دراسات\العدد الثامن والخمسون ربيع ثاني 1429 هـ
بمناسبة الذكرى الخامسة لاحتلال بغداد خمس سنين ....من الهزات والمراجعات
الأربعاء 9 أبريل 2008
بمناسبة الذكرى الخامسة لاحتلال بغداد
خمس سنين ....من الهزات والمراجعات (1)
 
الشيخ الدكتور طه الدليمي - مشرف موقع القادسية
 
في الذكرى الخامسة لاحتلال بغداد، قيل - ويقال - الكثير. إنها بغداد........! نعم! إنها بغداد..!
بوارقُها هذي وهذي رعودُها
 
وتلكَ سرايا عزِّها وبنودُها
 
لكنني أود استقبال الذكرى بطريقة مغايرة، تعتمد العقل والنظرة الفاحصة، ليس بعيداً عن المشاعر اللاهبة، والعواطف المتأججة؛ وهل يمكن لأحد أن يفصل بين قلبه وفكره عند الحديث عن احتلال بغداد........؟!
بيد أنني أريد أن ألتقط من بين ركام الأسى، ودخان المأساة جواهر ولقىً أحاول أن أجعل منها منارات، ترسم معالم بارزة في طريق (القضية).
إذا كنت كتبت قبل ثلاثة أسابيع بمناسبة ذكرى الغزو الأمريكي – الإيراني للعراق أصف السنين التي مرت بأنها (خمس سنين من الخسائر والفضائح)، فإنني اليوم، وبمناسبة ذكرى يوم احتلال بغداد الرشيد أصف تلك السنين بأنها (خمس سنين من الهزات والمراجعات)!
نعم! لقد كانت هزات متوالية عنيفة، أثارت إلى السطح كثيراً مما كان راكداً في القعر من رواسب وتحجرات، ووجهت سهام الشك إلى بعض الثوابت والمسلمات، التي تبين لنا أن ثباتها لم يكن أكثر من تحجر وجمود، لا بد من تليينه أو كسره – حين يقتضى الأمر – إذا أردنا الانطلاق. وهكذا كانت المراجعات.
ولولا الهزات ما كانت المراجعات.
وأي هزة أكبر وأقوى وأشد من أن يرى المرء بلده يحتله أعدى أعدائه، يهينونه، ويذلونه، ويتحكمون في مصيره وشؤونه!!! وفي الوقت نفسه كانت فرصة لأن يظهر (أصحاب المبادئ) كما هم تحت الشمس، بعد أن كانوا يتوارون في كهوف الخوف، ويتخفون في أردية التقية. فأي مراجعات هي إذن؟!!!
أرجو من القارئ أن لا يستعجل بالنقد أو اللوم إذا وجد – كما يظن - شيئاً من الميل في هذه المراجعات؛ إن الهزة عنيفة.. عنيفة يا صاحبي! وحتى تقدر الأمر بعض قدره أقترح عليك أن تصحبني في جولة سريعة بين سطور كتبتها على عجل في بعض تلك الأيام. ألست بصاحبي؟
 بين الحزن والكآبة
في يوم (26/6/2003) كتبت في دفتر مذكراتي تحت هذا العنوان أقول:
(عندما احتلت بغداد خيم علينا الحزن، واجتاحنا الخوف، والشعور بالضياع. و.. وبكينا.. ولا زلنا نبكي.. عاصمة الخلافة والمجد الغابر. لكن الحزن يمكن أن يخفف بجلسة مع أحباب، أو سياحة مع كتاب. ويمكن أن تسمع معه طرفة فتضحك لها، أو تذهب في نزهة فتنسى - ولو برهة - بعضا من أحزانك. أما حزننا هذا فشيء آخر.. آخر تماماً!
كنت في البداية – والصدمة في أولها، والجرح لا زال في حرارته - أقول: إن ما حدث بقدر، والإنسان مسؤول عن القيام بالأسباب الممكنة، ثم يكل من بعد الأمور إلى مدبرها. فليكن شاغلنا العمل بالتكليف وهذا هو المطلوب منا، حتى لا نستهلك طاقتنا بما لا ينفع، وحتى لا نيأس، والله تعالى يقول: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6). وأنست فترة تقارب الشهر بهذه الفكرة - وهي عقيدة لا شك فيها - فكنت أتحرك وأذهب وأجيء، وأتفاعل مع الأحداث، وأسجل محاضرات، وأقرأ كتباً جادة.
لم أكن أدري أن الحزن كان يترسخ شيئاً فشيئاً، ويغور في أعماق النفس، ويمتد بجذوره بعيداً بعيداً، ويشتبك مع عروق الحشا، ونياط الفؤاد. فإذا هو بعد حين يتحول إلى.. كآبة. كآبة نغصت عليّ حياتي، طعامي، شرابي، قراءتي، علاقتي بأهلي. حتى صرت أهرب من نفسي..! نعم! فإن أي لحظة أخلو فيها بها، أو أنصرف إليها تتكاثف عليّ فيها الهموم فكأنها شيء ثقيل يحط على قلبي، أحس به حقيقة، وأجد أثره كأنه كية مكواة تتصاعد حرارتها، فأفزع من نفسي إلى أي شيء يلهيني عنها؛ وصرت لا أطيق المكوث كثيراً في البيت، وساءت أخلاقي مع أهلي!
صورة واحدة تدور في مخيلتي أو كأنها ثبتت فيها بمسامير، وعلق عليها طبل كبير، فهو يرن براسي: صورة الجنود الأميركان وهم يجوبون الطرقات بأسلحتهم ودباباتهم!
صورة تأكل معي...... وتشرب...... وتنام، وتصحو!
أما الكتابة فما عدت أقدر عليها، أو أجرؤ على مس القلم لأجلها.. ماذا أكتب؟! والهموم تتصاعد من مناخري؟!!!
أأكتب سقطت بغداد؟ الله أكبر؛ إن الزفرات يتوالى نفثها من صدري وأنا أكتبها!
هل أكتب عن هزيمة الأمة وجراح الوطن، وآلام الناس، ومآسي الأهل؟
أأكتب عن استسلام كثير من العلماء - ومعهم الأتباع - الذين صاروا يقلبون الأمور ويشوهون الحقائق ويفسدون الدين في عقول الأمة حتى صاروا يسمون الاحتلال تحريراً، والجهاد اعتداءاً، والغازي المعتدي مستأمناً وصاحب ذمة؟!
أأكتب عن خيانة الشيعة - إلا من رحم - للدين والوطن، وترحيبهم بالغزاة، وقتلهم العلماء، والمجاهدين، والعسكريين السابقين، وتربصهم بنا الدوائر. ثم تجد رموز أهل السنة يمجدونهم ويمتدحونهم بلا حياء!
ماذا أكتب؟ وأنا إذ أكتب أشعر كأني أعيش ما أكتب! وأتفاعل معه بطريقة غير طبيعية. طريقة مؤلمة مزعجة. وهذا أحد أسباب هروبي من الكتابة. ولكن ماذا أكتب؟ ما هو الشيء المفرح المريح الذي إذا كتبته فرحت به وارتحت له؟ ولهذا سأترك مواصلة الكتابة عند هذا الحد ولا أدري متى أرجع إليها)!
 ومشينا طويلاً صامتين
بعد شهر من الزمان، وتحديداً في يوم الجمعة (25/7/2003) كتبت تحت عنوان (وبدأت الغيوم تنقشع) أقول:
الحمد لله .. بدأت حالتي تتغير شيئاً فشيئاً.. صرت أحس بشيء من الراحة، وأستطيع أن أتفاعل – مثلاً - مع طرفة تروى فأضحك لها كما كنت أضحك من زمان غابر أو... أكاد.
قبل أيام حضرت مجلساً كبيراً بناءً على دعوة من أخ عزيز على قلبي. تحدثت فيه عن البشائر الكبيرة التي تلوح في الأفق، وكنت متفائلاً حتى إن ذلك الأخ عجب مما يرى ويسمع الآن! وهو يقارن بينه وبين ما كان قد رآه مني قبل حوالي عشرين يوماً، في عصر ذلك اليوم الذي قطعناه معاً بين الحصوة والرمادي وكان معنا أخونا صاحب المواقف النبيلة (...). تبادلنا الأشعار، وهاج الحنين وكانت ليلانا – والله - هي العراق.. العراق .. ولا غير.  وانطلقت حنجرتي قليلاً:
 
تبجـي أحـبابك
 
من تذكرك يا عراق 
إلا مصـــابك
 
كل المصـاب يهون 
 
كنت أشعر ساعتها - ولا زلت - أن العراق قد هجر الوطن حبيباً فارق الديار بلا وداع. أما هذه الأرض التي نتنقل عليها فليست هي العراق.. العراق الذي نعرفه ويعرفنا. وانتابني شعور جارف بالحنين إلى كل شيء كان قبل ما كان.. من الفراق الذي كان بلا وداع!
ودار في نفسي مشروع قصيدة لم أنجزه، كان منطلقه أنني أحن إلى كل شيء كان موجوداً قبل أن يغادرنا الحبيب العراق، الحبيب الذي صرت أحب لأجله كل شيء كان فيه. مهما كان! ويا ما كان! فليعد إلي العراق وأنا راضٍ إذا عاد بكل ما فيه من محبوب و... مكروه.
وتكاثفت هذه الأفكار الغريبة، وانهدت متتابعة تغازل خيالي، وأنا أنظر إلى الحقول الممتدة على جانبي الطريق السريع، وقد هبطنا الجسر قبل أن نصل إلى سجن (أبي غريب) بقليل. وإذا أنا بصوتي ينقطع، والعبرات تجري على خدي كنهر جارف قد انهار سده..
وبكيت ما شاء لي البكاء أن أبكي... لقد كنت في تلك الدقائق كأني أنزح العبرات من قعر روحي المشتاقة الملتاعة. وسكت الأحباب إجلالا للموقف، ومشينا طويلاً صامتين).
نعم إنها بغداد.......!
        بوارقُها هذي وهذي رعودُهـــا         وتلكَ سرايا عزِّها وبنودُهــــــا
        وتلك مضاميرٌ إلى المجدِ عُبِّــدتْ         دماً كلما آلتْ لجدبٍ نزيدُهــــــا
        وما بينَنا إلا مسافةُ نبضـــــةٍ        من القلبِ ممدودٌ إليكِ وريدُهـــــا
        وما بينَنا إلا تراتيلُ موعـــــدٍٍ        عليهِ المنايا تقشعرُّ جلودُهــــــا
        أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنهـــــا        عروسٌ، من الأمجادِ صارت برودُهـا     
        نعم إنها بغدادُ من ألفِ حَجــــةٍٍٍ        توالى عليها مجدُها وسُعودُهـــــا
        نعم إنها ظلتْ مدى الدهرِ لبـــوةً        إذا زأرتْ تنفكُّ عنها قيودُهـــــا
        نعم إنها بغدادُ للأرضِ محــــورٌ       ومرتكزٌ لو مالَ يوماً عمودُهـــــا
        أبا جعفرٍ شيدتَها أنتَ مـــــرةً        وفينا الذي في كلِّ يومٍ يَشيدُهــــا
        بوارقُها هذي وما مرَّها الــردى         على موحشٍ إلا تناخى أُسودُهــــا
        يجيئون سيلاً كاسحَ المدِّ جارفــاً         تضيقُ بهِ آفاقُها وصعيدُهــــــا
        أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنهــــا          إلى المجدِ يمشي كهلُها ووليدُهـــا
        لقد علمتَ جيلاً، وجيلٌ ستغتــدي         مكارمُهُ مثلُ النجومِ عديدُهـــــا
        نعم إنها الأبقى إذا ضجَّ حــادثٌ          وإن معاليها عليها شهودُهـــــا
        نعم إنها بغدادُ تاريخُها الهـــدى         وأقصى مجراتِ الشموسِ حدودُهــا
        نعم إنها نبضُ الحضاراتِ، دونهـا         لما أثمرت يوماً وأخصبَ عودُهـــا
 
هذه صور مجتزأة من هنا وهناك، أنقلها عسى أن أنقل القارئ إلى جو المحنة، والمشهد المروع للحالة التي كنا نمر بها تلك الأيام، والهزات العنيفة التي ساقتنا سوقاً لمراجعة الحساب.
تلك صور رسمتها بعد حين من الاحتلال. تعال بنا يا صاحبي نلقي نظرة على صورة في خضم المحنة، وتحت دوي القصف عشية الاحتلال:
الضمائر والمصالح
وفي يوم الجمعة (4/4/2003) – أي قبل احتلال بغداد بخمسة أيام - كتبت بعنوان (الضمائر والمصالح) أقول:
 (هل ماتت ضمائر العالم أمام هذه الكوارث التي يصنعها طغاة الأرض في ربوع العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان؟!
أمريكا تحتاج العراق، وتقصف طائراتها المساكن والشوارع، وتقتل الناس الأبرياء في مناظر مروعة تتناقلها محطات التلفزة دون أن يستنكر أحد من حكام دول العالم سواء كانوا أجانب أم عرباً أم مسلمين ما يحدث! ويتخذ خطوة فعالة مؤثرة لإيقاف هذا المسلسل المروع. سوى أصوات خافتة هنا وهناك. القصد منها إحداث بعض التوازيات الشخصية دفاعا عن النفس، أو المصلحة تحسباً للمستقبل وما سيكتب التاريخ.
تصوروا..! الاتحاد الأوربي مشغول بالكيفية التي يمكن بها الحصول على حصة في القصعة العراقية مع الأكلة الأميركان. حتى الإسلاميون ماتت ضمائرهم أو غابت أمام المصالح! فرحنا كثيراً حينما فاز الحزب (الإسلامي) التركي في الانتخابات أخيراً، واستبشرنا خيراً. أمس لو رأيت عبد الله كول وزير الخارجية التركي وكيف يحتضن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بحرارة، ويضحك بملء فمه وهو يرحب به ومعه رئيس الوزراء رجب أردوغان. هذا وقنابل كولن باول على رؤوس العراقيين كالمطر، ولا يتمعر لإخواننا في تركيا وجه!!! نعم قد يكون الإنسان مغلوباً على اتخاذ موقف ما. ولكن هو غير مجبر على أن يظهر بشره إلى هذا الحد الذي يكاد يطير فيه فوق الأرض، وكأنه لا يصدق أنه يواجه وزير الخارجية الأمريكي، ويجلس معه! ثم.. رجع كولن باول وحقيبته ملأى من تركيا، لتتواصل أرتال الدعم اللوجستي من الأراضي التركية إلى شمال العراق.
وفرحنا من قبل بالسودان التي صار يحكمها (الإسلاميون). ثم.... قبل أيام قتلت الشرطة السودانية ثلاثة طلاب يتظاهرون ضد الحرب على العراق!!! ولو سألت الحكومة السودانية (الإسلامية...!!!) لقالوا: إن المصلحة الوطنية تستدعي منا المناورة! فأين الدين ؟ وأين الثوابت ؟ وأين الأُخوة ؟ أين الأخلاق؟
أيعقل هذا؟! كلها تتهاوى أمام المخاوف والمصالح؟
إذن لماذا نحن مسلمون أو إسلاميون؟ ما الفرق بيننا وبين غيرنا؟ إذا كانت مبادئنا تتشنج أطرافها عند أدنى اقتراب من عتبة السياسة؟!
وتذكرت المواقف الهزيلة لكثير من مشايخ الدين ورجال الدعوة أمام الشيعة، واعتذارهم
بالمصلحة و(الحكمة) و(بعد النظر). وحين تواجههم بالنصوص والثوابت يحيدون عنها بشتى الحجج. وتوصلت إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء المتأسلمين لو وصلوا إلى سدة الحكم فلن يختلفوا في موقفهم عن موقف الحكام الذين ينتقدونهم، ويشنون عليهم حملات تعطيل الشريعة، وسينقلبون يومها إلى محترفي سياسة حتى العظم. والدليل أن الإسلاميين (العرب والمسلمين) الذين وصلوا إلى الحكم لم نر عنهم اختلافاً عن غيرهم يقتضيه التزامهم الديني.
هل يمكن القول أن بيننا وبين انتصار الإسلام الموعود زمناً طويلاً ؟!
الله أعلم.
أما أخبار المعركة فهذا هو اليوم السادس عشر والجيش الأمريكي يقوم بإنزالات متعددة كثيرة في العراق، حتى إن مصادر الأخبار الأمريكية تقول بأن إنزالاً وقع في مطار صدام الدولي في بغداد، وأنهم قد دخلوا النجف. وتقول بعض المصادر: إنهم يراهنون على المراجع الشيعية، وعلى إحداث فتنة طائفية).
أبعد هذا يلام المرء حين يراجع حساباته تجاه (الإسلاميين) المتأخرين؟ ومع ذلك ظللت أنتظر سنين، مغلباً جانب حسن الظن، والجنوح إلى التأويل. ولكن إلى متى؟ وقد رأينا (الإسلاميين) الذين جعلوا أساس كيانهم ووجودهم تطبيق حكم الله تعالى في الأرض ما إن رأت أعينهم خشب الكراسي في ديوان الحكم ولو من بعيد، حتى انطبقت عليهم العبارة التالية التي كتبتها تلك الأيام قبل أن تتطور الأحداث، وينكشف اللثام تمام الانطباق: (وتوصلت إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء المتأسلمين لو وصلوا إلى سدة الحكم فلن يختلفوا في موقفهم عن موقف الحكام الذين ينتقدونهم، ويشنون عليهم حملات تعطيل الشريعة، وسينقلبون يومها إلى محترفي سياسة حتى العظم).
وهكذا كان..!
 
خمس سنين ..............من الهزات والمراجعات (2)
 
في وسط محيط المعاناة، والخذلان من القريب والبعيد، والتفكير السطحي، والحالة الغثائية التي عليها المؤسسة الدينية: الرسمية والدعوية، كتبت سنة (2001) في كتابي (لا بد من لعن الظلام) – الذي أنجزته في مطلع ربيع (2002) – أقول:
لقد جاء الإسلام ليصنع مجتمعاً يحمل (قضية) أي له رسالة، لا مجتمعاً عابداً عبودية مجردة تعزله عن وجود رسالة له في الحياة. فصنع أتباعاً كل واحد منهم يشعر أنه صاحب (قضية). أما العبادة فكانت وقود (القضية)، وزادها الذي لا بد منه لمواصلة المسير. وهي بمعناها الأشمل تتضمن (القضية)؛ لأن العبادة التي أرادها الإسلام ذروة سنامها الجهاد، والجهاد لا يكون بلا قضية. والمجتمع الفاقد لـ(القضية) فاقد للجهاد مهما بدا مسلماً عابداً ملتزماً بشرع الله. وحين تتبنى الدعوات العبادة بمعناها الضيق - وليس (القضية) - تكون قد أخطأت خطأً فادحاً وأسلمت للغير زمام الأمور. يقول تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) (التوبة:19).
 
لا ولاية ولا نصرة لمسلم لا ينصر (قضيتك)
فالمجتمع الإسلامي مجتمع جهاد لا مجتمع عبادة، بالمعنى المحدود للعبادة حين تخلو من مضامين (القضية)؛ ولذلك قطع الله تعالى الولاية والنصرة الكاملة بين المسلمين الذين أرادوا الإسلام مجرد عبادة دون تحمل تكاليف (القضية) فلم يهاجروا، وبين المهاجرين والأنصار أصحاب (القضية) فقال: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:72). وكانت الهجرة إلى المدينة يومها تمثل الشراكة في هم (القضية).
كافر ينصر (القضية) أنفع لنا من مسلم يعيش لنفسه
وفي هذه الآية مفارقة عجيبة هي أنه إذا حصل قتال بين مؤمنين لا ينصرون (قضيتك) وبين كافرين بينهم وبينك ميثاق وعهد، فلا يحل الوقوف مع المؤمنين ضد هؤلاء الكافرين المرتبطين مع المؤمنين الصادقين بميثاق يلزم نصرة بعضهم بعضاً؛ لأن هذا الميثاق يجعل الكافر حاملاً لـ(القضية) التي أنت بصددها بصورة أو بأخرى. فالقرآن من هذه الناحية يعطي قيمة لمن ينصر (القضية)، وإن كان كافراً، ويقر له بدوره على من تنصل عن حملها ونكل عن تكاليفها، وإن كان مؤمناً!
بل إن فتح مكة - الحدث السياسي الأعظم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم - كان سببه الوفاء بميثاق النصرة المعقود بينه وبين قبيلة خزاعة التي اعتدت عليها قريش فنقضت ميثاق الهدنة.
 
مقياس الولاء (النصرة) الشراكة في (القضية)
من هذا وغيره - وهو كثير - يتضح لك الخطأ الفادح الذي يقع فيه من جعل همه ودعوته العبادة وليس (القضية). والخطأ الأفدح الذي يقع فيه حامل (القضية) حين يصرف جهده في نصرة أقوام لا يشاركونه هم قضيته، ولا يحملون عنه بعض وزرها. متصوراً أن اشتراكهم معه في الدين يفرض عليه هذه النصرة، فيحمل هماً فوق هم، ويتحمل وزراً فوق وزر! مع أن الله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
وهؤلاء قسمان: قسم لا شأن له بقضيتك. وقسم مشغول بـ(قضيته)، مهما كانت هذه القضية مشروعة مقدسة.
 
وجوب نصرة المسلمين بعضهم بعضاً
يقول تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (التوبة:71). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً). وهذا يوجب على المسلمين نصرة بعضهم بعضاً، لا سيما المظلوم منهم. وقد كنا – ولا زلنا – ننصر إخواننا المظلومين في فلسطين وغيرها بما نستطيعه من فعل قلب ويد ولسان. والذي يراجع المقالة في جزئها الأول يجدني - وفي وسط الكارثة والقصف الوحشي والدمار والتشرد الذي كنا نواجهه، وفي يوم (4/4/2003) - قد كتبت أقول: (هل ماتت ضمائر العالم أمام هذه الكوارث التي يصنعها طغاة الأرض في ربوع العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان)؟! فلم أفرد العراق بالذكر رغم الظرف الذي كان يسحق على عظامنا ونفوسنا!
وإذا كان واجباً علي أن أنصر أخي في فلسطين، فهو – بالمقابل – يجب عليه أن ينصرني ولو بلسانه. فالواجب متبادل بيننا. وليس من أحد خارج عن القانون الإلهي، سيما من كان يدعي أنه من (الإسلاميين) الذين ارتضوا دين الله منهجاً وحكماً.
 
صدمة ولدت انتباهاً لحقيقة عجيبة...!
بعد مرور فترة على الاحتلال بدأت أنتبه، وبسبب الصدمات المستمرة، وتطلعنا المستمر إلى من ينصرنا من إخواننا، ومن هو معنا؟ ومن هو ضدنا؟ ومن هو ساكت على التل؟ وشيئاً فشيئاً، خصوصاً بعد زيارة خالد مشعل لإيران في آخر سنة (2005)، وتصريحه من هناك بوقوفه ضد من يعتدي على إيران، وتقبيله يد السفاح علي خامنئي – بدأت أنتبه إلى أن إخواننا في فلسطين - حتى الخصوص منهم - لا يعنيهم أمرنا شيئاً.
 وكتبت يومها إليه أقول: (يا أخ خالد! كما أن ((إسرائيل)) تحتل فلسطين، فكذلك إيران تحتل العراق. وكما أنكم – ونحن معكم – تعادون ((إسرائيل)) لاحتلالها فلسطين، فنحن نعادي إيران، ومن حقنا عليكم أن تعادوها معنا؛ لأنها تحتل - وتعين على احتلال – العراق. وكما أنكم لا ترضون – ولا نحن نرضى - أن يزور أحد منا ((إسرائيل)) ليصرح منها أن من اعتدى عليها فنحن له بالمرصاد، كذلك لا نرضى أن تزور أنت إيران عدونا الأول – نحن العراقيين - لتصرح منها بذلك التصريح الذي أزعجنا وأحبطنا، وصرنا بسببه نحس كأن قضيتنا ليست واحدة، وآلامنا ليست مشتركة، ولسنا كالجسد الواحد الذي إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
 
هل الإسلام يمنح صاحبه صك الاعتداء على الآخرين؟!!!!!!!!! 
ويقول ساذج أو متساذج – وما أكثرهم! – "إن إيران بلد مسلم، بينما إسرائيل يهود". وأنا لا أدري ما علاقة ديانة المعتدي برد عدوانه، ونصرة المعتدى عليه؟! فلو كان الذي احتل فلسطين مسلمين من الهند أو السعودية أو إيران، فشردوا أهلها وفعلوا بهم ما فعلت يهود، هل يصلح هذا مبرراً للسكوت عن عدوانهم؛ بحجة أنهم مسلمون؟!!!!! فإيران فعلت بأهل العراق ما هو شر وأفظع مما تفعله يهود بأهل فلسطين! ثم نكتشف أن السكوت بسبب أن المجرم المعتدي يدفع لأخيك - الذي تنتظر نصرته ولو بالكلام – ما يسكته عن جريمته تجاهك! فهل إذا قبضتُ ثمناً من يهود بسبب أن الآخرين تخلوا عن دعمي ونصرتي – وهو الواقع الذي نعانيه في العراق - يصح أن أسكت عما يفعله يهود من جرائم بإخواني أهل فلسطين؟! ولا أكتفي بهذا حتى أستهتر قائلاً: "إنني واليهود جبهة واحدة". وإذا سئلت عن السر؟ استهترت أكثر، لأجيب السائل بلا خجل ولا قطرة حياء: "إن العرب تخلوا عني، وإسرائيل تدعمني"!
أليس هذا ما يفعله من يسير في ركب إيران سواء بسواء؟!
ألا إن القوادة قوادة، سواء كان الفاعل إيرانياً أم يهودياً. والديوث يلعنه الله. ويلعن الفاعل والمفعول به. والساكت عن الحق شيطان أخرس.
الشيء نفسه، والموقف نفسه يقفه رموز القاعدة، والإخوان المسلمون ومن تأثر بهم من (الإسلاميين) في مصر وغيرها. علاقتهم بإيران مريبة. ويناصرون السفاح حسن نصر الله، الذي يذبحنا في العراق، ويسكتون عن جرائم إيران! مع أن أهل العراق مطبقون على أن إيران تمارس دوراً تخريبياً في العراق، أشد من دور أمريكا! والمخفف منهم يقول: هي عدو كأمريكا. فلماذا هذا السكوت عن جرائم إيران؟ أمن الدين؟! أم السياسة؟! أم من (الاقتصاد)؟!
 
إيران عدونا وليس منا من اصطف معها
وتأسيساً على ما سبق من القواعد والحقائق القرآنية والنبوية والواقعية أقول: من اصطف مع إيران، وسكت عما تفعله بنا نحن أهل العراق من جرائم، وخادع الأمة بصرف نظرها عن مشروعها الإمبراطوري الخطير فليس منا، ولسنا منه. سواء كان من (الإخوان المسلمين)، أم (حماس)، أم (الجهاد)، أم القاعدة، أم.. كائناً من كان، مهما كان: (إسلامياً)، أم علمانياً، أم في أي واد من الأودية هلك، أو غاراً من الغيران سلك وانسلك. لا نحن منه، ولا هو منا، ولا نعرفه ولا يعرفنا. فليست دماء العراقيين ماء، ولا تضحياتهم هباء. ولسنا في حاجة لأحد، بل غيرنا أحوج إلينا منا إليه. ومن لم يذرف دمعة في يوم مصيبتي، فلست في حاجة لأن أرقص في يوم عرسه.
من وقف معنا وقفنا معه. ومن تخلى عنا تخلينا عنه، ولو كان مخلوقاً من مسك أذفر، وذهب أصفر. 
فإن تدنُ مني تدنُ منكَ مودتي
 
وإن تنأَ عني تلقَني عنكَ نائيا 
كلانا غني عن أخيهِ حياتَـهُ 
 
وإن نحنُ متنا أشدَّ تنائيــا
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: