دراسات\العدد السابع عشر - ذو القعدة 1425هـ
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 3 - الشيخ سعيد حوي
الأثنين 11 سبتمبر 2006
 موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 3 -
 
 
 
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة, نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين, ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيون أو الوهابيون هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
هذا البحث كتبه الشيخ سعيد حوى مقدمة لكتاب " التشيع بين مفهوم الأئمة و المفهوم الفارسي " تأليف محمد البنداري و نشرته دار عمار عام 1999 . الراصد
 
كتب الشيخ سعيد حوى :
كان الناس يعرفون أن صراعاً سياسياً حدث بين علي رضي الله عنه وكرم وجهه من جهه، وبين بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من جهة أخرى، وكل الناس تعرف أن هذا الصراع حُسم سياسياً بشكل مؤقت لصالح بني أمية، ولكن قلة من الناس تعرف أن الأمة لإسلامية كلها قد حسمت هذا الصراع في المآل اعتقادياً وفكرياً وروحياً لصالح الإمام علي رضي الله عنه.
فالذي استقرت عليه الأمة الإسلامية، أن الإمام علياً كان على صواب، وأن مخالفيه كانوا على خطأ . وقد استندت الأمة الإسلامية في هذا الحكم إلى نصوص كثيرة، جعلتها تستقر على هذا الحكم.
فإذا وجد في عصر الصراع بين الإمام علي ومخالفيه من التبس عليه الأمر من الأمة الإسلامية، فوجد بذلك من تشيع للإمام علي، ومن تشيع لمخالفيه، فإن هذا اللبس قد زال فيما بعد، وأصبحت الأمة الإسلامية كلها متشيعة للإمام علي رضي الله عنه.
وهكذا استقرت الأمة الإسلامية على نوع من التشيع، ويمكن أن نسميه التشيع السني، فكل من تمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، فإنه متشيع بالفطرة للإمام علي رضي الله عنه، وآل بيته.
فإذا كان التشيع للإمام علي رضي الله عنه ولآل بيته، يعني الحب والاحترام والتقدير، فهذا قاسم مشترك بين كل المسلمين، إلا من ابتدع وخالف، وهم بفضل الله قلة.
هذا، قد تبينت الأمة الإسلامية أن الحق والصواب بجانب علي رضي الله عنه في صراعه مع الخوارج، وذلك عندما انتشرت بينها الأحاديث الصحيحة، ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري t قال:
بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقسم قسماً ـ إذا أتاه ذو الخويصرة ـ وهو رجل من بني تميم ـ فقال: يا رسول الله! اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: يا رسول الله ! ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصافِه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيِّه ـ وهو قدحه ـ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود, إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته. "صحيح البخاري" (3610).
هذا التشيع السني رافقه الحب والاحترام والتقدير لعلي وآل بيته، لأن الأمة تلقت عن رسولها عليه الصلاة والسلام، وفهمت من كتاب ربها، أن المودة والمحبة ينبغي أن تعطيا لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم مظنة العلم والهداية والقدوة، قال تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}، فسرها بعضهم: أي إلا بأن تودوا قرابتي. وقال تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.
ومن هاهنا، نظرت الأمة الإسلامية إلى الإمام علي رضي الله عنه، ولأولاده وأحفادهم الكرام ممن استقامت عقيدته نظرة إجلال وإكبار .
ولو أنك تأملت ما ترجم به علماء أهل السنة للإمام علي رضي الله عنه و لأولاده وأحفاده, لرأيت هذا كله مجسداً حياً يدل على ما ذكرناه، وتجد ذلك واضحاً في كتب علماء الرجال والتراجم، مثل ابن سعد، والبخاري، وابن أبي حاتم الرازي، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، وعبد الغني المقدسي، والمزي، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم.
انظر ـ مثلاً ـ ما ترجم به الإمام الذهبي للحسن والحسين رضي الله عنهما، ولعلي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه، ولابنه محمد الباقر، ولابن محمد الباقر الصادق، ولموسى الكاظم بن جعفر الصادق، إلى آخرين من آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجم لهم الذهبي، تجد مصداق ما قلناه، وها نحن ننقل لك شيئاً مما ترجم به الذهبي لهؤلاء الكرام الطاهرين:
قال الذهبي عن الحسن بن علي رضي الله عنه:
"الإمام،السيد، ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد، القرشي، المدني، الشهيد"([1]). وترجم له ترجمة طويلة.
وقال عن الحسين رضي الله عنه:
"الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله، الحسين بن أمير المؤمنين" وذكر روايات كثيرة في فضله منها:
"عن حذيفة، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا مَلَكٌ لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. أخرجه الترمذي، وهو حديث حسن".
قال الذهبي:
"وقد كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، وجميلاً، عاقلاً، رزيناً، جواداً، مُمَدَّحاً، خيراً، ديناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن...إلخ"([2] ).
وقال الذهبي عن علي بن الحسين:
"وكان علي بن الحسين ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً.
روى ابن عيينة، عن الزهري، قال: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين"([3]).
وقال عنه أيضاً:
"وكان له جلالةٌ عجيبة، وحقَّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى، لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله"([4] ).
وقال عن محمد الباقر:
"هو السيد، الإمام، أبو جعفر، محمد بن علي... وقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله. كبير الشأن... ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال"([5]).
وقال عن جعفر الصادق:
"الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أحد الأعلام..."([6]).
لقد وجد إلى جانب هذا النوع من التشيع السني، تشيع بدعي، وهذا التشيع البدعي على مراتب:
منه تشيع يفضل علياً رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه، مع التسليم بفضل عثمان.
وتشيع آخر يقدم علياً على أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهما، مع الإقرار بفضل هؤلاء.
ومن هؤلاء من عد علياً t أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان.
وهؤلاء كلهم عدهم أهل السنة مقبولي الرواية، لم يفاصلوهم، ولم يعتزلوهم، ولم يرفضوا روايتهم. بل إن بعض أهل التشيع المبتدع من هؤلاء عُدُّوا أئمة في العلم، وفي الحديث عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول القاسمي في رسالة "الجرح والتعديل":
"كان من أعظم من صدع بالرواية عنهم الإمام البخاري رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، فخرَّج عن كل عالم صدوق ثبت من أي فرقة كان، وملأ مسلم "صحيحه" من الرواة الشيعة، فكان الشيخان عليهما الرحمة والرضوان بعملهما هذا قدوة الإنصاف، وأسوة الحق، الذي يجب الجري عليه"([7] ).
ونجد أن الأئمة اعتمدوا "مصنف" عبد الرزاق، على ما فيه من تشيع، واعتمدوا "مسند" علي بن الجعد، بالرغم من أنهم قالوا عنه: إنه شيعي جلد.
إلا أنه وجد بالإضافة إلى ذلك ما سمي بالتشيع الرافضي، وهذا النوع من التشيع على قسمين: الرفض العادي، والرفض الغالي.
أما الرفض العادي، فهو تفضيل علي t على الخلفاء الثلاثة، مع البراءة منهم، وسبهم، والحط عليهم.
وأما الرفض الغالي، فقد بدأ بتكفير الخلفاء الثلاثة، والعدد الأكبر من الصحابة.
وكعادة الانحراف، فإنه يبدأ بزاوية حادة، ثم ينتهي بأبعاد كبيرة جداً.
هذان النوعان من الرافضة لم يقبل المحدثون رواياتهم، وحكم علماء الإسلام عليهم أحكاماً تدور بين التضليل والتفسيق والتكفير.
 
قال الذهبي:
"فإن كان كلامهم فيه ـ أي في الراوي ـ من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم من بدعته غليظة، ومنهم من بدعته دون ذلك، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم الكافُ، وما بين ذلك.
فمتى جمع الغِلَظ والدعوة تُجُنِّب الأخذ عنه، ومتى جمع الخِفة والكف أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ، كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة، والخفة، كالتشيع والإرجاء.
وأما من استحل الكذب نصراً لرأيه، كالخطابية، فبالأولى رد حديثه"([8]).
ويقول أيضاً في "الميزان" في ترجمة أبان بن تغلب:
فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدّ الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً وهو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين:
فبدعة صغرى، كغلو التشيع، أو التشيع بلا غلو ولا تحرّق، فهذا كثير في التابعين، وتابعيهم، مع الدين،والورع، والصدق. فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل،والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم، ولا كرامة. وأيضاً، فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل من هذا حاله؟! حاشا وكلا".
ويقول الحافظ ابن حجر:
"والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب، أو التصريح بالبغض، فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا، فأشد في الغلو"([9]). اهـ.
 وقال رحمه الله في "التهذيب" أيضاً:
"التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما. وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان معتقد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً، فلا ترد روايته بهذا، لا سيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين، فهو الرفض المحض، (أي السب والشتم)، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة"([10]).
وتحت ظل الرفض تجمعت الشعوبية والأهواء، والكيد للإسلام، والطموحات السياسية، فأدخلت على الإسلام الطامات، ووجد باسم التشيع ـ وهو في الحقيقة الرفض لا التشيع ـ جدار سميك بين أهل السنة والجماعة وبين الرافضة، يظهر بين الحين والحين بصراع مسلح.
إن الشعوبية الحاقدة على العرب والإسلام، بثت سمومها من خلال الرفض والأهواء، وأوجدت أطراً وعقائد فاسدة للتفريق بين الأمة، ولتجميع الجهلة.
والحاقدون على الإسلام لم يجدوا شيئاً يبثون فيه سمومهم، ويخرجون الناس من الإسلام، كمثل العمل تحت شعار الرفض.
هذا، وقد أصبحت لهذا الرفض دول وحكومات، كان من مصلحتها أن تعمق الهوة بين العالم الإسلامي وبين شعوبها، فعمقت الشذوذ والانحراف، وكثفت الحجب بين العالم الإسلامي وبين هذه الشعوب.
وقد فطن حجة الإسلام الغزالي رحمه الله لبعض هذا الكيد، فألف كتابه "فضائح الباطنية"، ومما قال فيه:
"تشاور جماعة من المجوس، والمزدكية، وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عن كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر... وقد تفاقم أمر محمد صلى الله عليه وسلم، واستطارت في الأقطار دعوته، واتسعت ولايته، واتسقت أسبابه وشوكته، حتى استولوا على ملك أسلافنا، وانهمكوا في التنعم في الولايات، مستحقرين عقولنا، وقد طبقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عليه بمكر واحتيال، ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا من الإصغاء إلينا، فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم..ونتحصن بالانتساب إليهم، والاعتزاء إلى أهل البيت عن شرهم، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم... ومتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم، حتى إذا قبحنا أحوالهم في أعينهم، وما ينقل إليهم شرعهم بنقلهم وروايتهم، اشتد عليهم باب الرجوع إلى الشرع،وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، وإن بقي عندهم معتصم عن ظواهر القرآن، ومتواتر الأخبار، أوهمنا عندهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن إمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن، ثم إذا تكثرنا بهؤلاء، سهل علينا استدراج سائر الفرق بعد التحيز إلى هؤلاء، والتظاهر بنصرهم. ثم قالوا: طريقنا أن نختار رجلاً ممن يساعدنا على المذهب، ونزعم أنه من أهل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، ويتعين عليهم طاعته، فإنه خليفة رسول الله r، معصوم عن الخطإ والزلل، ومن جهة الله تعالى"([11]).
ثم إنه جدت أمور وأمور بعد الغزالي ـ رحمه الله ـ تحت شعار التشيع الرافض، تشيب من هولها الولدان، مما جعل الضرورة ملحة لرصد مسيرة هذا الرفض الملعون، وإرجاع الأمة إلى صفاء العقيدة ونقائها، وإلى التشيع السني الصافي،الذي درجت عليه الأمة، وأشرنا إليه في بداية هذه المقدمة.
وقد أطلعني ناشر هذا الكتاب ـ وهو أخ صديق ـ على كتاب حقق هذه الضرورة، حيث كان رصداً لمسيرة الرفض العادي والغالي، وإرجاعاً للأمة إلى التشيع السني الأصيل، وطلب مني أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب، وكان ذلك يوافق رغبة مني، فكتبت هذه المقدمة الوجيزة، مناشداً كل متشيع لأهل البيت أن يقرأ هذا الكتاب أولاً، وأن يتجرد من كل هوى، ليبدأ التحقيق الجاد في كل ما فرق به أهل الأهواء بين عالم السنة وعالم الشيعة، فلعل نوراً جديداً يلمع في الأفق يعيد لهذه الأمة وجدتها، ويجعلها علها على كلمة سواء فيما بينها، لتنطلق هذه الأمة واعية على بصيرة إلى الله، في عالم كثير الظمإ إلى الدين الإسلامي الحنيف.
ولقد تتابعت حلقات مخطط الرفض الرهيب في إفراغ التشيع من محتواه الحقيقي، ووضعه في موقع مضاد للإسلام وعقيدته، وهدم أركان العقيدة الإسلامية من نفي للتوحيد، وادعاء بتحريف القرآن، وإنكار للسنة النبوية سيما السابقين منهم، كأبي بكر وعمر، وعثمان، وخالد، وأبي عبيدة نحوهم، والتقرب إلى إلاههم بلعنهم وسبهم، فضلاً عن قولهم بترهات وضلالات وروايات اخترعوها، تنفر العاقل من الدين، وتنزل بالعقل من سماء الحكمة إلى حضيض الحيوانية العجماء، كالقول بعصمة الأئمة، والنص من الله بتعيينهم خلفاء في الأرض، يحرمون ويحللون كيف يشاؤون، والإيمان بالمهدوية، والنيابة عنهم، وجواز البداء على الله ـ تعالى الله عما يقولون ـ، وضرورة الكذب باسم التقية، وإباحة النساء باسم المتعة، وإهانة المرأة بوطئها في دبرها، والإساءة إلى آل البيت حينما يصورونهم فاقدي الشجاعة والجرأة في طلب الحق وإظهاره، متبعين لسياسية إخفاء الحق لأجل مصالحهم الدنيوية ـ أعاذهم الله من ذلك ـ، مستبيحين لدماء المسلمين وموالهم وحرماتهم ومقدساتهم.
ويلاحظ أن جملة كبيرة من الحركات الهدامة قد تبنت كل هذا الشذوذ، ومكنت له بقوتها وأموالها وإرهابها، مثل: القرامطة، والخرمية، والبابكية، وما قام به البويهيون، والعبيديون (الفاطميون)، والحشاشون، والصفويون، من جهد منظم لأجل إشاعة هذا الترهات، وتدوينها في كتب بثوا حولها دعاية كبيرة، جعلتها تحتل منزلة مقدسة عند الشيعة، ونسبوا إلى آل البيت الكرام آلاف الروايات المكذوبة، لدعم خطتهم وهدفهم.
لقد اقترن الرفض الملعون بسب أفضل جيل عرفته البشرية، وهو جيل الصحابة، بل بسب أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد سب الرافضة أبا بكر، وعمر، وهذا السباب للشيخين والصحابة تُستدرج لهما الأمة الآن تحت أغطية كثيرة، ومن خلال خداع كبير.
فهل يجوز لعالم أن يسكت عن هذا الاستدراج، وقد وصف الله تعالى في محكم كتابه العزيز جيل الصحابة بأنه خير أمة أخرجت للناس، فقال سبحانه: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم...}. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وكما أشرنا قبل قليل، فإن الباحث يتوجه بكتابه هذا إلى الشيعة أنفسهم، إذ لا يشك أن غالبية الشيعة لا يعرفون شيئاً عن التشيع السائد في كتبهم، وما فيه من مخالفات صريحة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهم يظنون أنفسهم أنهم مسلمون، ويمتازون على غيرهم بمزيد محبتهم لعلي وأهله، ولا ريب أنهم حينما يطلعون على حقيقة الأمر، ويقفون على الإلحاد والشعبذة والكفريات التي بثها ويبثها زعماء الشيعة الفرس اليوم، فإنهم سيرفضونها جملة وتفصيلاً.
لقد آن الأوان لتنقية التشيع الحقيقي من كل ما علق به، ودس فيه من أفكار فاسدة, وضلالات، وترهات، عمل اليهود والمجوس على إدخالها فيه، والعودة به إلى منابعه الصافية، التي عُرف بها في صدر الإسلام. وما هذا الكتاب إلا محاولة جادة في هذا الطريق إن شاء الله، وقد رافقته محاولة أخرى لعلم من أعلام الشيعة المعاصرين، هو الدكتور موسى الموسوي، في كتابه "التشيع والتصحيح"، الذي نندب كل شيعي مخلص لقراءته وتدبره، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}.
نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه سميع مجيب.
 
من كتاب " التشيع بين مفهوم الأئمة و المفهوم الفارسي " تأليف محمد البنداري
 من صفحة 5 إلي صفحة 16
 

[1] ـ "السير" (3/245) فما بعدها
[2] ـ "السير" (3/280).
[3] ـ "السير" (4/387).
[4] ـ "السير" (4/ 398).
[5] ـ "السير" (4/ 401).
[6] ـ "السير" (6/255).
[7] ـ (ص5).
[8] ـ "الموقظة" تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو عدة، (ص51).
[9] ـ في مقدمة "الفتح" (ص459).
[10] ـ (1/94).
[11] ـ (ص7ـ8).
التشيع 
بقلم الشيخ سعيد حوّى
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: