفريقيا بانتظام، منذ أن بدأت تشارك في بعثات مكافحة القراصنة في خليج عدن وترسو على سواحل الصومال، فضلًا عن العلاقات الحميمة مع إريتريا التي تدعم تنظيم القاعدة في الصومال (حركة الشباب).

وفي 2011، عبرت سفينتان حربيتان إيرانيتان قناة السويس وهو الحدث الذي أثار الداخل المصري بعد الثورة، حيث يعتقد أن السفينتين كانتا تحملان أسلحة لصالح النظام السوري ضمن دعم طهران له، وبعدها بأيام قليلة وصلت بوارج حربية إيرانية إلى ميناء بورسودان، وكان ذلك قبل تدهور علاقات السودان وإيران وإغلاق المراكز الإيرانية بالسودان.

التسليح في الاستراتيجية الإيرانية:

الإستراتيجية الإيرانية تتورط في تصدير الأسلحة لمناطق الصراعات الأفريقية بغية تحقيق مصالح سياسية وإستراتيجية. ولا تقتصر الحركة الإيرانية على ما هو سياسي واقتصادي وعسكري فقط في أفريقيا، ولكنها تقوم على رافعة مذهبية وثقافية كي تستطيع من خلالها تثبيت الأقدام بعد كسب نفوس وقلوب الأفارقة، وهذا هو بيت القصيد في الاختراق الإيراني الجديد لأفريقيا الذي يرتدي عباءة المصالح المتبادلة والوقوف في مواجهة قوى الإمبريالية والاستكبار العالمي.

فقد وجدت إيران في المشاكل والاضطرابات التي تعيشها دول القارة منفذا للتغلغل متبعة في ذلك نفس سلوكيات القوى الأخرى التي يفترض أن أفريقيا تعاني من سياساتها وستتحالف إيران مع الأفارقة ضدها. إذ لم تكتفِ إيران بالعلاقات الرسمية مع الحكومات الإفريقية رغم كل المزايا الممنوحة لها من قبلها، وإنما لجأت إلى نفس الأساليب والطرق التي تستعملها في مناطق أخرى، وما اعتادت عليه في سياستها الخارجية من خلال فتح قنوات غير رسمية مع حركات المعارضة لضمان ولائها أو توظيفها في مراحل مختلفة عندما تقتضي الحاجة.

وكشف تقرير ميداني أعده مركز بحوث تسليح الصراع بالتعاون مع العديد من المؤسسات بين سنتي (2006 و2012) عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية هناك فقط 4 حالات كانت مع الحكومات والعشر الباقية مع جماعات غير نظامية، حيث كانت تدعم الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» في السنغال ومتمردي ساحل العاج، وجامبيا، وفي نيجيريا حركة إبراهيم الزكزاكي، الأمر الذي تسبب لاحقا بقطع حكومات هذه الدول علاقاتها مع إيران.

وكشف بحث ميداني بشأن النزاع في جمهورية أفريقيا الوسطى أنجزه مركز "أبحاث النزاعات المسلحة" البريطاني، أن بنادق مصنوعة في الصين وإيران انتهى بها المطاف في أيادي المتمردين في أفريقيا الوسطى لتسهم في إذكاء الصراع في البلد، وأوضح البحث أن هذه الأسلحة شحنت إلى السودان في بداية الأمر ثم أعيد تجميعها وشحنت في طائرات قبل توزيعها على المتمردين في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويقول الباحث الرئيس، مايك لويس، إن معظم الأسلحة المهربة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى تم على نطاق محدود، ومن الصعوبة بمكان وقف هذه التجارة غير القانونية، حيث أن تدفق الأسلحة بشكل غير قانوني على هذه الدولة يؤدي إلى انتشار عدم الاستقرار في المنطقة برمتها بما فيها نيجيريا والكاميرون وجنوب السودان.

وكشفت كذلك شبكة فاكس نيوز عن نشاطات لشبكة تهريب أسلحة تدعى الوحدة 190 وهي تابعة لجيش القدس الإيراني حيث وظفت قرابة 24 شخصا لتهريب الأسلحة إلى المنطقة المضطربة منذ أعوام، وكشف تحقيق شامل عبر البر والجو والبحر أن قوة القدس تزود الحوثيين بالسلاح حالياً، وقد حصلت فاكس نيوز على اسم فرد له دور مفصلي في وحدة 190 عبر أجهزة سرية غربية هو بهنام شهرياري المولود في 1968 في شمال شرقي إيران، وقال المتحدث باسم البنتاغون الأدميرال جون كربي من قبل: إننا نعلم هناك أن علاقة بين الحوثيين وطهران، وأبدينا قلقنا مرات عدة تجاه العلاقات بشكل واضح.

نشاط إيران التسليحي في شرق إفريقيا:

بدأت الاختراقات الإيرانية في أفريقيا منذ وقت مبكر، وحاولت تلك الاختراقات التمدد سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، ومذهبياً، وهي تشكل خطورة على مجمل أوضاع ومستقبل القارة، ووجود الإسلام السني الصحيح فيها، وقد كشف معهد الدراسات التنموية والدولية العالي بجنيف عن طريق المشروع الاستقصائي (مسح الأسلحة الصغيرة) SAS بتتبع أصول ومصادر توريد الأسلحة في إحدى أكثر المناطق الملتهبة في العالم وهي حدود دولتي (السودان، وجنوب السودان) في عصر ما بعد التقسيم، حيث تنتشر الميليشيات هناك والاقتتال الأهلي، حيث وجد المسح أن جزءًا لا يستهان به من هذه الأسلحة إيرانية الصنع، فإيران من جهة هي المسئولة – حسب مصادر في الأمم المتحدة أعطت المعلومات لـ SAS- بمفردها عن 13% من واردات الأسلحة للسودان بالكامل من 2001 وحتى 2012، وبذلك تجني إيران ثمرة علاقتها الاستراتيجية المتينة بالخرطوم آنذلك، حيث تسمح الخرطوم للبحرية الإيرانية باستخدام مياهها الإقليمية وترسو بوارجها في الموانئ السودانية ، ويمكن كذلك في السياق ذكر دعم طهران للخرطوم بعدد من طائرات الأبابيل الإيرانية بدون طيار للمراقبة.

وتزداد تلك الخطورة في اختراقات إيران لدول إفريقية تقابل سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، سيما سواحل اليمن الغربية، حيث تسعى إيران لتوظيف علاقاتها من أجل إمداد الحوثيين ومَن معهم بالأسلحة والذخائر؛ فخط تهريب السلاح والذخيرة للحوثيين في اليمن، يعتمد على البحر أولاً، وكانت شحنات الأسلحة تصل بشكل عادي إلى الحوثيين، وقد اخترقت إيران دولاً أفريقية، وقامت بتجنيد بعضها، من أجل تحويلها إلى منصات تهريب للسلاح الإيراني المرسل إلى الحوثيين عبر البحر الأحمر وخليج عدن.

وتشكل منطقة شرق أفريقيا إحدى المحطات الإستراتيجية المهمة لإيران لتعميق وجودها في البحر الأحمر، ففي أعقاب زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لطهران في 2008 تردد أن إيران حصلت على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام استخبارية ولوجستية في المنطقة لدعم الموالين لها في أفريقيا واليمن، ولعل سعي إيران لتطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا الأخرى مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر يؤكد هذا المنحى الإستراتيجي في الاختراق الإيراني لأفريقيا.

ولم تتردد إيران في استخدام قوتها وما تملك من قدرات عسكرية من أجل بناء التحالفات والقواعد في أفريقيا، فقد أشار تقرير مهم صدر نهاية العام 2012 عن منظمة "بحث تسليح الصراع" البريطانية إلى توزيع الأسلحة الإيرانية في أفريقيا. وتشمل هذه الأسلحة راجمات الصواريخ وقذائف الهاون والألغام الأرضية، وهي أسلحة أنتجت منذ العام 2002. وكان السودان يمثل أبرز الأمثلة الأفريقية على عمق التعاون العسكري مع إيران حيث يشمل هذا التعاون تصدير أنواع من الأسلحة والذخائر والمعدات الإيرانية للسودان، وذلك قبل تدهور العلاقات بين البلدين وانضمام السودان لتحالف عاصفة الحزم.

وهذا الجهد الإيراني يسعى من أجل تسميم أجواء المنطقة، فهو جهد تخريبي يريد تدمير المنطقة، وتحويلها إلى ساحات اقتتال، ولأن الدول الأفريقية التي تقابل اليمن غرباً، وعبر المناطق البحرية، يتم توظيفها في تهريب السلاح، وتتورط بالتالي في صراعات المنطقة، وتساعد في إيذاء الشعب اليمني، والمنطق يقول إنه لا بد من السعي لوقف هذه الأنشطة بكل الوسائل السياسية، عبر إجراء اتصالات مع هذه الدول، والبحث عن نقاط الاختراق وإغلاقها بكل الوسائل المتاحة، من أجل إيقاف دخول السلاح الإيراني لهذه المنطقة، ومن ثم إنهاء الصراع في اليمن.

كيد إيران يرتد إليها:

شهد نشاط إيران المذهبي والتسليحي في إفريقيا عدة إخفاقات، بسبب سياستها الرعناء، فبتورطها في الصراعات الداخلية وتغذيتها للنزاعات بشكل مباشر خسرت ما حققته من إنجازات، فالجهود الإيرانية في السنغال مُنيت بانتكاسة كبيرة مع اكتشاف شحنة الأسلحة القادمة من إيران باتجاه غامبيا، بهدف تزويد متمردي الجنوب السنغالي بالسلاح. حيث قطعت كل من السنغال وغامبيا علاقاتها مع إيران في 2011، وقبلها في أكتوبر 2010م رصدت السلطات النيجيرية عملية نقل أسلحة قادمة من إيران في طريقها إلى غامبيا، ورداً على هذا الاكتشاف قامت السلطات النيجيرية والغامبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطردت دبلوماسييها، كما توقف التعاون النيجري الإيراني في مجال التكنولوجيا النووية سنة 2008.

وقد خسرت إيران السودان كذلك، والقراءة الفاحصة لدور إيران العسكري في أفريقيا تكشف أن السودان كان يمثل قلب الاستراتيجية تلك بالنسبة لإيران، وتنبع أهمية السودان الاستراتيجية من موقعه الجيو استراتيجي، فهو قريب من (قلب) العالم العربي، وبخاصة مصر. فهناك اعتماد متبادل بين السودان ومصر، بمعنى أن ما يحدث لأي طرف يتأثَّر به الطرف الآخر، ووقوع السودان بين أهم معبرين للتجارة العالمية والنفط في المنطقة، وهما قناة السويس وباب المندب، حيث تعْبر يومياً نحو مائة سفينة و120 ألف برميل من نفط الخليج، وما يحتويه السودان من ثروات طبيعية كالذهب واليورانيوم، كما يمكن للسودان أن يكون البوابة الخلفية للقارة الإفريقية.

بالإضافة إلى أن صار السودان أرض المعركة الجديدة بين إيران وإسرائيل في صراعهما الخفي، ويرجع ذلك إلى خشية إسرائيل من طبيعة العلاقات السودانية-الإيرانية التي شهدت تقدماً كبيرا في السنوات الأخيرة قبل 2013م، والذي انعكس على مجالات التعاون المختلفة، والذي بات يهدد أمن ومصالح إسرائيل في المنطقة العربية والأفريقية معاً، وفي المستوى العسكري، وقّع البلدان عدة اتفاقيات بهدف ترسيخ التعاون بينهما، والذي تضمن مساعدة إيران للسودان عسكرياً والمساهمة في تحول الجيش السوداني من استخدام السلاح الروسي والصيني إلى استخدام السلاح والذخيرة الإيرانية، وعن طريق السودان كان يتم بيع بعض صفقات الأسلحة الإيرانية إلى المسلحين في القارة الأفريقية، كما يتم تصنيع الأسلحة على الأراضي السودانية، وما قصف إسرائيل لمصنع اليرموك للأسلحة في العاصمة السودانية في منتصف ليل 23 أكتوبر2012 إلا دليل على ذلك. ويرجع أسبابه إلى وجود وثائق إسرائيلية تؤكد أن السودان يمثل حلقة الوصل بين إيران وحماس، وعن طريقه يتم تهريب الأسلحة إلى غزة.

كما سبق أن وجهت إسرائيل أكثر من ضربة لمجموعات سودانية داخل الحدود السودانية، واتهمتهم بأنهم مهربو سلاح إلى قطاع غزة عبر سيناء المصرية، منها في مايو عام 2012 حيث قصفت طائرة إسرائيلية سيارة السوداني ناصر عوض في منطقة بورسودان، والاتهامات للسودان بالتعاون مع إيران بإنتاجه صواريخ أرض- أرض الإيرانية طراز «شهاب»، وللصواريخ الباليستية الإيرانية.

ومعلوم أن إسرائيل تَعتبر السودان البلد العربي الأكثر خطورة بسبب ثرواته وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر. لذا ساهمت إسرائيل بفعالية في تقسيم السودان، ونجحت في نسج علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية مع دولة الجنوب التي تحولت إلى ممر أساسي للإستراتيجية الإسرائيلية نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

وقد ساهمت عودة السودان للبيت العربي وابتعاده عن المحور الإيراني في تجفيف نشاط التسليح الإيراني والتوسع الشيعي المتسارع في إفريقيا، ويحتاج السودان لسد فجوة ما كانت تقدمه له إيران في مجالات التعاون التى كانت سائدة بين البلدين، وهو ما يرجو السودان أن يقوم الأشقاء العرب بكل مشتملات ذلك الدور الإيراني المشبوه.

المراجع:

1- تهريب السلاح الإيراني، صحيفة البيان الإماراتية، افتتاحية رأي البيان، 20 أكتوبر 2015م.

2- هيثم قطب، عن التوغل الإيراني في أفريقيا، موقع ساسة بوست، على الرابط:

 http://www.sasapost.com/iranian-incursions-in-africa /

3- حمدي عبد الرحمن، الاختراق الإيراني الناعم لأفريقيا، موقع الجزيرة نت، على الرابط:

 http://www.aljazeera.net/home/print/6c87b8ad-70ec-47d5-b7c4-3aa56fb899e2/5efc2775-dd89-4d7b-90c7-beb59aaa0dfe

4- بوزيدي يحيى، إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات، موقع مجلة الراصد، على الرابط:

http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6520

5- إرسال حمولات سلاح سرية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، موقع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، على الرابط:  www.mojahedin.org/newsar/4405

 

 
 
 
إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات
السبت 1 فبراير 2014

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 خاص بالراصد

أولت إيران أهمية كبيرة للقارة الإفريقية باعتبارها قارة المستضعفين الذين كان من مبادئ الخميني الوقوف إلى جانبهم ودعمهم في وجه الاستكبار العالمي، ونظرا لفتوة النظام الجديد وتحديات الحرب مع العراق التي كانت تواجهه تأخرت الانطلاقة الإيرانية نحو إفريقيا حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت القارة ضمن أجندة كل من تعاقبوا على الرئاسة في إيران، متبنين رسالة الجمهورية الإسلامية التي خطها المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني بداية من رفسنجاني الذي كانت زيارته للسودان سنة 1991 إيذانا بعصر جديد من العلاقات الإيرانية الإفريقية، كما قام بعده خاتمي بإعطاء دفعة جديدة للعلاقات بين الطرفين من خلال تأسيس أطر وهياكل مشتركة ألقي على عاتقها تجسيد ومتابعة المشاريع البينية، وبعده أحمدي نجاد الذي أعاد الشحنة الأيديولوجية للواجهة.

أما حسن روحاني فإن المؤشرات الأولية بعد عدة شهور على رئاسته تميل إلى تحييد كبير لذلك الزخم الأيديولوجي الذي أحدثه سلفه، غير أنه لا يمكنه الخروج عن الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الإيرانية، وإن كانت الاتفاقية مع الغرب حول البرنامج النووي قد تعطي دفعة جديدة لإيران في القارة باعتباره أحد أبرز أسباب توجهها نحوها، وفي نفس الوقت أهم معوق. فما هي أهم الاختراقات التي حققتها إيران في إفريقيا؟ وهل كان ذلك دون أي إخفاقات؟

الانتشار الإيراني في إفريقيا

يدلل النشاط الدبلوماسي على أولوية القارة السمراء في الأجندة الإيرانية، وانتشارها فيها، إذ تمتلك سفارات في أكثر من 30 دولة. وعقدت العديد من القمم الإفريقية الإيرانية المشتركة، كما تتمتع بصفة العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي. وما فتئت القيادات الإيرانية على مستوى الرئاسة وكبار المسؤولين تزور العواصم الإفريقية بشكل دوري. فعلى سبيل المثال قام الرئيس السابق أحمدي نجاد بأكثر من ست جولات لدول غرب أفريقيا. كما قام كبار المسؤولين الإيرانيين عام 2009 بما يقارب من 20 زيارة لعدد من الدول الإفريقية([1])، ونظمت إيران ما بين عامي 2002 - 2006 حوالي 32 معرضا تجاريا في إفريقيا([2]). 

  ورغم أن المنظور الجيوسياسي يجعل من شرق القارة وتحديدا منطقة القرن الإفريقي في مقدمة الاهتمامات الإيرانية، نظرا لعبور جل الصادرات الإيرانية البحر الأحمر إلى قناة السويس فالمتوسط، وقربها من الخليج العربي الذي يقع في صلب إستراتيجيتها الإقليمية، إلا أن الإيرانيين لا يتوقفون عند هذا المستوى، وتتوزع اهتماماتهم على كل القارة، وتمتد من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، ما يعكس نظرة شاملة في التصور الإستراتيجي الإيراني تتعدد أهدافها وتتنوع.

ونظرا لمعاناة القارة من سياسات القوى الاستعمارية التي غيرت من أساليبها القديمة حاولت إيران كسب الأفارقة إلى صفها من خلال تبني خطاب المواجهة مع الغرب، وقد حرصت على تقديم نفسها كنموذج مناهض للقوى الغربية من خلال مشاركتها في العديد من أطر التعاون الدولي التي تضم دولا نامية أو دولا مناهضة للغرب، ومن هذه الأطر حركة عدم الانحياز، التي استضافت قمتها السنوية في عام 2012، ومجموعة الدول النامية الثمانية (D-8)، وتخدم المجموعتان الرؤية الإيرانية في قيادة الدول النامية في مواجهة الدول المتقدمة حيث تتكون مجموعة الدول النامية الثماني من دول ذات أغلبية مسلمة([3]).

المزاحمة والمساومة:

تحاول طهران التموضع في مكانة تتواءم مع إمكانياتها وتاريخها وفق إدراكها الإستراتيجي، خاصة وأنها تقرأ التحولات الجارية في النظام الدولي والتي تؤشر إلى تراجع للولايات المتحدة وصعود قوى دولية وإقليمية يجب أن تكون هي من بينها، وتسعى لتعويض تهميشها فيه بتنسيق جهودها مع الدول الضعيفة التي قد تكون علاقتها مجتمعة مساوية ولربما أكبر من العلاقة مع القوى العظمى، لذلك تطور علاقاتها مع كل دول آسيا وإفريقيا وأمريكيا الجنوبية، إضافة لعلاقاتها الجيدة مع روسيا والصين. والساحة الإفريقية تتجلى فيها التغيرات الهيكلية في النظام الدولي.

فبانتشارها في كل أرجاء القارة الإفريقية تزاحم إيران القوى الدولية والإقليمية على حد سواء، حيث يمكّنها تواجدها في منطقة القرن الإفريقي من تسهيل تواصلها مع أتباعها الحوثيين في اليمن ودعمهم بالأسلحة، وما يترتب عليه من ضغط على دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص المملكة العربية السعودية. كما تتيح لنفسها المساومة مع القوى المنافسة لها وتحديدا الولايات المتحدة وإسرائيل.

فمنطقة شرق أفريقيا تشكل إحدى المحطات الإستراتيجية المهمة لإيران في مواجهتها للقوى الغربية، ففي أعقاب زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لطهران في ديسمبر 2008 تردد أن إيران حصلت على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام جهادية وقتالية ضد القوى الغربية إذا ما قررت الأخيرة تدمير قدراتها النووية. ولعل سعي إيران لتطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا الأخرى مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر يؤكد هذا المنحى الإستراتيجي في الاختراق الإيراني لإفريقيا([4]).

وفي الغرب الذي يعتبر منطقة نفوذ أمريكي- إسرائيلي- فرنسي استطاعت إيران إيجاد موطئ قدم لها فيها حيث كثفت من جهودها الدبلوماسية تجاهها بالزيارات المتكررة للرؤساء الإيرانيين للمنطقة كما سبقت الإشارة، وساهم تواجد جالية لبنانية كبيرة جدا من تسهيل تغلغلها، إذ تشير تقارير إلى أن الشيعة في غرب أفريقيا يقدمون دعمًا سنويًّا لحزب الله اللبناني يقدر بنحو 200 مليون دولار([5]). وتجلى النفوذ الإيراني لاحقا في تطور التعاون الاقتصادي بين الطرفين، والدعم الذي حظيت به من طرف دول غرب إفريقيا في المحافل الدولية بتأييد حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي.

 كما استطاعت إيران إقامة علاقات جيدة مع جنوب إفريقيا بسبب موقف إيران من نظام الفصل العنصري الذي كان متحالفا مع إسرائيل، ووصول حزب المؤتمر الديمقراطي للسلطة والذي دعمته إيران في السابق أدى إلى أن اتخذت جنوب إفريقيا دوراً محايداً في المنافسة والحالة الاستقطابية بين إيران والغرب، فبالرغم من أنه لا يمكن اعتبارها حليفاً لطهران فإن مسؤولي جنوب إفريقيا انتقدوا التوجّه الأمريكي في القضية النووية الإيرانية، ووصفوه بأنه منافق (بسبب دعمها الضمني للنشاطات النووية الإسرائيلية)، ودعوا كلّ الأطراف إلى إيجاد حلول من خلال التعامل الدبلوماسي([6]).

كما حثت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون جنوب إفريقيا البلد الأول الذي اختار طواعية التخلي عن الأسلحة النووية على أن يقوم بدور في كبح المسعى الإيراني لحيازة أسلحة نووية وإبقاء المواد النووية بعيدة عن أيدي الإرهابيين([7]).

وتحظى إيران عموما بتأييد من الأنظمة المغضوب عليها أمريكيا بشكل خاص مثل زيمبابوي التي تعد ضمن البلدان الإفريقية المعارضة للسياسة الأمريكية، والتي وضعتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، إلى جانب إيران على قائمة وصفتها بـ مواقع متقدمة للطغيان([8]). فضلا عن السودان الحليف الإستراتيجي لإيران منذ الانقلاب العسكري سنة 1989، وجامبيا التي تطورت العلاقات معها منذ نجاح الانقلاب العسكري عام 1994 حيث يعتبر النظام نفسه مضطهدا دوليا بسبب ملف انتهاكات حقوق الإنسان، ونفس الشيء ينطبق على موريتانيا التي تحسنت علاقاتها مع طهران بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع سنة 2005 وتجميد العلاقات بين نواكشوط وتل أبيب ثم قطعها نهائيا سنة 2010([9]).

الأبواب الخلفية

  رغم المخاوف الأمريكية والإسرائيلية من التمدد الإيراني في القارة إلا أنه لم يسجل أي سلوك يضر بالمصالح الأمريكية مباشرة، وإن كانت تقديرات الأمنيين الإسرائيليين أن هذا الاحتمال يبقى واردا إذا ما تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لهجوم عسكري، وأي مكسب إيراني في القارة لا شك ستوظفه لصالحها حينها، ولكن يبدو أن الحسابات الحالية تتوقف عند المكاسب الدبلوماسية، والاقتصادية ومحاولة تمكين مؤيدين لها أو حتى أتباع جدد.

فقد وجدت إيران في المشاكل والاضطرابات التي تعيشها دول القارة منفذا للتغلغل متبعة في ذلك نفس سلوكيات القوى الأخرى التي يفترض أن أفريقيا تعاني من سياساتها وستتحالف إيران مع الأفارقة ضدها. إذ لم تكتفِ إيران بالعلاقات الرسمية مع الحكومات الإفريقية رغم كل المزايا الممنوحة لها من قبلها، وإنما لجأت إلى نفس الأساليب والطرق التي تستعملها في مناطق أخرى، وما اعتادت عليه في سياستها الخارجية من خلال فتح قنوات غير رسمية مع حركات معارضة لضمان ولائها أو توظيفها في مراحل مختلفة عندما تقتضي الحاجة، إذ كشف تقرير ميداني أعده مركز بحوث تسليح الصراع بالتعاون مع العديد من المؤسسات بين سنتي (2006 و2012) عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية هناك فقط 4 حالات كانت مع الحكومات والعشر الباقية مع جماعات غير نظامية([10])، حيث كانت تدعم الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» في السنغال ومتمردي ساحل العاج، وجامبيا، وحركة إبراهيم الزكزاكي في نيجيريا([11])، الأمر الذي تسبب لاحقا بقطع حكومات هذه الدول علاقاتها مع إيران.

الاقتصاد: بطعم النووي ونكهة اليورانيوم

تعتبر إيران من الدول المصدرة للنفط لبعض دول القارة، فقد بلغ حجم صادراتها النفطية إلى إفريقيا جنوب الصحراء سنة 2010 ما قيمته 3,60 مليار دولار بالمقارنة مع 1,36 مليار دولار عام 2003([12]). لكن العلاقات الاقتصادية الإفريقية الإيرانية تشمل مجالات أخرى وهي كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بمشروعها النووي بأشكال مختلفة.

 فمن جهة تتطلع للحصول على اليورانيوم الذي تعد القارة من أكبر منتجيه، إذ تسهم بحصة 20% تقريبا من الإنتاج العالمي. والنيجر منفردة تملك سادس أكبر احتياطيات منه، لذلك تقترن القارة السمراء دائما مع مقولة «فتش عن اليورانيوم». ويعتقد بعض المحللين أن طهران في سعيها وراءه داخل إفريقيا انتهجت سبلا متنوعة، منها سياسة النفط مقابل اليورانيوم([13]). ومنذ اكتشافه في غينيا عام 2007 توطدت علاقات طهران بها، حتى إن التبادل التجاري بين البلدين في العام 2010 زاد بنسبة 140% ([14]).

ومن جهة ثانية إضافة إلى الدخول في العديد من المشاريع الاقتصادية مع الدول الإفريقية، مثل فتح فروع لشركة خودرو الإيرانية لإنتاج السيارات وتكثيف الاستثمار في قطاعات الزراعة أو تطوير التعاون في مجالات المياه والصحة والهندسة والطرق. فضلا عن السلاح الذي تعد إيران أكبر مصدريه إلى السودان([15]). تحاول أيضا توظيف خبراتها في المجال النووي لكسب الأفارقة إلى صفها في البرنامج النووي، وذلك من خلال  إقامة مشاريع في مجال الطاقة الكهربائية مع بعض دول مثل نيجيريا والسنغال وسيراليون، وبنين، ومالي، لنقل خبراتها في هذا المجال وحثها لتسير على خطاها.

ومن جهة ثالثة ممارسة نوع من التخويف من المخاطر التي تلحق بالدول الأخرى في حال تعرض إيران لعقوبات، فهي حتى الآن الموفّر الأساسي للنفط الخام لجنوب إفريقيا، وهذا الاعتماد أدى إلى حياديتها تجاه القضية النووية الإيرانية، كما امتنعت عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على انتهاك إيران لحقوق الإنسان، مما أغضب كلاً من حكومة إيران التي كانت تأمل أن تدعمها، وكذلك الحكومات الغربية التي كانت تأمل في إدانتها([16]). أو حتى شكل من الابتزاز السياسي بربط الصفقات التجارية بصفقات سياسية حيث تشير بعض التقارير إلى أن الصفقة بين إيران وجنوب أفريقيا التي صوتت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إحالة البرنامج النووي الإيراني على مجلس الأمن كانت مقابل صفقة هاتف خلوي استفادت منها شركة "أم.تي.إن" التي تربطها علاقة بحزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" الحاكم. وبينما صوتت سابقاً مع أوروبا والأميركيتين للجم برنامج إيران النووي، في سبتمبر ونوفمبر 2005، وفي فبراير 2006، فقد صوتت ضد العقوبات، ثم امتنعت عن التصويت على إحالة المسألة إلى مجلس الأمن الدولي. ولاحقاً في سنة 2006، بعد توقيع رخصة "MTN" وختمها، عادت مرة أخرى إلى موقعها الافتراضي، من خلال مساندة فرض قيود على الطموحات النووية الإيرانية([17]).

أصوات المستضعفين

 غير بعيد عن اليورانيوم وفي الشق السياسي من البرنامج النووي حاولت طهران كسب الأصوات الإفريقية في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس حقوق الإنسان، وأيضا ضمن مجلس الأمن الذي تملك القارة ثلاث ممثلين غير دائمين لها فيه، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، فالصوت الإفريقي إن لم يكن مساندا لإيران فهو على الأقل في كثير من الأحيان ليس معاديا لها، حيث تميل بعض الدول الإفريقية إلى الامتناع عن التصويت عند مناقشة الملف الإيراني([18]). وهو يساعد في التصدي أو التخفيف من أي قرارات دولية ضد طهران، إلى جانب نيل تأييد برنامجها النووي، وذاك ما أعلنته الكثير من الدول الإفريقية بالفعل، مثل السودان والسنغال وساحل العاج وجيبوتي وإريتريا([19]).  

وقد نجحت الدبلوماسية الإيرانية من خلال الزيارات الرئاسية في كسب العديد من الدول الإفريقية لصفها في أزماتها الدولية، وتجنيد الأفارقة للدفاع عنها أو على الأقل تحييدهم، وأبرز النجاحات تلك المتعلقة بأزمة الانتخابات الرئاسية سنة 2009 والعنف الذي مارسه النظام الإيراني ضد أنصار الحركة الخضراء، حيث صوتت الأمم المتحدة في نوفمبر من نفس السنة على حالة حقوق الإنسان في إيران، وتحفظت جميع دول غرب أفريقيا ما عدا ليبيريا وتوغو على قرار الأمم المتحدة ضد إيران. والدول الأفريقية الأخرى أيضا باستثناء المغرب وجنوب أفريقيا اللتين اتخذتا مواقف قوية ضدها([20]).

وتأييد الدول الإفريقية منفردة امتلاك إيران لبرنامج نووي سلمي والذي يصرح به مسؤولوها في أي مناسبة تجمعهم بنظرائهم الإيرانيين، وأيضا رفض ممثلي القارة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية نقل الملف إلى مجلس الأمن، وحتى بعد ذلك كان ممثلوها فيه يرفضون إقرار العقوبات الدولية على إيران.

حدود الدور الإيراني في القارة الإفريقية           

النجاحات التي حققتها إيران في القارة السمراء لم تكن دون إخفاقات، ولعل أهمها تلك التي كانت سياساتها هي المتسبب فيها، فبتورطها في الصراعات الداخلية وتغذيتها للنزاعات بشكل مباشر خسرت ما حققته من إنجازات، فالجهود الإيرانية في السنغال مُنيت بانتكاسة كبيرة مع اكتشاف شحنة الأسلحة القادمة من إيران باتجاه غامبيا، بهدف تزويد متمردي الجنوب السنغالي بالسلاح. حيث قطعت كل من السنغال وغامبيا علاقاتها مع إيران سنة 2011([21]). وقبلها في أكتوبر 2010م رصدت السلطات النيجيرية عملية نقل أسلحة قادمة من إيران في طريقها إلى غامبيا، ورداً على هذا الاكتشاف قامت السلطات النيجيرية والغامبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطردت دبلوماسييها([22]).

  كما يتجلى الفشل الإيراني أيضا في استجابة الكثير من الدول للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية بالتصويت ضد البرنامج النووي الإيراني على غرار وقف تعاون نيجري إيراني في مجال التكنولوجيا النووية سنة 2008، ووقف جنوب إفريقيا لوارداتها النفطية من إيران في 2012 استجابة للعقوبات الدولية على إيران([23])، وفي نفس السياق إيقاف شركات جنوب إفريقية استثماراتها في إيران بسبب الضغوط الدولية، مثل شركة Sasol، وهي واحدة من أكبر الشركات المنتجة لوقود السيارات من الفحم في العالم، وجمّدت توسّعها في الدولة الفارسية، وتقوم الآن بمراجعة مشاريعها الحالية([24]).

كما استمرت موريتانيا ومالي ودول أخرى في العمل مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لمكافحة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتعتبر نيجيريا مورداً رئيسياً لإمدادات النفط الأمريكية، كما واجهت إيران صعوبات في الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية تجاه الإقليم. فعلى سبيل المثال، مالي لم يتم إنجاز مشروع بناء السد في حتى الآن([25]).

انعكاسات الصفقة النووية والأزمة السورية

تطرح محورية البرنامج النووي الإيراني في توجه طهران نحو إفريقيا تساؤلات حول مستقبله بعد الاتفاق الأخير بين إيران والغرب، إذا ما كان سييسر من تمددها في القارة أم سيحول دون ذلك خاصة في ظل ما يعانيه النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فالانفراجة في العلاقات الإيرانية الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام لا تعني بالضرورة تغيرا في نظرة إيران لعلاقاتها مع القارة الإفريقية، فالتوجهات الاقتصادية عامل ثابت دائما، أما سياسيا فإن ذلك قد يمكنها بشكل أو آخر من توسيع نفوذها الذي يبقى أيضا بعيدا عن تهديد المصالح الأمريكية والتي لم تمس بشكل مباشر رغم النشاط الكبير جدا لحزب الله وإسرائيل على حد سواء في القارة، كما أن الدول الإفريقية قد تجد في الاتفاقية مبررا لتطوير علاقتها مع إيران، ولكن حتى الآن لا زالت هذه الأنظمة - لعوامل عديدة- غير قادرة على صياغة إستراتيجيات مستقلة في سياستها الخارجية. فالاتفاق الدولي قد يزيح العراقيل التي كانت تحول دون تمدد إيران في القارة. ولكن حالة عدم اليقين والشك تبقى دائما تتحكم في سياسات الطرفين.

وفي اتجاه موازٍ فإن المتضرر الأكبر من هذا سيكون العرب فقد كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية يمنية أن مجلس الأمن القومي الإيراني أقر الإستراتيجية الإيرانية الجديدة المتمثلة في نقل ثقل المعركة من الشمال في سوريا ولبنان إلى جنوب الجزيرة العربية في اليمن، بعد تيقن إيران أن استمرار نظام حليفها بشار الأسد في دمشق يستحيل أن يستمر، وأن إيران تشعر أن «نفوذها على سوريا، ونفوذ حليفها حزب الله في لبنان، لن يستمر طويلا، ولذا تفكر بجدية لنقل ثقل هذا النفوذ إلى مناطق الشمال اليمني، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مستغلة العلاقات القوية التي تربطها بالنظام الإريتري»([26]). كما أنه من جهة أخرى ضغط مباشر على المملكة العربية السعودية لثنيها عن دعم الثورة السورية، وهناك الكثير من الإشارات التي تدلل على ذلك أبرزها استهداف مناطق حدودية مع العراق من طرف عصائب أهل الحق المرتبطة بإيران.

الخلاصة:

استطاعت إيران أن تحقق الكثير من الإنجازات في إفريقيا على مختلف الأصعدة، وأثبتت قدرتها على منافسة القوى الإقليمية والدولية بفرض أخذ مصالحها بعين الاعتبار، وهذا راجع لامتلاكها رؤية إستراتيجية متكاملة، ولكن تبقى الأهداف الإيرانية في القارة الإفريقية أكبر من إمكانيات دولها، خاصة في الشق المتعلق بالملف النووي، فالدعم الإفريقي لم يثنِ القوى الغربية من فرض العقوبات على طهران ونقل ملفها لمجلس الأمن، وهو ما فشلت فيه قوى دولية وإقليمية أخرى مثل الصين وروسيا أو تركيا والبرازيل، كما تتحمل إيران نفسها جزءا من المسؤولية في تدهور علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية بسبب تدخلها في شؤونها الداخلية.

ولكن الاختراقات التي حققتها إيران في إفريقيا لا تقارن بأي حال من الأحوال بالدول العربية مجتمعة أو منفردة، حيث لا تمتلك أي دولة عربية مشروعا وإستراتيجية واضحة في القارة، بل أكثر من ذلك حتى على المستوى الإقليمي والبيئة المحاذية التي تشكل تهديدا لأمنها القومي، خاصة في منطقة القرن الإفريقي بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ومصر، أو غرب إفريقيا الذي يشكل عمقا إستراتيجيا للدول المغاربية.

والمواقف الغربية من إيران في سورية والصفقة غير المعلنة حول الكيماوي السوري، وتطور العلاقات الإيرانية الغربية البطيء بعد البدء في تنفيذ بنود اتفاق جنيف النووي، لا شك أنها ستساهم في تمدد إيران في القارة، والعرب سيكونون هم الخاسر الأكبر من ذلك، لأن التنافس الإيراني والأمريكي الإسرائيلي لم يرتقِ لمستوى تهديد المصالح المباشرة لكل طرف، كما أن طهران اشتغلت على تهديد المصالح العربية أكثر من الغربية في أحلك الأوقات، وهو ما يتوقع أن يتضاعف في المرحلة التالية، خاصة في ظل المنعرج الخطير الذي تمر به سياساتها في الشرق الأوسط، إذ تحاول المحافظة على نفوذها في سوريا بشتى الوسائل.

تأسيسا على هذا فإنه ينتظر الدول العربية مجتمعة أو منفردة صياغة إستراتيجية عاجلة لتدارك المخاطر التي تحدق بها والقادمة من حدودها الإفريقية. فقد استطاعت إسرائيل تحقيق أهدافها في إفريقيا بإبعاد القارة عن الصراع العربي الإسرائيلي، وتوطيد علاقتها معها على حساب الدول العربية، ولعل سعي دول نهر النيل لبناء سدود وحرمان مصر من جزء من نسبتها وتأزم العلاقات بين الطرفين وتقسيم السودان يدلل على ذلك، فهل ستنجح إيران بدورها في تحقيق أهدافها أيضا بجعلها قاعدة خلفية لسياستها التخريبية للدول العربية كما تفعل في اليمن أو ساحة لتصفية حساباتها مع القوى الإقليمية والدولية؟

 



([1]) عمر كوش، إفريقيا.. صراع دولي ومسرح لتنافس قوى إقليمية صاعدة، جريدة الاقتصادية، 16/07/2010، على الرابط:  http://www.aleqt.com/2010/07/16/article_419329.html

([2]) عبد الله ولد محمد بمب، الحضور الإيراني في غرب إفريقيا: استثمار أسواق تشيع؟، موقع الميادين، 5/11/20111

على الرابط: http://meyadin.net/9876545678/4333-2012-11-05-20-51-16.html  

 

([3]) أميرة محمد عبد الحليم، أحمدي نجاد في غرب أفريقيا، الأهرام الرقمي، 01/02/2011، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=485862&eid=122

([4]) حمدي عبد الرحمن، الاختراق الإيراني الناعم لأفريقيا، الجزيرة نت، 06/05/2016، على الرابط:

http://www.aljazeera.net/opinions/pages/5efc2775-dd89-4d7b-90c7-beb59aaa0dfe

([5]) شريف شعبان مبروك، العلاقات الإيرانية - الأفريقية: في دائرة الصراع الأمريكي - الإيراني، الأهرام الرقمي، 01/06/2010، على الرابط:

  http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=161106&eid=457

([6]) محمد سليمان الزواوي، إيران في إفريقيا.. البحث عن موطئ قدم، 08/05/2013، قراءات إفريقية، على الرابط:

  http://www.qiraatafrican.com/view/?q=1028

([7]) كلينتون: على جنوب إفريقيا إقناع إيران بالتخلي عن "النووي" ، الأهرام الرقمي، 10/08/2012، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=990284

([8]) شريف شعبان مبروك، جولة خاتمي وتفعيل العلاقات الإيرانية - الأفريقية، مختارات إيرانية، على الرابط:

http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/C2RN92.HTM

([9]) لتفاصيل أكثر انظر: رضا عبد الودود، وسط صمت عربي قطع العلاقات مع إسرائيل وتحالف مع إيران، موقع المسلم، 08/05/1432ه، على الرابط:   

http://almoslim.net/node/126987

 ([10])The distribution of Iranian ammunition in Africa, Conflict Armament Research, December 2012.

([11]) درَس إبراهيم الزكزاكي في "حوزة قم" وتلقى تمويلا إيرانيا ليحول جماعته بعد ذلك إلى جماعة جهادية تحارب الحكومة العلمانية وتسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للنموذج الإيراني، وتنتشر جماعته في ولايات الشمال ولا سيما في "كانو" و"كادونا" و"زاريا". وتعتمد هذه الجماعة في تجنيد أعضائها على خريجي بعض جامعات الشمال النيجيري المسلم مثل جامعة أحمدو بللو وعثمان دان فوديو. والرؤية الإيرانية ترمي إلى خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبار مرجعية حوزتها الدينية من أجل الضغط على الحكومات الوطنية والعمل في مواجهة المصالح الغربية في أفريقيا. انظر: حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([12]) عبد الله ولد محمد بمب، مرجع سابق.

([13]) مروى صبري، إيران وأفريقيا.. اليورانيوم رأس الدوافع، الشرق الأوسط، العدد 11651، 22/10/2010، على الرابط:

  http://www.aawsat.com/details.asp?section=45&article=591928&issueno=11651#.Ut-

([14]) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([15]) عمر كوش، مرجع سابق.

([16]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([17]) جنوب أفريقيا تقر رسمياً بمؤازرة إيران نووياً مقابل عقد "MTN"، جريدة المستقبل، 29/08/2012، على الرابط:

 http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=536365

([18]) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([19]) مروى صبري، مرجع سابق.

([20]) أميرة محمد عبد الحليم، مرجع سابق.

([21]) عبد الله ولد محمد بمب، مرجع سابق.

([22]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([23]) السلطات الجنوب أفريقية توقف استيراد النفط من إيران، موقع محيط، 01/08/2012، على الرابط:

http://moheet.com/News/Print?nid=405373

([24]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([25]) أميرة محمد عبد الحليم، مرجع سابق.

([26]) الحرس الثوري الإيراني يدرب الحوثيين في جزر إريترية، جريدة الشرق الأوسط، 21/01/2013، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12473&article=713915#.Ut-3L9JKHrc

 
 
 
إيران وركوب الأمواج العالمية: جنوب إفريقيا نموذجا
الأثنين 31 مارس 2014

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

  يتميز النظام الإيراني بقدرته على الحركة السريعة، والنشاط الدبلوماسي المتعدد الاتجاهات. يتجلى ذلك في اقتناص كل الفرص المتاحة أو المحتملة لتعزيز حضوره في المجتمع الدولي، والدفاع عن مصالحه، وتحوير الكثير من القضايا العالمية لما يتماشى مع مراميه، خاصة في ظل علاقته المتوترة مع أهم القوى الدولية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

وأبرز ما قام به في هذا المجال محاولة التموقع إلى جانب كل تشكيل سياسي مناهض أو منافس لواشنطن، وحتى توطيد العلاقات مع الدول الصغيرة في أميركا اللاتينية وإفريقيا. وبغض النظر عن حجم المكاسب المحصلة من كل تلك النشاطات، فإنها على الأقل توظف لتعزيز شرعية النظام، وتصوير إيران للرأي العام الداخلي بأنها تحظى بقبول في المجتمع الدولي، خاصة عندما تتصدر الواجهة في قضايا عالمية لها تأثيرات إقليمية كبيرة.

  وإذا كانت طهران لا تألوا جهدا في إرساء علاقات متينة وقوية مع دول صغيرة جدا فما بالك عندما يتعلق الأمر بقوة إقليمية بحجم جنوب إفريقيا، وموقعها في الساحة الدولية، خاصة في ظل القيمة المضافة التي يمنحها إياها زعيمها العالمي نيلسون مانديلا، حيث سعت إيران بدورها لاستغلال الفرص التي كان من المحتمل أن يتيحها صعود جنوب إفريقيا إقليميا ودوليا لتمرير سياساتها هي الأخرى نتيجة سقوط نظام الفصل العنصري هناك، وعودة البلد للعب دور إقليمي قوي وفعال مع منتصف تسعينيات القرن الماضي بعد عقود من المقاطعة الدولية، والذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ففيمَ تتمثل الرؤية الإيرانية للمكاسب التي تمنحها إياها بريتوريا؟

تحولات السياسة الخارجية الجنوب إفريقية

  تعتبر جنوب إفريقيا من الدول المحورية في القارة السمراء، وقد اقترن اسمها في هذا العصر برئيسها نيلسون مانديلا الذي توفي في ديسمبر 2013، إذ اشتهر بكونه رجل السلام، نظرا لنضاله الطويل في سبيل التحرر من نظام التمييز العنصري طيلة أكثر من ثلاثة عقود، حتى إسقاطه سنة 1994، ليرأس زعيم المقاومة بلاده لفترة واحدة ثم يسلم السلطة ويفتح المجال لغيره، وينشط دوليا بتأسيسه سنة 2007 مجلس حكماء العالم (مؤسسة المتنفذين)، الذي ضم أهم الشخصيات الدولية المؤثرة، وذلك من أجل نشر السلام والعدالة والدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الظلم والفقر والحرب في أنحاء العالم.

  وتبعا لهذا عَرفت السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا تحولا جذريا حيث حاولت أن تعكس تصوراتها الداخلية خارجيا، ومن أهم المبادئ التي أرساها مانديلا ولا زالت السياسة الخارجية الجنوب إفريقية ملتزمة بها إلى حد كبير، احترام وتعزيز حقوق الإنسان، ودعم السلام الدولي، واعتماد الوسائل السلمية لحل الأزمات.

ومنذ 1994، لعبت دورًا متزايدًا في القارة الإفريقية وعلى الصعيد العالمي أيضًا. فقد تم انتخابها مرتين عضوا غير دائم في مجلس الأمن، وهي عضو في مجموعة IBSA (تحالف ثلاثي يضم جنوب إفريقيا والهند والبرازيل)، وأصبحت مؤخرًا عضوًا في مجموعة دول البريكس([1])، كما أن دورها في الاتحاد الإفريقي كوسيط ومساهم في قوات حفظ السلام في القارة الأفريقية قد شهد نموًا متزايداً([2])

إيران وجنوب إفريقيا:

   ما أقدم عليه نظام الثورة سنة 1979 من قطعٍ لعلاقات إيران مع نظام الفصل العنصري كان متوقعا لجملة من الأسباب يأتي في مقدمتها المبادئ الجديدة التي أرساها آية الله الخميني كدعم المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي، وما كان يجري في جنوب إفريقيا من هذه الزاوية يعتبر حرب تحرير يخوضها المستضعفون السود ضد القوى الاستعمارية التي خلّفت وراءها أقلية بيضاء متحكمة في كل مقدرات البلاد والجاثمة على صدور الأغلبية منذ قرون. ومن جهة أخرى، فإن الكيان الصهيوني كان تقريبا الاستثناء الوحيد في العالم الداعم لنظام الفصل العنصري بمختلف الأشكال السياسية والعسكرية، فضلا عن علاقات الأخير بنظام الشاه حيث كان يزوده بالنفط مقابل اليورانيوم الذي كان يحتاج إليه في برنامجه النووي.

 وعقب نجاح حزب المؤتمر الوطني بزعامة نيلسون مانديلا في إسقاط نظام الأبرتهايد، عادت العلاقات بين الطرفين من جديد، حيث أصبحت إيران مزودا رئيسيا لجنوب إفريقيا بالنفط، وشهد عام 1996 زيارة الرئيس هاشمي رفسنجاني لجنوب إفريقيا، وبدوره قام مانديلا بزيارة مماثلة لإيران، كما قام الرئيس محمد خاتمي بزيارة هو الآخر سنة 1998، وزيارات أخرى بين الطرفين على المستوى الوزاري أسفرت كلها عن دعم وتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين([3]).

  وعلى المستوى الدبلوماسي، كثر الحديث عن تنسيق المواقف في مختلف القضايا الدولية، التي تتقاطع فيها الرؤى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي كان الزعيم الجنوب إفريقي من أشد المناصرين لها، واشتهر بمقولته: «لن تكتمل فرحتي باستقلال جنوب إفريقيا إلا باستقلال فلسطين». بمقابل نقده لإسرائيل بسبب دعمها لنظام الأبارتهايد كما سبق الإشارة، والعلاقات الإسرائيلية الجنوبية إفريقية لا زالت محكومة بإرث تلك المرحلة، فثلاثة رؤساء صعدوا إلى الحكم منذ نهاية الأبارتهايد، لكن أحدا منهم لم يطمح إلى التقرب من إسرائيل. من مانديلا وحتى جيكوب زوما، ورغم زيارة مانديلا إلى إسرائيل إلا أنه ظل ينظر للقضية الفلسطينية من نفس الزاوية التي كان ينظر منها لنظام الفصل العنصري، ودعا لاستقلال فلسطين، وإن كان يركز على الوساطة والحلول السلمية([4]).

  وأبرز المواقف التي كشفت التباعد الجنوب الإفريقي الإسرائيلي كانت في غياب المسؤولين الإسرائيليين وبشكل خاص الرئيس شيمون بيريز ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن جنازة مانديلا التي حضرها جل زعماء العالم، وبرّرت السلطات الإسرائيلية ذلك بسبب ارتفاع تكاليف السفر، في حين أن السبب الحقيقي الذي دفع نتنياهو إلى إلغاء رحلته هو الموقف السلبي لجنوب إفريقيا من إسرائيل التي لا يحظى زعماؤها بترحيب على المستوى الشعبي([5]).

الملف النووي: الضغوطات فوق المبادئ والمصالح

  يأتي الملف النووي في صلب اهتمامات الدبلوماسية الإيرانية حيث حاولت في هذا الجانب استغلال تواجد جنوب إفريقيا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستخدمت لهذا الغرض حتى الطرق غير المشروعة على غرار منح شركة الاتصالات الجنوب إفريقية mtn رخصة الهاتف الخلوي في إيران مقابل ضغطها على الحكومة بالتصويت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إحالة ملفها النووي لمجلس الأمن في الفترة بين 2005 و2006، في حين كانت قبلها تعارض البرنامج. 

  وفي مجلس الأمن حيث كانت جنوب إفريقيا تشغل مقعدا في الفترة الممتدة بين 2007 و2008 ظلت تؤكد على ضرورة حل الأزمة في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واعتماد العقوبات الجماعية وليس الأحادية من طرف واشنطن، وحق الدول المنضوية تحت معاهدة حظر الانتشار النووي في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وهذا ما تختلف فيه مع الدول الغربية، واتهمت بأنها كسرت وحدة مجلس الأمن، رغم موافقتها على القرارات الأربعة التي صدرت ضد إيران خلال فترة ولايتها، مع المطالبة أحيانا ببعض التعديلات على مشاريع القرارات أو إرجاء تنفيذها، وكانت تصر على عدم وجود أدلة كافية تثبت تطوير إيران لأسلحة نووية، إلا أنها في المقابل أعابت على طهران عدم تقديم ضمانات بشفافية برنامجها، وأعربت إيران على إثر ذلك عن خيبتها من جنوب إفريقيا.

 لكن الاستياء الإيراني لم يمنع من بذل جهود دبلوماسية لاحقا لكسب دعم بريتوريا كالتعاون البرلماني بين البلدين حيث أكد برلمانا جنوب إفريقيا وإيران على التزامهما بجعل العالم مكانا أفضل للجميع، عقب اجتماع بين وفد من البرلمانيين. وناقش الجانبان قضايا التضامن والتعاون الدولي والتنمية الاقتصادية والطاقة النووية والإرهاب والقيم التي ينبغي أن تدعم العلاقات الدولية المعاصرة في العالم([6]).

وفي جولة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ولقائه بوزيرة الخارجية لجنوب إفريقيا حاول استمالتها لصالح بلاده، لدعمها في برنامجها النووي، وحديث ظريف من بريتوريا عن عدم نية بلاده امتلاك أسلحة نووية لا يأتي من فراغ خاصة عندما يذكر بالنموذج الجنوب إفريقي في التفكيك الإرادي للبرنامج النووي، وربط الهجمة الأمريكية والغربية على بلاده بالقضية الفلسطينية والازدواجية الغربية، وقد حاولت جنوب إفريقيا بالفعل الوساطة بين إيران والدول الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا؛ لتسويق مقترحاتهم لحلِّ مشكلة الملف النووي الإيراني([7]).

  وأهم المواقف الجنوب إفريقية المؤيدة لإيران في هذا الجانب تلك التصريحات التي جاءت على لسان وزيرة الطاقة في جنوب إفريقيا "إليزابيث ديبو بيترز" حيث انتقدت بشدة في الاجتماع الوزاري الخاص بالطاقة النظيفة والذي عقد في نيودلهي فرض الحظر النفطي على إيران من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي دون إجراء مشاورات مع الزبائن الرئيسيين للطاقة الإيرانية. واعتبرت بأن فرض الحظر يخلف تأثيرات جيوسياسية سلبية علی الدول الفقيرة التي تعيش في حاجة ماسة إلی مصادر الطاقة.

وشددت علی ضرورة قيام واشنطن والاتحاد الأوروبي بإجراء عدة مشاورات مع هذه الدول قبل اتخاذ أي قرار بهذا الشأن، وأكدت بأن الولايات المتحدة الأميركية أصدرت إعفاء استمر 18 شهراً من تنفيذ الحظر النفطي المفروض ضد إيران كانت تشمل كلا من الصين وكوريا الجنوبية والهند وتركيا وتايوان وسريلانكا وسنغافورة؛ منتقدة رفض الاتحاد الأوروبي وضع جنوب إفريقيا بين هذه الدول([8]).

 لكن في الأخير واستجابة للضغوط الأمريكية التي تقدم لها مساعدات سنوية، وتأثير مبادئ السياسة الخارجية الجنوب إفريقية والغموض الذي يكتنف برنامج طهران النووي، قررت حكومة جنوب أفريقيا -كما أيدت قرارات مجلس الأمن سابقا- أيضا رفع حجم وارداتها من نفط نيجيريا وأنغولا والمملكة العربية السعودية بغرض تقليص مشترياتها من الخام الإيراني في إطار العقوبات على طهران([9])، رغم أنه يبلغ قرابة 40 بالمائة من احتياجاتها النفطية. ثم عادت مرة أخرى لترحب بالاتفاق الإيراني الغربي الذي عقد مؤخرا وتصفه بالطريق الأنجع لحل الأزمة.

سوريا: المبادئ ضد القيم  

  البعد المثالي في السياسة الخارجية والوزن الدولي لزعيمها مانديلا، وظّفته إيران في الكثير من  المجالات مستغلة حتى القضية الفلسطينية نفسها، فمثلا عَقد في طهران، أعضاء مؤسسة المتنفذين، وفي مقدمتهم الأمين العام السابق للأمم المتحدة ورئيس المؤسسة كوفي أنان، والرئيس المكسيكي السابق أرنستو زديلو، والرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتي ساري، بمشاركة كبير أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو، مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين حول القضايا الإقليمية والدولية المهمة، وتبنت الأمم المتحدة مشروع الرئيس الإيراني لمكافحة العنف والتطرف، وكان الهدف من الزيارة التأكيد على الدور الإقليمي والدولي لإيران في تسوية المشاكل وتنمية العلاقات على أساس الثقة والاحترام المتبادلين([10]).

  وتبرز في سوريا أسوأ أشكال توظيف المبادئ النيلسونية ضد القيم الإنسانية التي يفترض أنه يحارب لأجلها، إذ أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال لقائه مع كوفي أنان إلى الحرب الناتجة عن دعم الجماعات الإرهابية كما يصفها من جانب بعض دول المنطقة، وحثه على ضرورة وقفها والاهتمام في نفس الوقت بالمساعدات الإنسانية للشعب السوري، وهو ما وافقه عليه المسؤول الأممي السابق([11]).

في حين أن الواقع الحقيقي الذي يدركه الجميع على عكس ذلك تماما، فطهران التي تدعم نظام بشار الأسد بالأسلحة والمال وحتى المقاتلين من الحرس الثوري، والتنظيمات الطائفية الشيعية العراقية وحزب الله اللبناني الذي رمى بكل ثقله خلف نظام الأسد، وكل ما يقوم به الأخير من جرائم بحق الشعب السوري طيلة السنوات الثلاث الماضية، رغم كل هذا إلا أن جنوب إفريقيا، وانطلاقا من "المبادئ النيلسونية"، ونتيجة التأثير الإيراني أيضا بشكل أو آخر، ترى أن دورها إيجابي.

كما اتخذت جنوب إفريقيا الكثير من القرارات المؤيدة لنظام الأسد مثلما فعلت مع نظام العقيد معمر القذافي، فعلى سبيل المثال دعت المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة إلى احترام سيادة سورية، كي يتمكن السوريون أنفسهم من إيجاد حل للأزمة، كما امتنعت بريتوريا في وقت سابق عن التصويت على قرار أممي يدين نظام دمشق ويدعو إلى الانتقال السياسي في سورية أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات([12]).

  وفي نفس السياق أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا وجنوب إفريقيا ستنسقان مواقفهما من الملف السوري لوقف العنف ومنع التدخل الأجنبي، موضحا أن موسكو ستواصل العمل من أجل حل الأزمة السورية بأسرع وقت ممكن، وقال بوتين عقب لقاء مع نظيره الجنوبي إفريقي جيكوب زوما: "نعتزم مواصلة العمل من أجل وقف العنف في أسرع وقت، وسندعم وحدة أراضي وسيادة الدولة السورية([13]).

  ومحاولةً لاستغلال الفواعل الجديدة في العلاقات الدولية على غرار دول البريكس، ودور جنوب إفريقيا فيها التي ترأست قمتها في 26 مارس 2013، فقد عمل نظام الأسد على استغلال دورها بالطلب من "البريكس" التدخل لوقف العنف في بلاده والمساعدة على إقامة الحوار الذي يرغب ببدئه (على ما يزعم)، وذلك في رسالة سلمتها مستشارته بثينة شعبان لرئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما. ونوهت بأن زوما "بدا متجاوبا خلال الاجتماع، وأبدى أسفه للدمار الذي يصيب بلدنا الجميل، وأوضحت أنها زارت في الإطار نفسه كلا من روسيا والصين والبرازيل والهند([14]). وللعلم فإن الدول الأعضاء في هذه المجموعة قد امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن بالنسبة للقرارات المتعلقة بليبيا وكذلك بعض القرارات الخاصة بسورية.

نيجيريا وجنوب إفريقيا: اللعب على التناقضات الإقليمية

  يتجلى التأثير الإيراني على الساحة الإفريقية والدولية أيضا في استغلال التناقضات الإقليمية الإفريقية وتوظيفها في التنافس الدولي خاصة مع إسرائيل، وبالنسبة لموضوعنا يظهر في الرباعي جنوب إفريقيا/ نيجيريا من جهة، وإيران/ إسرائيل من جهة أخرى، إذ تسعى نيجيريا للعب دور كبير في القارة السمراء منافسة في ذلك جنوب إفريقيا وحتى مصر، حيث يحتدم التنافس بين الدولتين على الريادة في القارة، ويتوقع بعض الاقتصاديين أن تصبح نيجيريا قائدة مستقبلية للقارة الإفريقية([15]).

ومحاولة الدولتين الظفر بمنصب ممثل للقارة في مجلس الأمن أبرز أشكال التنافس، ونظرا لقوة البلدين فإن بعض الدراسات الأمريكية أوصت واشنطن بتعزيز علاقتها مع "أبوجا" و"بريتوريا" لضمان فاعليتها أكثر في إفريقيا التي تتطلب وجود شركاء متماسكين موثوقين ونموذجيين في القارة. وتبدو كل من نيجيريا وجنوب أفريقيا كبلدين كبيرين من حيث النفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية والسيطرة الاقتصادية والطموحات الواسعة في سياستهما خيارين مناسبين([16]). 

 وبعض الأزمات بين الطرفين تدلل على التنافس النيجيري الجنوب إفريقي، كانت بداياتها مع موقف مانديلا من النظام العسكري بقيادة ساني أباشا في نيجيريا الذي حكم بين 1993 - 1998، وكان عرضة لانتقاداته، مما اعتبرته نيجيريا تنكرا للدعم الذي كان يتلقاه حزب المؤتمر الوطني خلال كفاحه من أجل التحرر.

وبين الفينة والأخرى تطفو إلى السطح أزمة بين الطرفين، على غرار موقف الدولتين من الحركات الاحتجاجية في العالم العربي، وبشكل خاص نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، ففي حين كانت نيجيريا تدعم بقوة الدعوة للاعتراف بالمجلس الوطني داخل الاتحاد الأفريقي، فإن جنوب إفريقيا ظلت تقف إلى جانب القذافي حتى آخر لحظة، واستمرت في تقديم المبادرة تلو المبادرة في محاولة للوصول لحل وسط حتى بعد أن بدأت قوات النيتو عملياتها العسكرية ضد نظامه([17]).

وأيضا الفشل في انتخاب رئيس لمفوضية الاتحاد الإفريقي سنة 2012 حيث انقسم القادة الأفارقة تقريبا بالتساوي بين الغابوني جان بينغ، الذي تدعمه دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية ونيجيريا في مقدمتها، والجنوب أفريقية نكوسازانا دلاميني زوما.  

  ولم تكن إيران وإسرائيل بعيدتين عن أجواء هذا الصراع، فقد ذكرت صحيفة (بنش) النيجيرية أن الحكومة الإسرائيلية تؤيد نيجيريا في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو بكل تأكيد لم يكن مجانيًا، حيث تريد "إسرائيل" مقابل ذلك شرعنة وجودها في القارة الأفريقية لتصبح عضوًا في واحدة من أهم المنظمات الأفريقية([18]).

ونظرا للتنافس الإيراني الإسرائيلي فإن نيجيريا والتي تطورت علاقاتها بشكل كبير جدا مع إيران في مرحلة خاتمي توجت بالزيارات المتبادلة بين رؤساء البلدين، تعرضت لهزة قوية جدا بعد اكتشاف تدخل إيراني في النزاعات الداخلية بدعمها حركة إبراهيم الزكاكي الشيعية، وأيضا تهريب الأسلحة إلى غامبيا سنة 2010 مما أدى لقطع العلاقات بين الطرفين. واتهمت طهران حينها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بالوقوف وراء محاولة تخريب العلاقات الإيرانية النيجيرية.

  أما الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل في هذا الجانب فظهر في ردود الفعل عن زيارة الرئيس النيجيري جودلك جوناثان لإسرائيل، والتي استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الفرصة فيها للحديث عن التهديد الإيراني "النووي" لإسرائيل على وجه الخصوص، ولكل دول القارة الإفريقية بوجه عام. وجاءت التصريحات المتبادلة والتقارب النيجيري الإسرائيلي خصما من حساب إيران وحزب الله اللبناني الذي يتم الربط بينه وبين إيران. وكانت نيجيريا قد أعلنت مرارا نجاحها في إحباط عمليات لحزب الله ضد إسرائيل في غرب أفريقيا، وبدا التعاون الأمني بين الدولتين واضحا في مواجهة الأنشطة الإيرانية وأنشطة حزب الله في المنطقة.

  ومباشرة بعد انتهاء الزيارة تحركت إيران نحو جنوب أفريقيا بتوجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بريتوريا على رأس وفد رفيع للمشاركة في الاجتماع الحادي عشر للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، وبعد ساعات من المباحثات وجهت جنوب أفريقيا ما وصفته وسائل الإعلام الإيرانية بعدة "لطمات" قوية لإسرائيل تمثلت في دعوة وزيرة خارجية جنوب أفريقيا "مايتى نكوانا ماشابانى" إلى رفع العقوبات التي فرضها الغرب على إيران، وباغتت الوزيرة إسرائيل بتوجيه النقد لسياساتها المتعلقة بإقامة المستعمرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في إطار تدشين حملة دولية للإفراج عن نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني من بينهم مروان البرغوثى، وهكذا بدأت رقعة الصراع الإيراني الإسرائيلي داخل إفريقيا في الاتساع مستدرجة معها الكثير من الدول والأطراف الإفريقية ([19]).

كما أعلنت عن مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ووضعت عليها علامات تميزها، وردا على ذلك استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية السفير الجنوب إفريقي للاحتجاج رسميا على قرار بريتوريا فرض ملصق تجاري على المنتجات المستوردة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتمييزها عن تلك المصنوعة في إسرائيل([20]).

الخلاصة:

  لم تكن مواقف إيران أكثر تميزا عن غيرها من دول العالم في مقاطعتها لنظام الفصل العنصري، والدول العربية تحديدا كانت على العكس من ذلك أكثر قربا من نيلسون مانديلا، وتعلم من ثوراتها الكثير، كالثورة الجزائرية، وبعد نجاحه في القضاء على نظام الأبرتهايد ثم مآثره السياسية الداخلية في سبيل إقرار المصالحة بين البيض والسود، وبعد ذلك نشاطه العالمي من أجل حماية حقوق الإنسان ونشر السلام وغيرها من القضايا الدولية والتي أكسبته كلها رمزية عالمية، أصبحت لا شك تحدد وتوجه السياسة الخارجية الجنوب إفريقية، وتكسبها مزايا جديدة فضلا عن موقعها الجيوسياسي.

وانطلاقا من هذا سعت كل الدول لتعزيز علاقاتها مع بريتوريا، وكانت إيران من بين هذه الدول، وبالفعل استطاعت أن تستثمر في المزايا العالمية التي أحدثها مانديلا برمزيته الدولية، على غرار مؤسسة المتنفذين، التي أصبحت واجهة لخدمة سياسات نظام الملالي في سوريا وغيرها، فضلا عن كسب صوت جنوب إفريقيا إقليميا ودوليا لصالحها، في رفض العقوبات على طهران بخصوص ملفها النووي، والقبول الممتعض بقرارات مجلس الأمن في هذا المجال، ناهيك عن أصوات مجموعة (البريكس) في الأمم المتحدة، والأسوأ من ذلك كله أن توظف القضية الفلسطينية لخدمة إيران، وهو ما لا تقوم به للأسف الدول العربية لا من أجل مصالحها الإقليمية ولا حماية للقضية الفلسطينية نفسها من هذا الاستغلال غير الأخلاقي، باسم المبادئ الإنسانية النيلسونية.

والمشكلة أن الدول العربية التي سعت إلى تعزيز علاقتها مع النظام الجديد وبشكل خاص دول الخليج، حققت نجاحات كبيرة مع جنوب إفريقيا في المجال الاقتصادي([21])، غير أنها لم تتوج بتقارب سياسي قوي، وهذا ما يتوجب عليها فعله سدا للأبواب أمام إيران.



([1]) تضم مجموعة "البريكس" (BRICS) الاقتصاديات الكبرى الناشئة، البرازيل وروسيا والهند والصين، تأسست سنة 2009 بالإضافة إلى جنوب إفريقيا التي انضمت إليها منذ 2010، لتفاصيل أكثر أنظر: موقع المعرفة، على الرابط:

http://www.marefa.org/index.php/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3

([2]) بين المثالية والسياسة الواقعية لقوة ناشئة السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا، open democracy ، 04/07/2013.

([3]) محمد نور الدين عبد المنعم، إطلالة على تاريخ العلاقات الإيرانية الإفريقية، موقع الأهرام اليومي، نقلا عن مختارات إيرانية، 01/09/2011، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=719169&eid=8032

([4]) عدنان عدوان، إسرائيل وجنوب أفريقيا حلفاء الأمس أعداء اليوم، مجلة الوحدة الإسلامية، العدد 146، السنة الثالثة عشر، 02/2014، على الرابط: http://www.wahdaislamyia.org/issues/146/aadwan.htm

 

([5]) نتنياهو غاب عن تأبين مانديلا لعلمه أنه غير مرحب به، جريدة الوطن المصرية، 12/12/2013، على الرابط:

http://www.alwatan-eg.net/pages.php?option=browse&id=27521

([6]) جنوب إفريقيا وإيران تتعهدان بجعل العالم مكانا أفضل للجميع، جريدة الشعب الصينية، 07 /03/ 2014، على الرابط: http://arabic.people.com.cn/31663/8557949.html

([7]) أحمد حسين الشيمي، إفريقيا.. ساحة للسياسة الخارجية الإيرانية، أون إسلام، 12/03/2008، على الرابط:

http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/analysis-opinions/islamic-world/105180-2008-03-12%2008-05-19.html

([8]) جنوب إفريقيا تنتقد بشدة الحظر النفطي على إيران، موقع قناة العالم الإخبارية، 20/02/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/print/1466357

([9]) جنوب إفريقيا تلجأ إلى نيجيريا وأنغولا والسعودية لتعويض نفط إيران، نوميديا نيوز، 15/06/2012، على الرابط:

http://www.numidianews.com/ar/article~28167.html?_featured=bbdbf47737d418bdc77c73ef28c50a49

([10]) كبير أساقفة جنوب إفريقيا ينضم إلى كوفي عنان في طهران، قناة العالم الإخبارية، 26/01/2014، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1559504

([11]) الرئيس روحاني لدى استقباله وفدا من مؤسسة المتنفذين برئاسة كوفي أنان، موقع رئاسة الجمهورية الإيرانية، 28/01/2014، على الرابط:

http://www.president.ir/ar/74370

([12]) جنوب إفريقيا تدعو الأمم المتحدة لاحترام سيادة سوريا، جريدة الخبر الجزائرية، 16/05/2013، على الرابط:

http://www.elkhabar.com/ar/autres/dernieres_nouvelles/336215.html

([13]) تنسيق روسي جنوب إفريقي لمنع التدخل الخارجي بسوريا، قناة العالم الإخبارية، 16/05/2013، على الرابط:

http://m-ar.alalam.ir/tag/5957/3

([14]) الأسد يطلب من "البريكس" التدخل لوقف العنف بسوريا، قناة العالم الإخبارية، 16 /03/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1455804

([15]) سليت أفريك: نيجيريا القائدة المستقبلية للقارة الأفريقية، موقع تقارير، 03/02/2014، على الرابط:

http://www.thereports.net/Article/1/17/79/551630.

([16]) مراجعة لسياسة الولايات المتحدة حول إفريقيا، مركز القدس للدراسات، 25/04/2001، على الرابط:

http://alqudscenter.org/arabic/pages.php?local_type=128&local_details=2&id1=108&menu_id=10&cat_id=10

([17]) محجوب الباشا، نيجيريا وجنوب أفريقيا: زوبعة في فنجان؟، 19/03/2012، على الرابط:

http://www.kassalahome.com/php/index.php?showtopic=12557

([18]) ثابت العمور، الدلالات الأربعة لزيارة الرئيس النيجيري إلى "إسرائيل"، القدس أون لاين، 26/11/2013، على الرابط:

http://www.alqudsonline.com/contentdetails.asp?contentID=11871&chk=1

([19]) طارق الشيخ، جنوب أفريقيا تصفع إسرائيل بورقة إيران، الأهرام اليومي، 09/11/2013، على الرابط:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/241543.aspx

([20]) توتر بين إسرائيل وجنوب أفريقيا بسبب قرار بريتوريا وضع علامات على سلع المستوطنات، الشرق الأوسط، 24/08/2012، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12323&article=692212&feature=#.UzHxDKh5NDM

([21]) لتفاصيل أكثر حول هذا الموضوع انظر: خلود محمد خميس، السياسة الخارجية المعاصرة لجمهورية جنوب إفريقيا تجاه دول الخليج العربي، مجلة دراسات دولية، العدد 48، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، ص137-156.

 
 
 
إيران في إرتريا .. أدوار مشبوهة وأطماع إقليمية
الثلاثاء 5 أبريل 2016

 

 د. محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

إرتريا دولة إفريقية، تقع في الشمال الشرقي للقارة على الساحل الغربي للبحر الأحمر المقابل للجزيرة العربية، ويحد إرتريا من الغرب والشمال الغربي السودان، ومن الجنوب إثيوبيا، ومن الجنوب الشرقي جيبوتي، ويمتد الجزء الشمالي الشرقي من البلاد على ساحل البحر الأحمر، مباشرة في مواجهة سواحل السعودية واليمن، على امتداد ساحل طوله 1000 كيلومتر، وتمتلك إرتريا حوالي 126 جزيرة في البحر الأحمر، أكبرها جزيرة دهلك .

تقدر مساحة إرتريا بحوالي 124 ألف كم مربع، وعدد سكانها حوالي 5 ملايين نسمة، وعاصمتها أسمرا، ويتحدث الكثير من سكانها العربية، وتتميز إرتريا كغيرها من الدول الأفريقية والدول الأخرى بتعدد الأديان وكثرة المعتقدات ولعل ذلك ناتج من تأثرها ببيئة الدول المحيطة بها، ولا توجد إحصائية رسمية حول نسب أتباع الأديان في إرتريا، ولكن يقدر بأن ما نسبته 75% من السكان هم مسلمون سنة، و10% من مسيحيون أرثوذكس، و10% مسيحيون كاثوليك، و3% مسيحيون بروتستانت وآخرون، و2% الباقية ديانات تقليدية محلية.

تتنوع أعراق سكان إرتريا إلى تسع مجموعات لغوية تجمعهم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، واللغة العربية والتجرينية هما اللغتان الرسميتان في البلاد، وهناك اتصال عميق بين إرتريا والبلاد العربية منذ فترة طويلة قبل الإسلام نتج عنه تداخلات اجتماعية بسبب تلك الصلات العرقية واللغوية والدينية والاقتصادية، وتعد إرتريا أول بقعة دخلها الإسلام في إفريقيا عبر هجرة الصحابة إلى الحبشة في العام الخامس للبعثة النبوية، كما ظلت إرتريا مرتبطة بدولة الخلافة الأموية من عام 80 هـ، ثم العباسية، ثم الدولة العثمانية من عام 1557م إلى 1865م، وقد تعرضت إرتريا بعد ذلك إلى سلسلة من التعاقب الاستعماري الحديث بدءًا من الاستعمار الإيطالي في الفترة من 1885م –1941م، والاستعمار البريطاني من 1941م – 1952م، وأخيراً الاستعمار الإثيوبي من عام 1962م إلى 1993م، حيث نالت إرتريا استقلالها بعد نضال استمر لأكثر من ثلاثين عاماً.

الوجود الإيراني في إرتريا.. لماذا؟

الخطوة الأولى للعلاقات الإيرانية الإرترية بدأت بزيارات قام بها الجانب الإرتري لطهران، وقالت إريتريا إنها أرسلت مبعوثا إلى إيران لإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع ذلك البلد، وكان ذلك في ذات الوقت الذي ساءت فيه علاقاتها مع الدول الغربية بسبب النزاع الحدودي مع إثيوبيا المجاورة، وبدأت العلاقة فعليا بفتح إيران لتمثيل دبلوماسي في أسمرا بسفير غير مقيم هو سفير إرتريا في الإمارات العربية المتحدة، وقيل السفير الإيراني في الخرطوم، ثم بدأ الإعداد لزيارة الرئيس الإرتري أسياس أفورقي لطهران بدعوة من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، ونقلت بعض وسائط الإعلام ومنها نيويورك تايمز عن مسؤولين في طهران قولهم إنه "لا حدود للتعاون بين إيران وإرتريا"، وهو ما يعبر عن العلاقة بكل أوجهها. ثم جاءت زيارة أفورقي لطهران في مايو 2009م، ولفتت الزيارة الرئيس الإريتري إلى خبرات وإنجازات إيران في مجالات متعددة، حيث قال آنذاك إن إريتريا تحرص على تطوير العلاقات والتعاون مع الجمهورية الإيرانية في شتى المجالات بما فيها الاقتصادية والاستثمارات، واستخراج المعادن والطاقة والزراعة والصناعة.

يمكن القول إن الوجود الإيراني في إرتريا، هو وجود ملحوظ كماً ونوعاً، ويمكن التعرف على بعض أنواع الوجود الإيراني من خلال بعض التقارير الإخبارية والمعلوماتية، وتصنيفها كالتالي:

أولا: الجانب المدني

– بناء قاعدة بحرية تطلّ على باب المندب.

– وجود فنيين في معامل تكرير البترول.

– الاتفاقية الثقافية، وهي عبارة عن مذكرة تفاهم لتعزيز الروابط الثقافية والعلمية والتعليمية.

– صفقات تجارية واستثمارية.

- استخراج المعادن ويقصد به الذهب الذي تحاول الحكومة الإرترية الاستفادة منه لسرعة المردود وتعمل فيه شركات لا حصر لها في أماكن عدة من إرتريا.

– التعاون في مجال الطاقة والصناعة والزراعة.

ثانيا: الجانب العسكري

- تشير بعض التقارير إلى أن إيران تمكنت بسرية تامة من بناء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر في السواحل الإرترية.

– كما تم إنشاء مركز لتموين السفن الإيرانية التي تجوب البحر الأحمر.

– أرسلت إيران مئات من عناصر (فيلق القدس) وضباط البحرية والخبراء العسكريين في الحرس الثوري إلى إريتريا.

- نصَبت إيران عشرات بطاريات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب.

– توجد غواصات وسفن حربية إيرانية في مياه إرتريا.

– توجد طائرات تجسس إيرانية بدون طيار في المنطقة.

الدور المذهبي لإيران في إرتريا:

لم تشهد إفريقيا عبر التاريخ وجودا فاعلا للفرق الضالة في الإسلام، وخاصة المذاهب الشيعية، كما لم يذكر لها أي نوع من النشاط أو الحضور حتى في التاريخ الحديث، لكن بعد ما يسمى الثورة الإيرانية تزايد نشاط التشيع، حتى بلغ الأمر اليوم ظاهرة ملحوظة ومقلقة في عموم إفريقيا، وفي منطقة القرن الإفريقي خاصة، وإرتريا جزء من القرن الإفريقي، ويأخذ هذا النشاط ثلاث واجهات هي:

أ - دعم الوجود الشيعي في تلك البلاد من خلال مراكز التعليم والتعرف على الواجهات الدينية.

ب- الدخول إلى المجتمع من أبواب الأدوار الإنسانية، وإنشاء منظمات للنساء مثل منظمة "الزهراء" وإنشاء المراكز الثقافية إذا أتيح لها ذلك.

ج- مِنح التعليم في إيران أو إيجاد مراكز تعليم لها ما أمكن إلى ذلك سبيلا، وهو نشاط حثيث وسري ديدنه التّقية، لذلك لا يظهر إلا حين يستفحل ويكون أمرا واقعا.

ويندرج ضمن هذا الأسلوب: الغزو الثقافي، حيث تعمل إيران جاهدة على إعطاء صورة نموذجية عن الحكم الإسلامي الديمقراطي فيها، وعن احترامها "لحقوق الإنسان" ودفاعها عن الدول المستضعفة، وسعيها لرفع الظلم عنها بدعم هذه الدول تنموياً، وبإعطاء منح للطلاب المسلمين للدراسة في إيران، وتعلم اللغة الفارسية، ودعمها لذلك بوجود صحفي وإعلامي مكثف وعشرات المطبوعات الإيرانية، وإقامة المراكز الثقافية الإيرانية، بالإضافة إلى المؤسسات الخيرية التي لها مشروعات في بعض الدول كمؤسسة إمداد الإمام، التي تقوم بدور في رعاية أُسر فقيرة وتأسيس مدارس وجمعيات خيرية.

تشير بعض التقارير لحجم وجود التشيع في إرتريا، لكنها تقارير تعميمية لا تعطي دلائل لحقائق فعلية، وهي تقع ضمن ما أكده الباحث حسن قطامش في دراسة له بعنوان "دراسة حول عدد الرافضة في العالم من المصادر الشيعية"، بيّن فيها أنْ لا حقيقة لغالب ما يذاع وينشر من معلومات عن أعداد الشيعة، وقال الباحث في نهاية دراسته: "وبعد قراءة هذه الأرقام والنسب والإحصائيات من المصادر الشيعية حول عدد الشيعة في العالم، تبين لنا مدى تفاهة هذه الأرقام وضعفها الشديد وعدم استنادها لأي حقيقة يمكن الاعتماد عليها".

بدأت إيران -ومنذ إقامة العلاقات مع إريتريا- بمحاولة نشر التشيع وسط أتباع الطرق الصوفية هناك عن طريق ملحقها الثقافي، مما يؤكد على أن لإيران أهدافا مبيتة غير تلك المعلنة المتعلقة بمصفاة تكرير البترول والأنشطة الأخرى، ومن تلك الأهداف تمركز إيران في أهم ممرين مائيين في العالم هما باب السلام الأحوازي "مضيق هرمز" و"باب المندب"، وترى بعض تلك التقارير أن أبرز التجمعات السكانية للشيعة في إرتريا توجد في مدن: أسمرا ومصوع وعصب وبعض المدن الأخرى.

هناك بعض الأسباب والعوامل التي يمكن أن تسهم في توسع العمل الإيراني المذهبي في المنطقة، وقد تؤدي لانتشار الشيعة في إرتريا، منها :

أولا: قرب إرتريا من مراكز انتشار الفكر الشيعي في العالم العربي كاليمن التي يتمركز فيها الحوثيون الذين كشفت بعض التقارير عن تلقيهم لتدريبات في إرتريا، ويدفع عدد من التجار اليمنيين الشيعة المقيمين في إرتريا أموال الخمس لإيران، وهؤلاء لم يظهر تشيعهم إلا مؤخرا مع الوجود الحوثي في البلاد، ويسعى الشيعة في إرتريا لنشر فكرهم لاسيما في مناطق نقفة ونفاسيت وضواحي مصوع وجزيرة دهلك ودنقلو والعاصمة أسمرا.

ثانيا: ظهور بعض جيوب التشيع في كثير من دول القارة الإفريقية المتاخمة لإرتريا كإثيوبيا والسودان.

ثالثا: انتشار الجهل وحب آل البيت في المجتمع الإرتري مما يمثل بيئة خصبة لانتشار الفكر الشيعي في أوساط المتصوفة بالذات، كما توجد عادات شعبية في إرتريا لها صلة بالمعتقدات الشيعية مثل ما يُفعل في يوم عاشوراء من طقوس (تحضير البليلة وما يتبعها من دفن وتد عليه أغصان شجرة وأشياء أخرى في منتصف الدار). ومن الغرائب أن قيادة جبهة التحرير الإرترية في ثمانينيات القرن الماضي استغلت هذه العادة وسوّقتها لدى الشيعة عندما قابلوا الخميني في إيران، مستدلين بها على أن الشعب الإرتري شيعي بالفطرة، حتى اقتنعت إيران بذلك وبعدالة النضال الإرتري، وفتحت مكتبا رسميا للجبهة في طهران آنذاك.

رابعا: وجود طلاب إرتريين في إيران، حيث درس بعضهم في العراق وسوريا خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وتطوع بعضهم في الحرب العراقية الإيرانية آنذاك ووقعوا أسرى لدى الإيرانيين، ومن ثم درسوا في الحوزات العلمية هنالك، وعادوا إلى إرتريا بعد إطلاق سراحهم يحملون الفكر الشيعي، بيد أنهم ظلوا يعيشون مرحلة البيات الشتوي لأفكارهم الشيعية منذ دخولهم إرتريا بعد الاستقلال ليظهروا في الآونة الأخيرة بالتبشير والدعوة إلى فكرهم الرافضي من خلال التجمعات الشبابية والمقاهي في المدن الإرترية، بعد تمكن الحوثيين ونشرهم للتشيع خاصة في أوساط الشباب والطلاب والتجار اليمنيين في المدن الإرترية الكبرى، وكذلك في أوساط قبيلة الرشايدة العربية المشتركة بين السودان وإرتريا في الساحل بصورة يخشى معها تشيع هذه القبيلة العربية في المستقبل عاجلا أو آجلا.

بالإضافة إلى ذلك كانت هنالك علاقات وثيقة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بين السفارة الإيرانية بالخرطوم وبعض الكوادر المتقدمة في إحدى أجنحة الحركة السياسية الإرترية آنذاك، نتج عنها دعم وتمويل مراكز تعليمية في بعض المناطق المتاخمة للحدود السودانية الإرترية وتبعث هذه المراكز بطلابها إلى الحوزات الدينية بمدينة قم الإيرانية، مما يزيد الخشية من تسرب الفكر الشيعي إلى معسكرات اللاجئين الإرتريين بشرق السودان إن لم يتم التصدي لهذا الفكر في أسرع وقت.

خامسا: ظاهرة انتعاش الخلاوي والمراكز القرآنية مؤخرا، فمن الأمور الإيجابية اللافتة للنظر في الآونة الأخيرة في إرتريا انتعاش نشاط الخلاوي والمراكز القرآنية، وقد ظهرت هذه الخلاوي والمراكز فجأة بنشاط غير معهود من قبل، مع إمكانيات مادية كبيرة في دعم الطلاب وإعاشة الداخليات لتلك المراكز، حيث يؤكد المتابعون للأوضاع بأن وراء هذا الدعم والانتعاش للمراكز جهة خارجية مؤثرة في النظام الحاكم، يرجح أنها إيران حسب تلك المصادر المطلعة .

إسرائيل وإيران.. تقاطعات على الأرض الإرترية: 

تشير كثير من التقارير والمقالات الإعلامية العربية منها والأجنبية لدور إيراني وإسرائيلي في إرتريا، وهذا الدور جاء بمباركة النظام الحاكم في أسمرا بحثا عن فك العجز الاقتصادي والضائقة المالية، بجانب أهداف واستراتيجيات بعيدة أو قريبة يحققها وسط هذه الأجواء، منها الاستجابة للإملاءات الخارجية وهي إستراتيجية متشعبة الأبعاد تضم الصهيونية والكنائس والغرب الاستعماري، فالنظام يريد توطيد المصالح الاقتصادية المتبادلة مع إيران، والاستفادة من بعض الخبرات الإيرانية الفنية والعسكرية، والتأكيد للغرب خاصة عن أهميته ودوره الخطير في المنطقة، بجانب التأكيد للعرب عن دوره في جلب المشاكل لهم، وتهديد أمنهم والاستعراض على خصومه  المحليين، والاستقواء ماليا وعسكرياً لمحاربة المعارضة الإرترية المتنامية.

يرى بعض المراقبين مخاطر ومحاذير للدعم الإيراني لإرتريا، ولما تحمله هذه العلاقة من احتمال التبادل الصاروخي بين إيران وإسرائيل في حال تعرض إيران لهجوم إسرائيلي، وجعل إرتريا مسرحا له، والمخاطر المترتبة على الصراع الإيراني الصهيوني في المنطقة عامة كثيرة، وهو ما يؤكده الصهاينة ضمن دراستهم لهذه الاحتمالات، حيث يرى نداف زائيفي مراسل الشئون الأمنية بصحيفة معاريف أن هناك مخاوف إسرائيلية أخرى من قيام إيران بإقامة قواعد يمكن من خلالها نشر منظومة صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه في مثل هذه الحالة فإن إسرائيل ستضطر إلى توجيه منظومة الدفاع الجوي الخاصة بها إلى منطقة القرن الأفريقي تحسباً لأي طارئ. كما ذكر المراسل أن المسافة بين ميناء عصب الإريتري وإسرائيل تصل لنحو 2300 كيلو متر، وهو مدى مناسب للصواريخ التي تقوم إيران بتحديثها، مشيراً إلى أنه طبقاً للتقارير الواردة بهذا الشأن فإن الإيرانيين يقومون في تلك المنطقة بتشغيل طائرات صغيرة بدون طيار وذلك بهدف استخدامها في تأمين القاعدة الإريترية.

بينما كشفت مصادر أن إسرائيل لديها وجود في اثنين من الجزر الإريترية: دهلك وفاطمة. ويتم تجميع النفايات النووية الإسرائيلية في هذه الجزر. كما أن لإسرائيل مراكز رصد على البحر الأحمر للإشراف على المملكة العربية السعودية واليمن والسودان بالإضافة إلى مراقبة تحركات سفن النفط، ويقال إن للموساد محطة نشطة للغاية لجمع المعلومات الاستخبارية في منطقة ليست بعيدة عن حدود إريتريا مع السودان.

والدور الإرتري من وراء الذهاب إلى إيران يؤكد أن إرتريا يمكن أن تساعد في  الاستدراج الصهيوني لإيران في إرتريا، وهو دور رديف للدور الصهيوني ينوب عنه إنابة تامة، فالصهاينة حاضرون جنبا إلى جنب الحضور الإيراني في إرتريا، فالمشروع برمّته -حسب مراقبين- إسرائيلي التخطيط والتنفيذ، وإليهم ترجع النتائج والتبعات، فهو جبهة ضمن حربهم الباردة، وما كان النظام الإرتري ليتجرأ علي أن يثير الغبار على من حوله لو لم يكن يستند إلى خلفية أمينة قوية تطمئنه وتحميه، فالوجود الإيراني في إرتريا كان محل ارتياب وتساؤل عند عدد من المراقبين, وسعى البعض ليتعرف على بعض ملامح وأهداف هذا الوجود.

أهم أسباب التعقيد حول ما يجري في المنطقة هو التنافس الإيراني الصهيوني في إرتريا؛ فجميع دول المنطقة في حالة توجس وارتياب وترقب دائم، إذ ليس المهم فقط أن تنتقل حرب صاروخية بين إيران وإسرائيل إلى المنطقة؛ فيما يتحدث البعض عن دور إرتري للتقريب بين إيران وإسرائيل ونزع فتيل الانفجار (إن وجد)، وهي خطة يهودية ليس النظام الإرتري أداتها الوحيدة، بل يلاحظ أن لها أذرعا كثيرة خفية وظاهرة حسب التقارير الإخبارية عن إيران.

كما تسهم هذه العلاقة في وضع القدرات الإيرانية العسكرية والفنية تحت عدسة المجهر الصهيوني، حيث وجود قواعد التجسس الصهيونية المتمكنة في إرتريا؛ فالإيرانيون جاءوا إلى ساحةٍ فرشها لهم اليهود، بجانب استدراج إيران إلى منطقة الجنوب العربي للنفخ في كير العداء القديم بين العرب وحكومة إيران، وإشغال إيران بالبحث عن أدوار جديدة في المنطقة وتوريطها في ملفات مستجدة، وخلق جو من الاحتكاك المباشر للإيرانيين مع القوى الدولية المعسكرة في المنطقة تحت ذريعة محاربة القرصنة وغيرها.

والوجود الإيراني له تداعيات على مستوى المنطقة، منها ما هو خفي، ومنها ما هو ظاهر؛ فالأفارقة مهما كانوا يمثلون دور الصديق والمتعاون مع إيران، تظهر توجساتهم في ذلك بشكل أو آخر؛ فالتنافس الصهيوني الإيراني لا شك غير مرحب به في المنطقة، أما دول حوض البحر الأحمر فجميعها عبّرت عن تخوفها وتوجسها من الحضور الإيراني الثقيل، والجميع يعلم أن الوجود الصهيوني في الصومال والقرن الإفريقي يجسده الفعل الإرتري الذي هو بلا شك انعكاس وإسقاط للأهداف الصهيونية، وبالتالي يخشى أن يضاف إليه تمثيل إرتريا للانعكاسات والإسقاطات الإيرانية، ومحاولتها للعب دور مراقب لإيران في اليمن عبر الحوثيين.

معلوم أن إسرائيل تنظر إلى إيران على أنها -طال الأمد أم قصر- ميراث أكيد لها، ويتبين ذلك من تصريحات كثيرة من قادة الصهيونية؛ فمثلما عمل الإيرانيون والأميركيون على أسس المحاصصة في العراق، فإنه يمكن للإيرانيين والإسرائيليين أن يجدوا سبيلا للمحاصصة في اريتريا أيضا، وفي إطار ترتيبات إقليمية أوسع، فالتعاون الأميركي الإيراني في العراق، والتعاون الإسرائيلي الإيراني في إرتريا، يمكن أن يرسيا أساسا متينا لتحالف إقليمي يتحول فيه العداء الظاهري، إلى "زواج متعة" وثيق بين الطرفين. فإسرائيل تفضل التعامل مع إيران بأساليب المكر والخداع. وذلك لعلم إسرائيل ربما كما يقول الكثير من الباحثين في عدم جدية إيران في حربها فهي ورقة إعلامية براقة يلوح بها لا غير.

والوجود الإيراني في إرتريا لا يخلو من بعض المنافع التي ربما تكون من الأسباب الأساسية لوجودها في منطقة قريبة من باب المندب عسكريا؛ فقد تهدف بهذا الحضور إلى إظهار نفسها كقوة عالمية منافسة، أو يحسب لها حسابها في منطقة هي امتداد طبيعي لمنطقة نفوذها في مضيق هرمز في الخليج وبحر العرب، بجانب دعم حلفائها الحوثيين في اليمن وإمدادهم بالمؤن والأسلحة. كما أن هذا الحضور الإيراني رسالة إلى دول الخليج والعرب عامة ليعرفوا أن لإيران وجودا وقوة في الجنوب العربي، أو أن إيران تقف على أبوابهم.

الدور الإيراني في اليمن عبر إرتريا:

لعبت إيران عبر إريتريا وما زالت دورا مهما في الصراع الدائر في اليمن بين الحوثيين من جهة، وبين مؤيدي الشرعية ومِن خلفهم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من جهة أخرى، حيث أشارت تقارير إقليمية ودولية مختلفة إلى أن أسمرا كانت صلة الوصل بين إيران والحوثيين من خلال استخدام أراضيها كمحطة لتوصيل المساعدات اللوجستية الإيرانية إلى الحوثيين لتنفيذ انقلابهم على الشرعية واستكمال سيطرتهم على اليمن، وكذلك لمواجهة عاصفة الحزم التي نفذها التحالف العربي لوقف التمدد الحوثي الذي يمثل النفوذ الإيراني في اليمن، وما يترتب عليه من تهديد للأمن القومي الخليجي، خاصة أمن السعودية.

كما أكدت تلك التقارير أنه في إطار سعي إيران لكسر الحصار الذي يفرضه الغرب عليها بسبب برنامجها النووي وطموحاتها في السيطرة الإقليمية فإنها قامت بمحاولة إيجاد موطئ قدم لها في عدد من المواقع الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان واليمن ثم في إريتريا، التي تعاني هي الأخرى من حصار تفرضه عليها إثيوبيا بسبب الصراعات التي تحكم علاقاتهما، وعدم قدرة أسمرا على كسر هذا الحصار بسبب التوافق الأمريكي الغربي مع إثيوبيا. حيث سهل تلاقي الإرادة الإيرانية مع الإريترية الوجود العسكري الإيراني في شرق إفريقيا وباب المندب، حيث تشير التقارير إلى أن طهران بنت قاعدة عسكرية في أرخبيل دهلك بمواجهة ميناء عصب، تستخدمها في تزويد الحوثيين بالسلاح والمساعدات الأخرى، كما تراقب من خلالها مضيق باب المندب الذي يسير عبره جزء كبير من تجارة العالم المارة بقناة السويس خاصة البترولية منها.

كذلك سعت إلى توسيع هذا الوجود في إفريقيا من خلال استخدام تلك القاعدة في تصدير السلاح إلى مناطق النزاع في عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى تسهيل نقل عناصر القاعدة من أفغانستان إلى جنوب اليمن، وكذلك تدريب عناصر من الحوثيين وعلاج المصابين منهم في الحرب، وتخزين سلاح إيراني، وإيصاله إلى صعدة معقل الحوثيين، عبر قوارب صيد صغيرة، تنتقل بين ميناء عصب وميناء حرف سفيان في اليمن. إضافة إلى استقبال مئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية منتشرة في كل أراضي البلاد كما ذكرنا سابقا، خصوصا على طول الساحل الإريتري على البحر الأحمر المقابل لليمن والمملكة العربية السعودية.

وقد أكدت المعارضة الإريترية أن هناك دورا يلعبه النظام الحاكم في أسمرا في دعم الحوثيين، مشيرة إلى أنه يعتبر حلقة وصل بينهم وبين إيران، التي تستخدم الأراضي الإريترية كجسر ناقل للمعدات، والإمدادات القادمة من إيران إلى الحوثيين.

وقد استغلت إيران رغبة إريتريا في الخروج من عزلتها الدولية المفروضة عليها بسبب ممارسات نظامها الحالي، فانطلقت إيران بمساعدات سخية للنظام، وفي المقابل عززت وجودها العسكري البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وقُبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة، إلى جانب وجود قاعدة عسكرية إيرانية في ميناء عصب الإرتري، كما يشكل الامتداد الإيراني في إريتريا أهمية كبرى لإيران فيما يخص جمع المعلومات الاستخباراتية في مجال الدفاع البحري.

وقد أكد الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح في وقت سابق، وقبل تحالفه مع الحوثيين أن المتمردين الحوثيين يتلقون تمويلا من "مرجعيات إيرانية" ويسعون إلى إقامة "شريط شيعي" يؤمن بالمبادئ الإيرانية على طول الحدود مع السعودية، مشددا في الوقت عينه على أن اتهامه ليس موجها إلى النظام الإيراني، وكما كانت إرتريا محطة للوصول إلى اليمن، سيكون اليمن محطة للوصول إلى السعودية، والنوايا المبيتة ظهرت منذ البداية من خلال اعتداءات الحوثيين على الأراضي السعودية، كما ستزيد أنشطة إيران المختلفة وأدوارها المتعددة بزيادة حجم الموالين لها من خلال التشييع.

نجحت إيران في تنفيذ بعض مخططاتها الساعية إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي على شاطئ البحر الأحمر من خلال الحليف الحوثي الذي استطاع الوصول إلى ميناء الحديدة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مذكراً بنبوءة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي التي قال فيها، إن هدف الحوثيين هو الوصول إلى البحر الأحمر، وإن السيطرة على باب المندب تغني عن امتلاك قنبلة نووية. في إشارة لا تخفى إلى إيران ومشروعها النووي. ولا ريب أن هذه الخطوة كانت إضعافاً للخطط الخليجية، ولا سيما الإماراتية، للخروج من مأزق سيطرة إيران على مضيق هرمز من خلال إنشاء موانئ تصدير جديدة في سلطنة عمان، كما أنها تمثل نوعاً من التطويق للسعودية من الجنوب، بعد أن أصبحت لها الكلمة العليا في العراق الجار الشمالي للمملكة. وضمن الاستراتيجية الإيرانية للتوسع في شرقي أفريقيا لإحكام إيران سيطرتها على البحر الأحمر كهدف تسعى إليه وأمنية تكاد تحققها، كما أن تطويق الدول المناوئة لها هدف تنسق له ضمن استراتيجيتها العامة.

وتشير معلومة غير منتشرة أن هناك زيارة حوثية إلى العاصمة الإريترية "أسمرا" تمت قبيل بدء عمليات عاصفة الحزم، إذ وصل وفد رفيع المستوى من الحوثيين، برئاسة حسين العزي رئيس دائرة العلاقات الخارجية في المكتب السياسي لجماعة الحوثي إلى أسمرا، وهو ما يعطي صورة ذهنية عن طبيعة العلاقات بين جماعة الحوثي وإريتريا، والدور الإريتري في الصراع في اليمن، حيث تُشكل أسمرا خطًا خلفيًا في القتال للحوثيين.

وذكرت إحدى برقيات ويكيليكس، المرسلة من السفارة الأمريكية في أسمرا إلى واشنطن بتاريخ 12 فبراير 2010، أن السفير السعودي في إريتريا قلق من تزايد النفوذ الإيراني، وقالت البرقية أيضًا إن إيران زودت البحرية الإريترية بالأسلحة، وأن السفير السعودي يقول إن المتمردين الحوثيين كانوا موجودين في إريتريا عام 2009، وقد أخبر السفير السعودي ناصر علي الحوطي نظيره الأمريكي يوم 11 فبراير 2010 أنه قلق بخصوص التحركات الإيرانية المتزايدة في إريتريا، كما أن اليمنيين كانوا على علم كامل بهذا وهو ما دعا وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، لانتقاد موقف إريتريا مما يحدث في اليمن، مؤكدًا احتمال هروب الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح إلى إريتريا، ودعا أسمرا لاتخاذ موقف محايد في القضية اليمنية.

لكن المخاوف من العلاقات بين إرتيريا وكل من إسرائيل وإيران، تراجعت إلى حد ما بعد الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس الإرتري أسياس أفورقي للسعودية، والتي شهدت احتفاءً لافتا من الجانب السعودي. وربما تعيد هذه الزيارة العلاقات التاريخية بين السعودية وإرتيريا إلى طبيعتها بعد سنوات من الجفاء وأزمة عدم الثقة، كما صب إعلان إرتيريا اعترافها بالشرعية الدستورية في اليمن في ذات السياق، كما نفى عدد من المسئولين الإرتيريين أكثر من مرة للاتهامات الموجهة لها بدعم الحوثيين من خلال الوجود الإيراني في مياهها الإقليمية.

يتضح مما سبق أن هناك انعكاسات للوجود الإيراني والصهيوني في المنطقة، وهذا الوجود سيكون له ما بعده؛ فالمنطقة مرشحة لصراعات واحتكاكات، كما حدثت عدة هجمات جوية من قبل إسرائيل في السودان والبحر الأحمر، وهذا ما دفع العديد من المراقبين للنشاط الإيراني إلى الجزم بأن البحر الأحمر مرشح في المرحلة المقبلة ليكون حلبة جديدة لمواجهات مسلحة إقليمية دولية على خلفية الحراك الإيراني غير المسبوق لفتح جبهات جديدة في القرن الإفريقي.

خاتمة:

الخلاصة أن أنشطة إيران لنشر التشيع وبسط وجودها العسكري والاقتصادي آخذة في التزايد في منطقة القرن الإفريقي وعموم إفريقيا، وهدفها توسيع نفوذ إيران في المنطقة وفي إرتريا على وجه الخصوص، مما يتطلب مواجهة الأمر بجهد جماعي مدروس ومؤسس لمعالجة الداء قبل استفحاله، في ظل الأحداث المتوالية والسريعة والمؤثرة على أمن وسلام سواحل البحر الأحمر، والتي تستوجب إيجاد إستراتيجية إسلامية عربية موحدة مستقبلية تتعامل بجدية مع كل الأخطار المطروحة.

كان للسياسة الأميركية والإسرائيلية دور بارز في تحفيز إيران على مد نفوذها، وفي وضع قضية تمدد النفوذ الإيراني وملفها النووي في أعلى مستويات الخطر، ولكن حتى ذلك الوقت الذي دخلت فيه أميركا وسيطا بين إثيوبيا وإريتريا قبيل وبعد الانفصال، ثم خلال نزاعاتهما المستمرة إلى عام 2000م لم ترتقِ مخاوف المد الإيراني في تلك المنطقة إلى مستوى التهديد، لأن اهتمام أميركا حتى ذلك الوقت كان يتركز حول إسرائيل وليس إيران، وبتحركات محسوبة استطاعت إيران أن تخدم تطلعاتها من بوابة القرن الأفريقي لتمكين الحوثيين، حتى تحول اليمن إلى إقليم تابع لها، ولكن جاءت "عاصفة الحزم" وأطاحت بكل الحسابات التي كانت حتى وقت قصير في حكم المؤكدة.

حاولت إيران القفز فوق كل الخيارات المتاحة، فبعد إغلاق باب السودان لم تحتج إلى كثير جهد لطرق باب إريتريا لتكون سندها الداعم، وتمكنها من تحقيق حلمها الذي لا تستطيع تحقيقه من السودان، وهو تحكمها في الممرات المائية العربية من مضيق باب المندب وحتى قناة السويس، على طول البحر الأحمر.

من المهم أن نشير لضرورة وحتمية الوقوف العربي والإسلامي مع إرتريا لضمان عدم تمدد إيران في الفراغات التي أوجدها الغياب العربي، والسعي لتأهيل دعاة إرتريين متخصصين في تبيين عقائد الرافضة بأسلوب علمي وموضوعي وسطي، وتوجيه بعض القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لتخصيص مساحات للدعاة والعلماء الإرتريين لمخاطبة ذويهم داخل إرتريا باللغات المتاحة لبيان الخطر الإيراني وسبل مكافحته وتطويقه.

المراجع:

1-    التشيع في إفريقيا (تقرير ميداني)، خاص بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى 2011م.

2-    صالح كرار، الوجود الإيراني في إرتريا، مقال منشور على موقع صحيفة فرجت نت الإلكترونية الإرترية، على الرابط: http://www.farajat.net/ar/21665.

3-    الشيعة في القرن الإفريقي وإرتريا، مادة منشورة بمجلة البيان، يونيو 2015م.

4-    العلاقات الإيرانية الأرتيرية، مادة أعدها مركز البحر الأحمر للدراسات والبحوث، منشورة بمجلة البيان، يونيو 2015م.

5-    أحمد فودة، إريتريا وإيران والحوثيون، مقال منشور بصحيفة الشرق القطرية، بتاريخ: 2/5/2015م.

6-    كيف تدعم إريتريا الحوثيين في الحرب الدائرة باليمن؟، مقال منشور بموقع نون بوست، على الرابط: http://www.noonpost.net/content/6533.

7-    عبد الإله بن سعود السعدون، الجوار الإسرائيلي الإيراني في الجزر الإرترية، مقال منشور بصحيفة الجزيرة السعودية، العدد: 14812، بتاريخ: 8 جمادى الآخرة 1434هـ.

 

 
 
 
إيران والنفوذ المتصاعد في (القرن الإقريقي)... في ظل الغياب العربي
الأربعاء 20 يونيو 2012

د. نجلاء مرعي- باحثة في العلوم السياسية

مختارات إيرانية 4/2012

 

يأتي التوجه الإيراني نحو إفريقيا -وبخاصة في منطقة القرن الإفريقي- في سياق التحول في أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، فهي محاولة من مجرد مواجهة الظروف المحلية الطارئة، وتلبية الاحتياجات في ظل معطيات الوضع القائم، إلى محاولة للتعرف على المناخ الدولي المحيط، وتهيئته بما يحقق أكبر قدر ممكن من المصالح الإيرانية؛ والتي في مقدمتها: الحيلولة دون ترك الساحة للهيمنة الأمريكية.

ويتناغم هذا التوجه مع التكالب والتنافس بين القوى الدولية؛ ولا سيما الإقليمية بين إيران وإسرائيلن في منطقة القرن الإفريقي؛ والذي انتقل إلى حلقة جديدة وهي: الصراع فيما بين هذه القوى عليها، ذلك أنه ينطوي على عنصر النفط وأولوية تأمين الإمدادات من الطاقة، والتي تعتبر واحداً من الاعتبارات الرئيسية التي تصوغ بها الدول سياساتها وعلاقاتها الخارجية.

وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي والعربي في صياغاته الكلية؛ خاصة في ظل التطورات المتلاحقة على أطراف النظام الإقليمي العربي في امتدادته الإفريقية، والتي تبشر بإعادة رسم خريطة التوازن الإقليمي في المنطقة، وربما يكون ذلك في غير مصلحة النظام الإقليمي العربي، وينذر بوجود تهديدات خطيرة لمنظومة الأمن القومي العربي.

وتحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على تأثير تصاعد النفوذ الإيراني في ظل التدافع الدولي والإقليمي نحو منطقة القرن الإفريقي على منظومة الأمن القومي العربي، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: (القرن الإفريقي) بين المصالح الإيرانية والاهتمام العالمي:

يكتسب القرن الإفريقي أهميته الاستراتيجية من كون دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية أخرى، ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي؛ خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة.

كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج.

ولا يقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب وإنما تتعداها للموارد الطبيعية؛ خاصة البترول، وهو ما يعد أهم أسباب رعاية واشنطن لمفاوضات السلام في السودان.

بالإضافة إلى قربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية ومكنوناتها الاقتصادية، ويوجد به جزر عديدة ذات أهمية استراتيجية من الناحية العسكرية والأمنية([1]).

وتتسم مصالح القوى الإقليمية في المنطقة بالتشابك والتعقد بين الأطراف المكونة للإقليم من ناحية، والقوى الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية من ناحية أخرى، ولكنها تتجه في مجملها نحو تحفيز الصراع واستمراره؛ لا سيما في الصومال والسودان، بل وتعتبر المحدد الرئيسي لمستقبل التفاعلات في الإقليم، إذ تتقاطع المصالح الإقليمية في جانب منها مع بعضها البعض، وتناقضها في جوانب أخرى، في إشارة واضحة إلى ما يمكن اعتباره خريطة التحالفات الإقليمية؛ والتي قد تتفق أو تتناقض مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة، إذ يشير الواقع الاستراتيجي إلى تأثير عملية المصالح والإرادة الإقليمية في مسيرة التفاعلات في منطقة القرن الإفريقي؛ والتي لا تتوافق مع توجهات المصالحة والاستقرار الذي يستند إليه الدور الدولي في منطقة القرن الإفريقي.

وقد حولت الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي إلى منطقة نفوذ غربي جعلتها دائماً محل تنافس بين الدول الكبرى في مرحلة الحرب الباردة.

ومع بداية النظام العالمي الجديد في التسعينات من القرن الماضي تصاعدت حدة هذه المنافسة وتعددت أطرافها، ولكنها ظلت ملعباً للدول الكبرى؛ وبخاصة الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، حيث سعت القوى الكبرى المسيطرة في النظام الدولي إلى التدافع عليه من أجل كسب مناطق نفوذ لها هناك؛ إما سلماً من خلال العلاقات الوثيقة مع نظم الحكم في المنطقة، أو كرهاً من خلال استخدام القوة المادية([2]).

وفي سباق هذا التنافس تأتي إيران التي أبدت اهتماماً متزايداً بدول القرن الإفريقي في الآونة الأخيرة، وذلك في سياق فتح المزيد من دوائر التعاون مع كافة التجمعات؛ سواء كانت دولية أو إفريقية أو عربية وخليجية، ويسير هذا النشاط بالتوازي مع الضغوط الغربية والأمريكية بسبب برنامجها النووي، وتهدف من هذه التحركات إلى كسب مزيد من التأييد الدولي لمواقفها، وإرسال رسالة إلى الدوائر الغربية تحديداً مفادها: أن لديها القدرة على الانفتاح؛ لتغيير الصورة النمطية عنها، والتي تصفها دائماً بالتشدد.

والوقع؛ تسعى استراتيجية إيران في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي والدول المجاورة -والتي تقع على البحر الأحمر- إلى تحقيق الأهداف التالية:

أ- ترسيخ نفوذها السياسي كجزء من المحور المعادي للغرب الذي تسعى إلى إنشائه في دول العالم الثالث، فهي تحاول أن تنمو لتقلل من النفوذ الغربي؛ وبخاصة الأمريكي.

ب- تحقيق مصالحا الاقتصادية في ضوء العقوبات التي تضر إيران في القارات الأخرى.

ت- تصدير الثورة الإسلامية من خلال المؤسسات الإيرانية أو المراكز الثقافية التي تنشر الفكر الشيعي، وتعزيز نفوذها من خلال نشر جهودها في البلاد الإسلامية والمجتمعات الإسلامية التي تعيش في شرق إفريقيا.

ث- صنع ممرات بحرية وبرية تقود إلى الميادين التنافسية ذات طابع المواجهة لإيران في الشرق الأوسط، والتي قد تستخدم لتهريب الأسلحة والعمليات الإرهابية، والدولة المهمة لإيران في هذا الشأن هي: السودان.

جـ- تأسيس وجود إيراني مادي على الأرض، وبحري فعال في البحر الأحمر -المهم من الناحية الاستراتيجية لإيران- يقود لقناة السويس، لذا تعمل على تقوية علاقاتها بالدول الإفريقية التي تطل على البحر الأحمر، من بينها: السودان وإريتريا وجيبوتي من ناحية، ومن ناحية أخرى تسعى لتقوية علاقاتها البحرية باليمن، ففي يونيو 2009 عقدت اتفاقية تسمح للأساطيل الإيرانية أن ترسو في ميناء عدن كجزء من مهمة إيران في محاربة القراصنة الصوماليين، ومن المتوقع أن تنضم للبوارج الحربية الست الإيرانية المستقرة في المياه الصومالية لحماية السفن التجارية الإيرانية([3]).

ثانياً: الطموحات الإيرانية... ومواجهة التدافع الدولي نحو (القرن الإفريقي):

تتركز الطموحات الإيرانية في منطقة القرن الإفريقي على ثلاثة محاور:

1- المحور الدبلوماسي:

من أجل عدم عزلها والتصويت ضدها في المنظمات الدولية، ومحاولة إنشاء نظام عالمي بديل مع القوى المعادية للولايات ا لمتحدة، حيث غدت تتبنى عدداً من الأهداف والأدوار في سياستها الخارجية؛ لجهة الحفاظ على سيادتها، وتأمين أمنها في مواجهة التحديات الخارجية.

ومن منطلق القناعة لحقيقة أنها أصبحت قوة إقليمية لا يستهان بها تسعى للقيام بدور المدفع عن العقيدة من ناحية، وتقود المعسكر الرافض لهيمنة القوى العظمى، وتنشط في إقليمها وجوارها الجغرافي لإثبات وجودها من ناحية أخرى.

وفي كل الحالات فقد كانت تعتبر نفسها قاعدة الانطلاق للثورة الإسلامية، كما تشبعت المصالح الإيرانية وأبعاد تداخلها، وربما تصادمها مع مصالح العديد من القوى الأخرى، لذا قامت بتعزيز العلاقات الإيرانية مع بعض الدول الإفريقية المعادية للوجود الأمريكي في إفريقيا، وكسب تأييد دول القرن للمواقف الإيرانية؛ لا سيما أحقيتها في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، ومسعى للعب دور يتجاوز الإطار القومي بل الإقليمي، الأمر الذي يساعدها على امتلاك العديد من الأدوات التي تتيح لها المساومة في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والملحة، عبر بناء عدة محاور تؤثر في إعادة تشكيل توازنات القوى، ومحاولة للخروج من الحصار المفروض عليها([4]).

2- المحور الاقتصادي:

الذي تهدف في إلى الحصول على اليورانيوم لتمويل برنامجها النووي، وتدعيم العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول المنطقة.

وفي هذا السياق وقعت إيران العديد من الاتفاقات التجارية والصناعية، وإطلاق المشروعات الاستثمارية مع دول عديدة مثل: كينيا وإريتريا وأوغندا وغيرها، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران وكينيا نحو 100 مليون دولار سنويّاً، ويتطلع البلدان إلى رفع هذا المستوى إلى مليار دولار سنويّاً.

ولتجسيد تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين إيران وأوغندا تم التوقيع على أربع اتفاقيات، كما تم إصدار بيان سياسي مشترك يؤكد على تعزيز هذا التعاون، وتم تدشين مصنع لتجميع الجرارات، وتنمية الثروة السمكية، وتخصيص بعض الأراضي لمؤسسات إيرانية بهدف إيجاد منطقة زراعية نموذجية، كما تم التوقيع على مذكرات تفاهم حول برامج إذاعية وتلفزيونية.

ومن ناحية أخرى تعمل إيران على توظيف دبلوماسية النفط لكسب ود دول المنطقة، وتجسد كينيا نموذجاً لمحاولة إيران استمالة بعض الدول الأقل احتمالاً للتحالف مع إيران، ووقعت معها صفقة لبيعها أربعة ملايين برميل من النفط الخام سنويّاً.

وفي أوغندا -والتي اكتشف فيها النفط مؤخراً- أعلن رئيسها أثناء زيارته مؤخراً لإيران أنه يفكر ببناء مصفاة لتكرير النفط ومد خط أنابيب النفط([5]).

ودخلت شركة (الغاز الإيرانية الوطنية) مجال البحث عن بترول السودان واستكشافه وإنتاجه، وذلك في شكل كونسرتيوم من الشركات النفطية الغربية والآسيوية للاستفادة منه –ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة تبلغ احتياطيات النفط المؤكدة في السودان في يناير 2011 نحو 5 مليارات برميل، ويبلغ إنتاجه منه 470 ألف برميل يوميّاً([6])- عقب انسحاب شركة (شيفرون) الأمريكية بسبب الرفض الغربي والكنسي المتمثل في جماعات التنصير الأمريكية النشطة في جنوب السودان([7]).

3- المحور الجيو-استراتيجي والأمني:

الواقع أن التنافس بين القوى الدولية في منطقة القرن الإفريقي انتقل إلى حلقة جديدة، وهي الصراع قيما بين هذه القوى عليها، حيث يبدو التنافس الصيني-الأمريكي في القرن الإفريقي الأصعب والأكثر شراسة، ذلك أنه ينطوي على عنصر النفط الذي يعتبر أولوية لدى الطرفين، ويؤثر بشكل أساسي ورئيسي على الأمن القومي لهما، كل من زاوية أوضاعه الداخلية الخاصة أو مكانته ومكانة اقتصاده؛ إذ تتطلع الولايات المتحدة إلى المزيد من الاعتماد على هذا النفط مما يجعلها تسعى للسيطرة على المخزون العالمي منه، وهذا ما دعاها إلى محاصرة النفوذ الأوروبي في القرن الإفريقي، ومواجهة التحرك الصيني.

وفي زخم هذا التنافس؛ تحرص السياسة الخارجية الإيرانية على تأمين الحصول على موطئ قدم لها في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بهدف تأمين حركة الملاحة والتجارة الإيرانية من جهة، ومواجهة الانتشار المكثف للحشود العسكرية الأمريكية والغربية في المنطقة؛ التي تهدد قياداتها السياسية بحرب ضد إيران من جهة أخرى.

والثابت أن إيران توفرت لها قدرة ومهارة ي استثمار الجغرافية السياسية استراتيجيّاً من حيث الضغط على خصومها في العديد من المناطق الجغرافية، ونقل المعركة الحالية؛ خاصة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعيداً عن الأراضي الإيرانية.

ومن هنا تتبدى دلالات التوجه نحو المنطقة في ظل التكالب والتنافس المحموم والمحتدم مع قوى دولية وإقليمية أخرى، ساعية لمحاولة اختراق القارة ونهب ثرواتها.

وليس هناك جدوى من توضيح العلاقات الإيرانية بدول القرن الإفريقي بعيداً عن تأثيرات القوى الدولية والإقليمية الأخرى الفاعلة في القارة، وأهمها: الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تثير التحركات الإيرانية في القارة حفيظتها، وتجعلها تبحث عن مبررات لإثارة العداء إزاء إيران، وذلك على النحو التالي:

إيران.. ومواجهة النفوذ الأمريكي:

فقد مثلت منطقة القرن الإفريقي بامتداداتها الجيواستراتيجية أهمية بالغة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وتحتل هذه المنطقة موقعاً مهماً في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، في إطار (الحرب على الإرهاب)، وإعادة طرح مشروع القرن الإفريقي الجديد الذي يهدف إلى: تأمين الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر والمحيط الهندي بما يخدم المصالح الأمريكية، فضلاً عن تأمين الوصول إلى منابع النفط والمواد الخام، وذلك بإنشاء القاعدة الأمريكية في جيبوتي عام 2002، والتي تضمن السيطرة الاستراتيجية لأمريكا على المنطقة البحرية التي يمر بها ربع إنتاج العالم من النفط، كما أنها قريبة من خط أنابيب النفط السوداني؛ والذي يمتد من بورسودان في الشرق إلى خط أنابيب تشاد والكاميرون وخليج غينيا في الغرب.

وعليه؛ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية من أجل تأمين النفط الإفريقي، وضمان تدفقه إليها دون أية عقبات أو مشاكل؛ خصوصاً مع وجود تهديدات متزايدة يتعرض لها هذا النفط لأسباب داخلية وخارجية، والتنافس الدولي على موارد النفط في إفريقيا، منها: التواجد العسكري المباشر في المنطقة، وذلك لتدريب الجيش الإثيوبي، وتوفير المساعدات الاستخباراتية واللوجستية لإثيوبيا، كما توجد في جيبوتي القاعدة العسكرية الأمريكية في المنطقة التي توفر قوات التدخل السريع لأية عمليات عسكرية قد تشارك فيها الولايات المتحدة([8]).

ومن هذا المنطلق؛ تواجه الولايات المتحدة النفوذ الإيراني المتصاعد في القرن بشكل أساسي وخصوصاً مع السودان والصومال واليمن، حيث إن الوفود الرسمية الإيرانية لا تنقطع عن زيارة العواصم والمدن الإفريقية لتحقيق العديد من المصالح وكسب أصدقاء جدد لهم إسهامهم في السياسة الدولية بطرق واساليب ووسائل متعددة.

وقد طورت إيران علاقاتها بالسودان التي اعتبرته بوابة الثورة الإيرانية لتصدير الثورة، فضلاً عن استقطابها للتحالف ضد الولايات المتحدة، وبدأ تعزيز العلاقات الإيرانية السودانية منذ 1985، واكتسب أهمية أكبر لكونه لا يمثل مدخلاً للدائرة العربية فحسب بل -أيضاً- للدائرة الإفريقية، وازداد تطور العلاقات منذ عام 1989 بمجيء ثورة الإنقاذ للحكم، وقد تم الاتجاه إلى التعاون متعدد الأبعاد التي تراوحت بين الاقتصاد والبعد العسكري والاستراتيجي([9]).

ويعد النشاط الإيراني في منطقة القرن وفي مناطق أخرى من العالم نتاجاً للدبلوماسية الشرسة التي شنت ذد طهران وتهدف إلى تخفيف الضغوط الغربية والعقوبات الناجمة عنها، وبصورة أعم من أجل مكافحة النظام العالمي الذي تراه إيران على أنه معاد لمصالحها.

وفي الوقت الراهن فإن علاقة إيران مع بعض الدول ليست بالقوة الكافية للوصول إلى أهدافها وبالتالي لا تمثل قلقاً كبيراً للولايات المتحدة، ونقطة الضعف الحالية لشبكة التحالفات الإيرانية ليست مجرد الانقسامات بين إيران وبين شركائها المستهدفين فقط، ولكن أيضاً بسبب الضغوط الدائمة من الولايات المتحدة([10]).

إيران.. ومواجهة النفوذ الإسرائيلي:

تعتبر منطقة القرن الإفريقي مسرحاً استراتيجيّاً حيويّاً لإسرائيل في إدارة صراعها وعلاقاتها مع الدول العربية، ويهدف تواجدها إلى استمرار مصادر النزاع عبر دعم قوى التوتر في كل من الصومال والسودان (بشكل غير مباشر من خلال إريتريا)، ودعم علاقاتها بكل من إثيوبيا وكينيا وإريتريا، ضمن منظومة من المصالح الأمنية والعسكرية، لتأمين تواجدها الاستراتيجي في المنطقة؛ والذي يحمل أهدافاً عسكرية في المقام الأول، كما كانت مهمته هو: الحصول على الاعتراف الدبلوماسي من جانب الدول الإفريقية، وذلك في إطار سعيها الدؤوب إلى تثبيت وضعها كدولة طبيعية في المجتمع الدولي، من خلال برامج المساعدات الخارجية، وتطوير التعاون الاقتصادي مع هذه الدول([11]).

ويأتي ذلك في إطار عقيدة (الأمن القومي الإسرائيلي)؛ والتي تحقق لها العديد من الأهداف الاستراتيجية، ويأتي في مقدمتها: تطويق مصر من خلال السيطرة على النطاق الجغرافي المحيط بها، وتأمين الملاحة في البحر الحمر، وتأمين واردات الماس وصادرات السلاح، وضمان مورد دائم للمواد الخام التي تحتاجها الصناعات الإسرائيلية، وفتح جبهة خلفية للصراع تهدد أمن الأمة العربية.

وفي هذا السياق يؤكد بن جوريون على حقيقة هذه الأهداف بقوله: "إن المساعدات الإسرائيلية للدول الإفريقية تهدف إلى كسر طوق العزلة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها إسرائيل، وتمهد الطريق أمام توسيع أسواق التصدير للمنتجات الإسرائيلية، وتأمين فرص عمل لعدد من القوى البشرية الإسرائيلية الفائضة"([12]).

فيما تتعامل إيران في سياستها الخارجية على المنفعة المتبادلة من منطلق (براجماتي)؛ حيث ترتبط بعلاقات قوية مع أوغندا التي تربطها علاقات بإسرائيل، كما أن لإيران علاقات مع جيبوتي التي تربطها علاقات بالولايات المتحدة.

وتختلف دوافع إيران عن دوافع إسرائيل في الارتباط بشرق إفريقيا؛ حيث تأتي الدوافع الإسرائيلية على خلفية نشاط الجماعات المتشددة في كينيا، وبروز النشاط الإيراني في كل من كينيا وأوغندا، فضلاً عن الحرب الأهلية في الصومال، وما يتردد بشأن وجود لعناصر من (القاعدة) هناك، بالإضافة إلى ظهور خلافات مصرية سودانية مع دول حوض النيل، فيما اعتمدت إيران في علاقاتها على المنفعة وتقديم المساعدات الزراعية والصناعية ([13]).

ثالثاً: موقع العرب في ظل التدافع الدولي والإيراني نحو (القرن الإفريقي):

تعد منطقة القرن الإفريقي ذات أهمية بالغة للبلدان العربية، وتشكل عمقاً استراتيجيّاً لهان وترتبط بها على أكثر من مستوى، نتيجة الجوار الجغرافي، والتداخل البشري، والتفاعل التاريخي والحضاري، فهذه المنطقة تشكل جزءاً مهماً من الوطن العربي لوجود ثلاثة دول فيها تنتمي للوطن العربي، وهي: السودان وجيبوتي والصومال.

ويمكن القول بأن عروبة السودان والصومال وجيبوتي، والتحكم في منابع النيل وتأمين الاحتياجات المائية لكل من مصر والسودان والصومال، وأمن البحر الأحمر؛ تمثل محاور مهمة بالنسبة للوطن العربي في هذه المنطقة، نظراً لارتباطها المباشر بالأمن القومي العربي بشكل عام، وتأثيرها في المصالح الحيوية لبعض الأطراف العربية على وجه الخصوص.

والعرب لا محالة معنيون بكل غاشية تغشى القرن الإفريقي بحكم ارتباطهم به أمنيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، ومن المفترض أن يكون لهم اهتمام بكل ما تشهده ساحة القرن الإفريقي من صراعات ونزاعات أيّاً كانت طبيعتها، ولكن بما أن العرب في وضع لا يحسدون فيه من حيث التفرق وانزواء كل دولة من دولهم في حدود ذاتها مغلقة عليها بابها! من الطبيعي أن يقضي الأمر في غيابهم جميعاً، أو أن يكون صوتهم خافتاً، ووجودهم باهتاً.

فثمة تحرك عربي شوهد من بعض الدول العربية كمصر والسعودية وقطر وليبيا للإسهام في حل نزاعات القرن الإفريقي، ومثل هذا التحرك وإن كان تعبيراً عن إدراك أهمية القرن الإفريقي للأمن العربي؛ إلا أنه من الطبيعي أن يكون بالغ التأثير ما لم يتسم بالمتابعة الجادة ليخدم فقط مصالح الاستراتيجية العربية، وإلا لن ينجح في توجيه المسار وفق مقتضيات الاستراتيجية العربية إن كان لهذه الاستراتيجية وجود فعلي، أو في قطف ثمار أي طارئ سياسي إيجابي من الممكن أن يشهده القرن الإفريقي، بل على العكس ربما جلب الضرر، وحيث أن غالب السياسات العربية لا تنطلق من دراسات تقدمها جهات متخصصة، ولا تنطلق -أيضاً- من استراتيجية أمنية موحدة؛ من الطبيعي أن تكون دون مستوى السياسة الإسرائيلية في التأثير، وأن تأتي التحركات العربية في القرن الإفريقي على غير تناسق فيما بينها، وأن ترى لكل بلد عربي موقفاً مغايراً لموقف الآخر، كل حسب مصلحته السياسية.

وفي ظل اشتداد حالة الهزل السياسي في الجسم العربي؛ والذي لا يمكنهم من اتخاذ قرارات ورسم سياسات تتجاهل أو تتنافس أو تتزاحم مع إرادة وسياسات الولايات المتحدة؛ باعتبارها القوة التي لا يعصى لها أمر، ولا يؤمن منها جانب إذا ما زوحمت ونوفست في تخطيط مناطق نفوذها الاستراتيجي، فالعرب لا يستطيعون مواجهتها أو تجاهل خططها بوضع سياسات تنبع من المصلحة العربية المحضة([14]).

هذا؛ فإن ما يحدث من تطورات متلاحقة على أطراف النظام الإقليمي العربي في امتداداته الإفريقية ينذر بوجود تهديدات خطيرة لمنظومة الأمن القومي العربي، وذلك نتيجة الانفلات الأمني وانتشار التطرف وظاهرة القرصنة؛ والتي فتحت المنطقة أمام وجود عسكري دولي دائم يحد من حرية حركة الجوار العربي، وإنها ستؤثر يقيناً في أمن البحر الأحمر وتدفق مياه النيل إلى كل من السودان ومصر، فلقد تم انفصال جنوب السودان برعاية دولية وإفريقية، وغياب عربي واضح، وتقوم أوغندا وبوروندي بعملية حفظ السلام في الصومال، كما باتت دول إفريقيا والسنغال من أبرز المؤيدين لجمهورية أرض الصومال داخل الاتحاد الإفريقي.

ويبدو أن الولايات المتحدة والدول الغربية أضحت تفضل الحل الإفريقي على الحل العربي بالنسبة لمناطق التوتر والتأزم على خط التماس العربي الإفريقي، لذا فإن ما يحدث في منطقة القرن الإفريقي من تفاعلات وتجاذبات سيفضي لا محالة إلى إعادة تشكيله وصياغته من الناحية الجيوستراتيجية؛ حيث يعكس طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة، وأن هذا التغير سيكون معادياً للمد العربي والإسلامي في المنطقة([15]).

ومع قيام موجة التغيير بثورات الربيع العربي بدا أن إعادة التفكير في خريطة المصالح الاستراتيجية العربية أمر مهم، لتسليط الضوء على واحدة من المناطق التي أهملت أو حيدت في العقود الماضية، وهي: منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.

والذي أكد على تأثير الغياب العربي في عزل الدول الإفر-عربية عن المنطقة وحرمانها من أي نفوذ أو مبادرة لحل الصراعات التي تنشب في الإقليم كما يحدث في السودان والصومال، وهو ما أدى إلى ترك المنطقة إلى النظام الدولي والإقليمي الذي لم يعمل على حل مشاكل منطقة القرن الإفريقي، بل عمقها بحروب الوكالة، وبالتشجيع على قيام دولة جنوب السودان بدلاً من التعاون، فيما حيد العرب تماماً طوال العقدين الماضين عن التأثير في مجريات الأمور هناك، أو حتى المساهمة في حفظ أمن الممرات البحرية الهامة التي تسيطر عليها المنطقة في خليج عدن وباب المندب، لذا وجهت دعوات إلى تنسيق السياسات العربية مع قوى رئيسة في الإقليم كالسودان وإثيوبيا من أجل إيجاد صيغة عربية-إفريقية مشتركة لحفظ الأمن القومي المشترك من التدخلات الخارجية؛ سواء من أطراف الإقليم (إيران، إسرائيل، تركيا)، أو من المجتمع الدولي([16]).

ويشكل التكالب والتنافس الدولي -ولا سيما الإقليمي بين إيران وإسرائيل- تهديداً مباشراً، وينال من أسس ودعائم الأمن القومي العربي في صياغته الكلية وفي امتداداته الإفريقية، خاصة في ظل الغياب العربي، حيث إن الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي عبر كينيا وإثيوبيا وأوغندا سيؤثر حتماً في أمن المنطقة ككل، هذا بالإضافة إلى أنه سيشكل تهديداً للمصالح الاستراتيجية للعرب -أمنيّاً واقتصاديّاً- ، حيث إن العلاقات الإسرائيلية بكل من كينيا وإثيوبيا معاً ستجعل المنطقة ساحة للصراع بين هذه القوى الثلاث، ويتم التدليل على ذلك من خلال محاولة إسرائيل تهديد الأمن المائي المصري، وممارسة الضغط على مصر، و ذلك عبر ما يسمى بدول (تجمع الاندوجو) تارة، وإثارة الخلافات بين دول حوض النيل بشأن الاتفاقية الإطارية لحوض نهر النيل المعروفة باتفاقية (عنتيبي) تارة أخرى([17]).

ويشكل كثافة النفوذ الإيراني في العمق الإفريقي وفي ضوء التراجع وسلبية الأداء العربي خصماً موضوعيّاً من الوجود والمصالح العربية، حيث تقوم باختراق النظم الأمنية والإقليمية الخاصة بالقرن الإفريقي بمفهومه الجوسياسي، باعتباره ممراً وبوابةً للممرات البحرية الكبرى التي تطل عليها المنطقة العربية وهي البحر الأحمر.

كما تلعب دوراً خفيّاً في الصومال، و تزيد تعقيدات استمرارية المعضلة الصومالية، وذلك على الرغم من التباين المذهبي حيث الطابع السني للجماعات الصومالية؛ إلا أن إيران ومثلما فعلت في السابق في أفغانستان، فإنها لا تردد في التعاون تكتيكيّاً مع أي تنظيمات سنية أصولية.

وعلى الرغم من أنه توجد جاليات عربية مؤثرة في بعض الدول الإفريقية خاصة في الغرب فإنها لا تمارس دوراً سياسيّاً فاعلاً في خدمة المصالح والأهداف الإيرانية.

كما حاولت تفجير مناطق الأطراف للنظام الإقليمي العربي، فلم تكن بمنأى عن النوايا والتحركات الإسرائيلية، ليس من زاوية التطابق الكلي في الأهداف المرجوة، ولكن لعدم ترك هذه الساحة بالطلق، بل ربما لتوظيف كثافة الوجود والنفوذ الإيراني ضمن الأوراق الضاغطة والمهمة في أي مقايضات سياسية محتملة، أو لدرء أخطار متوقعة([18]).

رؤية مستقبلية.. للأمن القومي العربي في ظل تصاعد النفوذ الإيراني في (القرن الإفريقي).

يمكن القول بأن كافة محاولات التكالب والتنافس الدولي وتجليات خطورة الاختراق للقارة الإفريقية ترتبط بمحاولات استعمارية جديدة، بإعادة صوغ حدود العالمين العربي والإفريقي، من خلال عمليات فك وتركيب جيوستراتيجية، الأمر الذي يؤدي إلى خلق كيانات جديدة مصطنعة، تنال من مقومات وأسس النظم الإقليمية السائدة.

كما جاء التغلغل الإيراني في منطقة القرن الإفريقي لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي الذي يتخذ أبعاداً اقتصادية وأمنية وعسكرية على حساب الجانب العربي، ويهدد الأمن القومي العربي؛ خاصة فيما يتعلق بمياه النيل والسواحل الشرقية للبحر الأحمر، الأمر الذي يتطلب من الجانب العربي التنبه إلى خطورة ذلك، والسعي لتطوير التفاعل العربي- الأفريقي عبر صيغ مؤسسة للتنسيق والتخطيط في كافة المجالات، وأن لا يبقى هذا التفاعل رهن العلاقات الثنائية التي تحكمها الأوضاع السياسية والظروف الآنية.

كما إن تدعيم الأمن القومي العربي يتطلب الاعتماد على عدد من الركائز الواقعية والموضوعية لتغيير الواقع السلبي في العلاقات بين العرب وشعوب منطقة القرن الإفريقي، من بينها:

* ينبغي أن تتعامل النظم العربية مع محركات الصراع في القرن الإفريقي في ضوء المشروعية القانونية للنظام الإفريقي في مرحلة ما بعد الاستعمار، وكذلك أي تسوية سلمية محتملة تقبلها أطراف الصراع الفاعلة.

* يجب تأسيس حوار استراتيجي عربي-أفريقي بمفهومات وصيغ جديدة، فقد تم تجاوز المرحلة التي قام فيها هذا الحوار على أساس المقايضة والمنافع السياسية المتبادلة، ومن ثم يجب الدخول في مرحلة جديدة تؤسس على إقامة شراكة عربية إفريقية حقيقية، قوامها المصالح الاستراتيجية المشتركة، والقضايا ذات الحساسية لكل من الطرفين، من أجل تحقيق نهضة حضارية لبلدان الجنوب بصفة عامة، ومواجهة واقع الإخضاع والتهميش الذي يعانيه العرب والأفارقة.

* معالجة آثار  الفترة الماضية بالاستفادة المأمولة من الثورات العربية، والتي سيكون لها انعكاس على السياسة الخارجية العربية، لوضع حد لسياسة تهميش العرب في هذه المنطقة؛ سواء من أطراف إقليمية أو دولية.

* ضرورة تأكيد المدخل الأمني لتحقيق التعاون؛ حيث إن هاجس الأمن كثيراً ما يطغى على هاجس التنمية، ومن ثم ينبغي العمل بصورة مشتركة على ا لتخلص من بؤر الصراع والتوتر العربية-الإفريقية، وإيجاد حلول عادلة لها يقبلها كل من الطرفين.

* الاهتمام بمنظومة الأمن في البحر الأحمر على اعتبار أنه ممر التفاعل الرئيس بين العرب والقرن الإفريقي، ويقتضي هذا الأمر أن تكون لمصر والسودان والسعودية واليمن آلية إقليمية لتحسين بيئة الأمن في البحر الحمر، ودعم علاقات الجوار مع القرن الإفريقي.

* ضرورة التوسع في إقامة الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية المشتركة ليحل محل أسلوب المنح والهبات المالية ذات الطابع التقليدي؛ حيث إن أثر هذه المشروعات أكبر في تعميق الصلة الحقيقية بين العرب والأفارقة.

 

 

 


([1]) د. جلال الدين محمد صالح، "القرن الإفريقي: أهميته الاستراجية وصراعته الداخلية"، قراءات إفريقية، ع1، أكتوبر 2004، (ص 100-101).

([2]) لمزيد من التفاصيل عن مصالح القوى الإقليمية والدولية في القرن الإفريقي يمكن الرجوع إلى: نجلاء محمد مرعي، "تأثير البترول في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا بعد أحداث 11 سبتمبر 2011، دراسة حالية: السودان"، رسالة دكتوراة، جامعة القاهرة-كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011 (ص122-129).

([3]) "نشاط إيران في إفريقيا.. بوابة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية"، قراءات إفريقية، ع5، يونيو 2010، (ص104-105).

([4]) د. السيد عوض عثمان، "دلالات وتحديات تصاعد المد الشيعي الإيراني في غرب إفريقيا"، http://www .musim.net /vb/showthread.php?t=395339

([5]) شريف شعبان مبروك، "السياسة الإيرانية في إفريقيا وتداعياتها على الأمن القومي العربي،

http://ar.qawim.net/index.php?option=com_content&ta,"1\2sk=view&id=8122&ltemid=1317

([6])                     "Country analysis brief: Sudan", US Department of Energy

 Information Administration, Sep, 2011.

([7])           Seymour, Lee J.M, The Oil-conflict Nexus in Sudan: Conveyance,

Department and State building, Northwestern University, Department

of Political Science, 2001, P 14.

([8]) د. نجلاء محمد مرعي، "النفط والدماء: الاستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا(السودان نموذجاً)"، القاهرة، المركز العربي للدراسات الإنسانية، 2012، (ص88).

([9]) "الدور الإيراني في إفريقيا- السودان نموذجاً"،

www .arrasid. com/indix.php/main/contents

([10]) "النفوذ الإيراني في لإفريقيا"، 9 يناير 2012،

http://www .qiraatafrican .com/view/?q=237

([11]) أحمد إبراهيم محمود، "الحروب الأهلية في إفريقيا"، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 2001، (ص191).

([12]) أحمد البيومي، "العلاقات الإفريقية الإسرائيلية.. خطر متصاعد يهدد العرب"، 11 فبراير 2012،  http://www .qiraatafrican .com/view/?q=76

([13]) "إيران: نفوذ متصاعد في منطقة القرن الإفريقي"،

http: //homeafricaonline .net/news/index.php?option=com_-55-14-26-10-content&view=article&id=44:2009 ltemid=11&14-12-18-01-09-catid=3:2009&34

([14]) د. جلال الدين محمد صالح، مرجع سابق، (ص113-114).

([15]) د. حمدي عبد الرحمن، "القرن الإفريقي.. إعادة تشكيل وصياغة جيوستراجية وتحالفات إقليمية ودولية جديدة"، http://www .aleqt .com/21/01/2011/494309_article.html

([16]) "العرب والقرن الإفريقي: جدلية الجوار والانتماء"، 1/12/2011،

http://www .dohainstitute .org/home/Details?entityID=5d045bf32-df946-cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceld=ab38918a-47d382-c4-96f58bc6c57a

([17]) د. نادية عبد الفتاح، "توازنات القرن الإفريقي.. تداعيات التعاون الإسرائيلي-الكيني على المصالح العربية"، 17 ديسمبر 2011، http://www.qiraatafrican.com/view/?q=145

([18]) إبراهيم أحمد عرفات، "مصالح القوى الإقليمية في القرن الإفريقي"، السياسة الدولية، ع177، يوليو 2009، (ص180-181).

 

 
 
 
تحرك إيران الدبلوماسي في القارة السوداء
الثلاثاء 15 يونيو 2010

(إيران 9/3/2010 ) نقلاً عن مختارات إيرانية

استمرت التحركات الدبلوماسية الإيرانية في الماضي والحاضر على امتداد الشريط الاخضر الاستوائي للقارة السوداء، وتأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلى كل من أوغندا وكينيا اللتين تقعان في شرق أفريقيا لتنمية العلاقات مع هذه النقطة من العالم.
أكد متكي خلال لقاءه مع الرئيس الاوغندي يوري موسيفيني على استعداد إيران لتعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف مع أوغندا، معتبراً زيارة موسيفيني المقبلة لطهران بأنها تمثل مرحلة جديدة من العلاقات الطيبة بين البلدين
وأعرب الوزير الإيراني عن ارتياحه لمسيرة التعاون بين إيران واوغندا في الاوساط الدولية، وأكد على ضرورة تنمية العلاقات بين البلدين في شتى المجالات، وأشار إلى دور ومكانة أوغندا في إحلال السلام في منقطة شرق أفريقيا معلناً استعداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية للتعاون وإجراء مشاورات ثنائية في هذا المجال.
وشدد متكي على أن تنمية العلاقات مع الدول الافريقية من أولويات الحكومة الإيرانية، وأنه لا توجد أي موانع وعراقيل أمام تنمية العلاقات بين طهران وكمبالا.
من جانبة أكد الرئيس الاوغندي دعمه للبرنامج النووي الإيراني السلمي، مشدداً على أن مالكي الترسانات النووية لا ينبغي أن يعيقوا الآخرين في حيازة برنامج نووي سلمي.
كما أعرب وزير الخارجية الاوغندي عن ارتياحه للمسيرة المتنامية التي تشهدها العلاقات الثنائية في المجالات المختلفة، مؤكداً أن تنفيذ الاتفاقيات المبرمة يشكل فرصة لتعميق العلاقات الثنائية ومعلناً عن رغبة بلاده في تنمية التعاون مع إيران في شتى المجالات.
هذا وقد شدد الجانبان في اللقاء على أهمية التعاون البرلماني ودور جمعيات الصداقة البرلمانية في تعزيز العلاقات الثنائية.
كذلك أعرب بام كوتسا وزير الخارجية الاوغندي أيضا عن رضاه عن التعاونات الآخذة في التصاعد بين الدولتين في المجالات المختلفة وفقاً للاتفاقيات الموقعة بين الدولتين واعتبر تنفيذ هذه الاتفاقيات مجالاً لتعميق العلاقات فيما بينهما.
أما في زيارته لكينيا فقد اعتبر وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي كينيا دولة مهمة للغاية في العالم واصفاً دور هذا البلد في تسوية الكثير من النزاعات الاقليمية بالمهم جداً.
وقال متكي الذي زار كينيا في إطار جولته الافريقية في مؤتمر صحفي عقد على هامش لقائه مع نظيره الكيني: إن إيران ستتحرك باتجاه تعزيز العلاقات مع كينيا إذ إن للبلدين مواقف مشتركة في العديد من القضايا الدولية، وأعلن متكي خلال المؤتمر عن عقد اجتماع رباعي بين كينيا والصومال وإيران ومنظمة ايجاد ( دول شرق افريقيا) لحسم أزمة الصومال.
وأشار الوزير متكي إلى اللقاء التاريخي الذي جمع بين الرئيسين الإيراني والكيني في العام المنصرم وقال: إن هذا اللقاء وكما قال الرئيس أحمدي نجاد فتح صفحة جديدة على صعيد تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين.
وحول تسوية أزمة الصومال قال متكي: إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حريصة على حل مشاكل هذا البلد، ولن تألوا جهداً في هذا المجال معربا عن أمله بأن تكون مباحثاته مع وزير الخارجية الكيني بداية للفت انتباه الأطراف الإقليمية والدولية لحلحلة هذه الأزمة.
وأشار متكي إلى مساعي إيران على مدى عام ونصف العام لحل القضايا العالقة بين تشاد والسودان مضيفاً: إن الرئيس التشادي أثنى خلال رسالة بعثها الى رئيس الجمهورية، على مساعي ايران في هذا المجال.
بدوره قال وزير الخارجية الكيني في هذا المؤتمر إنه بحث مع الوزير متكي قضية السلام والأمن في شرق أفريقيا، وأشار موسى تانجولا إلى المشاريع الإعمارية التي نفذتها إيران في كينيا بما فيها مشروع شق الطرق موضحا: إن 5 شركات من القطاع الأهلي الإيراني تشارك في تنفيذ هذه المشاريع.
وأشار إلى التبادل التجاري بين البلدين البالغ نحو 100 مليون دولار سنوياً، وقال إن البلدين يتطلعان إلى رفع هذا المستوى إلى مليار دولار سنويا.
هذا وأكد متكي خلال لقائه نظيره الكيني على أن العلاقات بين طهران ونيروبي تشهد مساراً جيداً ومتنامياً وأضاف متكي: إن إيران تضع ضمن جدول أعمالها إنشاء مراكز تجارية في كينيا خلال عام 2010.
 
 
 
 
إيران وأفريقيا.. اليورانيوم رأس الدوافع
الجمعة 5 نوفمبر 2010

مروى صبري – الشرق الأوسط 22/10/2010

 

هل تضع إيران عينها على أفريقيا؟ ومن أي زاوية في سباق المصالح وصراع القوة والنفوذ والتناحر الداخلي الذي تعاني منه الكثير من دول القارة السمراء؟.. هذه الأسئلة والهواجس تستشرفها كلمة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أمام القمة الثانية عشرة للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا عام 2009، التي قال فيها: «أفريقيا قارة تعج بالقيم البشرية والثقافية وقدرات كبيرة في مجالات مختلفة، وفي المقابل تتمتع إيران بقدرات هائلة تمكنها من الدخول في تعاون عملي ومربح مع القارة الأفريقية».

وسواء اتفقت أو اختلفت مع كلمة نجاد، فالواقع الفعلي يسجل اعترافا بالنجاح الدبلوماسي الباهر الذي حققته إيران في غزو أفريقيا، ربما كأحد الحلول للفكاك من عزلة دولية مؤلمة تعاني منها إيران تقريبا منذ قيام الثورة الإسلامية بها عام 1979، وتفاقمت بشدة خلال السنوات الأخيرة بسبب برنامجها النووي والشكوك الغربية حول حقيقة أهدافها. لقد وجدت إيران في أفريقيا ضالتها المنشودة على أكثر من صعيد. ورغم أن التقارب الإيراني - الأفريقي لا يعد بالسياسة الجديدة بالنسبة إلى طهران، فإنه شهد زخما غير مسبوق في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، خاصة منذ عام 2006.

لكن التساؤل الأكثر إلحاحا هو: هل يعتمد التقارب الإيراني - الأفريقي على أسس متينة مستدامة أو أنه مجرد تقارب وقتي قد يتبدل في أي لحظة مع تبدل الأنظمة أو الظروف الراهنة؟ لغة الأرقام لا تعرف الكذب، وهي تكشف بجلاء عن هذا التقارب، حيث أعلن مدير المكتب التجاري للشؤون العربية والأفريقية التابع لمنظمة تعزيز الشؤون التجارية الإيرانية، سيد حسين حسيني، في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، ارتفاع الصادرات غير النفطية للدول الأفريقية خلال السنة الإيرانية الحالية (المنتهية بحلول 20 مارس/آذار)، بنسبة 14 في المائة خلال تسعة أشهر، مضيفا أنه خلال تلك الفترة بلغت قيمة الصادرات غير النفطية لأفريقيا 228.6 مليون دولار، بارتفاع عن 200.8 مليون دولار العام الماضي.

واستطرد المسؤول موضحا ارتفاع صادرات إيران للمغرب بنسبة 145 في المائة، على رأسها الفستق والتمر والفواكه والنشادر. وأضاف أن الصادرات غير النفطية ارتفعت بنسبة 8 في المائة لكوت ديفوار، و12 في المائة للسنغال، و50 في المائة لمصر. وأشارت تقديرات إلى أنه في العام الماضي بلغ إجمالي الزيارات الوزارية رفيعة المستوى من الجانب الإيراني لأفريقيا 20 زيارة تمخضت عن توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقات التجارية والدبلوماسية والدفاعية.

أما العام الحالي، فشهد زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لأوغندا وزيمبابوي في أبريل (نيسان) والجزائر في سبتمبر (أيلول). كما زار وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي ليبيا في يناير، وشارك في قمة الاتحاد الأفريقي الـ14 في أديس أبابا في فبراير (شباط)، أتبعها بزيارة في مارس لكينيا وأوغندا التي كانت قد استقبلت من قبله علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني في يناير. أما عن الدوافع التي تدفع بطهران إلى أحضان القارة السمراء، فهي متنوعة، من أهمها رغبتها في كسر العزلة الدولية القاسية المفروضة عليها عبر بناء شبكة من التحالفات مع دول بعضها يتفق معها في عداء الغرب، خاصة الولايات المتحدة، (السودان، وزيمبابوي)، أو يشعر بنوع من العزلة والتهميش على الصعيد الدولي في وقت يحتاج فيه إلى مساعدات خارجية (جزر القمر، وإريتريا)، أو بحاجة إلى استثماراتها في مشاريع إنمائية وخبراتها الفنية (السنغال، وموريتانيا، وجيبوتي)، أو يشاركها في آيديولوجيتها الثورية (السودان)، أو بحاجة ماسة إلى النفط (جنوب أفريقيا، وزيمبابوي).

لكن الأمر لا يقتصر على كسر العزلة، ذلك أن أفريقيا تعد منجم ذهب على الصعيد الدبلوماسي لما تحظى به من 53 صوتا داخل الأمم المتحدة، ونيل بعض أعضائها عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بصفة دورية، ووجود آخرين في مجلس المحافظين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية مثل جنوب أفريقيا، الأمر الذي قد يساعد في التصدي أو التخفيف من أي قرارات دولية ضد طهران، إلى جانب نيل تأييد لبرنامجها النووي، وهو ما أعلنه الكثير من الدول الأفريقية بالفعل، مثل السودان والسنغال وكوت ديفوار وجيبوتي وإريتريا.

ويتمثل دافع آخر في الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، وذلك عبر سبل متنوعة منها تخزين النفط في دول أفريقية. علاوة على ذلك، نجد الرغبة الإيرانية القديمة في الاضطلاع بدور الريادة، ونيل مكانة القوة العظمى، وهي مكانة ترى أنها تليق بها عن استحقاق بالنظر إلى تاريخها ومساحتها وثقلها السكاني وموقعها الاستراتيجي ونفوذها. ويخالج إيران، على ما يبدو، شعور بالغبن لحرمان المجتمع الدولي لها من هذه المكانة. وهنا تظهر أفريقيا كميدان مثالي لتمارس فيه طهران دور الزعامة، معتمدة في ذلك على عدد من الأدوات، أولها: الظهور بمظهر المدافع عن المقهورين. وقد أعلن أحمدي نجاد أن بلاده خلقت لنفسها مكانة متميزة عالميا كرائدة في مساندة الخير ومحاربة الشر. ونجحت طهران في إضفاء طابع إسلامي بطولي على برنامجها النووي، مما انعكس على تصريحات بعض القادة الأفارقة، فمثلا عام 2006، أعلن الرئيس السوداني عمر البشير أن البرنامج النووي الإيراني يعد «نصرا كبيرا للعالم الإسلامي». ومنحت جزر القمر الرئيس أحمدي نجاد أرفع وسام بها، وأعلن الرئيس عبد الله سامبي خلال الاحتفال أن إيران تعد النموذج الأمثل في العالم المسلم. ووصف الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة إيران خلال زيارة رسمية لها عام 2006 بأنها «رائدة الدول الإسلامية المقاومة لأعداء الإسلام».

ثانيا: المساعدات المالية والفنية والهندسية والدفاعية. وفعليا تشارك طهران في الكثير من المشاريع الإنمائية في عدد كبير من الدول الأفريقية، في مجالات منها معالجة المياه وبناء الطرق وتصنيع السيارات والجرارات وبناء المساكن وتوليد الكهرباء.

ثالثا: عرض المشاركة بالخبرة النووية، مثلما حدث مع السودان والجزائر.

رابعا: عرض الوساطة في الصراعات الداخلية بين الدول الأفريقية. وعلى سبيل المثال، في فبراير الماضي أشاد السفير السوداني لدى إيران سليمان عبد الطيب الزين بجهود إيران لتسوية الصراع في دارفور، وقال: «اضطلعت جمهورية إيران الإسلامية بدور بناء في تسوية الأزمة في دارفور». وفي مارس من هذا العام، شارك منوشهر متقي في اجتماع رباعي ضم إيران وكينيا والصومال و«الهيئة الحكومية للإنماء» (إيقاد) لزيادة الوعي العالمي بالوضع في الصومال. كما عرضت إيران الوساطة لتسوية الخلاف بين تشاد والسودان، بل ناشدتها تشاد القيام بذلك، حيث شدد وزير الخارجية التشادي أحمد علامي على إيران خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني منوشهر متقي في مارس 2007 قائلا: «نعول على قدرة إيران على تهدئة الأزمة».

خامسا: محاولات نشر المذهب الشيعي، وهي أداة شائكة أتت في بعض الأحيان بنتائج شديدة السلبية تجلت في قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية معها في مارس 2009. في المقابل، حققت هذه الأداة نجاحا في بعض الدول، مثل السنغال التي تشهد حاليا، على ما يبدو، تحولا دينيا، حيث سمحت السلطات ببناء حوزة شيعية، وتحول عدد صغير، لكن لافت للانتباه، من السنغاليين إلى المذهب الشيعي. لكن «اليورانيوم» يبقى على رأس الدوافع الإيرانية وراء التودد إلى أفريقيا، فمع القارة السمراء دائما ما نجد أنفسنا أمام مقولة «فتش عن اليورانيوم»، فأفريقيا تعد من أكبر منتجي اليورانيوم في العالم، وتسهم بحصة 20 في المائة تقريبا من الإنتاج العالمي. يعضد ذلك تواتر أنباء مؤخرا عن تراجع المخزونات الإيرانية من اليورانيوم، خاصة أن تاريخ مخزون اليورانيوم الإيراني يعود إلى 30 عاما ماضية عندما اشترت إيران 531 طنا من يورانيوم «الكعكة الصفراء» من جنوب أفريقيا في مطلع ثمانينات القرن الماضي. ويعتقد بعض المحللين أن طهران في سعيها وراء اليورانيوم داخل أفريقيا انتهجت سبلا متنوعة، منها سياسة النفط مقابل اليورانيوم، كما هو الحال مع زيمبابوي التي يرون أن مجمل علاقاتها بإيران تدور حول اليورانيوم، حيث تتمتع باحتياطات يورانيوم ضخمة لم تستغل بعد، في وقت تعاني فيه من مشكلات اقتصادية عصيبة وبحاجة ماسة إلى النفط للإبقاء على حركة عجلة اقتصادها المتداعي، علاوة على كونها مدينة لطهران بعشرات الملايين من الدولارات.

ويشتبه البعض في الأمر ذاته بالنسبة إلى جنوب أفريقيا، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2005، نسبت صحف لجواد فايدي، مسؤول بالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قوله إن جنوب أفريقيا عرضت إمداد إيران بيورانيوم «الكعكة الصفراء»، بل عرضت المشاركة في عملية التخصيب ذاتها. لكن إيران سارعت بالتراجع، مشيرة إلى أن تصريحات فايدي أسيء نقلها. ويسجل عام 2007، قيمة صادرات إيرانية لجنوب أفريقيا قاربت على 21 مليار دولار، تصدرتها مبيعات النفط. وعام 2006، حصلت جنوب أفريقيا على 40 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام من إيران. لكن البعض يعتقد أن المساعي الإيرانية وراء اليورانيوم لها جانب مظلم تدفع أفريقيا ثمنه غاليا، حيث ذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 18 يوليو (تموز) 2006 أنه «ما من شك في أن شحنة ضخمة من اليورانيوم 238 المهرب كشفها مسؤولو الجمارك في تنزانيا كان يجري نقلها من مناجم لوبومباشي في الكونغو». وأشار مسؤولو جمارك من تنزانيا في تصريحات صحافية إلى أن الشحنة كانت متجهة إلى ميناء بندر عباس الإيراني، وتم توقيفها في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2005.

واتهم التقرير إيران بمقايضة السلاح مقابل اليورانيوم مع ميليشيا المحاكم الإسلامية الصومالية، وادعى أن 700 مقاتل صومالي قاتلوا إلى جانب حزب الله في لبنان في حربه مع إسرائيل، الأمر الذي نفاه حزب الله والإسلاميون الصوماليون. يذكر أن مخزونات اليورانيوم التي يمكن استخراجها في الصومال تبلغ قرابة 6.600 طن.

لكن محللين يرون أن الدعم الإيراني المزعوم للمحاكم الإسلامية بالصومال لا يرمي إلى ضمان اليورانيوم فحسب، وإنما أيضا إلى تعميق نفوذها في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية. وإلى جانب هيمنتها على مضيق هرمز، فإن الهيمنة على منطقة القرن الأفريقي أيضا تمنح إيران نفوذا كبيرا على اثنين من أهم طرق الشحن في العالم. يتسق هذا التحليل مع تحركات إيران لتعزيز علاقاتها مع إريتريا وإثيوبيا والسودان.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإنه طبقا لما أعلنه مسؤولون إيرانيون، فإن مستوى التجارة الثنائية بين إيران وإثيوبيا ارتفع من 19 مليون دولار عام 2004 إلى 35 مليون دولار عام 2007. ورغم العلاقات الصديقة بين إثيوبيا والولايات المتحدة، فإن إيران عمدت في السنوات الأخيرة إلى توسيع نطاق علاقاتها مع إثيوبيا على نحو ملحوظ.

أما السودان، الذي وصفه أحمدي نجاد بأنه وطن ثان يعج بـ«الأشقاء الأعزاء الأتقياء الثوريين»، فيعد أقرب حلفاء طهران في القارة على الإطلاق، والعلاقة بينهما تحيطها الاتهامات، ففي عام 2006، أخبر آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، الرئيس السوداني عمر البشير بأن الجمهورية الإسلامية مستعدة لنقل خبراتها وتقنياتها النووية للسودان. وبينما أعلن السودان مرارا تأييده للبرنامج النووي الإيراني، كانت طهران من أوائل من ندد بقرار التوقيف الصادر بحق البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

وبدأ السودان تعزيز علاقاته بإيران منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي. وتشارك إيران في تدريب وتمويل وتجهيز المؤسسة العسكرية السودانية، بحسب تقارير تناقلتها وسائل إعلام غربية. وتعمق التقارب مع وصول عمر البشير إلى السلطة عام 1989 في انقلاب يحمل توجهات إسلامية. ويعتقد محللون أن التحالف الإيراني - السوداني هو تحالف آيديولوجي في المقام الأول رغم اختلاف مذهبي الدولتين.

ووصل حجم التجارة الثنائية بين إيران والسودان إلى 43 مليون دولار سنويا عام 2006. وتشارك إيران في الكثير من المشاريع الإنمائية في السودان. وفي مارس 2008، وقعت الدولتان اتفاقية دفاع مشترك. ومن بين الأصول الجيوسياسية التي يتمتع بها السودان وتعد عناصر جذابة أمام طهران، سواحل السودان الطويلة على البحر الأحمر والطرق البحرية المهمة التي تربطها بالخليج العربي وموقعها الذي يقع قبالة السعودية وبجوار مصر وتمتعها بموارد نفطية وسيطرتها على النيل الأبيض.

واتهم موقع «أفريكا كونفدنشال» في تقرير له في سبتمبر 2008 إيران بإمداد الخرطوم بأسلحة في هجماتها ضد دارفور، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه عليها الأمم المتحدة. وادعى أنه في 28 أغسطس (آب)، أسقطت القيادة الموحدة لحركة تحرير السودان طائرة إيرانية من دون طيار طراز «أبابيل - 111»، كما جمدت الحكومة السودانية صدور صحيفة موالية للمعارضة («رأي الشعب») لأجل غير مسمى لادعائها إقامة الحرس الثوري الإيراني مصنعا لإنتاج الأسلحة في الخرطوم يعرف باسم مصنع «جياد» تنفيذا لبند في اتفاقية الدفاع التي وقعها وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار خلال زيارته الخرطوم في مارس 2008، لتقديم أسلحة للمتمردين الإسلاميين في الصومال وحركة حماس.

 

 

 
 
 
يوم القبض على إيران في.. نيجيريا
الأربعاء 5 يناير 2011

هدى الحسيني – الشرق الأوسط 16/12/2010

 

أقال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وزير خارجيته منوشهر متقي فيما كان الأخير في داكار ينقل رسالة إلى الرئيس السنغالي عبد الله واد. تلك كانت الرحلة الأفريقية الثانية لمتقي خلال شهر واحد، فهو سافر في 11 من الشهر الماضي وبسرعة إلى نيجيريا في محاولة منه لإنقاذ عضوين من «الحرس الثوري» الإيراني علي أكبر طباطبائي الذي دخل نيجيريا بجواز سفر دبلوماسي وباسم مزور «سيد أكبر طهماسابي»، وعظيم آغاجاني.

وكانت نيجيريا صادرت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي 13 حاوية فيها مواد للبناء تخفي أسلحة ومدافع وقذائف، أرسلها «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري إلى ميناء أبابا في لاغوس عبر مجموعة شحن «سي.إم.اي - سي.جي.إم» الفرنسية المقر. ويبدو أن تلك لم تكن الشحنة الإيرانية الأولى إلى أفريقيا إنما الأولى التي تُكتشف. وحسب قائمة الشحن فالصفقة (مواد بناء) كانت موجهة إلى غامبيا.

في العاشر من الشهر الماضي، وكانت مصر تتابع قصة المصادرة، طلبت من نيجيريا أن توجه أسئلة محددة لعضوي «فيلق القدس» المعتقلين لديها، وطالبت بالاطلاع على مجريات التحقيق خصوصا في ما يتعلق بمصر. وأرسلت مصر مبعوثا شخصيا إلى نيجيريا من قبل مسؤول المخابرات العامة عمر سليمان، وأعلنت نيجيريا أنها استقبلت المبعوث بحرارة كإشارة منها على استعدادها لتلبية الطلب المصري.

السبب الذي دفع مصر إلى الاهتمام بهذه الحادثة، يعود إلى معلومات تلقتها بأن بعض هذه الأسلحة المصادرة التي تضم قذائف 107 ملم وأنواعا أخرى من المتفجرات كانت في الأصل لصالح بعض العناصر الراديكالية في سيناء، وقدم المبعوث المصري ما يثبت ذلك، كما أضاف أن أغلب بقية الأسلحة كان موجها إلى منظمات أخرى في نيجيريا، كما قدم عدة أسئلة طالبا من السلطات النيجيرية أن تطرحها على المعتقلين الإيرانيين. بين هذه الأسئلة معرفة طرقات التهريب التي تسلكها الأسلحة، وأماكن انتشار قوات تابعة لفيلق القدس في أفريقيا، خصوصا في الدول المجاورة لمصر كالسودان.

وحسب مصادر نيجيرية، كشف المبعوث المصري أن القاهرة قلقة من النشاط السلبي الإيراني في أفريقيا، مثل شحن الأسلحة إلى المنظمات الثورية أو الانفصالية الموجودة في القارة و التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار. ثم إن مصر قلقة أيضا من الاختراق الإيراني لساحتها الخلفية في أفريقيا، وخصوصا مع احتمال تدهور الاستقرار في السودان، وتوقع نشوب حرب أهلية تلي الاستفتاء المتوقع إجراؤه في التاسع من يناير (كانون الثاني) المقبل والذي قد يفصل الجنوب عن الشمال.

من جهتهم أوضح النيجيريون أن شحنة الأسلحة الإيرانية كانت موجهة إلى ميليشيات محلية تعمل في نيجيريا والخارج، مثل منظمة «حسبة» التي تفرض الشريعة الإسلامية في مقاطعة كانو شمال نيجيريا، ومنظمة «باكو حرام» التي تتحرك هي الأخرى في شمال نيجيريا، و«حركة تحرير دلتا النيجر» التي تقاتل من أجل أن تستثمر عائدات النفط في الشمال.

وأضاف النيجيريون أن بعض أسلحة الشحنة كانت وجهته السنغال وبالذات إلى «حركة القوات الديمقراطية في كازامانس» التي تنشط في مناطق التمرد في السنغال جنوب غامبيا.

ثم في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أجرى عمر سليمان اتصالا هاتفيا مع نظيره النيجيري مشددا على ضرورة استجواب المعتقلين الإيرانيين سيد طهماسابي (علي أكبر طباطبائي) وعظيم آغاجاني، فأكد له الوزير النيجيري أن هذا ما سيحدث، وطمأنه بأن نيجيريا اتصلت بمجلس الأمن وأبلغته عن محتوى الحاويات التي هي خرق لقرارات مجلس الأمن التي تمنع إيران من تصدير أي أسلحة أو السماح بمرور الأسلحة عبر أراضيها.

يبدو أن ما دفع بعمر سليمان للاتصال الهاتفي، هو تصريح وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في ذلك اليوم، بأن سوء التفاهم حول شحنة الأسلحة تمت إزالته مع نيجيريا، وقال إن الشحنة تعود إلى شركة خاصة وكانت ستباع بشكل شرعي في دول غرب أفريقيا.

يكشف ما حصل في نيجيريا جزءا من التعقيدات التي تواجهها إيران في أفريقيا. ومن التحركات الأخيرة إقدام الأمم المتحدة على اتخاذ إجراءات ضد إيران منها إرسال فريق دولي إلى نيجيريا للكشف عن الأسلحة التي تمت مصادرتها بعد إبلاغ نيجيريا أن هذا العمل يكشف خرق إيران للقرار الدولي رقم 1747.

الشحنة كانت جزءا من الاستراتيجية الإيرانية لتقوية وجودها في القارة الأفريقية، كجزء من المهمة الكبرى المعطاة لـ«الفريق الأفريقي» في «فيلق القدس».

ضابطان من «الحرس الثوري» الإيراني ينتميان إلى «فيلق القدس»، آغاجاني وطباطبائي/ طهماسابي، اللذان كانا مسؤولين عن العملية اللوجستية في نيجيريا، سارعا إلى اللجوء إلى السفارة الإيرانية في لاغوس مباشرة بعد مصادرة حاويات الأسلحة.

الإيرانيون تعرضوا إلى ضغوط لا مثيل لها، وحاولوا كل ما في استطاعتهم للضغط على نيجيريا لإعادة الحاويات إلى إيران والسماح لضابطي الحرس الثوري/ فيلق القدس بمغادرة البلاد من دون أي استجواب، لأن استجوابهما قد يكشف كل الأنشطة الإيرانية في أفريقيا.

 

هذا ما دفع متقي للسفر بسرعة إلى لاغوس لإنقاذ ضابطي الحرس الثوري، خصوصا أن احدهما قائد «الفريق الأفريقي» في «فيلق القدس» علي أكبر طباطبائي دخل نيجيريا بجواز سفر دبلوماسي.

نجح متقي في تهريب طباطبائي من السفارة الإيرانية في عملية إنقاذ، أو ربما ضمن صفقة تمت بين نيجيريا وإيران: إطلاق سراح «الدبلوماسي» طباطبائي مقابل تسليم إيران لآغاجاني الأقل رتبة.

وزير الخارجية النيجيري هنري اجوموغوبيا قال في 18 نوفمبر إن المشتبه فيه غادر نيجيريا ضمن وفد الوزير متقي، وأضاف أن الأخير رفض طلبه التحقيق مع المشتبه به قبل فراره من البلاد بحجة أن لديه حصانة دبلوماسية.

السلطات النيجيرية قررت تقديم آغاجاني للمحاكمة التي ستجري في نهاية الشهر المقبل، وحسب مصادر نيجيرية موثوقة، فإن التحقيقات الأولية مع آغاجاني كشفت تفاصيل عدة عن أنشطته وعن دور طباطبائي، منها مثلا تفاصيل الوسائل المستخدمة من قبل الإيرانيين في العمليات الحساسة: أسماء مستعارة، جوازات سفر مزورة... كما أن آغاجاني أعطى معلومات أمنية قيمة وتفاصيل عن قضايا محددة وعن البنية التحتية لعمليات «الحرس الثوري» الإيراني في نيجيريا بشكل خاص وفي أفريقيا بشكل عام، وعن نشاط «الحرس الثوري» في مناطق أخرى من العالم. كما كشف آغاجاني معلومات قيمة عن أهداف الخطة الاستراتيجية الإيرانية التي قررها مجلس الأمن القومي الإيراني في ما سماه «سنة أفريقيا».

في النقاشات الداخلية في إيران، أثيرت المخاوف من أن يكشف آغاجاني أنشطة «فيلق القدس» في أفريقيا وأميركا اللاتينية، وأيضا أنشطته بين المجموعات والميليشيات الإسلامية، وتدريب الميليشيات والتلقين الإسلامي وخطط زعزعة الاستقرار الإقليمي عبر تهريب الأسلحة والمخدرات في الدول المستهدفة وبالذات السنغال والسودان واليمن ودول أخرى مثل تنزانيا وموريتانيا والصومال والجزائر والكونغو وكينيا.

في نظر إيران، فإن محاكمة آغاجاني الشهر المقبل في نيجيريا قد تسيء إلى العلاقات الدبلوماسية الإيرانية - النيجيرية وتدفع بلاغوس إلى قطع علاقاتها مع طهران، كما فعلت غامبيا الشهر الماضي، عندما طلبت من الدبلوماسيين الإيرانيين مغادرة أراضيها. وتتخوف إيران من أن تُقدم السنغال هي الأخرى على قطع علاقاتها الدبلوماسية، لأنها انزعجت كثيرا لدى معرفتها بأن جزءا من الأسلحة المصادرة في نيجيريا كانت وجهته السنغال. ولهذا السبب كان متقي في داكار عندما بلغه خبر إقالته من منصبه.

 

التحرك الإيراني في أفريقيا مثير للقلق، وفي الأسبوع المقبل تفاصيل أخرى عن تهريب السلاح وكذلك المخدرات، وإلى ماذا تهدف إيران من التمدد في تلك القارة التي تدخل العمق المصري ومن توطيد وجودها في اليمن!

 

 
 
 
التجمعات الشيعية في أفريقيا العربية
الأربعاء 4 مايو 2011
التجمعات الشيعية في أفريقيا العربية

 صدر حديثاً عن مكتبة مدبولي بالقاهرة الجزء الرابع من «الموسوعة الشاملة للفرق المعاصرة في العالم» وهو من تأليف الباحثين أسامة شحادة وهيثم الكسواني؛ وهو مخصص للتعريف بالتجمعات الشيعية في دول أفريقيا العربية (مصر، السودان، المغرب، تونس، الجزائر، جزر القمر)، ويقتصر هذا الجزء على تناول فرقة الشيعة الإثنى عشرية، دون سائر فرق الشيعة الأخرى؛ كالإسماعيلية، والزيدية.

وكان الجزء الأول من هذه الموسوعة مخصصاً للتعريف بفرق الشيعية المعاصرة: الإخبارية، الشيخية، البهائية، الإثنى عشرية، الإسماعيلية، البهرة، السليمانية المكارمة، الآغاخانية، الزيدية.

أما الجزء الثانى فحمل عنوان: التجمعات الشيعية في الجزيرة العربية (العراق، البحرين، السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، عمان، اليمن).

أما الجزء الثالث فحمل عنوان: التجمعات الشيعية في بلاد الشام، وتناول دول (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين).

أما المحاور التي ركزت عليها الموسوعة في سائر أجزائها فهي قضايا الشيعة والمتشيعين، ودخول التشيع إلى هذه البلدان، وعلاقات الشيعة بإيران؛ وانعكاسات ذلك على المجتمعات العربية والإسلامية، والتعريف بأهم الهيئات، والمؤسسات، والشخصيات الشيعية، إضافة إلى جانبٍ من أنشطتها، وتياراتها، وتوجهاتها؛ بهدف توفير المعلومات الدقيقة والصحيحة عن حقيقة وحجم هذه التجمعات الشيعية في هذه الدول السنية.

وتمتاز الموسوعة بتوفر الصور والخرائط والوثائق لتوثيق المعلومات وتقريبها، وسهولة العبارة ودقة التوثيق.

وقد نبّه الباحثان في مقدمة الجزء الرابع إلى أن هذه التجمعات حديثة طارئة على المجتمعات السنية؛ وهي نتاج عمليات التشييع التي تقوم بها إيران اليوم، ولذلك يُخشى أن غالب أبناء هذه التجمعات مرتبط بالمرجعية الدينية الشيعية والمرجعية السياسية الإيرانية أكثر من ارتباطهم بحكوماتهم ودولهم الوطنية، وهذا يتضح من أن تحركات ومطالب هذه التجمعات تتم عبر دعم مالي، وفكري، وتنظيمي خارجي؛ يفوق قدرتها، الأمر الذي لا تخفيه إيران؛ التي تدعم، وتوجّه، وتحتضن أغلب حركات المعارضة الشيعية العربية.

وقد تناول الباحثان في فصل "متشيعة مصر" تاريخ التشيع منذ الدولة الفاطمية، وأسباب عودة التشيع إليها في العصر الحاضر، وتاريخ دار التقريب وجماعة الإخوان المسلمين مع التشيع.

أما فصل السودان فتناول دور التصوف في انتشار التشيع هناك، ومن ثم  دور الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي.

وركزت الفصول الخاصة بالمغرب والجزائر وتونس وجزر القمر على رسم صورة كلية للتجمعات الشيعية فيها من خلال تجميع المعلومات المتناثرة والقليلة، ونظْمها في سياق واحد لتكوين صورة كلية تكشف حجمها الحقيقي وخطرها الواقعي على السلم الوطنى من خلال الارتهان لرغبات ملالي طهران.

ولم يتعرض هذا الجزء للتشيع في ليبيا وموريتانيا وجيبوتى والصومال، بسبب عدم توفر معلومات ومراجع بهذا الخصوص.

وبهذا تشكل هذه الأجزاء الأربعة للباحثين والمهتمين صورة شبه كاملة لعقائد وأفكار التشيع المعاصر بمختلف أطيافه في العالم العربي، وحجم تواجدهم الحقيقي ورموزهم ومؤسساتهم في الدول العربية، وتكشف عن مواقفهم السياسية وعلاقاتهم بإيران ومراجع الشيعة في العالم.

 

 
 
 
التشيع في أفريقيا
الأربعاء 4 مايو 2011
التشيع في أفريقيا

 التشيع في أفريقيا (تقرير ميداني) خاص باتحاد علماء المسلمين، صدر بإشراف لجنة تقصي الحقائق عن مركز نماء للبحوث والدراسات سنة 2010، وكان اتحاد علماء المسلمين قد عزم على إنشاء لجنة لتقصى الحقائق بخصوص النشاط الشيعي التبشيري بين المسلمين في العالم، وذلك عقب الهجوم الشيعي على الشيخ يوسف القرضاوى بسبب تصريحاته المنددة بهذا التبشير الشيعي في عام 2008.

مجال اهتمام التقرير هو النشاط التبشيري الشيعي في أوساط السنة، وخاصة النشطة المدعومة من جهات سياسية ودينية شيعية، وهذا التقرير هو الحلقة الأولى من حلقات رصد هذا النشاط وبسبب اتساع رقعة التقرير تم الإقتصار في هذه الحلقة على قارة أفريقيا.

جاء التقرير في 750 صفحة ملونة ومرفق بصور تشرح وتوضح الحقائق، وهو حصيلة ما تجمع للجنة من حقائق عن 32 دولة في أفريقيا، بسبب أنها تشهد هذا النشاط التبشيري أو تصدره للدول المجاورة،  وتم إنجاز هذا التقرير من خلال فريق عمل ضم 40 باحث ميداني وضعت لهم خطة واستبانة موحدة حتى يكون العمل متسق ومتكامل.

بعد المقدمة والتعريف بالتقرير والتمهيدات المنهجية للتقرير وطبيعته، تم استعراض تصريحات القرضاوى بخصوص التبشير الشيعي وأصداء هذه التصريحات المواقف المختلفة منها.

في 100 صفحة تقريبا (28- 122) يقدم التقرير ملخص عام لنتائج الإستبانة التي وضعت كأساس للدراسة عن النشاط الشيعي في البلاد السنية، تناول حجم النشاط التبشيري وتاريخ بدايته والجهات المنفذة والمشرفة عليه وما هي الوسائل المستخدمة في ذلك وما هي النتائج التي ترتبت على هذه الجهود التبشيرية، وتناولت الدور الإيراني السياسي في هذا التبشير الشيعي، وتعرض لإختراق التبشير الشيعي لبعض الطرق الصوفية.

ومن ثم جاءت التقارير الميدانية المفصلة لهذه الدول 32 والتي قسمت إلى أربع مجموعات:

1- دول غرب أفريقيا: بنين، بوركينا فاسو، توغو، سيراليون،غامبيا، نيجيريا، النيجر، غانا، غينيا كوناكري، ليبيريا، مالى، موريتانيا، ساحل العاج، غينيا بيساو، السنغال.

2- دول وسط أفريقيا: تشاد، الغابون، الكاميرون، الكنغو.

3- دول شرق أفريقيا: السودان، أوغندا، جيبوتي، الصومال، كينيا، تنزانيا، موزمبيق، جزر القمر، إثيوبيا.

4- دول شمال أفريقيا: مصر، الجزائر، المغرب، تونس.      

 
 
 
السياسة الخارجية الإيرانية في أفريقيا
السبت 1 فبراير 2014

شريف شعبان مبروك

عرض: أسامة شحادة

 

صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة (دراسات استراتيجية) عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، عام 2011، ويقع في 90 صفحة من القطع المتوسط.

يرى الباحث أن إيران منذ انتهاء عصر الحرب الباردة تسعى لتكثيف وجودها في العديد من الدول الأفريقية خاصة جنوب الصحراء لتحقيق العديد من المصالح وكسب حلفاء جدد لها، وأنها تتوسل لذلك بوسائل عديدة، وأن السياسة الإيرانية تشابه لحد كبير السياسة الإسرائيلية في تلك المنطقة!

ولفهم حقيقة هذه السياسة سيقوم الباحث باتباع منهج التحليل النظمي عبر دراسة مدخلات السياسة الإيرانية وهي الاقتصاد والسياسة والتشيع ومخرجاتها في أفريقيا، مع مقارنة ذلك بسياسة قوى دولية كأمريكا والصين والهند، وقوى إقليمية كإسرائيل وتركيا.

يقسم الباحث السياسة الإيرانية تجاه أفريقيا لأربع مراحل:

1-  مرحلة الثورة (1979-1989)، حيث سادت الشعارات الثورية وضعفت علاقات إيران الثورة مع أفريقيا، تلك العلاقات التي أقامها نظام الشاه السابق، وذلك بسبب الأوضاع الداخلية والحرب مع العراق.

2-   مرحلة إعادة النظر بالسياسة الخارجية (1989-1997)، حيث تبينت إيران حاجتها للتواصل مع الخارج بعد القطيعة، ورفعت شعار إعادة البناء، فأفريقيا تمثل ثلث مقاعد الأمم المتحدة، ونصف مقاعد حركة عدم الانحياز، ولذلك قام الرئيس الإيراني آنذاك، هاشمي رفسنجانى بزيارة السودان سنة 1991 على رأس وفد كبير، باعتبار السودان مفتاح إيران لأفريقيا العربية وأفريقيا الأفريقية، وكانت الظروف مواتية لإيران فهي تبحث عن موطئ قدم في أفريقيا، وفيما كان السودان يعاني نظامه الإسلامي الناشئ فيه من مصاعب جمة، ودول الخليج مشغولة بآثار حرب الخليج الأولى، فتحرك إيران في الفراغ السياسي!

وفي سنة 1996 كرر رفسنجاني زيارته لأفريقيا فزار 6 دول، هي: كينيا، أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي، جنوب أفريقيا.  

3-   مرحلة إزالة التوتر في السياسة الخارجية (1997-2005)، وهي مرحلة رئاسة محمد خاتمي وقد رفعت شعار التنمية الشاملة، وهو يشير لبعد خارجي إقليمي ودولي.

فرفع خاتمى شعار إزالة التوتر، وتبنى مشروع حوار الحضارات، ومن أجل ذلك زار خاتمي الجزائر والسودان سنة 2004، وفي سنة 2005 زار عددا من دول أفريقيا، هي: نيجيريا، السنغال، سيراليون، مالي، بنين، زيمبابوي، أوغندا.

4-  العودة للثورية في السياسة الخارجية (2005 وللآن)، وذلك مع وصول أحمدي نجاد للرئاسة، حيث جعل أفريقيا في قائمة أولوياته، فتأسست (منظمة تطوير التجارة مع الدول العربية والأفريقية)، وعقدت مؤتمرات اقتصادية في سنتي 2007 و2009، وزار نجاد سنة 2009 كلا من جزر القمر وجيبوتي وكينيا، وبعد أشهر زار أيضاً: السنغال وزامبيا، وفي سنة 2010 زار زيمبابوي وأوغندا، ثم حضر قمة مجموعة الدول النامية الثماني لسنة 2010.

هذه هي مراحل السياسة الإيرانية في أفريقيا، ويتضح منها الإصرار على التعاطي السياسي مع أفريقيا، وجعلها بوابة إيران للعالم، كما أنها سعت لكسب حلفاء لها في حقها بامتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، كما أن إيران سعت من خلال هذه العلاقات مع أفريقيا للحفاظ على سعر جيد وثابت للبترول لتقوي اقتصادها المنهار بسبب الثورة والحرب العراقية، فضلا عن فتح باب للتبادل التجاري للتحايل على العقوبات التجارية المفروضة عليها، كما سعت إيران للاستفادة من الجالية اللبنانية القديمة التواجد في أفريقيا بما لها من ثقل تجاري لدعم حركة التشيع من جهة ودعم تغلغلها السياسي في الدول الأفريقية.

ولإيران أهداف متنوعة من هذه العلاقات منها مثلاً: تعزيز وجودها العسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويمكن ربط هذا الأمر اليوم بتسهيل دعمها للحوثيين في اليمن في مشروعهم الانفصالى، ولذلك تطورت فكرة مصفاة البترول الإيرانية في أرتيريا لتصبح قاعدة عسكرية بحرية.

ومنها الحصول على اليورانيوم لمشروعها النووي، ومنها كسب حلفاء في تصويتات الأمم المتحدة أو تحييدهم.

وتعتمد السياسة الإيرانية في اختراق أفريقيا على الترغيب فقط، بينما تملك السياسة الأمريكية الترغيب والترهيب، وتستخدم إيران في أفريقيا عددا من الأدوات، تختلف عمّا تستخدمه في مناطق أخرى كالشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية.

ونجد أنها ركزت على دبلوماسية القوة الناعمة، وخاصة المساعدات التنموية للدول الفقيرة، حيث يقول الباحث أن إيران استوعبت خلاصات الخبرة الإسرائيلية في أفريقيا، فدعمت قطاعات التكنولوجيا والطاقة والزراعة والصحة والدفاع، فضلا عن ضخ البترول بأسعار زهيدة، وإنشاء المصانع، وشركات خارج إيران.

وقد أفرد الباحث مساحة جيدة لاستعراض سريع لعلاقات إيران القائمة مع دول أفريقيا، بحيث يكوّن القارئ صورة شاملة لنتائج السياسات الإيرانية المتواصلة، ثم يختم بخلاصة نتائج البحث، وهي أن لإيران فرص للتمكن في أفريقيا خاصة مع الغياب العربي، ولكن هناك تحديات تواجهها، وقد يكون هذا في صالح تركيا التي تسعى لمنافسة إيران في هذه القارة.     

 
 
 
النفوذ الإيراني الناعم في القارة الأفريقية
الأربعاء 22 يناير 2014

 هذه الدراسة صدرت ضمن سلسلة (دوليات) التي يصدرها المركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة سنة 2010، ويقع في 95 صفحة من القطع المتوسط، وقد أعد الدراسة د. السيد عوض عثمان.

تعتبر العلاقات الإيرانية الأفريقية علاقات قديمة لكنها مرت بعدة مراحل، ففي زمن الشاه كانت تلك العلاقات تسخّر لخدمة المصالح السياسية الأمريكية، وبعد ثورة الخميني أصبحت تهدف لنشر فكر الثورة ومقاومة أمريكا ولكنها كانت علاقات فاترة بسبب انشغالات إيران بالحرب مع العراق والتركيز على بُعد تصدير الثورة، ولكن مع مطلع التسعينيات عادت إيران تحت قيادة رفسنجاني للاهتمام بأفريقيا، حيث أصبح هيكل وزارة الخارجية الإيرانية يضم لجنة لأفريقيا، ثم تطور إلى إيجاد منصب نائب وزير الخارجية لشؤون إفريقيا، وجاءت زيارة الرئيس خاتمي في 2005 لـسبع دول أفريقية كثمرة لهذا الاهتمام، ثم تأسست منظمة تطوير التجارة مع الدول العربية والإفريقية، والتي عقدت في 2007 مؤتمراً للتعاون المشترك، وفي 2009 أقامت ندوة تعاون إيران – إفريقيا والتي بلورت خطة لـ 48 مشروعاً مشتركاً، وتعددت زيارات الرئيس نجاد لأفريقيا لتمتين العلاقات وترسيخها بين إيران والدول الأفريقية.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: