العلويون في تركيا… مشاكلهم ومطالبهم
الأربعاء 30 أبريل 2014

 

 محمد زاهد غول – القدس العربي 21/4/2014

 

 

تبنّت حكومة حزب العدالة والتنمية منذ صعودها إلى السلطة منهجاً يركز على سياسة الانفتاح والحل بشأن القضية العلوية، وأطلقت عام 2009 سلسلة من المؤتمرات لحل القضية العلوية برعاية وزير الدولة ‘فاروق تشليك’، وهي تجربة أولى لم يقِدم أحد على تنفيذها قبل ذلك، إلا أن هذه التجربة لم تسهم إلى الآن في إيجاد حلول عملية لهذه القضية.

لا يخفى على أحد أن المواطنين العلويين في تركيا قبل عشر سنوات مضت كانوا يتعرضون لضغوط من الدولة ومن أفراد الحيّ بوسائل وأشكال مختلفة، بعض النظر عن الطبقة التي ينتمون إليها. وفي الواقع فإن مشاكل العلويين هي مشاكل نابعة في الأساس من البناء السياسي والاجتماعي في تركيا الذي يؤثر فيه جميع المواطنين بشكل أو بآخر. وإذا ما نظرنا للمشاكل التي يعاني منها العلويون نجد أن أياً منها لا يحمل في طياته صفة بنيوية، بل يمكن حل بعضها بإدخال تعديلات على الدستور والقوانين، وأما القسم الأكبر منها فيمكن حله خلال فترة قصيرة من خلال بعض الإجراءات من قبيل التطبيقات الشرطية ذات الصلة.

وأما تلبية بعض طلبات العلويين مثل إعادة فتح التكايا الخاصة بهم فتحتاج إلى تعديلات أكثر جذرية. وفي هذا السياق، نرى أن مسألة اعتبار بيوت الجمع أماكن عبادة العلويين في تركيا – أماكن للعبادة معترف بها من قبل الدولة تأتي في مقدمة الطلبات التي يتفق عليها جميع ممثلي الطائفة العلوية تقريباً. غير أنه علينا ألا ننسى أن الدولة ليست لديها سلطة أو صلاحية تسمح لها بالاعتراف ببيوت الجمع على أنها أماكن للتعبد. ويمكن الاعتراف ببيوت الجمع ودعمها من قبل وزارة الثقافة كحل وسط بدون الدخول في مناقشة مسألة تعريف العبادات لدى الدولة.

أصوات العلويين تُسمع من الآن فلاحقاً

 

يطالب العلويون في تركيا ببعض المطالب التي يمكن أن نصفها بـ’غير المباشرة’، وهذه المطالب هي إلغاء رئاسة الشؤون الدينية، وحظر الدروس الدينية الإلزامية في المدارس، وحتى إلغاء مبدأ العلمانية وغيرها من المطالب التي لا تهم مسألة تحسين أوضاع العلويين بشكل مباشر، والتي حتى إن تم تطبيقها ستشكل تدخلاً في حقوق سائر أطياف المجتمع. وقد أعرب العلويون عن استيائهم وقلقهم من التصريحات التي تطلقها الغالبية العظمى من السُنّة في تركيا بشأن عدم اعتبار العلوية مذهباً أو طائفة إسلامية.

وتظهر المعطيات التي بين أيدينا حالياً أن الغالبية من السُنّة بدأت تسمع أصوات العلويين ومطالبهم، وأصبحت أكثر استعداداً لفهمهم، الأمر الذي أحيا آمال الكثيرين بشأن حل مشكلة التفرقة بين السنيين والعلويين في تركيا.

تقرير العلويين

أعدت إحدى المؤسسات البحثية تقريراً حول المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها العلويون في تركيا بهدف إلقاء الضوء عليها. ويعكس التقرير وجهة نظر المجتمع التركي وتوجهاته السياسية والاجتماعية إزاء القضية العلوية. وقد مرت عملية إعداد التقرير بمراحل من الشفافية واحترام المعايير كي يعكس الحقائق دون نقص أو زيادة. وقد قامت بإعداد التقرير لجنة مكونة من 64 شخصاً ما بين أكاديميين وعلماء اجتماع وإحصاء وسياسة وغيرهم. وأجريت الدراسة عبر عقد لقاءات مع 2217 جمعية مختلفة، منها 614 جمعية علوية، في 26 محافظة في عموم تركيا.

مطالب وتأويلات مختلفة

أظهرت هذه الدراسة أن تعريف العلوية وكذلك الحقوق التي يطالب العلويون المقيمون في مختلف مدن تركيا تختلف كثيراً عن بعضها البعض، كما أشارت إلى أن العلويين أنفسهم ليس بينهم اتفاق في وجهة النظر حول ما إذا كانت العلوية طريقة صوفية أم مذهباً منفصلاً أم ديناً مستقلاً أم حتى مجموعة عرقية؟ فبينما يؤمن 48.6% من الذين خضعوا للدراسة من العلويين أن العلوية ما هي إلا مذهب إسلامي، قال 19.1% إنها توجه ثقافي، فيما أقرّ 12.3% بأنها دين مستقل. هذا في الوقت الذي اعتبر فيه 57.1% من الخاضعين للدراسة من غير العلويين أن العلوية هي مذهب إسلامي.

ونرى من خلال هذه الدراسة أن العلوية خرجت في بعض مدن تركيا من كونها معتقداً دينياً وأُلبست حُلّة الهوية العرقية، وعندما وُجِّه سؤال إلى ممثلي الجمعيات العلوية التي خضعت للدراسة مفاده ‘أي المجموعات العرقية التي تعتبرون أنفسكم تابعين لها؟’، أجاب 21.3% أنهم يعتبرون أنفسهم مجموعة عرقية مستقلة، فيما أجاب 17.2% من الخاضعين للدراسة و18.5% من المواطنين العلويين أنهم لا يتبعون مجموعة عرقية منفصلة، بل هم مواطنون أتراك يقيمون في جمهورية تركيا. وهو ما أظهر بوضوح أن تعبير ‘أنا مواطن تركي وطني تركيا’ الذي وضعه رئيس الوزراء ‘رجب طيب أردوغان’ للتخلص من مسألة الهوية، قد لاقى ترحيباً لدى قسم كبير من المجتمع التركي.

وكشفت الدراسة أن 61.3% من العلويين في تركيا لا يؤمنون بأي إيديولوجية فكرية معينة، وأن 31% منهم يؤيدون الفكر اليساري، و7.7% منهم يدعمون الفكر اليميني.

وأضافت أنه رداً على سؤال حول توجهات الهوية الدينية، أجاب 76.4% من الخاضعين للدراسة أنهم ‘علويون’، فيما وصف 20.7% أنفسهم بأنهم ‘مسلمون.

وأكد 29.1% من العلويين المشاركين في الدراسة أنهم لا يذهبون إلى بيوت الجمع، بينما أشار 30.4% أنهم يحصلون على معلوماتهم الدينية من عائلاتهم، و23.7% أنهم يحصلون عليها من الكتب، وأوضح 16.2% أن بيوت الجمع تشكل بالنسبة مصدراً لاكتساب المعلومات الدينية.

المشكلة المشتركة مختلفة للغاية

وجّه القائمون على الدراسة سؤالاً إلى المشاركين في البحث مفاده ‘ما هي أكبر مشكلة تواجهها تركيا؟’، فجاءت مشكلة العلويين في المركز الـ13 على قائمة أكبر المشاكل التي تواجهها تركيا، فيما أعرب 1% الخاضعين للدراسة أن هذه القضية تلقى الدعم اللازم. فيما اعتبر العلويون المشاركون في الدراسة أن مشكلتهم تحتل المرتبة الـ8، وقال 2.8% أن القضية تلقى الدعم الكافي.

وتلقى المشاركون في الدراسة سؤالاً يقول ‘هل تعتقد وجود مشكلة للعلويين في تركيا؟’، فأجاب 87.2% من العلويين بأن هناك مشكلة يعانون منها في تركيا، في وقت أقرّ 33.1% فقط من غير العلويين الخاضعين للدراسة بهذه الحقيقة. وبالنظر إلى اختلاف العرق، اعترف 33.9% من الأتراك بوجود المشكلة، فيما أقرّ 57% من الأكراد بوجودها.

وأضافت الدراسة أن 74.9% أجابوا بنعم بإصرار على سؤال ‘هل تؤمن بضرورة اعتراف الدولة ببيوت الجمع على أنها أماكن للعبادة؟’، في الوقت الذي أعرب 28.2% من الخاضعين للدراسة من غير العلويين عن اعتراضهم على هذه الخطوة ورفضهم لها.

وطالب 73.3% من العلويين المشاركين في الدراسة بضرورة تشكيل هيئة عليا مستقلة تهتم بشؤونهم الدينية كرئاسة الشؤون الدينية التي تهتم بشؤون الأغلبية من السُنّة، فيما أعرب 23.9% فقط من الخاضعين للدراسة من غير العلويين عن دعمهم لهذا المقترح، ما يثبت لنا عدم وجود اتفاق مجتمعي حول هذه القضية.

قضية التمثيل السياسي

أجاب 60% من العلويين المشاركين في الدراسة بالإيجاب على فكرة تأسيس حزب سياسي يمثلهم، فيما أكد 10% فقط من الخاضعين للدراسة أن هناك حزبا سياسيا قائما بالفعل يمثل العلويين في الحياة السياسية في تركيا.

من الملاحظ أن حكومة حزب العدالة والتنمية تسير بخطى ثابتة من أجل إيجاد حل لمشاكل العلويين، غير آبهة بوجود العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها تركيا في الوقت الراهن، وذلك بالرغم من تصرف العلويين أنفسهم إزاء الحكومة وفق الأحكام المسبقة، وينبغي للحكومة اتخاذ خطوات أكثر جذرية من أجل حل هذه المسألة. وحتى أن إظهار إرادة حل المشكلة يعني أن هناك سعيا جادا لمواجهة الماضي، وهو ما يعتبر في حد ذاته مكسباً كبيراً.

وبدأت في عام 2009 مبادرات الانفتاح التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا من أجل إيجاد حلول لمشاكل مستعصية يأس أصحابها من حلها في الماضي، وقد حاولت حكومة الحزب الحصول على دعم المعارضة في هذه المشاكل المستعصية، لكن دون جدوى.

غير أنها حصلت على دعم العديد من المثقفين والعلماء وأصحاب الرأي من الذين يؤمنون بأن النُهُج التقليدية لن تحل المشكلة ولن تحقق الوحدة والتكاتف بين أبناء الوطن الواحد.

وفي الوقت الذي أقدمت فيه الحكومة على خطوات جديرة بالملاحظة من أجل حل القضية الكردية، لم تظهر الحماس ذاته في التعامل مع قضايا العلويين من أجل فهمها والعمل على حلها. وتعتبر عملية الاستقطاب السياسي التي شهدتها تركيا مؤخراً والموقف المتشدد للمعارضة من العوامل الأساسية لتفاقم هذا الأمر. بيد أن المسألة العلوية ـ مثلها كالقضية الكردية ـ من الممكن أن تتسبب في نشوب صراعات اجتماعية، وتمهد لأرضية خصبة لمحاولات الاستغلال الدنيئة الرامية لتهديد وحدة الوطن، وينبغي لتركيا في الوقت الذي تسعى فيه لأن تكون مؤثرة في محيطها الخارجي، أن تبذل جهوداً حثيثة من أجل تحقيق الوحدة والترابط بين أبنائها بكافة أطيافهم وتوجهاتهم، ولكن علينا ألا ننسى أن هذه المهمة لا تقع على عاتق الحكومة فحسب، بل هي قضية تهم كل فرد في تركيا.

النظام مصدر المشكلة

إن المشاكل التي يواجهها علويو تركيا في الوقت الراهن تحتاج إلى دراسات جادة دون التغاضي عن أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية، ويتحتم علينا عدم الاكتفاء بتحليل موقف الحكومة ومطالب العلويين والظروف التي تعيشها تركيا الآن من زاوية منظورة فقط، بل يجب القيام بعملية استطلاع رأي شاملة من أجل رصد الصورة الواقعية قدر المستطاع، كما يجب علينا ألا ننسى أن وصف القضية العلوية بـ’المشكلة’ هو مشكلة في حد ذاته، فيجب الاعتراف أن هناك مشكلة ومصدرها هو النظام الذي لم يلبِ مطالب العلويين.

إن السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في تاريخ جمهورية تركيا علّقت العمل على حل العديد من القضايا، وعلى رأسها مسألة العلويين لفترة طويلة. إلا أن مبادرات الانفتاح التي أقدمت الحكومة على طرحها مؤخراً أولت اهتماماً أكبر بتناول قضايا العلويين، الأمر الذي رفع من سقف مطالبهم، خصوصاً وأن العديد من السياسيين بدأ بتقديم الوعود لحل مشاكلهم.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: