دراسات\العدد التاسع والثلاثون - رمضان 1427 هـ
مواقف المفكرين من الشيعة -22- الدكتور السّباعي
الأثنين 25 سبتمبر 2006
مواقف المفكرين من الشيعة -22-
الدكتور الشيخ مصطفى السّباعي
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام . والدكتور السباعي هو عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق ، والمراقب العام للإخوان المسلمين في وقته . الراصد
 
الدكتور الشيخ مصطفى السّباعي
من كتاب: السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
ص 7 – 12 و ص 127 - 133
نحن نقرأ بالألم الممزوج بالحسرة ما كان من الفتن الدموية بين علي ومعاوية حول الخلافة، ثم ما جرت وراءها من ذيول لا نزال نلمس آثارها حتى اليوم، وأنا لا أشك في أن أعداء الله اليهود، وكثيراً من الأعاجم الذين استولى الإسلام على بلادهم، كان لهم أثر كبير في إيقاد نار تلك الفتن، ثم في توسيع شقة الخلاف بين المسلمين بالكيد والدسائس واختلاق الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث ينسبونها إليه.
 وأعتقد أن جمهور المسلمين ـ وهم أهل السنة ـ كانوا أكثر إنصافاً وتأدباً مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أثنى الله عليهم في كتابه ورضي عنهم ونوَّه بفضلهم في الهجرة والنصر، فليس من الجائز ولا المعقول ولا اللائق بكرامة دين الله ورسوله أن ينقلب هؤلاء الأصحاب بعد وفاة الرسول إلى الحالة التي تصورهم بها مصادر الشيعة، ولو أنك قرأت وسمعت ما يكتبونه ويقولونه في مجالسهم في حق هؤلاء الأصحاب، لقلت: إنهم أشبه ما يكونون بعصابة من اللصوص وقطاع الطرق، لا دين لديهم ولا ضمائر عندهم تردعهم عن الكذب والتآمر والتهالك على الدنيا وحيازة أموالها ولذائذها: (لشدَّ ما تحلَّبا شطريها)([1]) ، مع أن الثابت الصحيح من تاريخهم أنهم كانوا أتقى لله وأكرم في السيرة من كل جيل عرفته الإنسانية في القديم والحديث، ومع أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا على أيديهم وبجهادهم ومفارقتهم الأهل والبلد في سبيل الله والحق الذي آمنوا به.
ومن الواضح أن السبب الذي بدأت به الفرقة، وهو النزاع حول الأحق بالخلافة ورئاسة الدولة، لم يعد موجوداً في عصرنا هذا، بل منذ عصور كثيرة، فقد أصبحنا جميعاً تحت سلطة المستعمرين، فلم يبق لنا ملك نتقاتل عليه، ولا خلافة نختلف من أجلها، وذلك مما يقتضي جمع الشمل وتقريب وجهات النظر، وتوحيد كلمة المسلمين على أمر سواء، وإعادة النظر في كل ما خلفته تلك المعارك من أحاديث مكذوبة على صحابة رسول الله وأصفيائه، وحملة شرعه وحاملي لوائه.
وقد بدأ علماء الفريقين في الحاضر يستجيبون إلى رغبة جماهير المسلمين في التقارب، ودعوة مفكريهم إلى التصافي، وأخذ علماء السنة بالتقارب عملياً، فاتجهوا إلى دراسة فقه الشيعة ومقارنته بالمذاهب المعتبرة عند الجمهور، وقد أدخلت هذه الدراسة المقارنة في مناهج الدراسة في الكليات وفي كتب المؤلفين في الفقه الإسلامي، وإنني شخصياً ـ منذ بدأت التدريس في الجامعة ـ أسير على هذا النهج في دروسي ومؤلفاتي.
ولكن الواقع أن أكثر علماء الشيعة لم يفعلوا شيئاً عملياً حتى الآن، وكل ما فعلوه جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار، بل إن بعضهم يفعل خلاف ما يقول في موضوع التقريب، فبينما هو يتحمس في موضوع التقريب بين السنة والشيعة، إذا هو يصدر الكتب المليئة بالطعن في حق الصحابة أو بعضهم ممن هم موضع الحب والتقدير من جمهور أهل السنة.
في عام 1953 زرت عبد الحسين شرف الدين في بيته بمدينة "صور" في جبل عامل، وكان عنده بعض علماء الشيعة، فتحدثنا عن ضرورة جمع الكلمة وإشاعة الوئام بين فريقي الشيعة وأهل السنة، وأن من أكبر العوامل في ذلك أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضاً، وإصدار الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى هذا التقارب.
وكان عبد الحسين رحمه الله متحمساً لهذه الفكرة ومؤمناً بها، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر لعلماء السنة والشيعة لهذا الغرض، وخرجت من عنده وأنا فرح بما حصلت عليه من نتيجة، ثم زرت في بيروت بعض وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء لهذا الغرض، ولكن الظروف حالت بيني وبين العمل لتحقيق هذه الفكرة، ثم ما هي إلا فترة من الزمن حتى فوجئت بأن عبد الحسين أصدر كتاباً في أبي هريرة مليئاً بالسباب والشتائم!!
ولم يتح لي حتى الآن قراءة هذا الكتاب الذي ما أزال أسعى للحصول على نسخة منه، ولكني علمت بما فيه مما جاء في كتاب أبي رية من نقل بعض محتوياته ومن ثناء الأستاذ عليه، لأنه يتفق مع رأيه في هذا الصحابي الجليل ([2]).
لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معاً، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي، وأرى الآن نفس الموقف من فريق دعاة التقريب من علماء الشيعة، إذ هم بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور، وينشئون المجلات في القاهرة، ويستكتبون فريقاً من علماء الأزهر لهذه الغاية، لم نر أثراً لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة، لا تقريب المذهبين كلٍّ منهما إلى الآخر.
ومن الأمور الجديرة بالاعتبار أن كل بحث علمي في تاريخ السنة أو المذاهب الإسلامية مما لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة، يقيم بعض علمائهم النكير على من يبحث في ذلك، ويتسترون وراء التقريب، ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب، ولكن كتاباً ككتاب المرحوم الشيخ "عبد الحسين شرف الدين" في الطعن بأكبر صحابي موثوق في روايته للأحاديث في نظر جمهور أهل السنة، لا يراه أولئك العاتبون أو الغاضبون عملاً معرقلاً لجهود الساعين إلى التقريب!..
ولست أحصر المثال بكتاب "أبي هريرة" المذكور، فهنالك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع على عائشة أم المؤمنين وعلى جمهور الصحابة ما لا يحتمل سماعة إنسان ذو وجدان وضمير، مما يذكّر الناس بآثار الماضي، ويؤجج نيران التفرقة من جديد، وكتاب "أبي رية" هو من هذه الكتب التي إن رضي الشيعة عما جاء فيه بحق الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، فإنه ـ بلا شك ـ سبب لفتح أبواب العداوة من جديد، أو على الأقل سبب للأخذ والرد، وتذكر موقف الشيعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كنا نأخذ عليه اعتماده على مصادر الشيعة في كتابه المذكور، وإذا كنا نتحدث عن موقف الشيعة من الحديث فإنما نبحث ذلك، أولاً: في حدود النطاق العلمي التاريخي، وحقائق التاريخ لا مجاملة في الحديث عنها حين يكون المجال مجال علم ودراسة وتحقيق، وثانياً: لتصحيح الأخطاء التاريخية التي استمدها من كتب الشيعة.
ولقد كنت كتبت بحث (موقف الشيعة من السنة) في هذا الكتاب ـ وهو أطروحة علمية تقدم إلى علماء في معهد علمي لنيل شهادة علمية ـ ومع ذلك فلقد كنت أرجئ نشر هذا الكتاب ـ المقدم للطبع الآن ـ لأسباب عديدة:
منها أنني أريد أن أقدم لبحثي ذاك بتمهيد أوضح فيه رأيي بضرورة التقارب بين السنة والشيعة في هذا العصر الذي نعيش فيه، وأنني لم أقصد ببحثي الإساءة إلى شعور الشيعة أو استثارة عداوتهم، لا لشيء إلا لأني كنت وما أزال من دعاة التقارب الصحيح وتصفية آثار الماضي.
ولما أخذت إحدى المجلات العلمية مني النسخة الوحيدة التي عندي من كتابي هذا رغبة في نشر بعض أبحاثه، لفتُّ نظر المسؤول عنها إلى أن فيه بعض الأبحاث التي أريد التمهيد لها ببعض الإيضاح، ولكنني فوجئت وأنا في بيروت للاستشفاء أن هذه المجلة نشرت البحث المتعلق بموقف الشيعة من السنة، وأن ذلك ترك أثراً غير مستحب في الأوساط الشيعية، وعلقت عليه بعض مجلاتهم، أخبرني بذلك الشاعر الكبير الأستاذ "أحمد الصافي النجفي" الذي أقدر فضله وأدبه، فأوضحت له موقفي من هذا الموضوع وأنه نشر بغير علمي.
وهكذا أريد أن ألفت النظر الآن مرة أخرى إلى أن كل ما جاء في هذا الكتاب إنما هو عرض تاريخي لابد منه لكل من يؤرخ للسنة وتحدث عن مراحل جمعها وتدوينها، ولا يستطيع أن يغفل ذلك عالم يحترم نفسه ويريد من العلماء أن يحترموا كتابه، ولم أكتب فيه إلا ما أعتقد أن البحث العلمي يؤيده ويثبته.
ومع هذا فليس فيما كتبته ما يسيء إلى أية شخصية يحترمها الشيعة ويجلونها كما يفعلون هم بالنسبة إلى جمهور الصحابة، ذلك أنا نحب علياً رضي الله عنه ونجله ونعرف مكانته من الإسلام والعلم والفضل، كما نحب أئمة أهل البيت من ذرية علي رضي الله عنه، ونحترم علمهم وفضلهم، وحبذا لو يفعل الشيعة كما نفعل، فنلتقي على كلمة سواء!
وأعود فأكرر دعوتي للمخلصين من علماء الشيعة، وفيهم الواعون الراغبون في جمع كلمة المسلمين، أن نواجه جميعاً المشاكل التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم، من انتشار الدعوات الهدامة التي تجتث جذور العقيدة من قلوب شباب السنة ولعل في الحوادث الجارية الآن([3]) في بعض بلادنا العربية ما يؤكد ما أقول به، وأكرر دعوتي بوضع أسس التقارب الصحيح العملي لا القولي.
وفي مقدمة ذلك الاتفاق على تقدير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين على أيديهم انتقل هذا الدين إلينا، وبواسطتهم أخرجنا الله من الظلمات إلى النور. (انتهت المقدمة )
 
السُنة مع الشيعة والخوارج
لم يكن الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالجهم أدنى شك في أن أمر الرسول واجب الاتباع وأنه مرسل إلى الناس كافة، وأن عليهم أن يبلغوا رسالته إلى الناس جميعاً وإلى الأجيال المتلاحقة من بعدهم، ولقد أنبأنا التاريخ الثابت أنهم في حياة الرسول لم يكن بعضهم ينظر إلى بعض نظر الريبة أو العداء، بل كانوا إخوة متحابين، تجمعهم عقيدة واحدة وأهداف واحدة، ويربط بين قلوبهم جميعاً حب نبي واحد وكتاب واحد وشرع واحد، ولقد أخبر الله عنهم بما يدل على تمكن الأخوة فيما بينهم بقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود)([4]). وقال تعالى في الأنصار خاصة: (يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)([5]).
وقد كانوا فيما بينهم مضرب الأمثال في الحب والتعاون والإيثار، لا يختلفون إلا في حق، وإذا اختلفوا فسرعان ما يفيئون إلى الحق حين يتبين لهم، ثم هم في خلافهم أكمل الناس أخلاقاً، وأوفرهم آداباً، وأكثرهم صيانة للحرمات، هكذا كانوا: لا يكذب بعضهم بعضا، ولا يتهم بعضهم بعضا، يعرفون للمتقدم منهم في إسلامه فضله، ويشكرون للمكثر منهم إنفاقه على الدعوة وبذله، ولا يحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله من خير وبركة، فحسبهم من الخير المشترك بينهم جميعاً، أنهم أصحاب رسول كريم، ودعاة شرع قويم، أنقذهم الله من الضلالة إلى الهدى فكانوا أسعد الناس وأحسنهم حالا.
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أول خلاف وقع بين الصحابة اختلافهم فيمن يتولى الخلافة عنه، ومع أنه كان خلافاً في أمر من أشد شؤون الجماعات والأمم خطراً، وهو الرئاسة العليا للدولة، فقد كان حديثهم وتبادلهم للآراء ودفاع كل منهم عن رأيه، وانتهاؤهم إلى الرأي الذي وافقوا عليه جميعاً، لقد كان ذلك عجبا من العجب، في ضبط النفس، وحسن الأداء، وحرمة الصحبة، ونشدان الحق، لا نعرف له مثيلا في تاريخ المجالس النيابية في العصر الحاضر، فكيف بتلك العصور التي لم تعرف فيها الأمم مبدأ الشورى، ولا كان للشعوب حق في اختيار ولاتها وأمرائها.
 إنك لتقرأ في مصادر التاريخ الصحيحة أخبار سقيفة بني ساعدة، كيف اجتمع فيها الأنصار عقب وفاة الرسول ليختاروا من بينهم أمير المسلمين وخليفته من بعده، وكيف سارع شيوخ المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إلى إخوانهم الأنصار، وكيف استمعوا إلى حججهم بأدب واحترام، وكيف أدلى أبو بكر برأيه ورأي المهاجرين، فوفّى الأنصار حقهم من فضل النصرة للإسلام والذود عن رسول الله، وإيواء المهاجرين والترحيب بهم، ثم ذكر فضل المهاجرين بلا تبجح ولا غرور.
 وذكر أن العرب لا يدينون إلا لهذا الحي من قريش، وأنه إن كان الأمير من الأوس نفست عليهم الخزرج، وإن كان من الخزرج نفست عليهم الأوس، ثم كيف عدل الأنصار عن رأيهم في الانفراد بالخلافة إلى أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وكيف أجابهم المهاجرون بأن هذا أول الوهن والضعف، وكيف اقترح أبو بكر على الحاضرين أن يبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فإذا عمر يقول لأبي بكر: أنت أفضل مني، فيقول أبو بكر لعمر: ولكنك أقوى مني، فيقول عمر: إن قوتي مع فضلك، ثم يسرع فيبايع أبا بكر فيبايعه المهاجرون، فيتسابق الأنصار إلى مبايعته حتى إنهم ليكادون يطؤون زعيمهم "سعد بن عبادة"، وهو الذي كان مرشحا منهم للخلافة، فينتهي الأمر بإجماع من في السقيفة على مبايعة أبي بكر فيبايعه الجمهور بعد ذلك، إلا عليَّا ونفرا معه تريثوا قليلا ثم بايعوا.
وبذلك تمت الخلافة له وانتهى هذا المشكل الخطير دون أن تراق قطرة دم أو تشتبك الأحزاب فيما بينها، أو توغر الصدور بالتهم الباطلة والتحامل المثير، إنك لتقرأ هذا وأمثاله، فإذا هو يعطيك صورة واضحة لأدب القوم وسموِّ نفوسهم وتماسك مجتمعهم، وقوة صلات التعاون والإخاء فيما بينهم، واستمر الأمر على ذلك طيلة خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان، يتعاونون على الخير في أوسع معنى التعاون، ويتناصحون بالمعروف في أروع صور التناصح، ويختلفون في التشريع في أدق معاني الاختلاف، ثم لا يصرفهم عن الجهر بالحق صداقة ولا مجاملة ولا رئاسة ولا فضل، صرحاء صراحة العربي الذي لا يعرف نفاقا ولا خداعاً، أدباء أدب الحضري الذي لا يعرف قسوة ولا فظاظة، متعاونون تعاون الأخوة لا يعرفون علوا ولا استكباراً، مطيعون طاعة الجندي لا يعرفون تمرداً ولا اختلافاً، بنَّاؤون في كيان الدولة الجديدة والشرع الجديد والأمة الجديدة، كأتم ما يكون البناؤون دقة نظر، وسعة علم، وبذل جهد، واستقصاء وسيلة.
 حتى إذا كانت الفتنة أواخر خلافة عثمان، واندس بينهم أعداء الله من يهود وأعاجم تظاهروا بالإسلام، وكان ما قضى الله به من مقتل الخليفة الثالث ثم الخليفة الرابع، ثم استتب الأمر لمعاوية، هناك رأينا ألسنة السوء تتطاول على هؤلاء الأصحاب، وتتستر بحب علي رضي الله عنه، لتروي غيظها ممن أقاموا قواعد الدين الجديد بسواعدهم ودمائهم وأرواحهم.
 وكما تطاول المتظاهرون بالتشيع لعلي تطاول الخوارج أيضاً بعد التحكيم، وكفَّروا جمهور الصحابة الموجودين يومئذ، لأنهم خالفوا أمر الله في زعمهم، ومن خالف أمر الله كفر، بينما وقف الجمهور من اختلافات الصحابة موقف المعتدل، فهم يرون أن الخلفاء الثلاثة أحق من عليّ بالخلافة، ويرونه أحق من معاوية بها، ولكنهم مع تأييدهم للخلفاء قبل علي ثم لعلي مع معاوية، يلتزمون جانب الأدب مع جميع هؤلاء الصحاب، فيعتذرون للمخطئ منهم بأنهم مجتهدون فيما قاموا به، ولا إثم على المجتهد فيما يخطئ ما دام الحق رائده.
 وهؤلاء الأصحاب لهم من بلائهم في الإسلام، وخدمتهم في نشر لوائه، وتفانيهم دون رسول الله وشريعته، وصحبتهم له وتأدبهم بأدبه، ولهم من تاريخهم الأول قبل الفتنة وأدبهم وأخلاقهم وسُمُوِّ نفسهم، ما يجعلنا نعتقد فيهم الخير جميعاً، ونذهب إلى أنهم كانوا جميعاً مجتهدين يريدون الحق، فللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور حول اجتهاد الحاكم([6]).
ولو كان الخلاف محصوراً ضمن دائرة هؤلاء الصحابة الكبار ومن شايعهم من جمهور الصحابة والتابعين، لبقي مطبوعاً بطابعهم الذي عرفوا به، من حسن الأدب واحترام الصحبة، مع الجهر بالحق والصراحة به، ولكن دسائس خصوم الإسلام ودخول غمار الشعوب المسلمة في هذه المعارك الخلافية، أضاف إلى تاريخ هؤلاء الصحابة كلاما لم يقله بعضهم في حق بعض، ولم يعرف عنهم قط أنهم ينزلقون إلى منحدره، ومع الأسف فقد وجدت هذه النقول المكذوبة آذانا صاغية عند جمهور الشيعة بل إن أول من تطاول على الصحابة وملأ المجالس بالأحاديث المكذوبة عليهم وفي حق عليٍّ وفضله، هم الشيعة باعتراف المحققين كما سبق لنا نقله عن ابن أبي الحديد([7]).
رأي الخوارج: وأياً ما كان، فقد أدى هذا الخلاف بين الصحابة إلى أن يكون لكل من الخوارج والشيعة رأيٌ في الصحابة غير رأي الجمهور من المسلمين فالخوارج على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعاً قبل الفتنة ثم يكفرون عليَّاً وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوَّب الحكمين أو أحدهما([8]) وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم واتباعهم أئمة الجور على زعمهم فلم يكونوا أهلا لثقتهم.
رأي الشيعة: وجمهور طوائف الشيعة ـ ونعني بهم من ظلوا في دائرة الإسلام ـ يجرحون أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم من جمهور الصحابة، ويجرحون عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن انغمس معهم في اغتصاب الخلافة من عليّ، وبالأحرى أنهم يجرحون جمهور الصحابة إلا نفراً ممن عرفوا بولائهم لعليٍّ رضي الله عنه، وقد ذكر بعضهم أنهم خمسة عشر صحابياً فقط وأقاموا على ذلك مذاهبهم من رد أحاديث جمهور الصحابة، إلا ما رواه أشياع عليّ منهم، على أن يكون رواية أحاديثهم من طرق أئمتهم لاعتقادهم بعصمتهم، أو ممن هو على نحلتهم.
 والقاعدة العامة عندهم أن من لم يوالِ علياً فقد خان وصية الرسول، ونازع أئمة الحق، فليس أهلا للثقة والاعتماد، وقد خالف جمهور الشيعة في هذا الرأي فريق منهم، وهم الزيدية القائلون بتفضيل عليّ على أبي بكر وعمر، مع الاعتقاد بصحة خلافتهما والإشادة بفضلهما، وهؤلاء يعدون أكثر طوائف الشيعة اعتدالا، وفقههم قريب من فقه أهل السنة.
رأي الجمهور: أما جمهور المسلمين فقد حكموا بعدالة الصحابة جميعاً، سواء منهم من كان قبل الفتنة أو بعدها، وسواء منهم من انغمس فيها أو جانبها، ويقبلون رواية العدول الثقات عنهم، إلا ما جاء عن طريق أصحاب عليّ فإنهم لا يقبلون منها إلا ما كان من رواية أصحاب عبد الله بن مسعود، لأنهم ثقات مأمونون لم يستجيزوا الكذب على عليٍّ كما فعل أشياعه من الرافضة.
كان من آثار هذا الاختلاف في النظر إلى الصحابة أن هوجمت السنة التي جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الشيعة التي وصمت أحاديث الجمهور بالكذب والوضع، وخاصة ما كان منها في فضائل الصحابة الذين يخاصمهم جمهور الشيعة، ولم يقبلوا من أحاديث أهل السنة إلا ما وافق أحاديثهم التي يروونها عن أئمتهم المعصومين في نظرهم، وبذلك حكموا على أحاديث بالوضع هي عند الجمهور من أرقى طبقات الصحيح.
 وخذ لذلك مثلاً الحديث الذي أخرجه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسد كل خوخة تُطِلُّ على المسجد من بيوت الأصحاب، إلا خوخة أبي بكر، فهذا الحديث الذي استكمل شرائط الصحة عند الجمهور وارتفع عن مستوى الضعف أو الشك في نظر النقد العلميِّ الصحيح، هو عند الشيعة مكذوب وموضوع لمقابلة حديث زعموا صحته وهو أن النبي أمر أن تسد الأبواب كلها إلا باب علي.
 وخذ لذلك مثلا آخر يدلك على العكس، وهو حديث (غدير خم)([9]) فهذا الحديث الذي يكاد يكون عمدة المذاهب الشيعية كلها ودعامتها الأولى، والأساس الذي أقاموا عليه نظرتهم إلى الصحابة وخصومتهم للخلفاء الثلاثة وأشياعهم من جمهور الصحابة، هو عند أهل السنة حديث مكذوب لا أساس له، لفقه غلاة الشيعة ليبرروا به هجومهم وتجنيهم على صحابة الرسول، وقد قدمنا لك كيف قضت القواعد التي وضعها أئمة الجمهور لنقد الحديث بكذب هذه الرواية.
 واعتقد أنه لا يسع المنصف المحايد من موافقة الجمهور على ذلك، إذ أن العقل يحكم باستحالة كتمان جمهور الصحابة أمر الوصية التي زعم الشيعة أنها كانت علانية على ملأ منهم، كما يحكم باستحالة اتفاقهم جميعاً على غمط عليٍّ، وكتمانهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين بلغ حرصهم على نشر دين الله وتأدية أحكامه كاملة غير منقوصة، أن يجهروا بالحق مع ولاتهم دون أن يخافوا حساباً أو عقاباً، هذا في أمور بسيطة كمهور النساء أو القعود في خطبة الجمعة، فكيف بوصية أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته جميعاً وعيّن من يكون الخليفة بعده؟!
 ومعلوم أن مخالفة الرسول عن عمد عصيان وفسق إلا إذا كان مع استحلال فيكون كفراً، ليت شعري إذا كذب صحابة الرسول جميعا على رسول الله وكتموا أمره بالوصاية لعلي حتى أصبحوا جميعاً فساقاً أو كفاراً، كيف نطمئن إلى هذه الشريعة التي لم تُروَ إلا عن طريقهم؟ وهل يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون صحابته كذابين مخادعين اجتمعوا كافتهم على كتمان الحق ومناصبة صاحبه العداء؟!
وكما وقف الشيعة من حديث الجمهور ذلك الموقف، كذلك وقف الخوارج موقفا شبيها به، وهم وإن لم ينغمسوا في رذيلة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل أغمار الشيعة، نظراً لصراحتهم وتقواهم وبداوة طباعهم وبعدهم عن الأخذ بمذهب التقية الذي يؤمن به الشيعة، لكنهم خالفوا الجمهور في مواقف تشريعية كثيرة فرويت عنهم أحكام غريبة، مثل إباحتهم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وإنكارهم حكم الرجم الوارد في السنة، ولم يكن سبب ذلك كما زعم بعض الكاتبين جهلهم بالدين وجرأتهم على الله واستحلالهم لما حرم الله ورسوله، بل كان سببه ما ذهبوا إليه من رد الأحاديث التي خرجت بعد الفتنة أو التي اشترك رواتها بالفتنة.
وإنه لبلاء عظيم أن نسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا في النزاع مع عليّ أو معاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم في هذا الرأي لا يقلون عن الشيعة خطراً وفساد رأي وسوء نتيجة، وإذا كان مدار الاعتماد على الرواية هي صدق الصحابيّ وأمانته، فيما نقل ـ وقد كان ذلك موفوراً عندهم ـ وكان الكذب أبعد شيء عن طبيعتهم ودينهم وتربيتهم، فما دخل ذلك بآرائهم السياسية وأخطائهم؟
 أليس ذلك كمن يسقط زعيما وطنياً أبلى في القضية الوطنية أحسن البلاء وناضل الاستعمار بقلمه وماله ونفسه، من عداد الزعماء ويجرده من صفة الوطنية، وينكر فضائله كلها، ويرد أخباره كلها، لأنه كان زعيم حزب تولى الحكم فأخطأ، أو لأنه حارب زعيما وطنياً آخر وناصبه العداء، إذا كان هذا لا يجوز في حكم التاريخ والإنصاف والحق، فأولى ألا يجوز حكم الشيعة والخوارج على الصحابة الذين لم يوافقوا علياً رضي الله عنه في بعض المواقف السياسية، بإسقاط عدالتهم، وتجريحهم في مروياتهم، ووصمهم بأوصاف لا تليق بعامة الناس، فكيف بأصحاب رسول الله الذين كان لهم في خدمة الإسلام والرسول قدم صدق، لولاها لَكنِّا نتيه في الظلمات ولا نعرف كيف نهتدي سبيلا؟
خلاصة القول: أن السنة الصحيحة لقيت من عنت الشيعة والخوارج عناء كبيرا، وكان لآرائهم الجامحة في الصحابة أثر كبير في اختلاف الآراء والأحكام في الفقه الإسلامي، وفيما أثير حول السنة من شبه، ستطلع عليها عند الكلام عن شبه المستشرقين وأشياعهم.
 
 
 

[1]) ـ كلمة نسبها صاحب "نهج البلاغة" إلى علي رضي الله عنه في حق أبي بكر .
[2]) ـ ذكرت هنا في هذه المقدمة التمهيدية للطبعة الأولى أني لم أكن حين كتابتها أملك نسخة من كتاب "أبو هريرة" للشيخ عبد الحسين شرف الدين. ولكني بعد ذلك استطعت شراء نسخة من الكتاب المذكور في طبعته الثانية التي تمت في حياة المؤلف، وبعد أن قرأته كله تأكد لي ما كنت ذكرته عن هذا الكتاب في هذه المقدمة التمهيدية بل أكثر مما كنت أظنه. فقد انتهى مؤلفه إلى القول "بأن أبا هريرة رضي الله عنه كان منافقاً كافراً وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار!." ولما كان أبو رية قد أثنى على هذا الكتاب ومؤلفه، فإنه يكون موافقاً لمؤلفة في تلك النهاية التي انتهى إليها رأيه في أبي هريرة... ونعوذ بالله من الخذلان وسوء المصير!
[3]) ـ أي في سنة 1960 عند ظهور الطبعة الأولى للكتاب.
[4]) ـ سورة الفتح: 29.
[5]) ـ سورة الحشر: 9.
[6]) ـ أخرجه البخاري ومسلم وذكره الشافعي في الأم 7/252 ونص الحديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر).
[7]) ـ انظر ص 76 من هذا الكتاب.
[8]) ـ الفرق بين الفرق: 45.
[9]) ـ سيأتي مزيد من الكلام على هذين الحديثين في الفصل الخاص بمناقشة أحمد أمين فيما كتبه في (فجر الإسلام).
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: