مصطفى الأنصاري – الحياة 13/3/2015
في دول عربية مثل الجزائر ومصر والسعودية، توالت حقب من التطرف التي استدعت مواجهة فكرية وأمنية وعسكرية، حققت فيها الدول أكثر الأحيان انتصاراً لافتاً، أثمر استقراراً وبعض النجاحات التنموية والاجتماعية. ولو لم تكن الدولة حاسمة في مواجهة عنف الجماعات المتطرفة، لما كانت اليوم سوى نسخ من الصومال.
لكن الذي غاب هو استثمار تلك النجاحات درامياً وإعلامياً، وإشراك الرأي العام والعربي فيها غير المهتم خصوصاً بالحرب على الإرهاب في قصصها، على غرار ما تفعل الوسائط الأميركية، في ترجمة معاركها الخاسرة، وكذلك التي تعتبرها ناجحة سينمائياً، حتى زرعت رسائلها غير المباشرة في أذهان أعدائها، ناهيك عن مواطنيها وشركائها.
لشدة ما تفنن الإعلام الأميركي في ذلك، تمكن من تزيين حتى الوجه القبيح للأمبراطورية، وأنتج أفلاماً اقتربت من الأوسكار، وهي في حقيقتها ليست إلا توثيقاً لجرائم، غلفها بالحيل والإبهار حتى غدت فناً. أقرب الأمثلة فيلم "قناص اميركي"، الذي يوثق حكاية مقززة لجندي شارك قوات بلاده في احتلالها العراق، وفاخر بقنص أطفال عراقيين وأبرياء، في حرب كلها غير شرعية.
"داعش" الذي التقط كثيراً من أساليب الرعب الغربية والشرقية، نجح في هذه الخطوة وأصبحت تجربته الفنية مثيرة لدهشة الباحثين والمتخصصين، ناهيك عن الناس العاديين، وإلا فما الذي يدفع نحو 300 ألف إلى مشاهدة فيديو "حرق الكساسبة" في غضون يومين، ما جعل بعض المواقع يبحث عن تفسير نفسي لتلك الظاهرة، خصوصاً وأن الحرق، مشهد لا يتحمل الطبيعيون من البشر مشاهدة تفاصيله.
وإذا كان حرق الكساسبة، وهو المثل الأشهر، صادماً، فإن التنظيم لم يتوقف عند ذلك الحد، فهو بدا محترفاً حتى في مراعاة ذائقة المشاهدين الافتراضيين لانتاجه. فبعدما لاحظ رد الفعل على مشاهد العنف والذبح التي غدت سمته في الأذهان، اتجه إلى ناحية التأثير الروحاني، عبر قصة شيخ غربي، جاهد في إحاطته بالوقار الفني من خلال رواية قصة إسلامه المزعوم وتصويره في المسجد بلحيته الحمراء وعمامته العربية، ما فسرته احدى الفضائيات بأن التنظيم ربما آثر النزوع إلى "نوع جديد من الدعاية الإعلامية" بعيداً من الذبح والحرق والإعدام، قوامها الترويج لـ "دولة الخلافة" على أنها "أرض الحياة"، عبر قصص كان أول أبطالها رجل فرنسي ستيني يدعى "أبو صهيب الفرنسي".
المقصود أنه إذا كان تنظيم "القاعدة" وبقية الجهات المتطرفة، هي في حقيقتها مثلما قال بالأمس القريب وزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف "واجهات لدول وأنظمة تسخر إمكاناتها للنيل من أمننا واستقرارنا واستمرارية وجودنا"، فإن مواجهة تلك التنظيمات ومن وراءها، ينبغي أن لا تكون عشوائية، خصوصاً في جانبها الإعلامي الذي غدا أكثر تأثيراً من القوة العسكرية في الناس والمتعاطفين والمحايدين.
وفي السعودية حيث ما زال الإرهاب يشكل خطراً، أنفقت الدولة البلايين في سبيل مكافحته، إلا أن الأداء الإعلامي في جانبه الفني ظل ضعيفاً، إذا ما قورن بالآخر المضاد (رسالة ماجستير من جامعة نايف للعلوم الأمنية، بحثت تغطية الصحف السعودية للعمليات الارهابية وخرجت بتلك النتيجة)، بل إن الجهات الأهلية والحكومية، لا تزال تقوم بمبارداتها على هذا الصعيد، من دون الاستناد إلى مظلة واحدة أو رؤية استراتيجية منسجمة، مثلما أكد نحو من 40 شخصية تمثل جهات أمنية وفكرية عدة، جمعتها "حملة السكينة" الأسبوع الماضي، لعرض أفكارها على مفتي البلاد الشيخ عبد العزيز آل الشيخ. وكانت الأحاديث الجانبية واضحة في أن الجميع يحاول تقديم شيء مؤثر في معالجة الفكر المتطرف، إلا أن الإحتراف النوعي في ذلك شبه غائب.
لذلك كان بين المقترحات التي يراها المهتمون في هذا الحقل، إنشاء "مركز معلومات"، تخصصه محصور بالإرهاب وحده، يوفر المعلومات والقصص والأفكار، وينتج البرامج، مستعيناً بالإمكانات الفنية الهائلة التي تملكها قنوات ومؤسسات إعلامية، في السعودية والعالم العربي، قادرة على إحداث تحول مؤثر، يماثل على الأقل منتج التنظيمات المتطرفة مرحلياً، ثم يتفوق عليها بعد ذلك. أما إذا ظل التناول الإعلامي السمعي والبصري للإرهاب يمارس النهج نفسه، فإن "داعش" وما ماثله سيحصدون تفوقاً ليس في صالح أي كان، لجهة اثره على المتلقي.