- مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة - 23-
د. عبد الله النفيسي
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
ود. عبد الله النفيسي ، من رجالات العمل الإسلامي في الكويت والعالم ، وهو حاصل على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية ، تولى الأمانة العامة لمؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهوني في الخليج ، له العديد من الكتب من أهمها: دور الشيعة في تطور العراق السياسي ، والذي هو رسالته في الدكتوراة التي حصل عليها عام 1978م ، كان من مستلزماتها زيارة العراق والتعرف على واقع الشيعة عن كثب فقابل عدد من المراجع وأطلع على كتب نادرة في ذلك الوقت ، ونحن نقدم لك ما خلص له د. عبد الله النفيسي في كتابه حول فكر وعقيدة الشيعة وذلك من صفحة 16- 31.
الراصد
عقائد الشيعة السياسية الدينية
إن الغرض الذي نبتغيه من هذا الفصل درس النواحي العقائدية التي تأخذ بها الشيعة الاثنى عشرية. وهي دراسة اقرب إلى الدراسة الوصفية الموضوعية منها إلى الدراسة التحليلية التقابلية. وقد أوليت عنايتي تلك العقائد التي لها أهميتها السياسية، أي تلك العقائد التي كانت لها أثر عميق لي السلوك السياسي لدى الشيعة كمجموعة بشرية. ولكي أكون موضوعياً في بحثي، بقدر ما يسعني أن أكون موضوعياً، فإني اعتمدت المصادر الشيعية ذاتها قبل أن أعزو أي شيء إلى العقائد الاثنى عشرية ذاتها. وفي ظني أن أي عالم يتصدى لدراسة هذا الموضوع لا بد له من أن يشير إلى الكتب الأربعة المعترف بها لدى الشيعة، وهي الكتب التي تعرف بـ "كتب الرجال" وهي:
"الكافي في علم الدين" لمصنفة الكليني
"الاستبصار" لمصنفة الطوسي
"من لا يحضره الفقيه" لابن بابويه
"تهذيب الاحكام" للطوسي
إن هذه الكتب الأربعة تعتبرها الشيعة، بصورة عامة، والأمامية بصورة خاصة، كتباً صنفها ثقات، وهي حرية بان يوثق بما جاء فيها. أما سائر الشروح والتعاليق التي صنفها رجال من السنة أو من المستشرقين فهي كتب يرجع إليها وإنما لا تعتبر الكتب المراجع الأساسية في دراسة الموضوع.
والعقيدة الشيعية الأولى هي الأمامة. وهي عندهم، وعند علمائهم الدينيين، ركن من أركان الإيمان([1]). والواقع أن من لا يؤمن بإمامة أهل البيت لا يعتبر عندهم رجلاً مؤمناً([2]) حتى وأن كان المسلم يقوم بجميع الفروض والشعائر الدينية، فإنه يظل غير مؤمن إلى أن يؤمن بالإمام ويطيع أوامره. وقد حدد فقهاء الإمامية هذا المُصطلح ـ الإمامية ـ بكل دقة ووضوح. فإن العلامة الحلي في معالجته الفقه الشيعي([3]) يحدد الإمامة ويعرفها بأنها رئاسة عالمية عامة في الأمور الدينية والدنيوية تلقي على عاتق شخص نيابةً عن النبي. فمن هذه الناحية يعتبرون الإمامة فرعاً من النبوة لأنها تستمد سلطتها من النبي. إن هذا التعريف ينفي، مبدئياً، مشاركة الأمة في تعيين الإمام. ونقطة أخرى على جانب من الأهمية ما جاء في التعريف من أنها "تخص شخصاً" وهذا يسترعي انتباهنا إلى أمرين: أولاً أن من هو أهل للإمامة رجل يعينه الله سبحانه بواسطة نبيه، وليس أي رجل كان... ثانياً: لا يمكن أن يكون هنالك أكثر من شخص آخر في فترة معينة من الزمن يستحق هذا المنصب الرفيع.
إن وظيفة الإمام "أن يثأر للمظلوم من ظالمه، وأن يردع الظالم عن ظلمه، عند ذلك يرجع إلى الصلاح ويصرف عن الفساد([4])". ومن المبتذل أن نقول أن كل امرئ نظر في المبادئ السياسية ودرس أحوال المجتمع يدرك جيداً أنه ينبغي أن يقوم في المجتمع زعيم أو قائد تدين له الجماعة بالولاء والطاعة. فإنه هو الذي يقف في وجه الظالم ويثأر للمظلوم، وهو الذي يقودهم إلى سواء السبيل، ويردهم عن الفساد الذي يقوض النظام في أمورهم الدنيوية، كما أنه الرجل الذي يجنبهم الأضرار الناجمة عن الإثم والفساد ويضمن لهم سعادة الآخرة فيخشى المرء عاقبة الحساب. وهذا مما يقربهم من حالة السلام والنظام ويبعدهم عن الفوضى والخصام.
ولكن بسبب ما أريق من دماء في الحروب التي نشأت حول الخلافة أخذ فقهاء المسلمين من ذوي الفكر الرزين يتساءلون عن ضرورة الإمامة. والواقع أن بعضهم أعلن أنه ليس من الضروري بمكان إن يكون على المسلمين إمام([5]). وقالت الأشعرية أنه بحسب السنة ينبغي أن يكون هنالك إمام، وقالت المعتزلة أنه بحسب العقل ينبغي أن يكون هناك قائد للأمة.
أما الإمامية الأثنى عشرية ـ وهي موضوع دراستنا هذه ـ فلها وجهة نظر خاصة تدافع عنها بحججها الخاصة، ومنها:
لطف الله
واللطف من صفات الله، ومن أسمائه الحسنى "اللطيف"([6]). ومعنى لطف الله أنه يقرب خلائقه إلى الطاعة ويبعدهم عن العصيان، وهذا يتم على يد الإمام. لأنه من المعروف أنه إذا قام بين الجماعة زعيم وقائد يردعهم بواسطة العقاب، فإنها تقترب من النظام والسلام، وتبتعد عن الفوضى والخصام. هذا هو معنى اللطف. ولذا فإن الله سبحانه لكونه لطيفاً فإنه ينص على تعيين إمام ليقوم بهذه الوظيفة التي ذكرناها آنفاً
الوصي على الشرائع
وتقول الشيعة هناك حاجة ماسة مستمرة إلى قيام وصي على الشرع ليقيه من التحريف والتغيير وسوء الفهم والإضافة إليه أو الحذف منه. فإن آيات القرآن الكريم تتضمن جوهر الشريعة ومعظم الأوامر والنواهي ليست واضحة المعنى([7]). لذا وجب أن يقوم مفسر من عند الله فيعطي الاستدلالات الشرعية والتفسيرات بناء على نص القرآن الكريم. وليس من يستطيع أن يقوم بهذا الأمر الجلل سوى إمام الزمان، لأن من ألقابه "العلم المحيط" أي أنه يدرك فوراً الأمور التي يريد معرفتها([8]). وبدون هذا الوصي لا يستطيع مسلم معرفة عبادة الله([9]). وبدون إمام لا يستطيع الناس أن يميزوا بين الصواب والخطأ لأن القرآن الكريم لا يكفي وحده أن يكون الهادي إلى سواء السبيل([10]).
النبوّة والإمامة
إن كل ما يدل على أن النبوة ضرورية يدل على أن الإمامة ضرورية أيضاً. لأن الإمامة خلافة النبوة، وتقوم مقامها في ما عدا تلقي الوحي من دون وسيط. وكما أن على الله سبحانه وتعالى فلسفياً أن يقيم النبوة، عليه أيضاً أن يقيم الإمامة.
اتقاء الأذى
على المسلمين أن يقوى أنفسهم من الأذى والشر. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.) (قرآن كريم). وفي القرآن الكريم آيات لا حصر لها تأمر المؤمن يحيا حياة صالحة طاهرة متقشفة. ولأن المسلمين يعيشون في مجتمعات منظمة ـ شأنهم في ذلك شأن سائر الناس ـ فينبغي لهم أن يدينوا بالولاء للإمام أو السلطان لكي يدافع عنهم ويحافظ على ممتلكاتهم ولكي يصرف عنهم السوء. بكلام آخر تفرض طبيعة الاجتماع على المسلمين أن يكون لهم إمام، ولكن تجدر الإشارة إلى أن تعيين الإمام هذا ليس من الجماعة، لأن الأفراد في الجماعة يختلفون في الرأي فيقع الخصام بينهم مما يؤدي بهم إلى التهلكة بيد أن القصد هو دفع الأذى عن الناس.
وبعد إثبات الحجة على ضرورة قيام الإمام ينتقل فقهاء الشيعة إلى ذكر الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الأمام، تلك الصفات الضرورية التي تؤهّله للقيام بوظيفة الإمامة.
العصمة
العصمة من الخطأ هي الصفة الأولى للإمامة. فمن هذه الناحية يكون الأئمة في مستوى الأنبياء والرسل وملائكة الله. يقول ابن بابوية ـ وهو الملقب عند الشيعة بالشيخ الصدوق([11]) ـ ما معناه: إن عقيدتنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون مُطهرون من كل دنس، لا يقترفون إثماً سواء أكان من الكبائر أم الصغائر. ولا يعصون الله في أوامره ويتصرفون بحسب وصاياه. وكل من ينكر عصمتهم هو جاهل وكافر. إننا لعلى يقين من عصمتهم. إنهم يتحلون بالكمال والتمام والمعرفة من بَدء رسالتهم حتى نهاية عمرهم، لا يمكن أن يُعزى إليهم نقص ولا عصيان ولا جهل في جميع الأحوال.
والحجج المنطقية التي يوردها فقهاء الشيعة إثباتاً لصحة عصمة الأمام ترد في معظم كتبهم وفي كل دقة ووضوح، ويعدد الحِلّي (في الباب الحادي عشر) الأسباب في إصرار فقهاء الشيعة على إيمانهم الراسخ في عصمة الأمام من الخطأ فيقول:
1ـ إن أولى وظائف الإمام ردع الناس عن اقتراف الإثم. فإذا كان هو نفسه غير معصوم وجب أن يكون هنالك إمام آخر لردعه عن الخطأ، فينتج عن ذلك قيام عدد لا حصر له من أئمة يكون الواحد منهم رادعاً الآخر، وهذا مُحال.
2ـ إذا أخطأ الإمام يترتب على الجماعة إما أن تستنكر وقوعه في الخطأ أو أن تتغاضى عنه. فإذا استنكرت الجماعة خطأ إمامها فإنه لا شك يفقد الثقة التي أولته إياها الجماعة، وبعد أن يكون هو الرادع يصبح عرضة للردع من قبل الآخرين. وفي هذه الحالة ينتفي شرط تعيينه إماماً للناس أن يطيعوه ويقتدوا بسلوكه.
3ـ والعصمة من الخطأ صفة تلازم الإمام لأنه الوصيّ على الشرع. ويعلم كل واحد منا أن مصادر الشرع هي القرآن الكريم، والحديث المتواتر، والإجماع، والقياس. ولكن ـ يقول فقهاء الشيعة ـ إن ليس واحدٌ من هذه المصادر بمفرده يصلح لأن يكون الحارس الأمني على سلامة الشرع، وليس القرآن الكريم وحده ولا الحديث الشريف يتضمنان جميع أحكام الله، كذلك الإجماع لا يفي بالغرض لأن الناس أثمة وقد يجمعون على الخطأ. وتؤكد الشيعة صحة الحديث الشريف:
"بعض هذه الأمة من بعدي ستسلك بموجب الكتاب وبعضهم بموجب الحديث وبعضهم الآخر بموجب القياس ولكنهم يضلّون أنفسهم ويضلون الآخرين ولا يبقى من قيّم على الشرع سوى الإمام".
4ـ أن من لا يكون معصوماً من الخطأ فهو ظالم، ولا يليق بالإمام أن يكون ظالماً. لذا لا يصلح أن يكون إماماً من ليس بمعصوم عن الخطأ.
وقد كثر الكلام عن العصمة لدى الأئمة. غير أن الأسباب التي تحمل الشيعة على الإيمان بعصمة الإمام لا تعدو الأسباب الأربعة التي جئنا على ذكرها آنفاً.
وقد أفلح فقهاء الشيعة في الربط بين عصمة الأمام وشرط التعيين بواسطة النبي. والتعيين هو الصفة الثانية التي تلازم الأمام.
التعيين بالنص
العصمة من الخطأ أمر يخفى على الناس، ولا يعلمه سوى الله سبحانه، ولكن كيف يُعرف الإمام، وكيف يُعين؟ وقد أجاب العلاَّمة الحِلّي في مُصنّفه عن فقه الشيعة([12]) عن هذا السؤال بقوله: ينبغي أن يكون الأمام منصوصاً على إمامته لأن العصمة من الخطأ أمر من القلب والنفس ولا يعلم خفايا النفس سوى الله سبحانه وعليه ينبغي أن يكون التعيين من الله الذي يعلم أن الإمام معصوم من الخطأ، أو لا فينبغي على الإمام أن يقوم بمعجزة للتدليل على صدق دعواه، ولنا أن نستنتج من كلام العلامة الحلي أن تعيين الإمام يتم بإحدى طريقتين، وذلك إما بإظهار أمره إلى من هو نفسه معصوم من الخطأ، أي إلى النبي الذي يُعلن أمر عصمته وتعيينه إلى الجماعة، أو بقيام الإمام بمعجزة تظهر أهليته لمنصب الإمامة([13]).
غير أن الإمامية تشدد على ضرورة النص على الإمامة. ينبغي أن يكون هنالك نص. فقد أوحى الله سبحانه إلى نبيه محمد الذي عين علياً خليفة له في خطبة الوداع عند غدير خمّ.
الأفضل
والصفة الثالثة التي تلازم الإمام هي الأفضلية، أي أن الإمام أهلٌ لأن يتبعه الناس، ومعنى هذا أن الإمام له أن يتحلى بالصفات التي تجعل منه قدوة وزعيماً وأميراً، يقول الحليّ:
"ينبغي أن يكون الأمام أفضل الناس إطلاقاً، وهذه صفة ملازمة للإمامة لا يستغني عنها بغيرها، لأنه من غير المعقول ومن غير المعروف بالتقليد أن يكون المفضول أعلى مقاماً ومنصباً من الأفضل. إثباتاً لهذا الرأي يستشهد العلامة الحلي بالقرآن الكريم:
"... أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون" (سورة يونس الآية 34) لذا فإنه واجب أن تتوافر في الأمام صفة الكمال والأفضلية، كما أنه واجب أن يكون أرفع الناس مقاماً في زمانه.
وهكذا فإن الإمام يبقى أفضل الناس في أحواله. فلا يعاشر أهل السوء والسرقة من الناس، وهو رجلٌ تأبى عليه أخلاقه المكر والجهل والحسد والخشونة والفظاظة والطمع والجبن. وهو في طبيعته يكون خالياً من كل نقص وعيب كالجنون والخرس والخمول العقلي أو أي عاهة جسدية أخرى تفقده إعجاب الناس به وحبّهم إياه، وبعد أن تتوافر فيه هذه الخلال وهذه السجايا يُصبح أهلاً لأن يُتبع.
العلم المحيط
ولكون الإمام الوصي على الشرع، والمرجع الثقة في تفسير القرآن الذي منه يستمد فتاويه واستنتاجاته، ينبغي له أن يكون ذكي الفؤاد ليدرك معاني القرآن الكريم إدراكاً عميقاً، وهذا ما تسميه الشيعة بالعلم المحيط، ويورد أهل الحديث من الشيعة ومن جملتهم الكليني زعيمهم في رواية الحديث، في مصنفه الكافي حديثاً مؤداه أن الأئمة يدركون فوراً المعنى الذي يريدونه([14]).
وتعيين الإمام على هذه الصفة. وعلى هذه السجايا والمواهب، موضع اختلاف بين الشيعة الأمامية وسائر المذاهب الإسلامية الأخرى، فعند السنّة إذا اقتنعت الجماعة أو الأمة باستعداد أحدهم لهذا المنصب الرفيع فإنهم يعترفون به زعيماً دينياً عن طريق البيعة ويصبح الإمام عندهم. غير أن الشيعة الأمامية تتحفظ بصدد الدور الذي تلعبه الجماعة أو الأمة في تعيين الإمام، يقول المجلسي إن الإمامة سلطة من الله ورسوله، وليست أمراً يتم بالاتفاق بين الجماعة أو باختيارهم، كما أنه ينبغي على كل إمام أن يُعين خلفه.
ويورد العلامة الحلي، والمجلسي أيضاً، البراهين والأدلة على أن تعيين الإمام هو من الله سبحانه وتعالى وبواسطة نبيه:
أولاً: إن الإمامة "خلافة" من الله ورسوله، ولا يمكن أن يحصل التعيين إلا بنص من كليهما. يقول المجلسي ما مؤداه أنه من غير المعقول الاعتقاد أن الجماعة تستطيع اختيار إمامها، وهذا لا يختلف عن القول غير المعقول أن الناس يستطيعون أن يختاروا نبيهم أو يعينوه، إن هذا محال.
ثانياً: إذا حصل تعيين الإمام بمجرد الاعتراف بشخص ما لأنه تحلى بالصفات التي يتحلى بها الزعيم أو القائد فإن ذلك يؤدي حتماً إلى قيام الفتنة في الأمة إذ أنهم يختلفون في الرأي فتعيّن فئة منهم إماماً، وتعيّن الأخرى إماماً آخر، في الوقت الذي تكون فيه المهمة الإمام الأولى الحفاظ على النظام والاستقرار.
ثالثاً: إذا تُرك أمر تعيين الإمام إلى الأمة فلا شك في أن ذلك يكون سبباً لنشوء الخصومات والمنازعات وقيام حالة من الفساد كما يبدو في الحجة الثانية أعلاه، والخصومة والمنازعة والفساد أمور بغيضة مكروهة تتعارض مع مشيئة الله وأرادته، فينبغي للخالق سبحانه ـ وهو الرحيم الذي يمقت الشر والفساد ـ أن يحسم الأمر وذلك بتعيينه شخصاً أهلاً للمنصب الرفيع، منصب الإمامة، فيرعى الشرع ويوفر الخير للأمة.
رابعاً: إن الله سبحانه تعالى قد عّلّم المسلمين بواسطة نبيه ورسوله دقائق أمور عيشهم اليومي، كقص شعر الذقن والشارب. وأمور أخرى تتعلق بالنظافة وبالحياة الزوجية، وذلك في وضوح تام، إذاً لا شك في أن تعيين خليفة يقوم مقام نبيه أمر تفوق خطورته تعليمهم أموراً وقضايا ثانوية كالتي ذكرناها، ولأن الله سبحانه لا ينسى عباده ولأنه لا يُهمل أمورهم فيكف لنا أن نتصور أنه يغفل أمر تعيين إمام يحتاج إليه الناس في أمور إيمانهم ودينهم؟
خامساً: وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما يغادر المدينة لفترة قصيرة كان يعين من يقوم بالسلطة مكانه. وقد قام النبي بهذا الأمر مرة عندما ذهب إلى مكة التي لا تبعد كثيراً عن المدينة، ولم يترك أمر تعيينه لاتباعه. إذاً في مثل هذه الحالة هل يمكننا أن نتصور أن الرسول غفل أمر تعيين خلفٍ له، أو ترك الأمر للجماعة يتدبرونه في ما بينهم كيفما يشاؤون؟
سادساً: بما أن جميع الناس عرضة للوقوع في الخطأ فإنه من المحتمل جداً أن يقعوا في خطأ اختيار إمام لهم فيعينون من ليس بأهل للمنصب. ونحن نعلم أن من وظائف الخليفة ردع الظالم وحماية المظلوم، وبما أن الناس قد اختاروا خطأً فإن الإمام المختار من قبل الناس لا يمكن أن يقوم بوظيفته على الشكل الأتم، وكذلك لأن الإمام ينبغي أن يكون شخصاً بدون خطيئة. وبما أن العصمة آمرٌ خفيٌ لا يعلمه إلا الله، فقد وجب، إذاً أن يكون التعيين من الله سبحانه تعالى لأنه وحده يعلم من هو المعصوم.
إن تعيين الإمام من قبل الله بواسطة رسوله عقيدة أساسية يأخذ بها كل شيعي، والواقع أن المجلسي يبعد إلى أبعد من هذا فيقول أن الإسلام ذاته تتقوض أركانه ويزول بدون إمام منصوص عليه. يقول بدون إمام تبقى أحوال المسلمين في كل مكان معرضة للأخطار، وعليه فإن الله سبحانه لو لم يعين إماماً، ولو أنه لم يفرض الإمامة، يكن بعمله هذا قد أزال أثر نبيه من الوجود، وفي هذه الحالة يكون الإيمان بالله وبرحمته ناقصاً غير مكمل. ومن يقل بهذا فإنه يكذب القرآن الكريم وينكر رسالة النبي، وتكذيب القرآن وإنكار رسالة النبي هما الكفر عينه([15]).
حق عليّ في الإمامة
تتجسد جميع الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الإمام في شخص علي بن أبي طالب ولذا ـ تزعم الشيعة ـ كان النبي يولي أمر تعليمه وتدريبه اهتماماً خاصاً، ويروي ابن بابويه خبراً يسنده إلى سُليم بن قيس الهلالي يقول فيه علي عن نفسه([16]) أنه كان يزور النبي كل ليلة وكل نهار في خلوة خاصة لا يعلم أحدٌ بها. وكان يجيبني عما كنت اسأله، كما أني كنت اتبعه أنى ذهب، وكان الصحابة يعلمون أن النبي لم يتصرف مع أحد من الناس كما كان يتصرف معي. وكانت هذه الأحاديث الخاصة تتم في بيتي. وكنت كلما قصدت زيارته في الأماكن التي كان يقيم بها كان يحاول أن أخلو معه، فكان يسأل زوجاته أن يغادرن المكان فلا يبقى في المنزل سوانا نحن الاثنين. كذلك كان النبي عندما يزورني يطلب إلى كل أحد أن يغادر المكان.باستثناء فاطمة، وأحد أبني. كي نكون وحدنا، وكنت إذا سألته عن أمر أجابني. وكنت إذا فرغت من طرح الأسئلة عليه كان يبدأ هو بطرح الأسئلة علي حتى لم يبق شيء من الوحي الذي أوحى به إليه. أو من التعليم الذي علمه إياه الله سبحانه، أو من آيات القرآن، وكل ما له علاقة بالحلال والحرام والأوامر والنواهي والأمور السالفة والعتيدة، لم يعلن لي، وكان يعلمني ويطلب إلي أن أقرأها. وكان يُملي علي هذه الأمور فادوّنها أنا بنفسي. وكان يفسر لي تأويلها وظاهرها وباطنها وكنت استظهرها فلا يفوتني حرفٌ منها".
وينتهي الخبر إلى أن الرسول سمّى الأئمة الأحد عشر الذين سيخلفون عليا في الإمامة. ويؤكد فقهاء الشيعة ـ ومن جملتهم ابن بابويه ـ صحة هذا الخبر، ويشيرون إلى لقاء جرى بين سُليم بن قيس الهلالي وبين الحسن والحسين، إبنّي عليّ، في عهد معاوية. فقص سليم الخبر عليهما فقالا له إنك صادق في قولك. كما أن فقهاء الشيعة يعددون الأدلة والبراهين على صحة إمامة علي في جميع مصنفاتهم. والواقع أن بعض هذه المصنفات قد خص هذا الموضوع ذاته بمصنفات لا تبحث سوى في سرد هذه الأدلة والبراهين. وقد كان ابن مُطهر الحلي أحد أولئك الفقهاء. فإنه ألف كتاباً عالج فيه هذا الموضوع وحده. وعنوان مصنفه هذا "كتاب الألفين" أي ألفا دليل وبرهان على صحة إمامة علي. وسأحاول أن ألخص في صورة عامة مقتضبة هذه الأدلة.
أولاً: يُورد فقهاء الشيعة عدد من الأحاديث النبوية حول حقّ علي في الإمامة، منها "سلموا عليه بإمرة المؤمنين" ومنها "إنك خليفة بعدي" ويستنتجون من هذه الأحاديث أنها إشارات واضحة إلى أن علياً هو الإمام بعد النبي.
ثانياً: كان علي أفضل الناس في زمانه وهو أفضلهم لأسباب عديدة أهمها سببان: (أ) يورد فقهاء الشيعة أحاديث عن النبي يقول فيها أن علياً كان مساوياً له. ومن المعلوم أن النبي كان أفضل الناس، إذا وجب أن يكون المساوي له أفضل الناس، وإلاّ ـ وهذا واضح بين ـ لما كان مساوياً له. (ب) وكان علي أفضل الناس لأنه كان الشخص الوحيد من جماعة الصحابة الذي احتيج إليه في قضية المباهلة. ومن كان يفتقد أفضل من الذي لا يُفتّقدُ إليه. كما أنه احتيج إلى علي عندما جرى الحوار مع نصارى نجران الذي دار حول صحة نبوة محمد.
ثالثاً: لم يكن أحد من بين الذين طالبوا بالخلافة من كان معصوماً عن الخطأ سوى علي. وعليه فإنه كان الرجل الوحيد المؤهل لهذا المنصب الرفيع، وتتفق الشيعة على أن أبا بكر والعباس ـ وهما من أكابر الذين طالبوا بالخلافة بعد وفاة النبي ـ لم يكونا معصومين عن الخطأ. ولم تثبت سوى عصمة علي فكانت الإمامة من حقه.
رابعاً: كان علي أعلم أهل زمانه بعد رسول الله .ويذهب فقهاء الشيعة إلى إبراد الإثبات والأدلة على صحة هذا القول. فيقلون: (أ) كان شديد الحرص على العلم، كما أنه كان قوي الحدس ذكي الفؤاد. وعندما تتوفر هذه الصفات والسجايا في شخص واحد ينبغي للمسلمين أن يعتبروه أعلم الناس قاطبة. (ب) ويبدو جلياً لعلماء الشيعة من مطالعتهم كتب التاريخ والسير أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، كانوا يستشيرون علياً في المشكلات الدينية والقضائية التي كانوا يجابهونها. وكانوا في غالب الأحيان يرجعون إليه لإسداء الرأي، وكانوا يتفقون في ما بينهم مسبقاً على أن يقبلوا بحكمه حتى وأن جاء حكمه هذا مخالفاً لرأيهم. وهذا القول في أن علياً كان مرجعاً يرجع إليه في المسائل الدينية والقضائية يأتي موافقاً لما كانت تقول به المعتزلة والأشعرية والإمامية، فإنها كانت أيضاً هي تحترم علمه واقتداره. وكانت المعتزلة تُجلّ علياً لعلمه وتُكبر فيه حكمته، لأنها كانت عادة ترجع في أمورها إلى أبى علي الجبّائي، وهذا كان في أمور العلم يرجع إلى أبي هاشم بن محمد بن الحنفية الذي كان يرجع إلى أبيه عليّ. أما الأشعرية فلأنها كانت ترجع إلى أبي الحسن الأشعري الذي كان تلميذا لأبي علي الجبائي. وأما سبب رجوع الإمامية إلى علي فظاهر. ذلك بأنهم اتباعه. (ج) وقد قال النبي مرة عن علي: "إنه أفضلكم قاَََََََضياً" وبما أن القضاء يتطلب معرفة علوم مختلفة فإن علياً، كما تقول الشيعة، كان سيد القوم في أمور القضاء.
خامساً: إن ما كان عليه علي من خلق كريم وزهد في الحياة ـ وقد برهن على ذلك بالفعل لا بالكلام فقط ـ حتى أنه "طلق الدنيا ثلاثاً"([17]) يكفي ليجعل منه رجلاً مؤهلاً لمنصب الإمامة.
إن الأدلة على إثبات إمامة علي أكثر مما يستطيع أحد أن يحصيها في مثل هذا المقام، وكان فقهاء الشيعة يفسرون آيات قرآنية ويؤولونها بطريقة تثبت صحة دعواهم. وخطبة الوداع عند غدير خمّ إثبات وبرهان قاطع يأخذون به([18])، ومن الأدلة على إمامته المعجزات التي عملها بيده، ومنها معجزة إزالة البوابة الضخمة في حصن خيبر، والتحدث مع الحيوانات الضارية من على منبر الكوفة، ورفعه حجراً ثقيلاً عن فم بئر لم يستطع الجيش أن يرفعه، وإرجاع الشمس القهقري ثم إعادتها إلى مجراها الطبيعي([19]).
وبعد إثبات حق علي في الإمامة يأخذ فقهاء الشيعة بإثبات حق أبنائه فيها من بعده. ويوردون إثباتاً لذلك أحاديث لا يرقى إلى صحتها شك جاء فيها ذكر الأئمة الأحد عشر الذين سيتعاقبون عليها من بعد الإمام علي([20]). ويقولون إن في سيرة النبي محمد التي كتبها علماؤهم حديثاً عن النبي أنه قال للحسين بن علي ما مؤداه إن هذا هو ابني حسين، إمام وابن إمام وأخو إمام ووالد لتسعة أئمة والتاسع منهم القائم وهو أفضلهم. ومن الأدلة التي يوردونها لإثبات حق أبناء علي في الإمامة الخبر الذي يرويه علماء الشيعة في كتب تفسير القرآن ـ أي في مصنفاتهم من كتب التفسير ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري بمناسبة تفسير الآية الشريفة: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..." (سورة النساء، الآية 58) إذ قال جابر للنبي: يا رسول الله إننا نعرف الله ونطيعه ونعرفك أنت ونطيعك، ولكن من هم أولو الأمر منا الذين يأمرنا الله بطاعتهم؟ ويزعمون أن الرسول أجاب قائلاً: يا جابر هم خلفائي وأصحاب الرياسة من بعدي، وأولهم علي، ومن بعده ابنه الحسن...ثم....إلى أن جاء النبي على ذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر وأخرهم سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلما([21]).
الخلاص بشفاعة الأئمة
إن نظرة الشيعة إلى مصادر الشريعة الإسلامية تختلف اختلافاً كلياً عن نظرة السنة إليها. فالسنة تعتبر المصدر الأول للشرع القرآن الكريم ثم الحديث الشريف (السنة) والإجماع والقياس. ولكن الشيعة، في صورة عامة، يتطلعون إلى إمام بالتعيين من قبل الله بواسطة رسوله يستطيع وحده تفسير القرآن ويدرك معناه الباطني([22]).
وبسبب هذا الخلاف الجوهري في النظرة إلى الإسلام، فإن الشيعة تنظر إلى قضية خلاص الإنسان من زاوية تختلف عن نظرة السنة. فإن الخلاص البشري، في نظرة الشيعة، لا يتم كما ترى السنة، بواسطة إتباع أحكام القرآن، أي أن تكون حياة المسلم منسجمة مع أوامر الله ونواهيه كما نصها الوحي، وإنما بواسطة إمامالزمان ولذا مفروض على الشيعي أن يعرف إمام زمانه، وأن يتبعه كقائد مثالي، وهذا الإمام المتبع يشفع له يوم الحساب كي تُغفر له زلاته، لأن الشفاعة لدى الله هي وقف على الأنبياء والأئمة، لهم وحدهم حق الشفاعة، إذا كان الإمام في الغيبة يقوم مقامه لدى الشيعة المجتهد الأكبر الذي يمثله، والذي يجب أن يُتبع وأن يُطاع، وعليه وجب على كل إنسان يبغي الخلاص أن يُقيم بينه وبين الإمام أو ممثله علاقات روحية، مباشرة أو غير مباشرة، لكي يضمن لنفسه الشفاعة، والعبادات التي يقوم بها العبد وما تنطوي عليه من عناءٍ ومن تكريس للذات لا تغني عن الإيمان بإمام الزمان. والرجل الذي لا يعرف إمامه، يقول الإمام الباقر، يشبه حملاً أضاع راعيه، وأضاع قطيعه فسار يومه تائهاً، وينتهي مثل الخروف الضال بأن يلقاه ذئب يفترسه. ثم يلي ذلك تحذير خطير يُعزى إلى الإمام باقر يقول فيه: هكذا تكون حال الإنسان الذي يستيقظ يوماً نفسه بدون إمام فيسير في الحياة تائهاً إلى أن يوافيه أجله فيموت موت الكافرين، وعليه فإنه من المستحيل على الإنسان معرفة الله وعبادته العبادة الصحيحة ما لم يكن هذا الإنسان على معرفة إمامه. ويظهر من هذا القول أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على معرفة الله إلا بواسطة معرفته الإمام([23]).
ولدى الشيعة كتب ومصنفات مليئة بالأحاديث والشروح التي تتناول هذه القضية، والتي تثبت أن خلاص النفس البشرية لا يتم إلا بشفاعة الأئمة، يروي ابن بابويه ـ ويُعرف بالشيخ الصدوق ـ أن الإمام باقر قال إن رسول الله قال لعلي ما مؤداه أن هناك حقائق ثابتة، وهي أولاً أنك وأبناءك من بعدك ستكونون شفعاء للناس، إذ أنهم لن يعرفوا الله إلا بواسطتكم، والحقيقة الثانية أنك ستشفع في حضرة الله لأولئك الذين سيدخلون الجنة، أي أولئك الذين اعترفوا بك واعترفت أنت بهم. والحقيقة الثالثة أنك الشفيع الأول المطلق لأن الذين مأواهم جهنم هم أولئك الذين لم يعترفوا بك إماماً ولا اعترفت أنت بهم أتباعاً، ويقول المجلسي([24]) في كتابه "حياة القلوب" نقلاً عن الإمام باقر([25])، أن الرسول قال ذات مرة لعلي ما مؤداة: يا علي أنك ستجلس معي يوم القيامة ومع جبريل عند الصراط ولن يستطيع أحدٌ أن يعبر الصراط إلى الجنة ما لم يُرخّص له بالدخول، وما لم يكن من مريديك الأوفياء. ويسمي ابن بابويه الأئمة أنهم أبواب الله، والسبيل إليه والأدلاّء إليه، ومفسرو وحيه ومستودع علمه([26]). والإيمان لدى الشيعة محبة الأئمة، والكفر كرههم، وكلما زادت محبة الفرد للأئمة ارتفع مقامه بين جماعة المؤمنين، ويُسرف المجلسي في نظرته عندما يحاول تقرير شروط دخول الجنة والجحيم، فيؤكد أن ذلك يتوقف عن إيمان الفرد بالإمام أو رفضه له، ويعتقد معظم علماء الدين لدى الشيعة أن الذين يرفضون الإيمان بالإمامة، باستثناء الحمقى والمغفلين منهم، سيدخلون النار شأنهم في ذلك سائر الكفار. ثم إنه يحدد معنى الحمقى والمغفلين بقوله إنهم الذين، بسبب ضعف في عقولهم، لا يستطيعون أن يميزوا بين الخير والشر. ومثال على الأحمق المغفل هو ذلك التاعس الحظ الذي ولد وترعرع في حريم ملك سُنّي.
والصلوات التي تؤديها جموع الشيعة في زياراتهم لأضرحة الأئمة في النجف وكربلاء والكاظمين وسامراء، أو في المدينة تحتوي على أدعية وتضرعات تعكس عقيدتهم الثابتة، والتي تؤكدها هذه الصلوات، من أن هؤلاء الأئمة هم شفعاء يشفعون لهم . و يورد المجلسي في كتابه "تحفة الزائرين" ـ وهو أشبه بدليل للزائر للأمكنة المقدسة عندهم ـ عشر صلوات طويلة تصلح لأن تتلى في أثناء زيارة النجف الأشرف، ومعظم هذه الصلوات، تعزى إلى أئمة مختلفين، وقد تداولها مئات الألوف من الحجاج على مدى قرون عند زيارتهم مزار علي في النجف الأشرف([27])، ومن ينظر جيداً في الألقاب التي يغدقونها على الأئمة لا يتمالك عن القول إن السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى الله، بحسب هذه الصلوات، هو عبر تكريم الأئمة ومحبتهم وتقديس ذكرهم ولا يمكن لمسلم أن يكون رجلاً تقياً ورعاً إذا كان لا يعرف، كلمة التقوى، ـ وهذا من ألقاب الإمام ـ ولا يمكن له أن يهتدي ما لم يمر بـ" باب الهداية"، وهو الإمام ومن يدرس الألقاب التي يلقبون بها الأئمة يدرك، كما أدركنا نحن، أن السبيل الوحيد إلى الله لا يكون إلا عبر الإمام.
عقائد ثانوية
إن الرجل الذي يؤمن بضرورة الإمامة، وبالصفات التي يتحلى بها الإمام وبالألقاب التي يُعرف بها، وأن الإمام معين بالنص، وبحق علي في الإمامة، نقول إن الرجل الذي يؤمن بهذا كله يُصبح مسلماً شيعياً تقياً ورعاً، هذه الأركان الأربعة للعقيدة الإمامية تشكل المبادئ العظمى الأساسية في مذهب الاثنى عشرية. غير أن لدى الاثنى عشرية أركاناً أخرى ثانوية منها:
1ـ المسألة
تعتقد الشيعة أن هناك موتّين مختلفين، الموت في هذه الدنيا، والموت في اللحد، ويروي لنا ابن بابوية في كتابه "رسالات الاعتقادات" خبر دفن فاطمة بنت أسد أم علي([28])، بعد أن قبضها الله حملها النبي بذراعية ووضعها في اللحد، ثم انحنى فوق جثمانها وأخذ يتمتم بصوت منخفض مدة طويلة من الوقت مردداً قوله: "ابنك، ابنك". عندما خرج من القبر سألته الصحابة أن يقول لهم ما الذي كان يردده، فقال لهم أنه عندما كان في القبر راح ملكان يسألانها عن مولاها، فقالت: الله مولاي، ثم سألاها عن بيتها فقالت: محمد ثم سألاها من هو إمامها ووليها، فترددت وتلعثمت برهة، فذكرها النبي قائلاً لها: "أبنك ، أبنك" بعد ذلك غادر الملكان القبر قائلين أن لا سلطة لنا عليها. ثم، يقول ابن بابويه، إنها ماتت ميتتها الثانية، والشاهد على هذا قوله عز وجل: "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (سورة غافر الآية10)([29]).
2ـ الحوض
في الجنة حوضٌ يُعرف بالكوثر، والساقي يوم القيام سيكون الإمام علياً بن أبي طالب، وسيسقي أصحابه وأتباعه ويمنع عدائه من الاقتراب إليه، وتعتقد الشيعة أن من يشرب منه مرة لا يعطش ثانية. ويزعمون أن النبي قال مرة عن الحوض أن جماعة من أصحابي سيجرون أمامي وأنا واقف عند الحوض ويرمون في النار فأصيح هم أصحابي، هم أصحابي يا الله ، فيجيبني سبحانه لا تعلم ماذا فعلوا بعدك([30]).
3ـ الأعراف
والأعراف سور بين الجنة والنار: "وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم..." (قرآن كريم، الأعراف: 45) وتعتقد الشيعة أن أولئك الرجال الوارد ذكرهم في الآية هم النبي وأوصياؤه، أي أئمة الاثني عشرية، ولا يدخل أحدٌ الجنة إذا لم يكن يستطيع أن يعرف الأئمة أو إذا كان الأئمة لا يعرفونه. ولا يدخل النار سوى من ينكر حقهم في الإمامة، أو من ينكره الأئمة، وهكذا نرى أن دخول الجنة أو النار أمر يتعلق بالنبي والأئمة، أي أنهم هم الذين يقررونه، كما أنه ظاهر، بحسب هذا المعتقد، إن الشيعة هم الوحيدون الذين سينعمون بنعيم الجنة لأنهم هم الذين يعترفون بحق الأئمة.
4ـ الصراط
وهو جسر يمتد فوق جهنم، وهو المكان الذي على البشرية أن تمر عليه، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم: "وأن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا"،(سورة مريم: 70)، وتزعم الشيعة أن النبي قال ذات يوم لعلي: يا علي إني سأجلس يوم القيامة عند الجسر معك ومع جبريل ولن يمر أحد ما لم يبرز سجلا بالمغفرة بفضل ولائه لك([31])، وتعترض الجسر عقبات ولكل عقبة منها اسم تُعرف به، فهناك عقبة الفرض والأمر والنهي، وتضيف إليها الشيعة عقبة الولاية وهي محبة الأئمة، وعند كل عقبة يمر الإنسان الذي بُعث من قبره ويستوقف لكي يفي ما عليه من دين لله سبحانه، حتى وإن اجتاز المسلم جميع العقبات تظل أمامه العقبة الرئيسية الخطيرة، عقبة الولاية للأئمة، جميع البشر سيستوقفون عند هذه العقبة ليسألوا عن حبهم وتعلقهم بأمير المؤمنين علي، وبالأئمة من بعده، ومن كان لديه الجواب الصحيح نجا وسمح له بعبور الجسر([32])،والرجل السيئ الطالع هو من لا يستطيع أن يعطي جواباً فيقذف به إلى نار جهنم، ولكن يستطيع الأمام علي والأئمة أن يشفعوا له، والله غفور رحيم فيخرجه من النار بشفاعتهم كما يقول الإمام علي([33]).
5ـ الظالمون
إن معنى الظلم الحرفي وضع الشيء في غير موضعه، ومثال على ذلك من يدّعي الإمامة وهو ليس بإمام. فإن أبا بكر وعمر وعثمان أمثلة على ذلك، فإن الشيعة تعتبرهم الغاصبين الثلاثة، وليس أسهل على الشيعي من أن يفهم معنى الظلم كفهمه هذه القضية، أي اغتصاب حق علي في الإمامة على يد هؤلاء الثلاثة. وتقول الشيعة أن الظالم لا يتردد في اختلاف الفرية على الله سبحانه تعالى، ويستشهدون بالآيتين الشريفتين: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أولئك يُعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون"، (سورة هود: 17،18). وتفسير الشيعة عبارة "سبيل الله" على أنها تعني علياً بن أبي طالب والأئمة من بعده، وليس الظالم من يدعي الإمامة وهو ليس أهلاً لها، بل الظالم أيضاً من ينسب الإمامة إلى من هو ليس أهلاً لها([34]). والظلم عند الشيعة يؤدي بصاحبه إلى الكفر . ولذا تعتبر الشيعة كل من حارب علياً كافراً ([35]) ويوجز ابن بابويه قضية الظلم بقوله أن من كان إيمانه يخالف إيماننا (أي الإيمان بعلي وبالأئمة من بعده) ليست له أي صلة بدين الله ومعنى قوله هذا أن من لم يكن شيعياً فهو ليس بمسلم.
6ـ التقية
ومعنى التقية تحليل أو إعفاء من متطلبات الدين، أوامره ونواهيه، تحت الضغط، أو التهديد، لدفع الأذى([36]). ويعرف الأستاذ برون بالتقية أنها نوع من التخفي الذي يفرضه التعقيل([37]) في ظروف خاصة، وأفضل شاهد على معنى التقية ما ذكره ابن بابويه عن الإمام جعفر الذي قال لقد أسمع الرجل يسبني في المسجد فاختبئ وراء عمود كي لا يراني، وقال عاشروا الناس ظاهرياً وخاصموهم باطنياً طالما أن الأمارة رأي شخصي.
فالتقية إذا فرض على كل شيعي ينتمي إلى الأثنى عشرية([38])، وهي وسيلة ينتفع بها في علاقاته مع المرتدين والكفار، أي المسلمين من غير الشيعيين، ومن المشركين، وتجعله حذراً لبقاً في تصرفه معهم، ويزعمون أن الإمام جعفر قال: " إن الرياء مع المؤمن شرك ومع المنافق من أهل الرجل وبيته عبادة"([39]). والتقية واجبة إلى أن يظهر الإمام القائم.
ويشدد ابن بابويه على هذه النقطة ذاتها فيقول إن من يتخلى عن ممارسة التقية قبل ظهور قائم الزمان يكون خارجاً عن دين الله ويكون قد عصى الله ورسوله وإمامه([40]).
نلاحظ من هذا أن الشيعة في عقائدها الأساسية الأولى تركز على أهمية وإمرة أهل البيت، أما في عقائدهم الثانوية فإنهم يركزون على نقطتين: (أ) على حتمية شفاعة الأئمة لأهل الشيعة (ب) وعلى أنهم، من بين البشر، الفرقة الناجية التي تدخل الجنة بدون حساب وعقاب.
إن أثر هاتين العقيدتين: إمرة أهل البيت وشفاعة الأئمة لهم يوم الحساب، يبدو جلياً في تصرفهم السياسي في جميع الأقطار ولا سيما في إيران والعراق، والعقيدة الأولى (إمرة أهل البيت) تفرض على كل شيعي أن يُبدي الطاعة التامة والولاء الخالص لممثل الأمام (القائم)، والعقيدة الثانية (شفاعة الأئمة لهم) تجعل من الشيعي رجلا متصلباً عنيداً في موقفه السياسية، إذ لا بأس عليه إذا وقف مثل هذه المواقف في الحياة الدنيا ما دام الإمام سيشفع له حتماً يوم الحساب ويضمن له الجنة؟ وقبل أن تحاول تفسير التصرف أو السلوك السياسي لدى الشيعة ينبغي لنا أن نتفهم عقائدهم الأساسية والثانوية تفهماً عميقاً، لأن خلفية الشيعية لا تفرق إطلاقاً بين السياسة والدين.
[1]) ) ـ ابن بابويه: رسالات الاعتقادات، ص 64. الكليني: الكافي، الجزء الثاني، ص 21ـ 28.
[2]) ) ـ الكليني: الكافي، الجزء الثاني، ص 28.
[3]) ) ـ هو الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي، الباب الحادي عشر، ترجمه إلى العربية و.م ملر (miller) ونشرته "الجمعية الملكية الأسيوية" سنة 1928، 120. والمؤلف يعلم أن ترجمة ملر ليست ترجمة دقيقة، ولكن نظراً إلى صعوبة الحصول على النص العربي الأصلي للحلي فقد اعتمدنا الترجمة.
[4]) ) ـ المصدر ذاته ص 62.
[6]) ) ـ المجلسي، محمد باقر: حياة القلوب، الجزء الثالث، ص 1ـ 23.
[7]) ) ـ يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن الشيعة يختلفون عن السنة في نظرتهم إلى تفسير القرآن الكريم، فإن أكثر الآيات عندهم تفسر على أنها إشارات إلى أهل البيت، ويطلب إلى القارئ، الكريم أن يعود إلى الفصل الثاني من مصنف المجلسي الذي سبقت الإشارة إليه.
[8]) ) ـ الكليني: الكافي، الجزء الأول، ص 258.
[9]) ) ـ المجلسي: حياة القلوب، الجزء الثالث.
[10]) ) ـ الكليني: الكافي، الجزء الأول، ص 178. يشير الكليني إلى قضية الاعتماد على الإمام في معرفة الصواب والخطأ إلى أنها تتعارض مع رأي عمر بن الخطاب لأنه كما يزعم الشيعة ـ عندما أشرف النبي على الوفاة طلب قلماً وحبراً كي يكتب بلاغاً يبلغه الأمة لئلا تضل سواء رفض عمر الانصياع إلى طلبه قائلاً "إن الرجل يهذي يكفينا كتاب الله".
[11])) ـ ابن بابوية: رسالات الاعتقادات، ص 99.
[12])) ـ المصدر ذاته، ص 63.
[13])) ـ للقارئ أن يعود إلى كتاب يعنى بمعجزات الأئمة لمصنفه الراوندي وعنوانه "خرائج الجرائح".
[14])) ـ الكليني: المرجع ذاته، الجزء الثاني، ص 21.
[15])) ـ majlisi- op. cie. In Donaldson. The sh,ste Reiigion 319.
[16])) ـ ابن بابويه: رسالات الاعتقادات، ص122.
[17])) ـ الحلي، ابن المطهر في المرجع ذاته ص 70 ويكثر فقهاء الشيعة من ذكر خبر يقول إن الدنيا جاءت إليه بصورة فتاة جميلة فطلقها ثلاثاً فلم تعد تصلح أن تكون له زوجة شرعية.
[18])) ـ أما في ما يتعلق بغدير خم فإن علماء الشيعة يؤكدون أن ابن حنبل، وهو صاحب المذهب السني الحنبلي السني، جاء مراراُ على ذكر الحادثة في مسنده كما هو مذكور في كتبهم ولا سيما في الكتب الأربعة المشهورة.
[19])) ـ الراوندي: خرائج الجرائح.
[20])) ـ الحلي، الرجع ذاته، ص 78.
[21])) ـ الحلي، الرجع ذاته، ص79.
[22])) ـ "تحفة الزائرين" ، ص363.
[23])) ـ راجع الكليني، الجزء الثاني: ص21، 28، 180.
[24])) ـ المجلسي: نقلا عن دونالددسون، ص 345.
[25])) ـ نذكر القارئ بنظرة الشيعة إلى صحة الحديث أو عدم صحته، فإذا كان الحديث يسند إلى أحد الأئمة فهو حديث صحيح، وليس من الضروري أن يعود الإسناد إلى النبي، لأن الإمام معصوم من الخطأ.
[26])) ـ ابن بابويه/ المرجع ذاته، ص 96.
[27])) ـ بعض ما يرددونه في هذا المقام: السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا حجة الله، السلام عليك يا خليفة الله، السلام عليك يا حارس الجنة والنار، أشهد أنك كلمة التقوى، وباب الهداية والأساس المتين والطود الراسخ والصراط المستقيم، وأشهد أنك حجة الله لخلقه، والشاهد لعباده، والوصي على علمه، ومستودع أسراره، وموضع حكمته، وأخو رسول الله... إلخ من العبارات المشابهة لهذه الأقوال.
[28])) ـ ابن بابويه: رسالات الاعتقادات، ص 60.
[29])) ـ المصدر ذاته، ص 54.
[30])) ـ المصدر ذاته، ص 67.
[31]) ) ـ ابن بابويه، المصدر ذاته، ص 72.
[32]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 73.
[33]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 54.
[34]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 107.
[35] - ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 108.
[36]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 110.
[37]) ) ـ E.G.BROWNE: PERSIAN LITERATURE IV P.17
[38]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص 112.
[39]) ) نعمان ق . كتاب الأشربة .
[40]) ) ـ ابن بابوية، المصدر ذاته، ص111 .