مواقف المفكرين والعلماء من الشيعة - 19-
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام . وهذا البحث مستل من كتاب الأديان والمذاهب بالعراق ص 225 – 235، للكاتب الصحفي رشيد الخيون ، وهو شيعي عراقي غير متعصب لمذهبه ، وبحثه هذا سطر فيه تجربته الشخصية في التعرف على مذهبه الشيعي من خلال بيئته المحلية ، ويكشف فيها عن حقيقة المعتقدات السائدة لدى عوام الشيعة بفضل الدعاية الشيعية . الراصد
رشــيــد الخـيـون
الشـيعة
" العيش بمنطقة مغلقة لملة واحدة، ليس فيها ما يختلف معها في مقالة أو ممارسة، يوحي بالشعور بتفردها، ويعمق فكرة الفرقة الناجية المتداولة في كتب الملل والنحل، لها الجنة وللآخرين الجحيم. هذا ما حصل معي وأنا أدلف، في أول زيارة لبغداد وكنت صبياً، إلى جامع الحيدر خانة على ضفة شارع الرشيد اليسرى، وأنت متجه من الشمال إلى الجنوب، وتضع خلفك ضريحي إمامي المذهبين، الشيعي والسني، وهما موسى الكاظم وأبو حنيفة النعمان، يتوسدان ضفتي دجلة، ويربط بينهما جسر يعرف، نسبة إليهما، بجسر الأئمة، والاثنان قتلتهما السلطة نفسها بفاكهة وشراب مسمومين.
لمحني خادم الجامع أبحث عن شيء ما، فسألني إن كان يستطيع مساعدتي، فقلت له: أبحث عن تربة ، قال لي الرجل بحدة: "ليس في هذا الجامع ترب، ولا يجوز الصلاة على تربة"! حينها فهمت أنني دخلت المكان الخطأ. وما زاد استغرابي رأيت المصلين يضمون اليدين إلى الصدور! فالفارق، حسب المشهد، كبير بين الصلاة في الجامع الشيعي عنها في الجامع السنّي.
طرح هذا المشهد أمامي أسئلة عديدة منها أن للصلاة طرقاً أخرى غير الطريقة الشيعية، فعبارتي "أشهد أن علياً ولي الله" و "حي على خير العمل" واستخدام التربة وسبل اليدين هي تعاليم خاصة بنا وليس بالمسلمين عامة، ومذهبنا ليس الوحيد بالكون، وفي هذه الزيارة عرفت أن أمثال طبيب منطقتنا اليهودي (أبو كاتي) ومعلمة مدرستنا، الخاصة بالبنات، انطوانيت وزوجها إسكندر، يملأون بغداد، وهما من أقدم أقوام العراق، ولم يأتوا من أرض أخرى، والكل بشر مثلنا ...، وليس وحدنا سنكون في بطن الجنة، لأن الإمام علي بن أبي طالب يقف على السراط المستقيم، يأخذ بأيدينا.
.....كان البحث عن التربة في جامع سنّي، بعفوية الذي لا يفقه بواطن الأمور وعمق الخلاف بين الطائفتين، بداية مراجعة لأمور وممارسات عديدة، كنت أعيشها تلقائياً دون مناقشة أو سؤال، منها الاختلاف في تعيين يوم العيد ما بيننا وبين الحكومة. كان يشعرنا هذا التفاوت أن إسلامنا غير إسلامها، وكثيراً ما كان تأخير إعلان العيد يسبب إحراجاً للموظفين الغرباء في منطقتنا بسبب تبادل التهاني، فهم على الغالب من أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما يتأخر وصول برقية من النجف، معلنة انتهاء شهر الصوم، إلى الظهيرة فيضطر الناس إلى قطع صومهم وتبادل التهاني، وسط اندهاش موظفي الدولة.
يسهر الشيخ محمد علي الحموزي، وكيل مرجعية النجف وهو الوحيد يعتمر العمامة بمنطقتنا، طوال الليل بدائرة البريد والبرق والهاتف منتظراً إشارة من النجف، فرؤية الهلال لا تكفي الشيخ لإعلان العيد. أما العائلة الدينية الأخرى وهم آل شيخ لطيف فرغم تاريخهم في إحياء المجالس الحسينية، وقيادة الموكب الحسيني إلى كربلاء، وتغسيل وتكفين الموتى وإبرام عقود الزواج غير الرسمية، وكتابة التعاويذ إلا أنهم لا يتدخلون في تحديد الصيام أو الإفطار ولا يحق لهم البت بأمور شرعية، ولا يحق لهم التعمم فاكتفوا بالعقال والكوفية، ذلك لأن صلتهم بالنجف تكاد تكون معدومة، فهم فقهاء المجلس الحسيني بالوراثة لا بالدراسة.
تستدعي هذه الحال التأمل في صلة منطقتنا ومناطق الشيعة العراقية الأخرى بالدولة، التي أشار الاختلاف في إعلان العيد إلى سنيتّها، وما يترتب على ذلك من موقف منها ومن دوائرها بين ربوعنا الشيعية، منها تحديها بشعور له خلفيته التاريخية.
كانت هذه الممارسة دليلاً صارخاً أمام جيلنا على تعقيد الحالة المذهبية بالعراق، وكشف خصومتنا، الظاهرة المخفية، مع الدولة، يتبع ذلك ممارسات غير مفسرة لطفولتنا، منها: ثأرنا لفاطمة الزهراء بإقامة مشاهد ساخرة من الخليفة عمر بن الخطاب، في يوم معروف عندنا، وربما عند الشيعة كافة، بفرحة الزهراء، أو حسب تسميتنا له "فرحة الزهراء".
كان عبد الأمير جعاز، وهو أكبرنا سناً، يلبس طربوشاً ملوناً وثياباً فضفاضة ومزركشة، تعرف بثياب الشهارة، ويلصق بوجهه قطناً، نسير خلفه ونردد عبارة مهينة وساخرة هي: "يعمير (تصغير عمر) هيته هيته...". كانت هذه الممارسة مقتصرة على الصبيان، بينما يشير سكوت الكبار إلى الموافقة المستترة على التنكيل بشخصية عمر، فلا بد أنهم لعبوا هذا الدور في صباهم.
كان لثوب الشهارة صيت سيئ بين أهل المنطقة، فقيل إن الإنكليز ألبسوه للشيخ سالم الخيُّون عندما قبضوا عليه ودكوا مضيفه بالطائرات دكاً (1925) بفتنة طائفية من وزير الداخلية آنذاك عبد المحسن السعدون، يذكرون ذلك بألم وشعور خفي بالإهانة! وتذكر هذه الممارسة بطائفية عتيقة كان يمارسها عبادة المخنث بلبس ثياب مشهورة بفقاعة ألوانها ليسخر من شخصية الإمام علي بن أبي طالب أمام الخليفة جعفر المتوكل، ومباركة شاعره علي بن الجهم.
كان لهذا المشهد صلة بروايات تاريخية مختلفة، اختلقها إخباريون شيعة مثلما اختلق إخباريون سنّة روايات شيعية عن خبر كسر عمر بن الخطاب لضلع فاطمة الزهراء، ابنة الرسول، وإسقاط جنينها المفترض أن يكون ولدها الثالث المحسن بعد الحسن والحسين، وقد تصدى رجال دين شيعة لهذه الرواية التي أفرزت تلك الممارسة، وفي مقدمتهم آية الله اللبناني محمد حسين فضل الله، ولا زال يواجه بقوة من قبل الخصوم، وليس بعيداً أن يكون الإيرانيون مصدراً لمثل هذه الرواية.
فالشعوب الإيرانية، خارج التأثير المذهبي، تنظر إلى عمر بن الخطاب من زاوية أوجاع الفتوحات، وأن اغتياله لم يكن بعيداً عن آلام الأسرى من الشعوب الإيرانية من الذين أوصلتهم فتوحاته إلى يثرب، وأصبحوا ضمن ما فيها من الموالي، فالذي قتله هو أبو لؤلؤة فيروز الفارسي، بخنجر مسموم، وظل عبيد الله بن عمر مطلوباً بقتل أبي لؤلؤة وزوجته وابنتهما وشخصاً آخر يدعى الهرمزان([1]).
جاء في المصادر، أن الهرمزان كان قائداً في الجيش الفارسي، وخاض الحرب ضد العرب المسلمين بالعراق، وأُسر مع من أُسر، واستشاره عمر بن الخطاب في غزو بلاد فارس وأصبهان وأذربيجان، ثم كلفه بقيادة الجيش الغازي بصحبة الزبير بن العوام([2]). وقبل ذلك، قاد الهرمزان الجيش الفارسي في قتال العرب يوم ذي قار، جنوب العراق، "وكانت هذه الوقعة بين بكر بن وائل والهرمزان صاحب كسرى أبرويز"([3]).
وقيل الذي دفع خادم المغيرة بن شعبة، أبا لؤلؤة فيروز، لقتل الخليفة هو إذلال أسرى قومه، من نساء وأطفال بالمدينة، جاء في الرواية: "لما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيراً إلا مسح رأسه وبكى، وقال له: أكل عمر كبدي! وكان من نهاوند، فأسرته الروم، وأسره المسلمون من الروم، فُنسب حيث سُبي، وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح، لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع، وملك المسلمون بلادهم"([4]).
ظل علي بن أبي طالب يلاحق عبيد الله بن عمر بدم الهرمزان، حتى بعد فراره إلى جيش معاوية، وعند المواجهة في معركة صفين، وكان مع جيش معاوية، رد على علي وهو يسأله عن سبب قتاله له "أطلب بدم عثمان" فقال له علي: "أنت تطلب بدم عثمان والله يطلب بدم الهرمزان"([5]). ولما قتل عبيد الله بن عمر طلبت نساؤه جثته من معاوية، فتقدم الأخير لشرائها، فقال علي: "إنما جيفته جيفة كلب ولا يحل بيعها"([6]). ( وهذا من الكذب الشيعي المجوسي الواضح ، الذي اشتهر به المسعودي . الراصد )
نعرف جيداً أن أهل السنّة لا يستثنون من التكريم صحابياً من صحابة النبي، وإن كان معاوية ووالده أبا سفيان صخر بن حرب، ومع عدم واقعية هذا التشريف إلا أنه قد يستر كثيراً من إيقاظ النعرات بين الأتباع، وإن اكتفى مدرسنا في التربية الدينية والقادم من النجف الشيخ محمد النويني باستثناء الخلفاء الثلاثة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان مما جاء في المقرر الدراسي، فمنطقتنا أطلقت اسمي أبي سفيان ومعاوية على الكلاب، وأتذكر أن عراكاً عنيفاً جرى بين كلب أخوالي ويدعى أبا سفيان وبين كلب جيرانهم ويدعى معاوية، ولم يخطر على بالي أن شيعياً سمى ولده بهذه الأسماء.
هناك ممارستان ما زالتا حاضرتين في المخيلة الشيعية هما السقيفة التي بسط عمر بن الخطاب فيها يده لأبي بكر، ليكون خليفة رغم عمق المعارضة، كاستلاب لحق آل الرسول بخلافته، والثانية حروب معاوية مع علي بن أبي طالب ثم قتل الحسين بكربلاء، وهي الأعمق، ففي طقوس كربلاء السنوية لا يجد الشيعة حرجاً في ربط الاسم الأموي بالعطش والدم والخداع، لهذا كان أهلنا يجدون في تسمية كلابهم بأبي سفيان أو معاوية نوعاً من الثأر للإمام الحسين، وكل من قُتل من العلويين.
ومن المفارقة، أن ظهرت أسماء في الأسرة العلوية، في جيل قريب من الحدث، مثل معاوية بن عبد الله بن جعفر بن علي بن أبي طالب (والده من الأطفال الذين بقوا على قيد الحياة بعد الطف بكربلاء)([7]). وهنا يفترق المذهبان في مفهوم الصحابة وحول مَن عُرف بالمبشرين بالجنة.
إن امتزاج الحدث التاريخي في مخيلتنا الشعبية لا زال يوجه ميولنا المذهبية بعيداً عن وقائع التاريخ، فالوقائع حصلت بأرض قصية عن بيئتا المائية التي لم تعرف صهيل الخيل ولا غبار المعارك، لهاذا أوقف عتبة بن غزوان فتوحاته على مشارفها، بعد أن استكمل اجتياح البصرة، فهي حسب عبارته: ليست من ديار العرب. فنحن نعتبر زواج عثمان بن عفان من ابنتي الرسول لينال لقب ذي النورين، وزواج الرسول من بنات أبي بكر وعمر بن الخطاب وأبي سفيان، عائشة وحفصة وأم حبيبة أكاذيب لا صحة لها، والثلاث الأخيرات كن مذمومات، ولا زلن عند أغلب الشيعة، "وهن قال الله فيهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً"([8]). ونسب للسيد الحميري في عائشة وحفصة القول:
إحداهما نمت عليه حديثها وبغت عليه بغية إحداهما
ونسب له القول في عائشة وحالها مع المؤمنين في معركة الجمل:
كأنها في فعلها حيّة تريد أن تأكل أولادها([9])
والفاضلات، حسب مصدر شيعي، من زوجات الرسول هن: خديجة، وأم أيمن (وقيل أنها جارية)، وأم سلمة، وميمونة الهلالية، ومارية القبطية، وصفية وزينب بنت جحش([10]) والأخيرة زوجة ربيب النبي زيد بن حارثة، ويكذب أيضاً واقعة تزويج الإمام علي بن أبي طالب ابنته من عمر بن الخطاب، وأن يكون معاوية بن أبي سفيان أحد كتبة الوحي، ووالده أبو سفيان والياً من قبل النبي محمد على نجران، يؤيد ذلك شهادته في العهد الذي كتبه الرسول لأهلها([11])، وأن يكتب الوحي أيضاً المختص بعثمان بن عفان ورضيعه وطريد النبي محمد عبد الله بن سرح (ت 37هـ) لأنه ارتد ولحق بالمشركين بعد أن قال: "إن محمداً ليكتب بما شئتُ"([12])، وأن يكون الحسن والحسين ولدا علي بن أبي طالب ومعهم عبد الله بن عباس ضمن جيشه وتحت قيادته خلال الزحف نحو أفريقية([13]). أبعدنا هذه الأخبار لأنها تفصل التاريخ عن مخيلتنا، وبالتالي تقلل من شأن خلافنا مع الآخر.
كان بين مخيلتنا الموروثة وبين ما تلقيناه في المناهج المدرسية بوناً شاسعاً أيضاً، فقد جرت العادة أن ندرس سيرة الخلفاء الراشدين حسب الأهمية والأسبقية بالخلافة وآخرهم علي بن أبي طالب، بينما ما عندنا هو الأول والموصى في إمامته من الله، ومثلما اعتبر إخباريو السنّة رأي عمر بن الخطاب حافزاً في نزول العديد من الآيات القرآنية، أعتبر إخباريو الشيعة علياً مرموزاً إليه وإلى ولايته بآيات قرآنية. وكان الماء يُسقى في عاشوراء للمعزين بقتل الحسين مع عبارة: "اشرب الماء وألعن يزيد"، ويزيد هذا كان خليفة المسلمين رسمياً! و "لعن الله أمة حرمتك من الماء"، وهذه الأمة كانت أمة مسلمة في انتمائها الديني، بينما نقرأ في درس التاريخ حول إنجازات معاوية وفتوحاته وانتصاراته التي غلبت الروم.
مع أن معاوية بن أبي سفيان افتتح عصراً إسلامياً يُشتم فيه الإمام علي بن أبي طالب على المنابر لعشرات السنين، ويطارد شيعته وآل بيته من جيل إلى جيل، وأن يمدح التاريخ الرسمي عائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وأن الأخيرين من المبشرين بالجنة، حسب حديث نبوي يؤكده محدثو السنّة بقوة، مع أنهم خرجوا قاصدين قتل علي بن أبي طالب.
خلقت هذه الازدواجية عند الشيعي العراقي، على وجه الخصوص، نوعاً من عدم الجدية في تناول موضوعات التاريخ الرسمي، وعمق ذلك من التمييز بين الطائفة أو المذهب وبين الدولة، يظهر ذلك في ممارسات عديدة منها، كما أسلفنا، الاستقلال بيوم الفرح، وهو تأخير إعلان العيد، فمثلما لا تشاركهم السنّة في حزنهم السنوي لا يود الشيعة المشاركة في الفرح أيضاً.
وحسب ما تقدم، كم تبدو خارطتنا المذهبية معقدة، فالأحداث متداخلة وموزعة بين إسلامين، إسلام سنّي تعددت مذاهبه رغم تقاربها، وإسلام شيعي تعددت مذاهبه أيضاً واختلفت أزمنته، لم يبق منه بالعراق غير المذهب الجعفري أو الإثنى عشري أو الإمامي،
يصعب وضع اليد على بداية تاريخية، سواء كان بالعراق أو في غيره من البلدان. وقد لا يقود البحث في تاريخه إلى مؤسس بعينه، كبقية المذاهب. فمن السهولة بمكان وضع اليد على بدايات المذهب الحنفي، أو المالكي. أو الشافعي، أو الحنبلي لأن هذه المذاهب ارتبطت بشخص معين، وليس لها خلفية سياسية معقدة. أما الشيعة فمن الصعوبة بمكان الإشارة إلى مؤسس، فالأحداث السياسية بداية من السقيفة متداخلة ومعقدة.
نسب مؤرخو الشيعة تأسيس مذهبهم إلى النبي، وأنه بذرة الإسلام الأولى، حالهم في ذلك حال المذاهب الأخرى، واجدة أحاديث نبوية مبشرة بأبي حنيفة أو الشافعي أو ابن حنبل. قال محمد حسين كاشف الغطاء: "إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفسه صاحب الشريعة الإسلامية، يعني أن بذرة التشيع وصفت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب، سواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية"([14]). وينصح كاشف الغطاء، وهو من المراجع الدينية البارزة بالنجف في النصف الأول من القرن العشرين، بمراجعة الآية "أولئك هم خير البرية"([15])، ويفسرها بأنهم علي وشيعته، داعماً تفسيره بآراء فقهاء سنّيين، مثل: ابن عساكر والسيوطي والدارقطني([16]).
وعلى المنوال نفسه، يذهب آية الله محمد باقر الصدر إلى القول إنه "نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلاً لأطروحة كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصل إليها حفاظاً على نموها السليم، ويمكننا أن نستنتج هذه الأطروحة استنتاجاً منطقياً من الدعوة التي كان الرسول الأعظم يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها، والظروف التي عاشتها"([17]).
وبما أن الوصية في الإمامة هي عماد التشيع لذا اعتبر الصدر ترك الأمر بلا وصية "سلبية لا يمكن افتراضها في النبي"([18]). ويدلل الصدر منطقياً على إثبات الوصية، أنه كيف يوصي أبو بكر لعمر، وعمر لستة من أهل الحل والعقد "والرسول لم يعهد لأحد"؟ ويترك الصدر الباب مفتوحاً للاختلاف لا في وجود الوصية بل في "لمن كانت الوصية". وهذا صحيح، فالذين يتحدثون عن ترك الرسول الوصية يحاولون التشبث بمبدأ الشورى، الذي منه يحاولون تكريس الديمقراطية تاريخياً، والأمر وفق هذه المحاولة لا يتعدى الدعاية الفكرية والسياسية، أما الواقع فغير ذلك تماماً، فإذا كان أمر المرتد لم يحسم بعد بين المسلمين فيكف التحدث عن الديمقراطية التي لا يمكن أن تستقيم دون حرية فكرية وعقائدية.
وهذا الرأي هو رأي الشيعة عامة، ولم يدع إخبارية المذهب وحدهم جذوراً لمذهبهم تتصل بالرسول مباشرة، بل ادعى هذه الصلة، كما قلنا، معظم المذاهب إن لم يكن كافة، وطبقات المذاهب تؤكد ذلك، مع أن بذرة الإسلام الأولى لم تكن شيعية ولا سنّية ولا معتزلية، غير أن الرسول وخميرة الإسلام، كما يُقال، لا زالت حاضرة في المذاهب الإسلامية كافة، وإن كانت بدرجات متفاوتة، لا سيما أن جميع المذاهب تتخذ من الرسول حجة لوجودها وشرعيتها، وتأكيداً لفضل بعضها على بعض، والشيعة ربما الأقرب إلى النسب النبوي، فوصية غدير خم، وهي حجتهم في ولاية علي بن أبي طالب، معترف بها من قبل السنّة أيضاً، لكنهم يختلفون في تفسيرها.
ولنأخذ رأياً سنّياً حول بذرة التشيع الأولى نقتبسه من محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الشافعي، قال: "إن الشيعة هم الذين شايعوا علياً، رضي الله عنه، على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية، إما جلياً وإما خفياً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تُناط باختيار العامة وبتنصيب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله"([19]).
اعترف الشهرستاني، حسب ما ورد، بمشايعة الشيعة لعلي بن أبي طالب، وبالتالي بنسبة الشيعة إلى العهد النبوي، فالمشايعة تمت على أساس وصية النبي. والسؤال هل الوصية، في وقت إعلانها، أصبحت تاريخاً لقيام المذهب الشيعي؟ وهل تعتبر علي بن أبي طالب مؤسساً للشيعة؟ إن ما يعيق التسليم بهذا الرأي هو أن الإمام علياً كان يمثل الإسلام عموماً، واختلافات تلك المرحلة لم تؤدِ إلى انفلاق مذهبي على أساس سنّي وشيعي، فمن السابق لأوانه أن نتحدث عن افتراق الإسلام إلى طائفتين على أسس مذهبية في الفترة النبوية، أو الفترة الراشدية، بل اختلافات تلك الأيام كانت اختلافات سياسية مباشرة، تداخل فيها العلاقات العشائرية والأسرية.
فنصيحة رجل أموي الهوى، لعب دوراً في شد عضد معاوية بن أبي سفيان، لعلي بن أبي طالب توحي بتداخل الاتجاهات آنذاك، وإشارة إلى التفاف الناس حول خليفة أتته الخلافة بالبيعة البائنة، والاختلاف كان مع أمير شق عصا الطاعة واستقل بالشام، فأراد تحقيق حلم أبيه صخر بن حرب (ت 31هـ)، الذي أفصح عنه وهو يقف شامتاً فوق قبر حمزة بن عبد المطلب، عم الرسول والمقتول في معركة أُحد، والذي أكلت كبده حقداً عليه زوجته هند.
قال أبو سفيان: "رحمك الله يا أبا عمارة، لقد قاتلتنا على أمرٍ صار إلينا"([20])، ربما شمت أبو سفيان بقتيل أُحد يوم كان والياً من قبل النبي على نجران، كما سلفت الإشارة. والعبارة قد لا تتعدى قراءة ناقل الخبر أبي حيان التوحيدي الخاصة بتغيرات المشهد السياسي.
نأخذ نصيحة المغيرة بن شعبة (ت 50هـ)، الذي أشرنا إليه بأموي الهوى، لعلي بن أبي طالب من مصدر قريب على التشيع، هو أبو الحسن المسعودي (ت 347هـ)، فقد عدَّ من أعلام الشيعة ونُسب له كتاب "الوصية"، مع أنه بعيد عن أجواء أسلوبه في الكتابة. جاء في الرواية: "أتى المغيرة بن شعبة علياً، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وأن المضاع اليوم تضيع فيه ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر (والي البصرة) على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: أنظر".
لكن المغيرة، ربما بتأثير أموي، سرعان ما تراجع عن نصيحته لعلي "وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبه برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنزع، فتعرف السامع من غيره، وتستقيل أمرك"([21]). فقال عبد الله بن عباس لعلي: "أما أمس فقد نصحك، وأما اليوم فقد غشك"([22]).
ورغم أن كتباً مثل "الهداية الكبرى" للحسين بن حمدان الخصيبي (ت 334هـ)، و"بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي (ت 1111هـ) وغيرها من كتب الشيعة العامة مملوءة بالخيالات الجامحة، إلا أنها شاركت بطريقتها في نسبة التشيع للفترة النبوية، ذلك برواية حديث مرفوع إلى الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق، ملخصه أن النبي خرج يوماً يطلب طعاماً من بيت علي بن أبي طالب، فاعتذر الأخير عن توفير الطعام، فهو لم يذقه منذ ثلاثة أيام، فأخذه الرسول والمقداد بن الأسود الكندي وأبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر، وقال لهم: "أبشروا فإن الله عز وجل أمر الجنة أن تتهيأ بأحسن هيئتها فتهيأت، وقال لها: إني جعلت سكانك محمداً رسولي وأهل بيته، وأنتم أصحابي وشيعتي وشيعة أهل بيتي وعترتي..."([23]).
إن نسبة بدايات التشيع إلى هؤلاء الأصحاب وسلمان الفارسي أمر شائع في كتب الشيعة، وأخبار صلاتهم بالتشيع مؤكدة في مختلف المصادر التاريخية، فالمقداد رد على معاوية بعد أن سأله ما هو فاعل لو كان محل أبي موسى الأشعري في الحكومة بصفين، قال: "أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم، وألفاً من الأنصار وأبنائهم ثم أقول: يا معشر من حضر أرجل من المهاجرين السابقين (ويعني علياً) أحق بالخلافة أم رجل من الطلقاء (يعني معاوية، والطلقاء هم الذين أسلموا يوم فتح مكة)([24]).
وأن أبا ذر الغفاري مات منفياً بالربذة (منطقة صحراوية على مسافة من المدينة) بعد أن ضاق عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان من تحريضاته، واعترض علي بن أبي طالب بشدة على نفيه، وعمار بن ياسر قتل وهو أحد قادة جيش علي في معركة صفين ضد الشاميين بقيادة معاوية، وسلمان الفارسي عُرف بباب علي، وكل إمام من أئمة الشيعة له بابه. لكن أي من هؤلاء كان شيعياً بالمعنى المعروف، غير التفافه حول علي بن أبي طالب بداية من أيام عثمان ثم في خروج معاوية عليه؟ ففي تلك الأيام لم يتبلور التشيع في مقالات فقهية وليس هناك إشكاليات مذهبية، غير إشكاليات السياسة وفي مقدمتها الإمامة، والتي هي أول افتراق بين المسلمين.
عموماً، إن الشيعة فرقة نشأت بالتدرج، وأن الإمامية، وهي مذهب أهل العراق الشيعة اليوم، التي نحن بصددها، ظهرت متأخرة على فترة الإسلام الأولى، والبداية كانت بمفهوم الشيعة العام كأصحاب وجماعة التفت حول علي بن أبي طالب، ثم تحولت إلى تجمعات سياسية ظلت تعترض على الحكم الأموي، مرة بالتنظيم السري، كتنظيم أولاد محمد بن الحنفية، ومرة بإعلان الثورة المسلحة كحركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار بن أبي عبيد الله الثقفي، وزيد بن علي بن الحسين.
ولم يحظ التشيع بتمييز مذهبي فقهي وكلامي إلا بجهود الإمام جعفر الصادق الفقهية، لذا جاءت تسمية المذهب الشيعي بالمذهب الجعفري مطابقة للواقع، لاسيما وأن معظم الأحاديث أو السنّة التي يهتدي بها الشيعة قد جاءت مروية على لسان الصادق، هذا ما تشير إليه كتب الحديث الأربعة المعتبرة عند الشيعة، وهي: "الكافي" لمحمد بن يعقوب الكليني (ت 292هـ)، وتضمن (16.199) حديثاً، و "مَن لا يحضره الفقيه" لمحمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381هـ) وتضمن (5.964) حديثاً، و "الاستبصار" و "التهذيب" لشيخ الطائفة الطوسي (ت 460هـ) وتضمنا معاً (19.101) حديثاً([25]).
تقابل الكتب الأربعة الشيعية كتب الحديث الستة السنّية، أبرز رواتها الصحابي أبا هريرة، الذي تكذبه الشيعة، مثلما كذب كُتاب السنّة الشيخ الصدوق، فدعوه بالكذوب، لذا رد الشيعة عليهم ودعوه بالصدوق، وكذلك كذبوا الإخباري الشيعي عبد الله الجعفي، غير أنهم لا يتعدون أو يجازفون إلى تكذيب جعفر الصادق مع أنه تقريباً مصدر حديث الشيعة الأهم، فاعتبروا أحاديث هذه الكتب أكاذيب على جعفر الصادق من قبل رجال الشيعة.
[1]) ـ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، 2/ 160.
[2]) ـ المسعودي، مروج الذهب وجواهر المعدن، 3/ 66.
[3]) ـ المصدر نفسه، 1/ 320.
[4]) ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/ 16.
[5]) ـ مروج الذهب، 3/ 133.
[6]) ـ المصدر نفسه، 3/ 133.
[7]) ـ الأصفهاني، مقاتل الطالبين، ص 152.
[8]) ـ الخصيبي، الهداية الكبرى، ص40، (التحريم، آية 5).
[9]) ـ أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، 2/24.
[10]) ـ الهداية الكبرى، ص40.
[12]) ـ أبو يوسف، الخراج، ص 73.
[13]) ـ الجهشياري، الكتاب والوزراء، ص13، الزركلي، الأعلام، 4/ 88ـ 89.
[14]) ـ كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ص44.
[16]) ـ أصل الشيعة وأصولها، ص45.
[17]) ـ حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، 1/7.
[18]) ـ المصدر نفسه، 1/8.
[19]) ـ الشهرستاني، الملل والنحل، 1/ 146.
[20]) ـ أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، 2/ 75.
[21]) ـ مروج الذهب، 4/ 643.
[22]) ـ المصدر نفسه، 4/ 644.
[23]) ـ الهداية الكبرى، ص41ـ 42.
[24]) ـ المرزباني، شعراء الشيعة، ص31.
[25]) ـ الطالقاني، الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها، ص34، الهامش.