ليست سياحة دينية .. وإيران ليست جمعية خيرية..
الخميس 13 ديسمبر 2012

أسامة شحادة

 

تباينت المواقف رفضاً وقبولاً من فقاعة العرض الإيراني لتزويد الأردن بالنفط مجاناً لمدة 30 عاماً، رغم أن السفارة الإيرانية أصدرت تكذيبا للخبر واتهمت فضائية جوسات بالترجمة الخاطئة لحديث السفير – هل قلدت جوسات إيران في تحريفها لخطاب الرئيس مرسي في قمة عدم الانحياز؟ – ولم تعقب قناة جوسات على بيان السفارة فيما أعلم!

المذيعة رولى الحروب التي أثارت هذه الزوبعة اليوم كانت قد أثارت زوبعة سابقة بالتهجم على الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في أحد برامجها قبل عدة أشهر وتبنّت الموقف الشيعي في بغضه وتشويه صورته، ومعروف أن الشاطر لا يقع في الخطأ مرتين!!

ما يهمنا هنا مناقشة حقيقة فكرة السياحة الدينية التي تعتبر إحدى ركائز السياسة الإيرانية الخارجية والتي تحرص إيران عليها مع الدول التي تتطلع للتغلغل فيها، وذلك أن السياحة الدينية الإيرانية/ الشيعية في حقيقتها هي الوجه الآخر لتصدير الثورة الإيرانية، والتي تم تلطيفها باسم التصدير الثقافي للثورة الإيرانية!!

إيران منذ سنوات طويلة وهي تحاول فتح المجال أمام السياحة الدينية الإيرانية للأردن وطلبت تخصيص خط مباشر بين الأردن وطهران لهذا الغرض، وكان أوج ذلك في سنوات الحصار على العراق وبدء العراقيين الشيعة بالأردن في التجمع في عاشوراء ببلدة المزار بمحافظة الكرك قرب قبر جعفر الطيار رضي الله عنه.

والملاحظة الأولى هي أن جعفر الطيار رضي الله عنه لا علاقة له بالشيعة أبداً، فهو رضي الله عنه استشهد في معركة مؤتة سنة 8 هـ، والشيعة لم تظهر بداياتها إلا في منتصف خلافة علي رضي الله عنه بعد سنة 36 هـ؟؟؟ فإذاً التمسح بقبر جعفر هو نوع من الدجل والخداع والبحث عن مسمار جحا!! وهو نوع من البحث عن أي ذريعة للتغلغل في الدول العربية، ففي حلب بسوريا مثلاً أقاموا مقاماً يسمى مقام النقطة، حيث زعموا أن رأس الحسين رضي الله عنه لما أرسل من كربلاء بالعراق إلى دمشق، ومروا على حلب - بعد أيام طبعاً - في طريقهم فستراحوا ووضعوا رأس الحسين على حجر فسقطت عليه نقطة دم من رأس الحسين، فجعلوه مقاماً !!

والملاحظة الثانية أن السياحة الدينية الإيرانية هي سياحة استيطانية مثل السياحة اليهودية لفلسطين في القرن التاسع عشر الميلادي، ففي عام 1878 قامت مجموعة من اليهود بشراء 3375 دونما من أراضى قرية ملبس قرب يافا، وفي عام 1881 وصل حوالي 3000 يهودي من أوروبا الشرقية، تمكنوا من إنشاء عدد من المستوطنات في الفترة من 1882 - 1884، وتوالت فيما بعد عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالشراء أو الاستئجار.

وهذا هو واقع السياحة الدينية الإيرانية/ الشيعية، ففي الكرك سكن بعض الشيعة العراقيين فيها، وحاول بعضهم شراء أو تخصيص مكان لهم في المقبرة هناك، وقام سلطان البهرة (زعيم /إله الشيعة الإسماعيلية) بشراء بيت له هناك منذ سنوات طويلة، ومؤخراً حاولوا إقامة عمارة خاصة بزوار البهرة مما أثار المواطنين وتم إيقاف المشروع. ولولا تراجع أعداد الشيعة العراقيين بالأردن بسبب عودتهم إلى بلادهم بعد الاحتلال الأمريكي لكانت بلدة المزار اليوم نسخة مصغرة من حي السيدة زينب بدمشق!!

فتطور العلاقات الإيرانية السورية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي جعل إيران تطلب رعاية وترميم بعض المقامات في سوريا والسماح بقيام الإيرانيين بزيارات سياحية دينية لسوريا، وكانت البداية بمدينة الرقة، إذ بحثت إيران عن مسمار جحا، فوجدت قبر عمار بن ياسر رضي الله عنه في مقبرة الرقة، فاستولت على المقبرة السنية وما حولها، فطردت الأحياء والأموات منهم وتحولت إلى إلى مركز شيعي كبير!!

واستمر المسلسل بالبحث عن أي مقام قد يكون له صلة بالتاريخ الشيعي للاستيلاء عليه، وفي عام 1999 شيد مقام للسيدة سكينة في مدينة داريا، ومقام للسيدة رقية في حي العمار الجوانية، ومن ثم تم الاستيلاء بالكامل على مقام السيدة زينب بدمشق بعد أن بدأ المشوار بالحوزة الزينبية سنة 1976 على يد حسن الشيرازي.

فتحولت منطقة السيدة زينب إلى مستعمرة شيعية أو قم الصغري، وخاصة بعد قدوم العراقيين الشيعة لسوريا في سنوات التسعينيات!! فانتشرت فيها الحوزات الشيعية سنة 1995 حيث شهدت نشأة خمس حوزات جديدة وجمعيات شيعية ثقافية ومكاتب سياحة دينية وفنادق مخصصة للزوار الشيعة ومطاعم شيعية وأسواق توفر مستلزمات الزوار الشيعة، وأصبحت اللغة الفارسية مسموعة في المنطقة وتظهر على لوحات المحال التجارية!! ونتج عن هذا تشييع قطاعات سورية بسبب الاحتكاك والعمل المشترك والولائم والدعوات والمناسبات التي تستقطب الفضوليين، وهذا ما يتوقع حدوثه إذا فتحنا الباب للسياحة الدينية.

وتحاول اليوم إيران وبعض الميلشيات الشيعية العراقية تبرير وجود قوات لها في سوريا بأنها تحرس المقامات الشيعية من الإرهابيين في الثورة السورية!! أما دماء السوريين والمساجد السنية فلا حرمة لها ولا كرامة!!

وفي العراق فتحْت غطاء السياحة الدينية للعتبات المقدسة بالنجف وكربلاء تم دخول آلاف العناصر من الحرس الثوري الإيرانى للعراق، للقيام بالعديد من الأنشطة العسكرية والسياسية التي مكّنت إيران من السيطرة على العراق وجعله دمية في يد طهران.

وفي بداية عام 2011 صدر قرار لوزارة الداخلية العراقية بالسماح للشركات الإيرانية العامة في مجال الحماية بمرافقة قوافل السياحة الدينية ليكون غطاءً قانونياً لوجود المسلحين الإيرانيين علناً في العراق!!

أما شيعة السعودية فقد كانت زيارة المراقد الشيعية في سوريا والعراق هي الغطاء والبوابة التي يدلف منها شباب الشيعة لمعسكرات التدريب والتجنيد لمصلحة إيران، وقد سطّر لنا عادل اللباد في كتابه (الانقلاب .. بيع الوهم على الذات) تجربة شاب سعودي في معسكرات عسكرية شيعية بإيران.

أما الحج إلى مكة المكرمة فتم استغلاله في أعوام 1986، 1987، 1989م، حيث اندسّ عناصر الحرس الثوري وأعضاء حزب الله الكويتي وبين أمتعتهم المتفجرات والقنابل.

ولما تخلت إيران عن التفجيرات، ركزت على جعل مخيمات الحجاج في منى والفنادق في مكة والمدينة التي يقيم بها الإيرانيون بؤراً للالتقاء بالشيعة السعوديين والشيعة من مختلف دول العالم، ويكفي أن تطالع في موسم الحج المواقع الشخصية للمراجع الشيعة والإيرانيين وتتابع لقاءاتهم في موسم الحج لتعرف حجم النشاط الذي يقومون به من خلال السياحة الدينية!!

الملاحظة الثالثة أن هذه السياحة الدينية هي خاضعة لسيطرة الحكومة الإيرانية وليست لرغبة الإيرانيين الفردية، ودليل ذلك تعهد إيران بقدوم أعداد ضخمة من السياح، عرضت إيران على مصر قبل الثورة بشهور أن ترسل لهم نصف مليون سائح إيراني!! مما يسهل معه القيام بأنشطة عسكرية أو تجسسية بفضل هذا الغطاء القانوني والضخم (40 ألف سائح شهرياً) كما حدث في مكة وبغداد من قبل.

الملاحظة الرابعة: أن السياحة الدينية الإيرانية والشيعية تقوم بالانعزال عن المحيط، فهي تستأجر أو تشتري فنادق خاصة بها، وتقوم بتوفير كل ما يلزم لسياحها من خلال أماكن محددة تتبع لهم أو لأصدقائهم وحلفائهم في الدول، وهذا ملموس للمعتمرين في مكة حيث يأخذ الإيرانيون فنادق كاملة طوال السنة، وفي مصر للبهرة فندق خاص بهم، والذي يسعى لتسويق السياحة الإيرانية علاء أبو العزايم شيخ الطريقة العزمية الصوفية المتشيعة، وفي الكرك حاولوا بناء سكن خاص بزوارهم وفشلوا.

وهذا يجعل من سياحها أسرى برنامج الحكومة الإيرانية وتحت سيطرتها من جهة، ومن جهة أخرى هو يخلق دولة مصغرة لا يستفيد منها تجارياً إلا من يجاريهم وهو ما يفتح باب لاستقطاب الفضوليين والطماعين وهم من تحرص السياحة الدينية على اصطيادهم ليكونوا رأس جسر لنشر التشيع بين أهليهم وأصدقائهم.  

وفي الختام ما نراه طائفية مقيتة في العراق وسوريا هو نتائج السياحة الدينية الإيرانية فيهما، فليست إيران جمعية خيرية توزع النفط على الدول المحرومة بالمجان وبلا مقابل لوجه الله، بل إيران بالحقيقة هي تاجر البازار الذي لا يختلف عن "تاجر البندقية"!!

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: