دراسات\العدد الخامس عشر - رمضان 1425هـ
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 1- أحمد أمين
السبت 9 سبتمبر 2006
موقف مفكري الإسلام من الشيعة
 
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيون أو الوهابيون هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
نبدأ هذه السلسلة ببحث الأستاذ أحمد أمين من كتابه " ضحي الإسلام " وسبب إختيارنا لهذا البحث دون ماكتبه في فجر الإسلام ما بينه أحمد أمين في مذكراته وهو موضع لم ينتبه له كثير من الباحثين :
" ولمست في العراق الانقسام بين الشيعة و السنية ، وقد زرت النجف و كربلاء وغيرهما ، و هي حصون الشيعة ، و صادف ذلك أيام العزاء و ذكرى مقتل الإمام علي بن أبي طالب ، ورأينا العامة في كربلاء يضربون صدورهم ضربا ً شديدا ً حتى ليدموا أجسامهم حزنا ً على الإمام ، ومنهم من يضربون أنفسهم بالسيوف ، ومنهم من يضربون ظهورهم بسلاسل من حديد ، و النساء يولولن على نحو ما كان معروفا ً من عمل الشيعة في القاهرة إلى عهد قريب . وقد أسفت لهذه المناظر وحملت مسؤلية ما يعمل في هذا الباب علماء الشيعة ، وفيهم فضلاء أجلاء مسموعو الكلمة يستطيعون أن يبطلوا كل هذا بكلمة منهم ، ولكن لا أدرى لماذا لايفعلون .
وهذا الخلاف بين السنية والشيعة في العراق جر عليه كثيراً من المصائب و المحن – وبذل جهود ضاعت فيما لا يفيد ، لو صرفت في خير الأمة وتقدمها – بقطع النظر عن سني وشيعي – لعادت على أهلها بالخير العميم ،ولئن كانت الخصومة بين أصحاب علي وأصحاب معاوية معقولة في زمنهما فلم تعد معقولة الآن ، إذ ليس هناك اليوم نزاع على خلافة و لا إمامة ، و إنما هو نزاع على أيهم أفضل أبو بكر وعمر أم علي ، وهذه لا يبت فيها إلا الله ، ومن السخافة أن نضيع أوقاتنا في مثل هذا الكلام ، وكل العقلاء متفقون على أن كلا ً من الثلاثة رجل له فضله ومزاياه ، والله وحده هو الذي يتولى مكافأتهم على أعمالهم ، ويزنهم بالميزان الصحيح و يقدرهم التقدير الحق ، و ما عدا ذلك فالخلاف بين الشيعة و السنية كالخلاف بين حنفي وشافعي ومالكي لا يستدعي شيئاً من الخصومة ، ولكن أفسد الناس ضيق العقل و عواطف العامة ومصالح بعض رجال الدين وصبغ المسائل السياسية بالمسائل الدينية.
ولما أخرجت كتاب " فجر الإسلام " كانله أثر سيئ في نفوس كثير من رجال الشيعة، و ما كنت أقدر ذلك ، لأني كنت أظن أن البحث العلمي التاريخي شيء و الحياة العملية الحاضرة شيء آخر ، ولكن شيعة العراق والشام غضبوا منه وألفوا في الرد عليه كتبا ً ومقالات شديدة اللهجة لم أغضب منها . ولما لقيت شيخ الشيعة في العراق الأستاذ آل كاشف الغطاء عاتبني على ما كتبت عن الشيعة في فجر الإسلام . وقال : إني استندت فيما كتبت على الخصوم ، وكان الواجب أن أستند إلى كتب القوم أنفسهم ، وقد يكون ذلك صحيحا ً في بعض المواقف ، ولكني لما استندت على كتبهم في " ضحى الإسلام " ونقدت بعض آرائهم نقدا عقليا ً نزيها ً مستندا على كتبهم غضبوا أيضا ، والحق أنى لا أحمل تعصباً لسنية ولا شيعة ، ولقد نقدت من مذاهب أهل السنة ما لايقل عن نقدي لمذهب الشيعة وأعليت من شأن المعتزلة بعد أن وضعهم السنيون في الدرك الأسفل إحقاقا ً لما اعتقدت أنه الحق . "  
 
كتاب حياتى   ، الجزء الثانى ، أحمد أمين .
طبعة جريدة القاهرة 2003
 
الشيعة
” ضحى الإسلام لأحمد أمين ، 109/4 ”
 
كانت فرق الشيعة فرقاً كبيرة يعتنقها عدد كثير من المسلمين, ويتجادل علماؤهم مع المعتزلة وأهل السنة جدالاً طويلاً حكى عنه المؤرخون كثيراً, وكانت هذه الفرق تختلف غلواً واعتدالاً.
ومن أشد الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض لما روى من أن جماعة كثيرة جاءت زيد بن علي لتبايعه, وألحّوا عليه في قبول البيعة ومحاربة بني مروان فلما أراد زيد أن يجاهر بالأمر جاء إليه بعض رؤسائهم وقالوا له: "ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما, ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً, وأشد ما أقوا إنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين. وإن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه, ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً قد ولّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة" فلم تعجبهم هذه الأجوبة, فنكثوا عن البيعة له ورفضوه, فقال زيد: "رفضتموني في أشد ساعات الحاجة" فسموا بالروافض عند ذلك. وقد يسمون بالرافضة أيضاً وهو اسم مكروه. وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلواً وبعضهم أكثر اعتدالاً, ومن أعدلهم الزيدية.
الإمامة
كذلك من أعدلهم من جمع بين الشيعة والاعتزال, وأهم اختلافهم كان على مسألة الإمامة هل الأحق بخلافة المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان؟ فقال أهل السنة: إن ترتبيهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة, وإنهم لم يظلموا علياً ولم يغتصبوا منه الخلافة وإن أكثر الصحابة كانوا أعلم بظروفهم وأعلم بأخلاق بعضهم فاختاروا أبا بكر ثم عمر ثم عثمان لأنهم رأوا أن ذلك أنفع للمسلمين. وذهبت الشيعة إلى أن علياً أولى بالخلافة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على ذلك, ولأن فيه من المزايا ما ليس في غيره.
ومن أجل أن الإمامة أهم شيء في الخلاف وقد عدوها أصلاً من أصول الدين سميت طائفة كبيرة بالإمامية, وهم يرون أن الإمامة في عليّ أولاً ثم في أبنائه على التعيين واحداً بعد واحد. وأن الإيمان بالإمام ومعرفته أصل من أصول الدين, وقد دعاهم احترام الأئمة وإجلالهم إلى القول بعصمتهم, والحق أن ظاهر القرآن لا يقول بعصمة الأنبياء مثل ((وعصى آدم ربه فغوى)) و ((عبس وتولى أن جاءه الأعمى)) و ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)) ولهذا لما قال الشيعة بعصمة الأئمة اضطروا أن يقولوا بعصمة الأنبياء أيضاً. وفشت هذه العقيدة في المسلمين الآخرين. وربما كان الفخر الرازي من أسبق القائلين بعصمة الأنبياء.
يقول المجلسي في كتابه "حياة القلوب": "وهم –أي الأئمة- معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا سهواً ولا غير ذلك. ولا يقع منهم ذنب قبل نبوتهم حتى ولا في دور طفولتهم, ويستند الشيعة في ذلك إلى قوله تعالى لإبراهيم: ((إني جاعلك للناس إماماً)) قال: ((ومن ذريتي)) – ثم قال : ((لا ينال عهدي الظالمين)). قالوا: فنعلم من ذلك أن كل مذنب فاسق ظالم فلا يصلح للإمامة... قالوا: ولا يصلح للإمامة من كان يعبد الأصنام أو أشرك بالله لحظة واحدة حتى وإن صار مسلماً بعد ذلك, وقد قال تعالى: ((إن الشرك لظلم عظيم)). وكذلك لا يكون إماماً من ارتكب حراماً صغيراً كان أم كبيراً حتى ولو تاب بعد ذلك, فإنه لا يأمر بإقامة الحد من وجب إقامة الحد عليه فوجب أن يكون الإمام معصوماً, ويستدل الشيعة على ذلك بأحاديث كثيرة. وقد يفلسفون هذه العصمة كالذي يقول المجلسي: "واعلم أنّ القائلين بالعصمة قد اختلفوا في المعصوم –هل هو قادر على فعل المعصية أم لا؟ فالذين قالوا بأنه غير قادر قالوا: إنّ في بدنه أو في نفسه خاصة تقتضي أن يكون الإقدام على ارتكاب المعصية محالاً. وقال بعضهم إن العصمة ملكة نفسانية لا يصدر عنها أية معصية. ويقول بعضهم: إن العصمة لطف من الله بالنسبة للعبد, فلا يجد العبد في هذا اللطف داعياً لترك الطاعة وارتكاب المعصية".
وقد يستدلون بقوله تعالى: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)).
وأهم فرق الإمامية فرق تسمة (الاثنى عشرية) وسميت بذلك لأنها تقول باثني عشر إماماً أولهم عليّ, عكس فرقة أخرى تسمّى السبعية لأنها تقف عند الإمام السابع وهو إسماعيل, ولذلك يسمون بالإسماعيلية. وبعد إسماعيل أتت أئمة مستورة.
والظاهر أنه غلب عليهم الاعتقاد بالإرث, أي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يورث, أي يورث في روحانيته, كما يورث الناس في أموالهم حتى تجادل في ذلك الشعراء. فقال دعبل الشاعر الشيعي:
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً           وأيديهم من فيهم صفرات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا         وهم خير قادات وخير حماة
ويقول منصور النمري من شعراء العباسيين:
يا أيها الناس لا تعزب حلومكم         ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العمّ أولى من ابن العم فاستمعوا          قول النصيحة – إن الحق مستمع
وقد وضع ابن المعتز العباسي قصيدة في أحقية أولاد العباس ورد عليه تميم بن المعز الفاطمي([1]) على قافيتها.
ويظهر أنّ الإمامة في نظر الشيعة تطورت مع التاريخ, فقد كانت كلمة إمام وإمامة تطلق بالمعنى الإسلامي المعروف, فإذا قال بعض الصحابة: إنّ الإمام هو أبو بكر وعمر, وقال الشيعة إنّ الإمام هو عليّ, كانوا يفهمون من ذلك أن الإمام بمعنى الرياسة والتقدم, كالإمام في الصلاة. ولكن يظهر أنّ الكلمة تطورت بعد ذلك إلى معنى آخر وهو أن في الإمام معنى روحياً. فالإمام له صلة روحية بالله على نحو أقل من الصلة الروحية بين الله والأنبياء, جاء في كتاب الكافي للكليني وهو من أوثق مصادرهم: "كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا: -جعلت فداك- اخبرني ما الفرق بين الرسول والإمام والنبي, فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول هو الذي ينزل عليه جبريل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي. وربما رأى الشخص ولم يسمع. والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص([2]) ".
فالإمام بهذا المعنى يوحى إليه... قالوا: "والله أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل. إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم. وهو حجة على عباده. ولا تبقى الأرض بغير إمام... حجّة لله على عباده. ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجّة، وكان هو الإمام" وفيه أيضاً: "ومن لا يعرف الله عز وجل ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله([3] )" .
قال أبو جعفر: نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء، ومن فوق الأرض. والأئمة نور الله الذي قال فيه تعالى:{ فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا}. ونور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، ويحجب الله نورهم عّمن يشاء فتظلم قلوبهم([4])" بل زادوا على ذلك فقالوا: إن الله خلق العالم لأجلهم، وإنه قد فوّض أمور الناس إليهم، وإنه بوجودهم ثبتت الأرض والسماء، وبيمنهم رزق الورى، وانه يجب أن يكون في كل زمان منهم وإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، جاء في الكافي عن الصادق: "إن الأرض كلها لنا" وروى عبد الله ابن بكر الأرّجاني عن الصادق قال: قلت جعلت فداك. فهل يرى الإمام ما بين المشرق والمغرب؟ إلى يا بن بكر. فكيف يكون حجة على ما بين قطريها وهو لا يراهم ولا يحكم فيهم؟ إلى كثير من أمثال ذلك في الكافي وغيره.
وقد فسروا: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" بأنها نزلت في علىٍ. ورووا: "أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله عز وجل ألا يفرّق بينهما حتى يوردهما الحوض فأعطاني ذلك".
فنرى من هذا أن عقيدة الصحابة وأهل السنة والمعتزلة في الإمام تخالف عقيدة الشيعة. الأولون لا يقدسون الإمام ولا يرون أنه معصوم ويرون أنه قد يخطئ فيجب رده إلى الصواب، بل وقد يرتكب الكبائر فيجب ردّه . وأما الشيعة فيرون أن فيه صلة بالله، وأنه معصوم ، وأنه لا يخطئ. وفرق ُكبير بين الاثنين.
وأنا أرى أن الحق مع الأولين، وأن الاعتقاد بعصمة الإمام وروحانيته وتقديسه تشلّ العقول، وتجرئ الإمام على العبث بالرعيّة. وقد كان الصحابة يخطئون الأئمة في بعض تصرفاتهم ويخالف بعضهم بعضا، فهذا عمر انتقد تصرف أبي بكر مع خالد، وهذا علىُّ خالف عمر في بعض المسائل ، والصحابة أنفسهم منهم من خطأ علياً نفسه في بعض تصرفاته.
وعلى الجملة فكانوا ينظرون إلى الإمام على أنه مخلوق كسائر الناس يصدر عنه الخطأ والصواب. فإذا أخطأ وجب تقويمه. وهكذا سير الأمم الآن في تقويم ملوكهم وردّهم إلى الصواب إن أخطأوا. ونحن نقول ذلك اتباعاً للحق والعقل، لا نصرةً على مذهب.
الإمام جعفر الصادق
ويظهر أن أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام، هو الإمام جعفر الصادق فإنه كان من أوسع الناس علماً واطلاعاً. عاش من سنة 38 إلى 148 وقد لقب بالصادق لصدقه. وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق فأثر ذلك في اعتداله. وقد نفعه أنه رأى من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها... قال فيه الشهرستاني، هو غير شيعي: "وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات. وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم. ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحداً في الخلافة. ثم غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ، وقد قيل : من أنس بالله توحّش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس، وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة ، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر . ومع ذلك لم يسلم من إيذاء أبي جعفر المنصور له. وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس على اختلاف مذاهبهم. ويروون أنه كان من تلامذته أبو حنيفة ومالك بن أنس الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض الناس ينكر هذا . وله أقوال في الإرادة وفي القدر كقوله في الإرادة "إن الله أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً ، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا . فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟" وقال في القدر هو أمران "لا جبر و تفويض" وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيراً كما رأينا، وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب يدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه. وإنما قلنا إنه لوَّن معنى الإيمان لوناً خاصاً لما روى عنه من بعض الأقوال التي تدل على أن الله جعل لمحمد نوراً، ثم تنقل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ذكره المسعودي من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام علىّ جاء فيه "إن الله أتاح نوراً من نوره فلمع ونزع قبساً من ضيائه فسطع... ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد، فقال الله عز وجل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأموّج الماء، وأرفع السماء. وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على برّيتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي" ونحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم. فكل هذا جعلنا ننسب إلى الإمام جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من قبل(*).
وكان لجعفر الصادق أولاد كثيرون، منهم إسماعيل، وكان هو الأكبر وهو المعين للإمامة بعد أبيه. ولكن حدث أن مات إسماعيل قبل موت أبيه، فأحدث ذلك خلافا كثيراً عند الشيعة، وكان هو السابع، فرأت فرقة أن إسماعيل هذا كان آخر الأئمة. ومنهم من أنكر موته، وقال إنه غاب وإنه سيعود وإنه لم يمت حقيقة بل حجبه الله إلى الوقت الذي يقتضي ظهوره، ويسمى هؤلاء بالسبعية لوقوفهم في الإمامة عند هذا، ويسمون أيضاً بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل هذا، وهو قول غريب.
وبعضهم يقول إنه مات حقيقة، وإن الإمامة انتقلت بعده إلى أخيه موسى الكاظم وساقت هذه الفرقة الإمامة بعد ذلك إلى اثنى عشر إماما. ومن أجل ذلك يسمون الشيعة الاثنى عشرية. ثم القرامطة والفاطميون والحشاشون إسماعيلية الهند وإيران وآسيا الوسطى كلها طوائف سبعية أو بعبارة أخرى إسماعيلية، ولكل إمام من هؤلاء الأئمة تاريخ طويل، لا يهمنا هنا، فليرجع إليه من شاء. إنما الذي يهمنا ما يتعلق بعقيدة الأمام.
(*) هذا غير صحيح لأن هذه الروايات مدسوسة على جعفر الصادق . الراصد .
 
وكان الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وقد ولد سنة 232 كما يقول الكليني. وكان يلقب بالصامت والهادي والرفيع والزكي والنقي، ولكن الذي غلب عليه هو العسكري. وقد حمله أبوه وهو صغير إلى سامرّا في عهد المتوكل، وتعلم هناك، وعرف أنه كان يتكلم لغات كثيرة ـ الهندية والتركية والفارسية ـ وقد مات الحسن العسكري هذا سنة 260 في عهد المعتمد العباسي وقد خلف الإمام الثاني عشر واسمه محمد سنة 255 أو سنة 256 في سامرا ومات عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس. وقد تغيب هذا الإمام الثاني عشر ولم يظهر للناس وأطلق عليه الإمام المنتظر والمهدي وصاحب الزمان. وقالوا: إن الله حجبه عن عيون الناس، وإنه حيّ بإذن الله، رآه بعضهم بين وقت وآخر وهو يكاتب الناس ويتصرف في أمور شيعته([5])، وإن هذا الإمام الغائب سيرجع الخ الخ ... ... ...
ولما كان لا بد من شخص يرجع إليه في النوازل، قالوا: إن له وكيلا ينوب عنه وهو عثمان بن سعيد. فلما مات خلفه وكيل آخر وهكذا إلى أربعة( [6]) وقد شجعت هذه الفكرة القائمين بالحركات السياسية والطامحين إلى الملك إلى ادعاء كثير أنه المهدي المنتظر([7]).
والمفكر في هذا يعجب لأمرين ـ أحدهما: تولية الإمامة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره. مع أن الإمامة منصبُ عظيم يشرف على أمور المسلمين فلا بد له من رجل ناضج قادر على تحمل المسئولية، عارف بأمور الدين ومشاكل الدنيا. والطفل الصغير لا يستطيع ذلك مهما أوتي من النبوغ. وربما دعاهم إلى ذلك فكرتهم في أن لكل إمام نورانية إلهية يتوارثها خلف عن سلف، وهي نظرية تحتاج إلى مناقشة. ونحن نرى حتى فيما بين أيدينا، أن في نسل الأشراف من هو نبيل كل النبل، عظيم كل العظمة، ومن هو فاجر داعر، وتلك سنة الله في خلقه. فقد يخرج العالم جاهلا، والجاهل عالما، والمتدين فاجرا، والفاجر ديِّناً، كما نرى فعلا في الحكومات الشيعية من فاطمية وإسماعيلية من كان لا يصلح للإمامة مطلقاً بدلالة التاريخ كما هو الشأن في الخلاف السنية.
والأمر الثاني دعواهم في هذا الطفل أنه خفيٌّ لا يظهر . وإنما يظهر عند حاجة الزمان إليه. وقد جرّهم ذلك إلى القول بطول عمر الإمام الغائب، مع أنّ سنة الله في خلقه تحديد أعمار الإنسان.
وقد جرى ذلك على الأنبياء أنفسهم، فلم يعمر النبي محمد إلا ثالثاً وستين سنة، كما جرى على علىّ والحسن والحسين. ولم نعلم أحداً في التاريخ الظاهر عّمر أكثر من مائة سنة إلا قليلا. وعلى كل حال فلم يعّمر أحد أبداً. وقد دعا قولهم بغيبة الإمام الثاني عشر هذه إلى قول بعضهم: إنه لم يوجد، وإن الإمام العسكري مات من غير عقب، وإن دعوى الطفل هذه من صنع الوكلاء طمعاً في المال الذي يجبى من سائر الأقطار لأئمة الشيعة.
اتفاق الشيعة والمعتزلة
وكثير من الشيعة يتفقون في العقيدة مع المعتزلة، إذ كان كثير منهم شيعة ومعتزلة في وقت واحد. وذلك في مثل تأويل بعض الآيات في القرآن، ومثل عدم رؤية الله في الدنيا والآخرة اعتماداً على قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ولكنهم قد يخالفون المعتزلة في بعض الأشياء مثل قول الشيعة بشفاعة الأنبياء والأئمة، وقد كان المعتزلة يستندون في عدم الشفاعة إلى قوله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وحمل المعتزلة على ذلك إيمانهم التام بالمسئولية الشخصية وأن كل شخص مسئول عن عمله. وخالفهم أهل السنة في ذلك، وزاد الشيعة في شفاعة الأئمة، ورووا عن الإمام الباقر أن رسول الله r قال: "يا على إذا جاء يوم القيامة جلسنا أنا وأنت وجبريل على الصراط فلا يمر أحد عليه إلا وبيده براءة من نار جهنم بولايتك" وكان من مستلزمات ذلك الزيارات الكثيرة للأولياء والاستشفاع بهم والدعاء عندهم. من ذلك مثلا: "السلام على الذين من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن تخلى عنهم فقد تخلى عن الله، أشهد الله أني سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومؤمن بسرّكم وعلانيتكم، مفوض في ذلك كله إليكم. لعن الله عدو آل محمد من الجن والإنس، من الأولين والآخرين، وأبرأ إلى الله منه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين"([8]).
وفيما عدا ذلك هناك اختلاف بين الشيعة وأهل السنة في الفروع([9]).
تأييد الحكومات للشيعة
وكما أن أهل السنة أيدتهم حكومات كالذي ذكرنا من قبل، فالتشيع قد أيدته حكومات أخرى، كالدولة البويهية في العراق وما حوله، والدولة الفاطمية في مصر والشام والمغرب، ومما يؤسف له أن النزاع بين هذه الحكومات السنية والشيعية لم يقتصر على المناظرة والجدل الكلامي. بل تعدّى إلى القتال بالسيف وبذل الدماء أنهار. فكم سفك من الدماء في ادعاء المهدية، كالذي بذل في دعوى عبيد الله الفاطمي من أئمة الإسماعيلية في فتح أفريقيا ومصر حتى أسس دولته، إلى كثير غيره من المهديين، إلى مهدي السودان . ثم ما كان من هجوم التتار ومصيبتهم العظمى في التقتيل والتخريب مما جعل مؤرخي الإسلام يصرخون عند كتابة حواداثها، فإنه كان من أسبابها الكبيرة الخلاف بين الشيعة والسنة.
قال الخميسي: "نهب التتر سواد آمد وارزن وميّافارقين وقصدوا مدينة أسعرد فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتر الأمان فوثقوا منهم واستسلموا. فلما تمكن التتر منهم بذلوا فيهم السيف فقتلوهم، حتى كادوا يأتون عليهم فلم يسلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. وساروا في البلاد لا مانع لسيفهم ولا أحد يقف بين أيديهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوها... ثم وصلوا إلى نصيبين والجزيرة فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به. وقيل إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو العزبة أو الدرب وفيه جمع كثير من الناس لا يزال يقتلهم واحداً بعد واحد لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس. واستولوا على أرضهم ولم يقف في وجوههم فارس. وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها. وفي سنة ست وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو إلى بغداد بجيوشه وبالكرج وبعسكر الموصل فانكسر المسلمون أمامه لقلتهم، ونزل قائده على بغداد من غربيها وهولاكو من شرقيها، ثم خرج الخليفة المستعصم لتلقيه في أعيان دولته وأكابر الوقت فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة ورفسوه حتى مات، ودخلت التتار بغداد واقتسموها، وكلّ أخذ ناحية وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يوما، وقلَّ من سلم . فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة، فعند ذلك نادوا بالأمان" .
وكان مجيء هولاكو فيما يقال بدعوة الوزير ابن العلقمي الرافضي إذ كان يعتقد أن هولاكو سيقتل المعتصم ويعود إلى حال سبيله، وعندئذ يتمكن الوزير من نقل الخلافة إلى العلويين.
ثم ما كان مثلا بين الدولة العثمانية لما قامت في الآستانة وما حولها وبين الصفويين في إيران وما حولها سنة 920 فإن السلطان سليما لما بلغه أن كثيراً من رعايا الدولة العثمانية يتمذهب بالمذهب الشيعي على أيدي دراويش بثّهم الشاه إسماعيل الصفوي عزم على محاربتهم، فأعلن الحرب على الشاه إسماعيل، وما زال الجيش العثماني يتقدم من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى سيواس، وأحصى جيشه فبلغ 140 ألف جندي، ترك جزءاً منه للمحافظه على الطريق يبلغ نحو أربعين ألفاً، وتقدم هو بالباقي وتقدم إلى مدينة تبريز، فخرج إليه الشاه إسماعيل الصفوي ووقف أمام السلطان سليم العثماني وكان الجيشان في العدد سواء تقريباً. وكان في الجيش الإيراني طائفة من الخيالة وفرق تلبس الزرد وفرقة من طوائف الفدائية. وقتل من الفريقين عدد كبير واستولى العثمانيون على مضارب الفرس وما كان معهم من الذخائر والأدوات، وجرح الشاه إسماعيل وسقط عن جواده. ودخل السلطان سليم تبريز. وقد قتل من الفرس وحدهم في تلك المواقع نحو أربعين ألفا. ومن ذلك أيضاً ما فعلته الفرقة الفدائية الإسماعيلية من قتل ونهب، وما فعلته جماعة القرامطة إلى كثير من أمثال ذلك.
فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين وخصوصاً الشيعة والسنة، وما جرى للشيعة من عهد علي وخلفائه مما يشرحه كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وما جاء في كتب التاريخ بعده أخذنا العجب، وأدركنا أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي في سهولة لطرد الصليبيين وكفّهم عن العبث بالبلاد، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي لإصلاح حالة المسلمين اجتماعياً واقتصادياً إصلاحاً ليس له نظير. ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، فضاعت المجهودات عبثاً، بل ضاعت في التخريب والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى، ولكن ماذا نعمل والعقول ضيقة، وفي الناس من يثير الخصومات كسباً للمال، حفظاً لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم.
عواطف أهل الشيعة
ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية والقوانين الدقيقة المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف. لقد أحبوا آل البيت حباً عاطفياً وكرهوا جداً من عاداهم، وتأثروا تأثراً شديداً ممن عذبهم أو قتلهم أو حبسهم، ولم يكتفوا بالعواطف المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مراراً قلب حكمهم، وهذه كلها شأن العواطف. أما مقدمة صغرى وكبرى وقياس وأشكال قياس فهذه صبغة المعتزلة والسنية. ولكل طابعه.
دعت هذه العواطف عند الشيعة وتعظيم الأولياء وفكرة الاستشفاع بهم إلى مظهر واضح ربما تأثر به المسلمون جميعاً وهو إقامة الأضرحة والعناية بها وتزينها، وزيارتها، والاستشفاع بها، وكثرة الدعوات عندها، وتمني الدفن بجوارها. وإن كانت هذه العادات عند السنيين والمسلمين فهي عند الشيعة أقوى، وربما كانت هي الأساس. من ذلك مثلا مشهد الإمام علي بالنجف، وهو يبعد عن الكوفة نحو أربعة أميال، قد حشد فيه من قديم الفن الفارسي من خط جميل وقاشاني وتحف فنية ذهبية وغير ذلك . والزائر لهذا المشهد يرى ساحات واسعة ملئت بالقبور كما يرى مئات القباب المختلفة الألوان. وقد سلم هذا المشهد من تخريب هولاكو لأن الشيعة كانت قد ساعدته ليستعينوا به على السنية الذين كانوا قد آذوهم. يقول ابن بطوطة في رحلته: "ثم رحلنا، فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب بالنجف وهي مدينة حسنة... وأهل هذه المدينة كلهم رافضة.... وحيطان هذه الروضة منقوشة بالقاشاني والقبة مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه. وبها قناديل الذهب والفضة ... وفي المدينة خزانة كبيرة تجمع بها النذور من الناس في بلاد العراق وغيرها، من يصيبه المرض ينذر للروضة نذراً إذا برئ... وهذه الروضة ظهرت لها كرامات".
وقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة الشيعيين في فضل زيارة قبر علي كالذي رواه جعفر الصادق أنه قال: "من زار أمير المؤمنين عارفاً بحقه غير متجبّر ولا متكبر، كتب الله له أجر مائة شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وأتى رجل الإمام الصادق واخبره أنه لم يزر أمير المؤمنين فقال له: "بئس ما صنعت لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك. ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون. قال جعلت فداك، ما علمت ذلك. قال: فاعلم أن أمير المؤمنين أفضل عند الله من الأئمة كلهم، وله ثواب أعمالهم. وعلى قدر أعمالهم فضلوا([10])".
وعلى الزائر حين يزور أن يتلو دعاء الزيارة وهو:
"السلام عليك يا ولي الله، يا حجة الله، يا خليفة الله، يا عمود الدين، يا وارث النبيين، يا قسيم الجنة والنار، يا صاحب العصا والميسم يا أمير المؤمنين: أشهد أنك كلمة التقى، وباب الهدى، والأصل الثابت، والجبل الراسخ، والطريق الحق، أشهد أنك حجة الله على خلقه وشاهده على عباده، وأمينه على علمه ومستودع أسراره، ومعدن حكمته وأخو رسوله. أشهد أنك أول مظلوم وأول من غصب حقه، فصبر وانتظر. لعن الله من ظلمك وغصب حقك وعاداك، لعنة عظيمة يلعنه بها كل ملك كريم ونبي مرسل، ومؤمن صادق، ورحمة الله عليك يا أمير المؤمنين وعلى روحك وجسدك... الخ وهم يروون دعاء مخصوصاً دعا به أحد الأئمة.وهذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيع وأثره.
ومن أشهر المشاهد والمزارات كربلاء على بعد ثالثة أميال من بغداد وفيها مشهد الحسين. وهي من أعظم المزارات وأفخمها، وأحفلها بالتحف والمذهبات يقول فيها ابن بطوطة.. "والقبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار التحرير، وكم يكرر الزائرون مأساة الحسين... وهم يروون الروايات الغريبة عن فضل هذا المكان المقدس تتلألأ قبته المغشاة بالذهب إذا طلعت عليه الشمس".
كذلك يرى من دخل بغداد من الشمال أو الغرب المآذن الذهبية الأربعة فوق مشهد الكاظمية، كما يرى الشيعة يقصدون هذه المشاهد ويستشفعون بها ويدعون عندها.
وقد كان البناء قديماً وجدده الشاه إسماعيل الأول، أما تذهيب القبتين فأمر به الشاه أغا محمد وأصلحت إحدى القباب وكسيت المنابر بالذهب . وهم يضعون لزيارتهم شروطاً فيقولون: "إذا أردت زيارة قبر موسى الكاظم وقبر محمد بن على بن موسى فاغتسل وتعطر والبس ثوبيك الطاهرين ثم قل عند قبر الإمام موسى: ـ السلام عليك يا ولي الله... أتيتك زائراً عارفا بحقك، معاديا لأعدائك، موالياً لأوليائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي"([11]).
والذي يرى المشاهد العديدة في القاهرة كمشهد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وغيرها يرى أنها صورة مصغرة جداً للمشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية.
وللشيعة كتب في الحديث تتميز بالرواية عن الأئمة وعن رجال الشيعة يعتمد عليها الشيعيون، كما يعتمد السنيون على كتب الصحاح، من أشهرها كتاب الكافي للكليني . وهو أول هؤلاء المحدثين وأعلاهم منزلة، ألف كتابه الكافي في علم الدين. ويحتوي على 16 ألف حديث وقسمها إلى أحاديث صحيحة وحسنة وموثقة وقوية وضعيفة([12]) وقد مات الكليني في بغداد سنة 328 أو 329 . ومن المؤلفين في الحديث أيضاً الصدوق القمي الملقب بابن بابويه، وهو يحتوي على أربعة آلاف وأربعمائة وستة وتسعين حديثاً. ومن المؤلفين في الحديث أيضاً الطوسي، وينسب إليه التأثير الكبير في الدعوة إلى الشيعة وقد كان له تلاميذ كثيرون. وقد ولد الطوسي سنة 385 في طوس وجاء بغداد وعمره ثلاث وعشرون سنة ثم هاجر إلى النجف، وله كتب كثيرة في الحديث وأصول الدين والفقه والتراجم. والناظر إليها يعلم صبغتها بالصبغة الشيعية،وربما اختلفت في ترتيبها عن ترتيب الصحاح السنية. هذا عدا أن لهم مجتهدين وفقهاء عنوا بالفقه الشيعي، وفيه بعض مخالفات للفقه السني. إن شئت فانظر إلى كتاب "بحار الأنوار" وعلى العموم فقد كانت لهم خلافات في العقيدة وفي الحديث وفي الفقه ولمجتهديهم قوة على الرأي العام الشيعي، وتبجيل وتقديس أكثر مما لعلماء أهل السنة. وكثيراً ما تدخلوا في الأمور السياسية وعطّلوا بعض المشاريع السياسية. وقد حاول بعض الولاة الشيعيين أن يحدّ من سلطانهم فلم ينجح.


([1] ) انظر القصيدتين في الديوانين.
([2] ) الكافي ص82.
[3] ـ الكافي ص 85 .
[4] ـ الكافي ص 92 .
[5] ـ بحار الأنوار للمجلسي .
[6] ـ انظر بحار الأنوار للمجلسي .
[7] ـ انظر كتابنا المهدي والمهدية .
[8] ـ وقفة الزائرين للمجلسي .
[9] ـ انظرها في الجزء الثالث من ضحى الإسلام .
[10] ـ المجلسي .
[11] ـ هذه الأدعية ومئات أمثالها في تحفة الزائرين للمجلسي .
[12] ـ طبع هذا الكتاب في طهران .
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: