هذا مبحث نفيس في تاريخ دخول التشيع للهند, والتشيع في الهند ينقسم إلى الإسماعيلية بفرعيها المستعلية (البهرة) والنزارية (الخوجة), والإمامية الاثنى عشرية, والنور بخشية, والتشيع في الهند وما حولها سبب للعديد من البدع والأفكار المنحرفة, ويتميز الوجود الشيعي في بلاد الهند وما حولها باستخدام العنف ضد أهل السنة بشكل واضح وصريح.
هو إطلاع أهل السنة على أساليب الشيعة في التغلغل في البلاد الإسلامية من أجل مزيد من الوعي...................الراصد.
أولاً: الإسماعيلية
دخول الشيعة إلى شبه القارة الهندية
بداية انتشار التشيع في البلاد الهندية:
كانت البداية الأولى لانتشار التشيع في القارة الهندية أيام الخليفة المنصور العباسي, وذلك أن إقليم السند كان لا يزال تحت حكم الخلافة العباسية بعد الأموية, ولما تولى المنصور الخلافة, بعث عمر بن حفص([2]) والياً على هذا الإقليم. وكان هذ الوالي الجديد –الذي عرف بحسن تدبيره وحزمه- على مذهب التشيع في الخلفاء دون الجهر, حتى رحب في السند بأحد دعاة الشيعة حين جاء إليها هرباً من وجه العباسيين, وهذا الداعية هو عبد الله العلوي([3]) . وهذا أول داعية وطئت أقدامه البلاد الهندية, وكان ذلك في منتصف القرن الثاني الهجري, فكان عهد بداية انتشار التشيع في إقليم السند من البلاد الهندية([4]) .
خاف عمر بن حفص من نقمة الخليفة إن هو آوى داعية الشيعة في حمايته, فأنزله مع أتباعه عند أمير هندوكي في أحد البلاد المجاورة, موالياً رعايتهم, والعناية بشؤونهم في الخفاء, ومضت على هذا الحال عشر سنوات, ولما علم الخليفة بالأمر, كتب إلى عامله في السند يأمره بغزو بلاد الأمير الهندوكي, ومطاردة الداعية الشيعي, وما إن أحس الخليفة مماطلة عمر في تنفيذ ما أمره نقله إلى شمال إفريقية وبعث مكانه هشام بن عمر([5]) , وحرضه على القضاء على الشيعة وأنصارها في السند, وفي عهده لقي الداعية عبد الله بن محمد العلوي وعدد من أتباعه مصرعهم, وبعث هشام برأسه إلى الخليفة في بغداد([6]) .
ثم نزح إلى السند في فترات مختلفة أعداد من القرامطة من البحرين وبلاد فارس, كما قدم في مطلع القرن الرابع الهجري دعاة إسماعيليون من بلاد شتى, واستقروا في السند, حتى جاءها داعية من كبار دعاتهم يسمى جلم بن شيبان وما إن وصل هذا الداعية حتى التف حوله القرامطة الذين كانوا قد نفذوا إليها من البحرين وبلاد فارس, ووحدوا صفوفهم. وكان إقليم السند في ذلك الوقت تسوده الاضطرابات من جراء النزاعات القبلية بين العرب –إذ كانت هذه القبائل تطالب بتقسيم هذه البلاد إلى ثلاثة أقسام: قسم لقريش, وثان لربيعة, وثالث لقيس- فاستغل جلم بن شيبان الإسماعيلي هذه الأوضاع, وتمكن آخر الأمر من الاستيلاء على مقاليد الحكم فيها. فكانت حكومته هذه أول دولة إسماعيلية تشهدها شبه القارة الهندية([7]) .
تولى حكومة الدولة الإسماعيلية من بعد جلم رجل آخر يدعى حُميد, وهو الذي وجده السلطان سبكتكين الغزنوي في غزواته بالملتان, فهزمه وقتل. وتولى بعده الحكم فيها حفيده أبو الفتح داود القرمطي. ولما حمل السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي راية الجهاد لنشر الإسلام, والقضاء على الفرق الضالة, كان داود القرمطي يدخل في المعاهدات مع السلطان على دفع مبالغ مالية, ويتحالف في الخفاء مع أمراء هنادك لصد السلطان محمود عن الدخول في البلاد الهندية, ويتآمر ضده, وآخر الأمر ضاق محمود ذرعاً بمؤامرات داود القرمطي فخرج إليه من جديد عام (401هـ), فما زال به حتى أوقعه في الأسر, وحبسه في أحد الحصون, ولم يرجع عن الهند إلى بعد أن قضى على الدولة الإسماعيلية قضاءً تاماً, وخرب عاصمتهم المنصورة وضم هذا الإقليم إلى الدولة الغزنوية, وبهذا انتهت أول دولة قامت للإسماعيلية في البلاد الهندية, وهربت فلول هذه الطائفة إلى بلاد كجرات الغربية التي غدت بؤرة للنّحل الضالة فيما بعد([8]) .
تبين مما سبق, أن أول فرقة وطئت أقدامهم أرض الهند هم الإسماعيليون, وتكونت لهم دولة في إقليم السند في القرن الرابع الهجري, وانقرضت في القرن الخامس الهجري على أيدي السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي, وهرب الإسماعيليون من السند إلى بلاد كجرات الساحلية الغربية, وانضموا إلى بني نحلتهم الإسماعيليون الذين وصلوا إليها من اليمن ومصر وسموا بالبهرة أو البوهرة كما سيأتي بعد قليل([9]).
وإذا لاحظ الباحث طرق دخول طوائف الشيعة إلى البلاد الهندية من القرن الخامس الهجري حتى القرن العاشر الهجري يجدها كالآتي:
أولاً: طريق اليمن ومصر:
دخل عن هذا الطريق الشيعة الإسماعيلية –الفرع المستعلي وهم البهرة- إلى البلاد الهندية, حيث كان يصل الدعاة الإسماعيليون من مصر واليمن إلى بلاد كجرات الساحلية في زي التجار, وازداد نشاط هؤلاء الدعاة لما انقرضت دولتهم في مصر ثم في اليمن. وقد بلغ وصول الإسماعيليين –من الفرع المستعلي- إلا بلاد كجرات ذروته في القرن العاشر الهجري لما انتقلت دعوتهم من اليمن إلى الهند([10]) .
ثانياً: طريق بلاد فارس:
قدمت بقية طوائف الشيعة إلى البلاد الهندية عن طريق بلاد فارس, وهم كالتالي:
1-الإسماعيلية النزارية:
وهو الخوجات أو الآغاخانيون: بدأ وصول دعاة هذه الطائفة من الشيعة إلى البلاد الهندية بعد منتصف القرن السابع الهجري, وذلك لما قام هولاكو خان بنسف قلعة ألموت والقلاع الإسماعيلية الأخرى في فارس عام (654هـ), تشتت الإسماعيليون في البلاد المختلفة, كما توجه عدد كبير منهم إلى البلاد الهندية([11]) .
وكان وصول النزاريون –من الإسماعيلية- إلى البلاد الهندية مستمراً دون انقطاع حتى القرن العاشر الهجري, وفي هذا القرن تولى الصفويون مقاليد الحكم في بلاد فارس, وكانوا ينتمون إلى الإمامية الاثنى عشرية, ويضربون كل فرقة يرون فيها تهديداً لمذهبهم ودولتهم, فاضطر الإسماعيلية في فارس أن يعيشوا متسترين تحت التقية والكتمان, مما أدى إلى تدفقهم إلى المناطق الهندية التي انتشرت فيها النزارية([12]) ([13]) .
2-الإمامية الاثنا عشرية:
بدأ قدوم الدعاة الاثنى عشريين منذ القرن الثامن الهجري من بلاد فارس إلى البلاد الهندية([14]) . وفي مستهل القرن العاشر الهجري لما انهزم همايون من بابر المغولي أمام شير شاه السوري الأفغاني لجأ إلى إيران مستنجداً بالشاه طهماسب الصفوي ومؤكداً له فتح أبواب البلاد الهندية لدعاة الشيعة الاثنى عشريين, فأمده الشاه بالجيش والعتاد, وتمكن الملك همايون من استعادة مملكة الهند للمرة الثانية, وبدأ بذلك تدفق الدعاة الاثنى عشريين من إيران إلى البلاد الهندية([15]) . وبعد تولي أكبر بن همايون زمام الأمور في الدولة المغولية زاد نفوذهم في الدولة عن أي وقت مضى.
كما قامت للشيعة الاثنى عشرية دويلات مستقلة في منتصف القرن العاشر الهجرية في غرب البلاد الهندية وجنوبها, والتي كانت تستقطب الدعاة الاثنى عشريين وعلماءهم من إيران, مما أدى إلى قدوم كثير منهم إلى هذه البلاد([16]) .
3-النور بخشية:
انتشرت النور بخشية في وادي كشمير والمناطق المجاورة لها من البلاد الهندي على يد داعية يدعى مير شمي الدين العراقي, قدم من خراسان الإيرانية في نهاية القرن التاسع الهجري([17]) .
وستأتي التفاصيل عن هذه الفرق في المبحث القادم, بإذن الله تعالى.
* * *
إن الدارس لتاريخ المذاهب العقدية في شبه القارة الهندية إبان القرن العاشر الهجري, يستطيع أن يجد من بين هذه المذاهب مذهب الشيعة الذي انتشر بقوة في هذه الأصقاع من خلال وسائل الاتصال التي تحدثت عنها في كيفية دخول الشيعة إلى شبه القارة الهندية. ومن أهم فرق الشيعة في القرن العاشر الهجري في الهند الفرق التالية:
أولاً: الإسماعيلية وتتمثل في فرقتين:
أ-البهرة المستعلية.
ب-النزارية (الآغاخانية).
ثانياً: الإمامية الاثنا عشرية.
ثالثاً: النور بخشية.
وفيما يلي أقدم دراسة موجزة لكل فرقة من تلك الفرق:
أولاً: الإسماعيلية([18]) :
ترتبط الفرق الإسماعيلية في البلاد الهندي بفرعيها –المستعلية والنزارية- بالعبيديين أو الفاطميين بمصر, وبعد المستنصر بالله الفاطمي (427هـ-487هـ) انقسمت الإسماعيلية إلى فرقتين: المستعلية, والنزارية.
وذلك أن المستنصر نص على أن تكون الإمامة من بعده لابنه نزار, ولكن وزيره الأفضل بن بدر الجمالي انتهز فرصة وفاة المستنصر وأعلن إمامة المستعلي الابن الأصغر للمستنصر وابن أخت الوزير, ويقال: إن الجمالي بعد حروب مريرة بينه وبين نزار وأتباعه قيض نزار وابنه وقتلهما, ولكن عدداً كبيراً من الدعاة وأتباع المذهب الإسماعيلي –من أشهرهم الحسن بن الصباح- رفضوا البيعة للمستعلي ونادوا بإمامة نزار وأبنائه من بعده. وهكذا أصبح للشيعة الإسماعيلية فرعان: المستعلي والنزاري([19]) . تنتمي بهرة الهند إلى الفرع المستعلي, والآغاخانية إلى الفرع النزاري من الإسماعيلية.
وقد استمر الإسماعيلية المستعلية في حكم مصر إلى أن استطاع القائد السني صلاح الدين الأيوبي أن ينهي وجودهم السياسي في مصر عام (567هـ)([20]) .
وقد واكب ضعف الفاطميين في مصر ظهور فرع جديد للشيعة المستعلية في اليمن عرفوا باسم الإسماعيلية الطيبية([21]) , واستطاعوا إقامة دولة لهم على يد أحد دعاتها يسمى علي بن محمد الصليحي([22]) , وعرفت بالدولة الصليحية. وقد استمرت هذه الدولة ملتزمة بتعاليم الشيعة الإسماعيلية حتى وفاة الملكة أروى بنت أحمد([23]) عام (532هـ).
وبعد وفاة الملكة أروى بدأ أمر الدولة الصليحية يضمحل حتى انقرضت عام (563هـ)([24]) . وقد ظلّت البهرة في الهند مرتبطة بالدعوة في اليمن حتى انتقلت الدعوة من اليمن إلى الهند.
وفيما يلي تفصيل ذلك بإيجاز:
أ-البهرة المستعلية:
كلمة البهرة:
كثرت آراء المؤرخين والباحثين في اشتقاق كلمة البهرة, ومعناها, وتتلخص هذه الآراء فيما يأتي:
أولاً: أن هذه الكلمة هندية الأصل. وقيل: في اشتقاقها احتمالات كثيرة أشهرها كالآتي:
1-أن ((بوهرة)) أو ((بُهرة)) بمعنى التجار على اللغة الكجرانية.
2-أنها مشتقة من ((بوه راه)) أي: الطريق السوي.
3-أنها جاءت من ((بهو راه)) أي: الطرق الكثيرة.
4-أنها جاءت من ((بهر)) بمعنى صفوف الإبل.
5-أنها جاءت من ((بهراج)) بمعنى البصير بعواقب الأمور.
6-أنها جاءت من كلمة ((ووهرا ويه ورو)) على اللغة السنسكريتية, بمعنى التعامل, ثم تطورت إلى ((ويه وهاري)), وبدأ الناس ينطقونها ((بيو باري)) بمعنى التاجر؛ لأن مخرج ((الواو)) و ((الباء)) متقارب في اللغات الهندية.
وفي هذه الحالات ترجع مادة هذه الكلمة إلى أصول هندية.
ثانياً: يحتمل أن ترجع مادة هذه الكلمة إلى أصول عربية, يقال: إن البهرة مأخوذة من كلمة بهراء وهي اسم قبيلة كانت تسكن بنواحي المدينة واليمامة.
قال ابن منظور: ((بهراء: حي من اليمن. قال كراع: بهراء –ممدودة- قبيلة))([25]) .
قال الجوهري: ((بهراء قبيلة من قضاعة))([26]) .
وتزعم عائلات كثيرة من البهرة المقيمين حالياً في ولاية كجرات أنهم قدموا من الطائف والمدينة المنورة.
ويحتمل أيضاً أنها مشتقة من البياسرة, والبياسرة كما قال ابن منظور: ((قوم بالسند. وقيل: جبل من السند يؤاجرون أنفسهم من أهل السفن لحرب عدوهم, ورجل بيسري))([27]) .
فمن المحتمل أن تجار العرب كانوا يطلقون هذه الكلمة على العمال الذين يرافقونهم في سفنهم, ثم شاعت هذه الكلمة لكل من يصل من العرب إلى البلاد الهندية قاصدين للتجارة, ويقيمون في المناطق الساحلية, ثم بدأ إطلاقها على أولادهم جيلاً بعد جيل, ثم تطورت الكلمة في النطق والكتابة, وأصبحت البوهرة أو البهرة([28]) .
يؤخذ مما تقدم أن استخدام هذه الكلمة اشتهر في معنى التاجر سواء أكانت هندية الأصل أم عربية, وسواء أكان التجار من العرب أم من الهند, كما يفهم أن هذه الكلمة وثيقة الصلة بإسلام القوم, إذ كانت بداية إطلاق هذه الكلمة على المسلمين فقط, سواء أقدموا من قبائل العرب, أم أسلموا من السكان المحليين.
نشأة البهرة الإسماعيلية وتاريخها:
تعددت الروايات عن نشأة طائفة البهرة الإسماعيلية في البلاد الهندية, وأشهرها كما يلي:
الأولى: تذكر كتب البهرة رواية طويلة عن وصول الدعاة الإسماعيليين إلى البلاد الهندية, وملخصها: أن ((الإمام المستنصر بالله)) الفاطمي بعث أحد أتباعه يدعى مولائي أحمد إلى الهند لينشر الدعوة هناك, ونزل في كهنبايت –من بلاد كجرات- وبدأ يتجول في زي الهندوس, ورأى يوماً أن نفراً من الفتيان يلعبون في أحد الميادين, فكان يذهب كل يوم هناك وينظر إليهم, ويلاحظهم حتى أقام علاقة صداقة مع اثنين منهم, وهما: رام جي وروب جندو ودعاهما إلى الذهاب معه إلى مصر, فرضياً بذلك. فلما مثل –أي مولائي أحمد- أمام المستنصر اعتذر قائلاً: بأنه لم يتمكن من أن يفعل شيئاً لعدم معرفة لسانهم, وقدّم له هذين الفتيين, وطلب منه إرسالهما إلى الهند بعد تعليمهما مبادئ الدعوة الإسماعيلية, فسرّ الإمام بذلك, وسمى الأول عبد الله والثاني نور الدين وأحسن تربيتهما, فلما أكملا تحصيلهما العلمي, وبرعا في علم البحث والمناظرة, والتأويل والحقائق, بعثهما الإمام المستنصر إلى الداعي مولانا لملك([29]) –داعي اليمن- يرافقهما مولائي أحمد, وبعد أن تلقوا منه التوجيهات اللازمة توجهوا جميعاً إلى الهند ونزلوا في كهنبايت –من بلاد كجرات- واختفوا في مزرعة بعيدة عن المدينة, وهناك استمالوا صاحب المزرعة الهندوسي وزوجه إلى الدعوة إذ كان عبد الله ونور الدين يعرفان اللغة الكجراتية فقبلا الدعوة, وأسلما على أيديهم بعد أن شاهدا خارق نبع الماء من بئر المزرعة التي نضب منذ فترة؛ ولما أيقنوا من إذعانهما وإخلاصهما للدعوة كشفوا عن حقيقتهم وسألوهما عن كيفية نشر الدعوة في البلد كله, فدلاهم على برهمي يعتقد فيه وزير الملك بهار مل فإذا أسلم البرهمي, فسوف يسلم الوزير, وبالتالي الملك وبقية الناس.
فتوجه مولائي عبد الله إلى البرهمي فحاوره وناظره حتى أقنعه بقبول الدعوة, وعلّمه مبادءها, ولما رآه مخلصاً يوثق به بدأ يشجعه لاستمالة الوزير إلى دينه, فكلّما يأتي إليه الوزير يزوره يذكر له فضائل الإسلام, ويبين عيوب عبادة الإصنام, فقال له الوزير: إذا كنت قد غيرت دينك فافصح عنه, وأنا أتبعك فيه, فكشف له البرهمي عن حاله, وأخذه إلى مولائي عبد الله فأسلم على يديه, وبدأ يأخذ عنه آداب الإسلام, وعلوم أئمة آل محمد r حتى رآه يوماً أحد خدمه وهو يصلي, فأبلغ الملك بذلك –وكان شديداً على المسلمين- فقال الملك: إذا رأيت بعيني وهو يصلي أنزل به عقاباً شديداً, وبدأ الخادم يراقبه عن كثب, فلما رآه يصلي أبلغ الملك فوراً, فوصل على وجه السرعة, ورآه يركع ويسجد, ولما عرف الوزير أن الملك قد حضر في بيته, توجه إليه وأدى مراسم التحية فسأله الملك عما يفعل؟ فأجاب: أنه رأى ثعباناً اختفى تحت الصندوق, فكان يبحث عنه واقفاً, ولما لم يجده انحنى ثم وضع رأسه على الأرض باحثاً عن ذلك الثعبان, فأمر الملك رجاله نقل الصندوق والبحث عن الثعبان, فرأى ثعباناً كبيراً يخرج من تحت الصندوق, فصدق الوزير, ورجع من حيث أتى.
بعد هذا الحادث بدأ الداعي مولائي عبد الله يلح على البرهمي لاستمالة الملك ((سدهـ راج سنكَهـ)) إلى الدعوة, وكان –أي الملك- يأتي مرة كل سنة إلى معبد البرهمي, يقدم القرابين للصنم الكبير, ثم يتبرك بالفيل المعلق –الذي معلقاً على الهواء في حجرة من المعبد- ويتحف البرهمي بالهدايا.
فلما وصل الملك –كعادته- طلب مولائي عبد الله من البرهمي أن يخبر الملك بأنه رأى في المنام أن الفيل المعلق يقول له: أنه سئم من طول الوقوف في الهواء ويرغب الآن في وضع إحدى أرجله على الأرض, وذهب مولائي عبد الله إلى الفيل في الليل, ولاحظ أنه مصنوع من الحديد, ونصبت إزاء كل رجل قطعة كبيرة من المغناطيس في السطح وهي تجذب الفيل إليها, فظل معلقاً على الهواء, فاقتلع قطعة مغناطيس, ونزلت إحدى أرجل الفيل على الأرض, وكرر هذا العمل ثلاث ليال متوالية, فنزل الفيل من الهواء ووقف على الأرض.
ولما بلغ الملك هذا الخبر تحير كثيراً, وركبه هم شديد, واشتهر الأمر بين الناس, وعلم الملك أن البرهمي قد غيّر دينه على يد أحد العرب, فبعث رجاله لإلقاء القبض عليهما, وعندما رأى مولائي عبد الله عساكر الملك ظهر على مدرج المعبد, وقرأ بعض الآيات والأدعية فتوقف العساكر عن السير, كلما يحاولون التقدم إلى الأمام يرجعون متقهقرين إلى الوراء, وحينما سمع الملك ذلك تحرك بنفسه بجيش كثيف, وعند وصولهم على مقربة من المبعد, ساخت أقدامهم في الأرض, واشتعلت النيران فيها, فاستأمن الملك من مولائي عبد الله وتعهد أن يدخل في دينه, فأشفق عليهم وأنقذهم مما هم فيه, فاقترب منه الملك وسأله عن حاله, فقال له: أيها الملك, إذا كان الصنم الكبير –الذي تعبده- يمتثل أمري فهل تدخل في ديني؟ قال: نعم. فقال للصنم: أيها الملعون قم, وخذ هذا الدلو, واملأه ماء من الغدير, فذهب الصنم يهرول, وملأ في الدلو ماء الغدير كله حتى ترك الأسماك تضطرب, فأمر –أي مولائي عبد الله- لإعادة الماء إلى الغدير, ففعل ذلك, ولما رأى الملك هذه الخارقة, أسلم هو ومن معه جميعاً, ووصل وزن زنانير البراهمة الذين أسلموا في ذلك اليوم إلى أكثر من منّ واحد؛ ثم بدأ هؤلاء المسلمون الجدد عمل بيوهار أو بيوبار أي التجارة مع العرب ومن هنا أطلق عليهم –أي العرب- كلمة البهرة أو البوهرة([30]) .
الثانية: خلاصة ما جاء في هذه الرواية أن داعياً إسماعيلياً يدعى يعقوب وصل إلى الهند في عهد الإمام المستنصر عام (533هـ). ولما وصل إلى مدينة كهنبايت آوى إلى بيت بستاني, وأقنعه بقبول الدعوة, وكان أول شخص اعتنق مبادئ الإسماعيلية من الهند وبعد مضي فترة أسلم البرهمي الذي كان يعتقد فيه الملك ((سدهـ راج سنكهـ)) ووزيراه بهار مل وتارمل فأسلموا جميعاً وعم الإسلام أرجاء هذه البلاد إلى آخر القصة كما وردت في الرواية الأولى([31]) .
الثالثة: ذكر القاضي نور الله الشستري في كتابه مجالس المؤمنين أن داعياً إسماعيلياً يدعى ملا علي وصل إلى أرض كهنبايت في القرن السابع الهجري, ونتيجة جهوده انتشرت الإسماعيلية في هذه البلاد, والذين سموا بالبهرة, وكانوا قبل ذلك من الهندوس([32]) .
الرابعة: تقول هذه الرواية أن القائد صلاح الدين الأيوبي لما قضى على وجود الفاطميين في مصر عام (567هـ) هاجر عدد كبير منهم إلى اليمن ومن هناك توجهوا إلى الهند.
وبعد استيلاء الزيود على اليمن عام (946هـ) لم يبق في أيدي الإسماعيليين إلا تلال حراز وجبالها, غادر معظمهم بلاد اليمن ووصلوا إلى بني نحلتهم في إقليم كجرات من البلاد الهندية, حيث الملجأ الآمن, والمرتع الخصب لنشر عقائدهم, كما انتقلت الدعوة من اليمن إلى الهند في هذا القرن –أي العاشر- الهجري أيضاً([33]) .
الخامسة: يرى الأستاذ محمد سعيد مرزا أن التجارة كانت قائمة بين بلاد اليمن والهند منذ القديم, ولما استولى الفاطميون على مصر وتكونت لهم دولة موالية في اليمن والتي وسميت بالدولة الصليحية وصار لها دعاة وأتباع, كان هؤلاء الدعاة يصلون إلى السواحل الهندية من بلاد كجرات في زي التجار, وكان هدفهم الأساسي هو نشر العقائد الإسماعيلية بالإضافة إلى ممارسة مهنتهم التجارية, وازداد نشاط هؤلاء الدعاة لما انقرضت دولتهم من مصر ثم من اليمن([34]) .
إذا نظر الباحث في هذه الروايات والحكايات نظرة فحص وتمحيص يجد أن الرواية الأولى من وضع البهرة أنفسهم لإضفاء المجد والكرامة على الدعوة الإسماعيلية ودعاتها, ولا تثبت صحتها أمام الحقائق التاريخية, إذ أنها تدل على أن أسلاف البهرة كانوا كلهم من الهندوس, فأسلموا على الأصول الإسماعيلية, وليس الأمر كذلك؛ لأن المستنصر بالله توفي عام (487هـ) أي في أواخر القرن الخامس الهجري, وقد وصل الإسلام إلى هذه البلاد الساحلية من الهند قبل ذلك بكثير. وقد قام هشام بن عمرو التغلبي عامل الخليفة المنصور العباسي في إقليم السند بغزو إقليم كجرات في القرن الثاني الهجري, واستولى على بهروج ميناء بحر العرب, ووجد بها جالية إسلامية كبيرة([35]) .
ثم إن من سمي بالبهرة ليس كلهم من الشيعة الإسماعيلية, بل فيهم عدد غير قليل من السنة([36]) .
وأما الرواية الثانية فهي شبيهة بالرواية الأولى, إلا أن وجود الأخطاء فيها واضحة؛ لأن المستنصر الفاطمي توفي عام (487هـ) فلم يكن موجوداً في عام (533هـ) حيث وصل داعي الإسماعيلية إلى الهند, ثم إن القول: إن البستاني المذكور كان أول من اعتنق الإسلام على مذهب الإسماعيلية من الهند عام (533هـ), فذلك غير صحيح؛ لأن الإسلام قد دخل الهند قبل ظهور الإسماعيلية –كما قدمت-, كما أن القرامطة الإسماعيلية كانوا موجودين على أرض الهند من القرن الرابع الهجري, وأسسوا أول دولة لهم في السند, وقد تمكن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي في هجماته على الهند من القضاء على هذه الدولة, ونسف عاصمتها المنصورة([37]) .
وأما الرواية الثالثة فهي مثل الأولى والثانية, لا يخفى عدم صحتها؛ لأن الإسماعيليين وطئت أقدامهم هذه البلاد قبل القرن السابع بكثير –كما تقدم- كما يلاحظ الخلط في أسماء الدعاة.
وأما الرواية الرابعة والخامسة فلعلهما أقرب إلى الصواب, حيث أن البهرة لم يكونوا جميعهم من المسلمين الجدد الذين أسلموا من الهندوس, كما أنهم ليسوا كلهم من العرب, بل بعضهم أسلم قديماً ثم اعتنق الإسماعيلية, والبعض الآخر أسلم من الهندوس على الأصول الإسماعيلية نتيجة نشاط الدعاة الإسماعيليين, ويوجد فيهم عدد قليل من العرب الذين وصلوا من بلاد مصر واليمن, كما انضم إليهم القرامطة الذين طردهم السلطان محمود الغزنوي من مراكزهم في ملتان والسند, وكلهم سموا بالبهرة سواء أكانوا يتاجرون أم لا؟ وأصبح هذا اللقب علماً مميزاً على الفرع المستعلي من الإسماعيلية([38]) .
ومما يجدر بالذكر هنا أن جميع طائفة البهرة لم يعتنقوا عقائد الإسماعيلية, بل فيهم من هم من أهل السنة من القديم, كما أن بعض الدعاة من البهرة الإسماعيلية هداهم الله إلى السنة فقام بدعوة البهرة إلى أهل السنة, ومنهم جعفر بن أبي جعفر الكجراتي([39]) . وقد برز من البهرة السنة علماء كباء, منهم المحدث الشهير في القرن العاشر الهجري الشيخ محمد بن طاهر الفتني([40]) ([41]) .
انتقال الدعوة من اليمن إلى الهند:
ومع أن إمامة الدعوة الإسماعيلية كانت مستقرة في مصر أيام الدولة الفاطمية, إلا أن الدعوة في الهند كانت مرتبطة باليمن أكثر من مصر, خاصة بعد انفصال الدولة الصليحية باليمن عن الشيعة الفاطميين في مصر, وأصبحت الدولة الصليحية هي التي تحمي الدعوة الإسماعيلية المستعلية وتنشرها. ولما توفي الداعي علي بن محمد الصليحي عيّن مكانه ((لمك)) داعي قلم, ثم عين بعده ابنه يحيى بن لمك([42]) , وهكذا تسلسلت الدعوة في اليمن, حتى جاء عهد الداعي إدريس بن حسن آخر داع في اليمن وفي عهده اختلت أمور الدعوة, وضعف شأن الإسماعيلية في اليمن وتمكن الزيود من الاستيلاء على أماكنهم, ولم يبق عندهم إلا حراز وجبالها, وذلك عام (946هـ). ومن هنا شعروا بالضرورة الملحة لنقل مركز الدعوة إلى مكان آمن, واختاروا لذلك إقليم كجرات من البلاد الهندية حيث مركز بني نحلتهم, واستدعي لهذا الغرض أربعة نفر من الهند, وهم: يوسف بن سليمان وجلال الدين وداود بن قطب شاه وداود بن عجب شاه, وبعد تعليمهم أصول الإسماعيلية وتربيتهم لحمل أعباء الدعوة نص الداعي إبراهيم بن حسن على يوسف بن سليمان لحمل واجبات الدعوة من بعده, وأمره بالتوجه إلى الهند, وبهذا انتقلت الدعوة من اليمن إلى الهند, وعهد يوسف بن سليمان من بعده لجلال الدين, وهو لداود بن عجب شاه وهو لداود بن قطب شاه, وهكذا تسلسلت الدعوة حتى أيامنا هذه([43]) .
فرق البهرة الإسماعيلية:
لم يقع خلاف بين البهرة الإسماعيلية في مسألتي الإمامة والعقيدة, ولكنهم اختلفوا في الدعاة وطاعتهم, فقد افترقوا على اختلافهم في الدعاة إلى الفرق التالية:
الأولى-داودية:
نسبة إلى الداعي داود بن قطب شاه رابع الدعاة الأربعة الذين استدعوا إلى اليمن لنقل الدعوة إلى الهند, وذلك أن الداعي داود بن عجب شاه عينه داعياً قبل وفاته, فتسلم مهام الدعوة بعده, وأطاعه معظم البهرة في الهند, ولهذا سموا بالداودية, وهم السواد الأعظم في هذه الطائفة, ومركزهم مدينة سورت في إقليم كجرات حيث مقر الداعي الدائم, ويوجد عدد كبير منهم في مدينة بمبئي الهندية, وفي مدينة كراتشي الباكستانية, كما يوجد أعداد منهم في شرق إفريقيا, خاصة في تنزانيا ومدغشقر وكينيا([44]) .
الثانية-السليمانية:
نسبة إلى سليمان بن يوسف ابن أخ زوجة الداعي المتوفى داود بن عجب شاه, وذلك أن سليمان هذا كان عاملاً في اليمن عن طريق الداعي داود بن عجب شاه, فلما توفي, وتولى منصب الدعوة داود بن قطب شاه رفض ذلك سليمان وادعى أنه هو الداعي بعد داود بن عجب شاه, وأبرز وثيقة مكتوبة في هذا الشأن مختومة بختم الداعي داود بن عجب شاه فأطاعه أكثر من في اليمن من هذه الطائفة, ثم سافر سليمان إلى الهند, وادعى أنه هو الداعي, وليس داود بن قطب شاه, فأطاعه البعض ورفضه آخرون, وجرت بين الداعيين أحداث معاداة وتناحر يطول ذكرها.
يوجد أتباع السليمانية في مدينة بمبئي وبرودة وحيدر آباد والدكن الهندية, ويوجد كثير منهم في اليمن في منطقة حراز والجبال المحيطة بها, ويعرفون بالمكارمة([45]) .
الثالثة-العلوية:
نسبة إلى علي بن إبراهيم بن الشيخ آدم صفي الدين وهي فرقة منشقة من الداودية الرئيسية, وذلك أن داود بن قطب شاه المذكور, عهد بمنصب الداعي من بعده إلى الشيخ آدم صفي الدين وهو إلى عبد الطيب زكي الدين فخرج عليه حفيد آدم صفي الدين, علي بن إبراهيم –كما عمل سليمان مع داود بن قطب شاه من قبل –وادعى- أي علي –أنه هو الداعي فاتبعه جماعة فاستقل بهم وانشق من الداودية([46]) .
الرابعة-نكوشية:
نسبة إلى كلمة ((نه)) بمعنى ((لا)) و ((كوشت)) بمعنى اللحم, أي: ((لا للحم)), وهذه الفرقة هي الأخرى المنشقة من الداودية أيضاً, وذلك في أواخر القرن الثالث عشر الهجري, وقالوا: إن صلاحية شريعة محمد r قد انتهت بانتهاء ألف وثلاثمائة سنة من مجيئها فلا يجوز أكل اللحوم([47]) ([48]) .
الخامسة-ناكبورية:
نسبة إلى بلدة ناكبور المجاورة لمدينة بمبئي, وانشقّت هذه الفرقة أيضاً من الداودية, وكان سبب ذلك أن احد رؤوس الداودية من كجرات يدعى ملا عبد الحسين وصل إلى مدينة بمبئي وادعى أنه حجة من الإمام المستور, وذلك عام (1314هـ), فاتبعه عدد كبير من الداودية, منهم خمسة عشر من كبار علمائهم, وجرت بين الفرقتين مناظرات وخصومات, واتخذ ملا عبد الحسين من ناكبور مقراً له واستقل بأتباعه.
يوجد أتباع هذه الفرقة في بمبئي وناكبور وأجيّن وغيرهما من المدن الهندية, توفي ملا عبد الحسين عام (1320هـ), وعهد بالدعوة بعده إلى أحد أتباعه يسمى حافظ غلام حسين([49]).
هذه أشهر الفرق التي انقسمت إليها طائفة البهرة الإسماعيلية الطيبية, بالإضافة إلى تلك الفرق يوجد هناك فرق أخرى صغيرة, أمثال: فرقة هجومية وفرقة هبتية وغيرهما([50]) .
عقائدهم:
عقائد البهرة هي عقائد الإسماعيلية بشكل عام, وفيما يلي أعرض السمات البارزة للبهرة في العقيدة والشريعة والسلوك الاجتماعي.
الإمامة:
تدين البهرة بفرقها المتعددة بإمامة المستعلي بعد المستنصر بالله الذي توفي عام (495هـ), ثم الآمر بأحكام الله الذي اغتاله النزاريون عام (524هـ), ثم أبو القاسم الطيب الذي دخل دور الستر عن الأعين في مهده, وتجري الإمامة من بعده في أعقابه, ولا يخلو زمان من إمام مستور([51]) .
مكانة الداعي:
يعتبر الداعي عند البهرة بمثابة همزة الوصل بين الإمام المستور وبين أتباعه, ولهذا يتفانون في خدمته وإرضائه. والداعي المطلق هو الحاكم الفعلي لجميع أفراد البهرة الإسماعيلية, له الأمر والنهي مطلقاً, فلا يصح من بهري أن يؤم المصلين إلا بإذنه, ولا يحق له أنه يعمل عملاً خيراً من بناء مستشفى, أو مدرسة إلا بأمره. ولا ينعقد نكاح البهرة إلا إذا عقده الداعي, أو من أذن له من عماله.
يعتقد البهرة أن الداعي بمتابعته للإمام المستور يصل إلى مرتبته, فمن أخلص في تصوره وخدمته يتشرف بزيارة الإمام([52]) .
كما يعتقدون أن الدعوة الإسماعيلية حبل أحد طرفيه بيد الله تعالى. والثاني بيد الداعي. يقول: ملا طاهر سيف الدين –أحد الدعاة- في كتابه: ضوء نور الحق المبين وهو يتحدث عن مكانة الداعي فيقول: ((...لأنه حبل الله الذي طرف منه بيد الله, وطرف منه بيد العباد. وأنه لا نجاة لأحد دون معرفة عاليهم ودانيهم في المعاد. قال الله تعالى: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً[([53]) وإذا عرفتم هذا بالوجيز من المقالة؛ لأن الرسالة لا تحمل الإطالة, فنقول إن الحبل الذي ندبكم الله إلى الاعتصام به أحد طرفيه بأيديكم هو أخوكم, وأقل عبيد إمامكم, الذي دعوكم إليه ويهديكم. والطرف الآخر الذي بيد الله هو منتهى حدود عالم النفس, وهو رسول ربكم المؤيد بروح القدس الحال من عالم الدين محل الشمس. وإن إمام زمانكم محله من الدين محل الرسول, فهو في وقته منتهى حدود عالم الطبيعة, ومطرح أشعة عالم العقول. فمن زعم أن معرفته لنبيه, أو وصي نبيه, أو إمام زمانه تكفيه دون معرفة داعي أوانه, ضل عن قصد السبيل, وباء من عذاب الوبيل وكانت شهادة (هكذا) لله غير مقبولة؛ لأن أسبابه بجميع الحدود غير موصولة))([54]) .
يبدو واضحاً من هذا الكلام أن من لم يعرف داعي وقته فشهادته بالتوحيد مردودة عليه, ولو عرف النبي ووصيه وإمام زمانه –على حد زعمه-, كما يتضح مدى تأثرهم في فكرهم العقدي بالفكر اليوناني القديم, وآراء فلاسفته.
الإخفاء والكتمان:
وإن كان الكتمان أو الإخفاء صفة ملازمة للدعوة الإسماعيلية في العصور الغابرة خوفاً من مخالفيها, إلا أنه ظهرت معلومات كثيرة في الآونة الأخيرة, خاصة عن الفرع النزاري منها, وذلك في كتابات المستشرقين والباحثين([55]) , بينما بهرة الهند يسلكون حتى الآن مسلك من يقول: المذهب كالذهب يجب إخفاؤه, فلا يتباحثون مع غيرهم في الأمور الدينية, ولا يسمحون للاطلاع على كتبهم وتراثهم, وأمور الدعوة عندهم كلها ستر وأسرار لا يكشفون لأحد حتى الطالب الإسماعيلي من البهرة لن يتلقى علم التأويل إلا بعد عهود ومواثيق. أما علم الحقيقة فلا يصل إليه إلا الشاذ والنادر منهم, لذا لا يسهل النفوذ إليهم, والوصول إلى ما عندهم([56]) .
صحيفة الموتى:
إذا مات أحد البهرة الإسماعيلي توضع في يده صحيفة بعد غسله وتكفينه. وهذه الصحيفة هي الشهادة من داعي الوقت أن الميت كان على عقيدة الإسماعيلية الطيبية, يقوم عامل الداعي أو مأذونه بوضع هذه الصحيفة على يد الميت نيابة عنه. ولما كانت هذه الصحيفة تساعد في الكشف عن جوانب عديدة عن عقيدتهم, كما تبين ترتيب أئمتهم وترتيب المسؤولين الآخرين عن الدعوة استحسنت أن أسوق عبارتها هنا وهي كالآتي:
((أعوذ بالله العظيم, وبوجهه الكريم من الشيطان الرجيم. اللهم هذا عبدك الضعيف الفقير المحتاج إلى رحمتك, جاءته أوقات التي ختمتها عليه, الله فتلقه بالروح والريحان, والتجاوز عن سيئاته بالإحسان إليه, وارفع روحه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وحسن أولئك رفيقاً. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً. الله ارحم جسمه اللابث في التراب, وأسر إليه من سواري لطفك ما يكون ضميناً له بالتخلص من العذاب, وقاضياً بكريم الرجعي وحسن المآب, بحق ملائكتك المقربين وحججك الروحانيين, وملائكتك النورانيين, وأنبيائك المرسلين الخيرة والصفوة من خلقك أجمعين. وبحق نبيك المصطفى, وأمينك المجتبى محمد خير من مشى على الغبراء, وأظلته الخضراء. وبحق وصيه علي بن أبي طالب أبي الأئمة النجباء, والحامل عن نبيك ثقل الأعباء. وبحق مولاتنا فاطمة الزهراء الإنسية الحوراء. وبحق الأئمة من نسلها, والصفوة من نجلها الحسن والحسين سبطي نبيك. وبعلي بن الحسين, ومحمد بن علي, وجعفر بن محمد, وإسماعيل بن جعفر, ومحمد بن إسماعيل, وعبد الله المستور, وأحمد المستور, والحسين المستور, ومولانا المهدي, ومولانا القائم, ومولانا المنصور, ومولانا المعز, ومولانا العزيز, ومولانا الحاكم, ومولانا الظاهر, ومولانا المستنصر, ومولانا المستعلي, ومولانا الآمر, ومولانا الإمام الطيب أبي القاسم أمير المؤمنين. وبحق أبوابهم وحججهم ودعائهم. وبحق قائم آخر الزمان وحجته, وأئمة دوره صلوات الله عليهم أجمعين. وبحق داعي الوقت والأوان سيدنا ومولانا... ومأذونه سيدي... ومكاسره سيدي.... وحدوده الفضلاء الذي يقضون بالحق وبه يعدلون. حسبنا الله ونعم الوكيل, ونعم المولى ونعم النصير, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))([57]) .
ولا يخفى أن هذه الصحيفة تقدم لنا صورة أخرى من صكوك الغفران التي مارسته الكنيسة في العصور الوسطى.
ميثاق:
يقيم البهرة أفراح العيد كل عام يوم (18) من شهر ذي الحجة بمناسبة إحياء ذكريات غدير خم فيصومون هذا اليوم, ويغتسلون, ويصلون ركعتين عند الغروب, ويأتي عامل الداعي لأخذ العهد والميثاق من كل بهري للاستمرار على عقائد المذهب, واجتناب مخالفتها, ثم يقوم كل فرد منهم بتقديم ما يستطيع من النذور والصدقات إليه –أي إلى العامل- فكل ما يتجمع عنده من الأموال يترك منها الربع لنفسه, وترجع ثلاثة أرباعها لصندوق الداعي([58]) .
الصلاة:
يصلي البهرة الصلوات الخمس في ثلاث مرات: الأولى: صلاة الفجر في وقتها, والثانية: صلاة الظهر عند الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف النهار, ثم يصلون العصر الساعة الواحدة. والثالثة: صلاة المغرب بعد غروب الشمس. ثم يصلون العشاء بعد ذلك مباشرة.
والبهرة لا يصلون الجمعة, ولا يخطبون, بل يصلون الظهر بدلاً من الجمعة, كما يؤدون صلواتهم في مساجدهم الخاصة التي يسمونها جماعت خانه ولا يصلون في مساجد المسلمين, كما لا يسمحون لغيرهم أن يصلوا في مساجدهم.
لا يحق لأحد أن يؤم البهرة في صلواتهم إلا عامل الداعي أو مأذونه, وإذا صلى بهم أحد بدون إذن الداعي تجب إعادة صلاة الجميع([59]).
فهم يصلون كما يصلي المسلمون, ولكنهم يقولون: إن صلاتهم تلك للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر, وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين, ولكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز للإمام([60]) .
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على اعتناقهم الأفكار الباطنية, وقطعهم أشواطاً طويلة في عقائدها.
الصوم والحج:
يعتمد الصوم والحج عند البهرة على تقويمهم الخاص, وعمدة هذا التقويم إتمام شهر محرم بثلاثين يوماً, ونقصان صفر, وإكمال الربيع الأول, ونقصان الثاني, وإتمام جمادى الأولى, ونقصان الآخرة, وإتمام رجب, ونقصان شعبان, وإتمام رمضان, ونقصان شوال, وإتمام ذي القعدة, ونقصان ذي الحجة, وينسبون هذا التقويم إلى الإمام جعفر الصادق.
وينبني على هذا التقويم تقديم يوم أو يومين عن عامة المسلمين في صيام رمضان, وعيد الفطر, والوقوف بعرفة. ينقل الشيخ محمد نجم الغني عن أحد البهرة طريقة أداء مناسك الحج فيقول: قال لي أحد البهرة: إنا وصلنا عرفات قبل الناس كما وصل إليها إسماعيلية اليمن... وقد قمنا بأداء مناسك الحج قبل الناس بيومين, وحين وقفنا في عرفات تحت قيادة عالم يمني, أحاط بنا جمع من أهل السنة, وسألونا عما نعمل هنا قبل الوقفة, فأجبناهم بقراءة بعض الأدعية, فانصرفوا بعد سماع هذا الجواب الساذج, ثم انصرفنا إلى مزدلفة وبتنا فيها ليلتها جوار طريق الطائف الذي يسلكه الحجاج القادمون من الطائف, وكلما سألنا القادمون إلى عرفة عن سبب انصرافنا عنها أجبناهم بأننا قادمون من الطائف سننزل مكة ثم نقدم منها إلى عرفة, وهكذا قضينا تلك الليلة, ثم عدنا إلى عرفة وأصبحنا شركاء لجميع الحجاج كالعادة([61]) .
السلوك الاجتماعي عند البهرة الإسماعيلية:
يلتزم البهرة بالصلاة والصوم والحج حسب معتقدهم, ويتفانون في الولاء والطاعة لداعيهم, وهم يتركون اللحى, ويحلقون الرؤوس, لا يشربون السجاير ولا الشيشة. يلتزمون بزي خاص للرجال والنساء, ونساؤهم لا يلتزمن بالحجاب الشرعي, بل يتجولن في الأسواق متبرجات. والبهرة كاليهود لا يسمحون لأحد باعتناق مذهبهم ما لم يولد من أصل بهري, وأينما حلوا أقاموا في حي واحد, ولا يسمحون لغيرهم بالسكن معهم. تكون مساجدهم (جماعت خانه) ومقابرهم خاصة بهم, لا يصلون في مساجد عموم المسلمين, ولا يدفنون موتاهم في مقابر غيرهم. ومن عادة البهرة عند الفراغ من دفن الميت أنهم ينثرون الزهور على قبره ثم يقبّلون وسط القبر ويسمونه الزيارة, ثم يعانقون أهل الميت بدون أن ينطقوا كلمة في العزاء.
لا يشارك البهرة غيرهم في مناسبات الأفراح والأحزان, وأواصر النكاح تدور بينهم كالحلقة المفرغة, لا يتزوجون مع غيرهم, وفي أفراح الزواج لا يقيمون حفلات الرقص والغناء, بل يضربون الدفوف, ويستعملون الألعاب النارية.
ومن السلوك الذي درج عليه بهرة اليوم هو إباحة التعامل بالربا, فهم يتعاملون بالربا علانية أخذاً وعطاء, ومن الصعب تعيين الداعي الذي أباح لهم هذا التعامل, غير أنه لم يبرز على الساحة علناً كظاهرة تعامل إلا في عهد الإنجليز.
يتعصب البهرة كثيراً في التزام عقيدتهم وشعائرهم المذهبية, مع ذلك تأثروا في سلوكياتهم بتقاليد الهندوس, فهم يقيمون حفلات الأفراح في مناسبة ديوالي –أحد أعياد الهندوس- يزينون فيهم بيوتهم ومحلاتهم التجارية, ويعتبرون هذا اليوم بداية للسنة المالية الجديدة حيث يقفلون فيه دفاتر الحسابات القديمة, ويفتحون دفاتر جديدة, ويمر عليهم عامل الداعي, أو مأذونه, ويكتب عليها –أي الدفاتر- كلمة بسم الله تيمناً ثم يقبض العطايا والهدايا([62]).
أشهر دعاة البهرة الإسماعيلية في القرن العاشر الهجري:
تقدمت الإشارة إلى أن الدعوة الإسماعيلية المستعلية انتقلت في القرن العاشر الهجري من اليمن إلى الهند, والذين استدعوا من الهند لهذا الغرض هم الذين تولوا رئاسة الدعوة في هذا القرن, حيث ساروا إلى اليمن وأخذوا علم التنزيل والتأويل (؟) عن الداعي عماد الدين إدريس بن الحسن ثم رجعوا إلى الهند.
أولهم: يوسف بن سليمان السدهبوري الكجراتي([63]) (000-000), نص له بالدعوة عماد الدين إدريس بن الحسن من بعده.
والثاني: جلال الدين بن الحسن الكجراتي([64]) (000-000) عينه يوسف بن سليمان داعياً من بعده.
وثالثهم: داود بن عجب شاه الكجراتي([65]) (000-997هـ), تولى رئاسة الدعوة بعد جلال الدين.
ورابع أربعتهم: داود بن قطب شاه([66]) (000-000), عهد إليه منصب الدعوة ابن عجب شاه, وفي عهده انقسمت البهرة الإسماعيلية إلى فرقتين: داودية وسليمانية, كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ب-النزارية (الآغاخانية):
تاريخها ونشأتها:
أما الإسماعيلية النزارية, فقد كانت أكبر شأناً وأجل خطراً من المستعلية البهرة. وقد تكونت هذه الفرقة النزارية على يد الحسن بن الصباح الذي ذهب إلى مصر في عهد المستنصر الفاطمي, وعلم منه أمره باستخلاف ابنه نزار ثم عاد إلى فارس كداعية إسماعيلي([67]) . ولما علم بما أحدثه الوزير الأفضل بن بدر الجمالي وتحويله الإمامة إلى المستعلي بدلاً من نزار, انتصر الحسن بن الصباح لنزار وصار يدعو له ولأبنائه, وجعل نفسه نائباً للإمام المستور من ولد نزار. ورغم أن نزاراً وابنه قد قتلا على يد الوزير الأفضل –كما تقدمت الإشارة إلى ذلك- غير أن النزارية تزعم بأن الإمام نزار قد تمكن من مغادرة الإسكندرية سراً أثناء الحصار, واتجه إلى بلاد فارس متخفياً في زي التجار, واستقر به المقام في جبال الطالقان حيث قلعة ألموت, وعمل مع الداعي الحسن بن الصباح على تأسيس الدولة النزارية, وبعد أن تم له ذلك, أصابه مرض شديد, استدعى على أثره دعاته ونص على إمامة ابنه علي وذلك سنة (490هـ), وتوفي في اليوم الثاني, ودفن في قلعة ألموت. ومن هنا انتشرت الدعوة النزارية في البلاد المختلفة, ومنها البلاد الهندية([68]) ([69]) .
وإذا نظر الباحث إلى طائفة النزارية في البلاد الهندية في القرن العاشر الهجري, يجدهم خليطاً من السكان المحليين الذين اعتنقوا الإسماعيلية, ومن النازحين من البلاد الفارسية التي كانت تحت هيمنة الإسماعيلية, وذلك أن هولاكو خان لما نسف قلعة ألموت والقلاع الإسماعيلية الأخرى في فارس عام (654هـ) تبعثر الإسماعيليون في البلاد المختلفة, وتوجه قسم منهم إلى البلاد الهندية, وكان أمام النزارية في ذلك الوقت شمس الدين خور شاه([70]) يتعهدهم بإرسال الدعاة, وتزويدهم بالإرشادات والتعليمات اللازمة([71]) .
كانت النزارية منذ أن حلت بهم الكارثة على يد هولاكو خان –مما أدى إلى تشتتهم في البلاد- تبحث عن أرض بكر تفرخ فيها, وتكون في مأمن من هولاكو وأمثاله في المستقبل, ولما أن البلاد الهندية أرض الملل والنحل منذ القديم فإنهم قد اختاروها لهذا الغرض, ولمّا تولى إسلام شاه([72]) إمامة الطائفة عُني بالدعوة في الهند عناية خاصة, وركّز على الدعوة في منطقة ملتان وإقليم السند –لأنهما قد شهدتا ظهور القرامطة من قبل- وإقليم البنجاب ووادي كشمير والمناطق الساحلية الغربية؛ لكونها بلاد نائية عن أنظار الحكومة المركزية في دهلي, وبعث دعاةً مشهورين إلى الهند, وفي مقدمتهم بير([73]) صدر الدين وبير شمس الدين تبريزي وبير حسن كبير الدين.
وقد لعب أول الذكر دوراً نشطاً في نشر الدعوة النزارية في ربوع البلاد الهندية, ونجح في مهمته نجاحاً باهراً. وكان قد تعلم اللغة الهندية, وسمى نفسه باسم هندي, وصنف كتاباً سماه دسا أوتار أي الرسل أو النواب العشرة, وذكر فيه أن علياً t كان مظهراً من مظاهر الألوهية, وهو العاشر من تلك المظاهر. كما صنف كتاباً آخر سماه: كنان, واتبعه خلق كثير من كفار الهند, وسمى بير صد الدين هؤلاء الناس الذين اتبعوه على الطريقة الإسماعيلية النزارية بـ الخواجة([74]) –أي الرجل الشريف أو المكرم أو التاجر- ثم خففت هذه الكلمة فأصبحت تنطق بـ الخوجة, وهذا الداعي اتخذ مدينة كوتري بالسند مركزاً لدعوته النزارية, ومات في بلدة أج البنجابية عام (819هـ), ودفن بها. كما عمل إلى جانبه الدعاة الآخرون لنشر النزارية في البلاد الهندية, وكان ذلك في الربع الأخير من القرن الثامن, والنصف الأول من القرن التاسع الهجريين([75]) .
وما إن أطل القرن العاشر الهجري على بلاد فارس, وقد وصلت فيها الدولة الصفوية أوج مجدها, وكان الصفويين ينتمون إلى الإمامية الاثنى عشرية ويضربون كل حركة يرون فيها تهديداً لدولتهم, فاضطر الإسماعيلية في فارس أن يعيشوا متسترين تحت التقية والكتمان, مما أدى إلى تدفقهم إلى المناطق الهندية التي انتشرت فيها النزارية, وكان من عادتهم أن ينتقلوا في البلاد في زي الدراوشة والمشائخ الصوفية ومع القوافل التجارية, وبنشرون عقائدهم حتى صار لهم مراكز مهمة في إقليم السند وجنوب البنجاب, وفي إقليم كجرات وبمبئي([76]) .
ولما تولى إمامة النزارية غريب ميرزا([77]) قام بزيارة عمل للهند متخفياً في زي الدراويش, وذلك لنقل مركز إمامته إليها, واستقر مدة عام تقريباً في السند والبنجاب يجري المباحثات والترتيبات اللازمة لنقل مقر إمامته إلى الهند, وبعد أن أعد العدة عاد إلى فارس فأصابه مرض شديد توفي على أثره([78]) .
وبعد وفاة هذا الإمام يكتنف تاريخ الفرقة النزارية في البلاد الهندية كثير من الغموض والخفاء –كما كان الحال في فارس أيضاً- إذ لم تكن لهم دولة تجمعهم, ولا قوة تحميهم,فكانوا منتشرين في أماكن وجودهم يعملون تحت ستار التقية والكتمان أحياناً ، وتحت شعار المتصوفة حيناً ، وكل ما تشير إليه المصادر فكانوا منتشرين في أماكن وجودهم يعملون تحت ستار التقية والكتمان أحياناً, وتحت شعار المتصوفة حيناً, وكل ما تشير إليه المصادر النزارية أن الإمام في فارس كان يتعهدهم بإرسال دعاة إليهم من وقت إلى آخر([79]) , ولكن لا يوجد لهؤلاء الدعاة أي ذكر في تاريخ هذه الفرقة حتى ظهور آغا خان الأول في الساحة, ودخوله الهند عام (1257هـ), وذلك أن الإسماعليين بعد أن فقدوا السيطرة على قلعة ألموت وغيرها من القلاع في شمال إيران نزحوا إلى غربها, ولا سيما في مقاطعة كرمان, ولما اغتيل إمامهم شاه خليل الله علي([80]) –والد آغا خان الأول- عام (1233هـ) ثارت الإسماعيلية في البلاد, وعاثوا في مقاطعة يزد المجاورة فساداً, كما أعلن حسن علي شاه –آغا خان الأول- الثورة في كرمان ضد شاه إيران, وبعد فشل الثورة تمكنت السلطات في إيران اعتقال آغا خان, ووضعه في السجن, ثم أطلق سراحه بتدخل من الإنجليز([81]) .
عاد آغا خان إلى كرمان وجمع رجاله وعتاده وتوجه إلى أفغانستان ليساعد الإنجليز في القضاء على الثورة في قندهار وبعد تمكين الاحتلال في قندهار, وجه آغا خان إلى إخضاع السند عن طريق أتباعه, وكان النزاع على أشده بين الإنجليز وأهل السند حول تسلم مدينة كراتشي –ميناء السند-, شارك آغا خان في الحرب في صفوف الإنجليز([82]) .
وقد كافأه الإنجليز مقابل هذه الخدمات مادياً ومعنوياً, حيث وفّر له المال والقصور في مدينة بمبئي لتكون مقره, وسهّل له سبل الاتصال والالتقاء مع الإسماعيلية النزارية في البلاد الهندية مهما بعدت مناطقهم, وأماكن وجودهم, كما دعم إمامته لما انحرف عدد من طوائف الخوجة عن زعامته, وحاولت الانفكاك من الالتزامات المالية لآغا خان شاكين في إمامته ونسبه, وكانت قد أحيلت إلى محكمة بمبئي الإنجليزية كثير من القضايا, دعم فيها الإنجليز طرف آغا خان في كل قضية وغرّم خصومه بدفع تكاليف القضية كلها([83]) .
يقول أحد الإسماعيليين في هذا الشأن: ((....اعترفت المحكمة المذكورة في هذا الصدد بقرارها التاريخي العظيم الذي سردت فيه تاريخ حياة أسرة آغا خان منذ عهد علي بن أبي طالب t حتى وصول آغا خان إلى الهند. أقول: اعترفت بزعامة آغا خان الروحية للإسماعيلية, واعتبر أتباعه الذين كانوا يسمون (الخواجات) من الإسماعيلية النزارية, ومنحتهم المحكمة الحرية التامة في مزاولة نشاطهم الديني كبقية الطوائف والفرق في بلاد الهند؛ وقد أقر مجلس اللوردات البريطاني هذا القرار, ومنح آغا خان لقب صاحب السمو الملكي, وأرفع وسام في المملكة البريطانية للسلام))([84]) .
ويتمركز النزارية حالياً في بمبئي وكجرات وكجهـ وكاتهياوار وكلكته وكشمير في الهند. وفي كراتشي ولاهور وملتان وكلكت وجنرال وهونزا وغيرها من المناطق في باكتسان.
كما يوجد لهم بعض المراكز في داكا وشيتاغونغ من بنغلادش.
عقائد الخوجة:
عقائد طائفة الخوجة (الإسماعيلية النزارية) في البلاد الهندية هي عقائد الفرقة الإسماعيلية الباطنية, فهي الوارثة لعقائد أصحاب قلعه ألموت. والمعروف أنهم –أي أصحاب ألموت- منذ عهد الحسن بن محمد الثاني([87]) الذي خطب أصحابه بعيد القيام, نسخ فيها الشريعة الإسلامية, وأعلن قيامة الموتى, ونهاية الدنيا, وأن الذين استجابوا لدعوته قد بعثوا الآن للحياة الباقية, ومن لم يستجيبوا له قضى عليهم بالفناء, وذلك عام (559هـ)([88]) .
واتفق الإسماعيليون على تسمية هذا اليوم بعيد القيام, فمنذ عيد القيام أعفي الإسماعيلية النزارية من التكاليف الشرعية, فلم يعودوا في حاجة إلى الصلاة والصوم والحج.... لذا نجد فرع النزارية –الخوجة- في البلاد الهندية لا يقومون بالأعمال الشرعية الظاهرية ويدعون أن معرفة الإمام محبته والولاء له كافية لنجاة الإنسان في الآخرة, ولذا أحلّوا (جماعات خانه) مقام المسجد, وعوضوا الصلاة والصوم.... بتقديم هدايا عينية, أو مالية إلى الإمام([89]) .
هذا, وقد مزج الدعاة النزارية في البلاد الهندية مبادئ الدعوة الإسماعيلية بالمعتقدات الهندوسية والتقاليد الوثنية, فيما يلي أعرض لأهم السمات البارزة لهذه العقائد.
التوحيد والرسالة:
يعتقد الخوجة في البلاد الهندية أن النبي محمداً r كان براهما في الدور الأول, وآدم عليه السلام سيفا, كما كان علي t الإله وشنو. وحسب الأساطير الهندوسية أن الإله وشنو سيظهر في الزمن المستقبل في مظهر أوتار أي رسول. ولما وصل بير صدر الدين إلى البلاد الهندية وتعرف على هذه العقيدة الهندوسية مزجها بالمبادئ الإسماعيلية وقال: إن علياً t كان وشنو في الدور الأول هو الذي ظهر في مظهر أوتار أي رسول, وهو –أي بير صدر الدين- نائب عنه, وصنّف في ذلك كتاباً سماه دسا أوتار -أي الرسل العشرة-([90]) .
ويعتقد الخوجة –وهم الآغا خانية المعاصرة- ان مكانة علي t أعلى وأرفع من مكانة النبي r؛ لأن علياً كان هو الإله, وكان محمد r رسوله, ولذا نجدهم يرددون كلمة التوحيد هكذا: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, وأشهد أن علي الله))([91]) .
ويشرحون ذلك بقولهم: ((أشهد أنه لا معبود بحق سوى الله, وأشهد ان محمداً رسوله, وأشهد أن رئيس المتدينين علياً حل فيه نور الإله, أي أن علياً من الله عز وجل))([92]) .
ويعتقد الخوجة أن جمع أئمة النزارية هم أوتار علي t, فلهم تلك المكانة من الألوهية التي كان يتمتع بها علي t([93]) فهم ينسبون إلى آغا خان –الذي يسمون بـ حاضر إمام- هذه المكانة من الألوهية وهو يرضى بها.
-لقد أدهشتني بثقافتك وعقليتك, فكيف تسمح لأتباعك أن يدعوك إله؟.
-فضحك طويلاً, وعلت قهقهاته, ودمعت عيناه من كثرة الضحك ثم قال:
-هل تريد الإجابة عن هذا السؤال, إن القوم في الهند يعبدون البقرة, ألست خيراً من البقرة))([94]) .
ويؤكد هذا الآغا خان ادعاء ألوهيته في خطابه لزوجته الفرنسية, فمما قال لها غداة يوم زواجهما: ((أنت لا تجهلين, ولا ريب بأني أمير شرقي كبير, وأعتقد بأنك تجهلين بأن آلافا وآلافاً من البشر يعتقدون بأن الإله متجسم فيّ تقريباً. نعم, إن هذا لا أهمية له هنا, وأما في الهند وسوريا وإيران والباكستان وبورما وسيلان له أهمية كبرى...)).
ومما جاء فيه أيضاً: ((... إن علياً كان يعلم معنى وحيه السامي الخفي, ومع هذا فقد قتله أولئك المجانين, ولكن الوحي الذي جاء به لم يتوقف بل سار في الخفاء حتى وصل إليّ..))([95]) .
هكذا آغا خان زعيم طائفة الخوجة –الإسماعيلية النزارية- الذي يزعم أن في عروقه يجري دم الرسول r يضفي على نفسه صفة الألوهية التي هي من أخص خصائص الرب –سبحانه وتعالى-, كما لم يبرح حتى ادعى نزول الوحي عليه.
التناسخ والإيمان باليوم الآخر:
يؤمن الخوجة بالتناسخ, وفي نفس الوقت يؤمنون بوجود الجنة والنار, ويعتقدون أن من كان سلوكه قويماً يكون مصيره إلى الجنة بدون حساب, ومن كان سلوكه عكس ذلك يكون مصيره إلى النار بدون حساب أيضاً. ومن كان بين ذلك يبعث إلى الدنيا مرة ثانية حتى يكون مؤهلاً للجنة بالأعمال الصالحة, أو يكون مستحقاً للنار بالأعمال السيئة([96]) .
الصلاة:
الخوجة لا يصلون, بل يجتمعون للدعاء في جماعت خانة ثلاث مرات في اليوم, وفي كل دعاء يتكرر اسم الإمام الحاضر سبع عشرة مرة, وكلما يذكر اسمه يقعون له ساجدين, وبعد قراءة الدعاء يرتلون ((كنان))([100]) . وأضاف الإمام الحاضر –كريم خان الحسيني- قراءة سورة الفاتحة والإخلاص بعد الدعاء([101]) .
الكتب المقدسة:
يعد كتاب دسا أوتار وكتاب كنان كتابين مقدسين لدى طائفة الخوجة يعملون بما جاء فيهما, ويرتلونهما بعد الدعاء وفي المناسبات الأخرى, وعند رأس المحتضر, وهما من تأليف: بير صدر الدين, وباللغة الكجراتية الهندية([102]) .
علي جي كا مندر:
عمل الداعي ((بير صدر الدين)) بناء معابد خاصة لطائفة الخوجة سماها ((علي جي كا مندر)) –أي معبد السيد علي- ووضعت فيها تماثيل لعلي –أعاذنا الله منها- وذلك حفاظاً على تقاليد الهندوس الوثنية, وكان الخوجة يجتمعون فيها, ويرددون الأناشيد في مدح علي t([103]).
توجد في معابد الخوجة –جماعت خانة- بطاقة مكتوبة عليها أسماء خمسة: محمد r وعلي وفاطمة والحسن والحسين –رضي الله عنهم أجمعين-, يضع الخوجة هذه البطاقة على رؤوسهم, ويتبركون بها([104]) .
ليلة الغفران:
تعتير ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان ليلة الغفران لطائفة الخوجة. وفي هذه الليلة يتحسرون على ما صدر منهم من ذنوب وأخطاء, فتغفر لهم, وبعد انصراف آغا خان من جماعت خانة –إن كان قد حضر بهذه المناسبة- يرتلون كتاب دسا أوتار([105]) .
آب شفا (ماء الشفا):
وهو عبارة عن ماء مزج بتربة كربلا يحصل عليها الخوجة في مقابل مبلغ كبير من المال الذي يقدم إلى الإمام الحاضر, ويعتقدون أن شرب هذا الماء يطهرهم من الذنوب والاثام([106]) .
طريقة التحية:
يتبادل الخوجة التحية بينهم بقولهم: يا علي مدد, ويردون عليها بقولهم: مولى علي مدد([107]) ([108]) .
أشهر الدعاة في القرن العاشر الهجري:
لم أجد في الطائفة النزارية دعاة مشهورين في القرن العاشر الهجري في البلاد الهندية, كما وجد في القرن الثامن والتاسع الهجريين, أمثال: بير صدر الدين وغيره. وكان الإمام غريب ميرزا قد عزم على نقل مركز الإمامة من فارس إلى الهند, وقام بزيارة خفية في مناطق نفوذ النزارية لهذا الغرض, وذلك في مطلع القرن العاشر الهجري ولكنه لم يتم بسبب موته المفاجئ([109]) . والذين تولوا الإمامة من بعده فضلوا القيام في إيران حتى جاء عهد آغا خان الأول الذي انتقل إلى الهند. كما تقدم.
الفروق البارزة بين البهرة والخوجة:
بعد دراسة طائفتي الإسماعيلية في البلاد الهندية يمكن تلخيص الفوارق البارزة بين الطائفتين في النقاط الآتية:
الأولى: في الإمامة:
يسوق البهرة الإمامة بعد المستنصر بالله الفاطمي إلى ابنه المستعلي (ت495), ثم في أعقابه؛ ومن هنا سموا المستعلية. بينما الخوجة يسوقونها بعد المستنصر بالله إلى ابنه نزار وفي أعقابه فسموا بالنزارية.
الثانية: في الستر والظهور:
يعتقد البهرة أن الإمامة انتقلت بعد المستعلي إلى ابنه الأمر بأحكام الله ثم إلى ابنه أبي القاسم الطيب الذي دخل دور الستر, ولا يخلو زمان من إمام مستور من أعقاب الطيب هذا؛ ولهذا سموا بالطيبية أيضاً, بينما يعتقد الخوجة أن الإمامة استمرت في أعقاب نزار في الظهور حتى وصلت إلى آغا خان الحالي, ولذا يسمونه حاضر إمام. وأما البهرة فيسمون زعيمهم داعي.
الثالثة: في الالتزام والانحلال:
يلتزم البهرة بفرائض الإسلام –حسب معتقدهم- من صلاة وصيام وحج, بينما الخوجة لا يلتزمون بفرائض الدين, كما يلاحظ أن الثانية أشد تأثيراً بالمعتقدات الوثنية, والتقاليد الجاهلية.
الرابعة: في الانغلاق والانفتاح:
([1] ) المصدر: من كتاب فرق الهند المنتسبة للإسلام في القرن العاشر الهجري, تأليف الدكتور محمد كبير أحمد شودري.
([2] ) هو: عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة العتكي (000-154هـ). بعثه المنصور والياً على السند, ثم عزله وعينه والياً في إفريقية, مات في القيروان. انظر: نزهة الخواطر (1/29, 30).
([3] ) هو: عبد الله بن محمد عبد الله الهاشمي القرشي (000-156هـ). ولد ونشأ بالمدينة, قدم الهند أيام المنصور العباسي, وكان والي السند من قبل المنصور عمر بن حفص قد بايع أباه محمداً –النفس الزكية- قتل في أيام هشام بن عمرو التغلبي. انظر: نزهة الخواطر (1/26-28).
([4] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/70).
([5] ) هو: هشام بن عمرو التغلبي (000-157هـ). استعمله المنصور على السند وفي عهده لقي عبد الله العلوي مصرعه. مات هشام في بغداد. انظر: نزهة الخواطر (1/38).
([6] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/70, 71).
([7] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (212). -تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية (1/73, 75, 76). -تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (9, 10).
([8] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/76, 87, 89, 92).
([9] ) وذلك في المبحث القادم بإذن الله تعالى.
([10] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (320-322).
([11] ) انظر: طائفة الإسماعيلية. تاريخها, نظمها, عقائدها, للدكتور محمد كامل حسين (88), الطبعة الأولى (1959م), مكتبة النهضة المصرية, 9 شارع عدلي باشا, القاهرة. -أعلام الإسماعيلية (311, 312).
([12] ) انظر: مذهب إسلام اور باطني تعليم (331, 337).
([13] ) ولما تولى إمامة النزارية في فارس غريب ميرزا قام بزيارة خفية للهند في مطلع القرن العاشر الهجري؛ لهدف نقل مركز الإمامة إليها, ولكن موته المفاجئ حال دون ذلك. وكان الأئمة من بعده يتعهدون النزاريين في الهند بإرسال دعاة إليهم, حتى ظهور آغا خان الأول في الساحة, ودخول الهند عام (1257هـ), كما يأتي تفصيل ذلك في المبحث القادم, إن شاء الله تعالى.
([14] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (217, 218).
([15] ) انظر: تاريخ الصفويين وحضارتهم (134, 135). -الإمام السرهندي حياته وأعماله (38, 39).
([16] ) انظر: تاريخ فرشته (2/104, 105, 106, 314, 315).
([17] ) انظر: طبقات نورية در أحوال مشانخ نور بخشية (الطبقات النورية في أحوال مشانخ النور بخشية), لمحمد ملا (ص188, 189), ترجمة: محمد سيد كيلاني, مكتبة قدوسية, كشميري بازار, لاهور.
([18] ) تسمى أيضاً بالباطنية.
([19] ) انظر: تاريخ الدولة الفاطمية, للدكتور حسن إبراهيم حسن (172, 173), الطبعة الثانية (1958م), مكتبة النهضة المصرية, 9 شارع عدلي باشا, القاهرة.
([20] ) نفس المصدر (196, 201).
([21] ) نسبة إلى ((أبي القاسم الطيب بن الآمر)) الذي دخل في دور الستر هو والأئمة من أولاده.
([22] ) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي (403هـ-459هـ). داعي اليمن بعد سليمان بن عبد الله الزواجي, ومؤسس الدولة الصليحية الإسماعيلية في اليمن, قتل في الهجم, وهو في طريقه إلى مكة, قتله سعيد الأحول. انظر: أعلام الإسماعيلية (402-407).
([23] ) هي: أروى بنت أحمد بن محمد بن القاسم الصليحي, المعروفة بالسيدة الحرة الملكة (440هـ-532هـ). داعية الإسماعيلية بعد علي بن محمد الصليحي, تزوجت أحمد بن علي الصليحي. كانت تدير شؤون الدولة الصليحية حتى وفاتها. لعبت دوراً فعالاً في نشر الإسماعيلية في اليمن والهند وعُمان. أنظر: أعلام الإسماعيلية (143-153).
([24] ) انظر: تاريخ اليمن, لنجم الدين عمار اليمني (238, 239), تحقيق: محمد بن علي الأكوع, الطبعة الثانية (1396هـ), مطبعة السعادة.
([25] ) انظر: لسان العرب (4/85, مادة: بهر).
([26] ) انظر: الصحاح (2/598, مادة: بهر), تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار, الطبعة الثانية (1399هـ-1979م), دار العلم للملايين, بيروت.
([27] ) انظر: لسان العرب (4/59, مادة: بسر).
([28] ) انظر آراء الباحثين في مادة البهرة في:
-سلك الجواهر في أحوال البواهر, لمحمد نجم الغني خان (41), طبعة (1914م), مطبعة العلوم وأخبار نير أعظم, مراد آباد-الهند.
-عقد الجواهر في أحوال البواهر, للبروفيسور أبو ظفر الندوي (104, 105) طبعة (1936م), كراتشي – باكستان.
-مذاهب الإسلام (270).
-نزهة الخواطر (4/299, 300).
-أبجد العلوم (3/223).
-تذكرة الشيخ محمد طاهر الفتني (16-19).
([29] ) هو: لمك بن مالك الحمادي الهمداني (000-510هـ). داعي الإسماعيلية في اليمن وقاضيهم. حضر في القاهرة وقابل المستنصر ومكث هناك خمس سنوات يطلب العلم من المؤيد في الدين الشيرازي ولقبه المستنصر بـ (داعي قلم). توفي في اليمن. انظر: أعلام الإسماعيلية (439-441).
([30] ) انظر: مجالس سيفيه, المجلس التاسع لعبد علي سيف الدين, نقلاً عن عقد الجواهر في أحوال البواهر (63-77). أيضاً: سلك الجواهر في أحوال البواهر (43-49).
([31] ) انظر: عقد الجواهر (81).
([32] ) نقلاً من عقد الجواهر (103).
([33] ) انظر: عقد الجواهر (112).
([34] ) انظر: مذهب إسلام اور باطني تعليم (320).
([35] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/72).
([36] ) انظر: سلك الجواهر (51, 52).
([37] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/92).
([38] ) انظر: عقد الجواهر (114).
([39] ) انظر قصته في: مذاهب الإسلام (316, 317).
([40] ) سيأتي التفصيل عنه في الفصل الثامن إن شاء الله تعالى.
([41] ) انظر: مذاهب الإسلام (315-317). -نزهة الخواطر (4/299, 300).
([42] ) هو: يحيى بن لمك الحمادي الهمداني (000-580هـ). تولى رئاسة الدعوة الإسماعيلية في اليمن بعد أبيه لمك الحمادي, لعب دوراً نشطاً في نشر الإسماعيلية في اليمن والهند. انظر: أعلام الإسماعيلية (605-606).
([43] ) انظر: سلك الجواهر في أحوال البواهر (60, 61). -مذهب إسلام اور باطني تعليم (321, 322).
([44] ) انظر: مذهب الإسلام (312). -دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (298).
([45] ) انظر: سلك الجواهر (94, 95). -مذاهب الإسلام (313, 314).
([46] ) انظر: مذاهب الإسلام (314).
([47] ) يلاحظ هنا كيف أن الفرق الضالة تفترق فيما بينها بناء على أهوائها.
([48] ) انظر: مذاهب الإسلام (314).
([49] ) انظر: مذاهب الإسلام (314, 315).
([50] ) انظر تفاصيل عن هذه الفرق في: همار إسماعيلي مذهب كي حقيقت اور اس كا نظام (حقيقة مذهبنا الإسماعيلي ونظامه), زاهد علي البهري (292-295), مكتبة بينات, علامة بنوري ثاون, كراتشي.
([51] ) انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية لمصطفى غالب (405), الطبعة الثانية (1965م), دار الأندلس, بيروت.
([52] ) انظر: عقد الجواهر (124). -سلك الجواهر (64).
([53] ) سورة آل عمران: الآية 103.
([54] ) نقلاً عن مذاهب الإسلام (329).
([55] ) أمثال أبحاث المستشرق الروسي البروفيسور إيفانوف عضو جمعية الدراسات الإسلامية في بومباي, والمستشرق الفرنسي ماسينيون, والمستشرق الألماني الدكتور شترو طمان عميد معهد الدراسات الشرقية بجامعة هامبورغ, ومسيو هنري لويس, والباحث الإسماعيلي عارف تامر, ومصطفى غالب وغيرهم. انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية (22).
([56] ) انظر: سلك الجواهر (65, 66).
([57] ) انظر: مذاهب الإسلام (303, 304). -سلك الجواهر (88, 89).
([58] ) انظر سلك الجواهر (79, 80).
([59] ) نفس المصدر (77, 78).
([60] ) انظر: إسلام بلا مذاهب, للدكتور مصطفى الشكعة (240), الطبعة الخامسة (1977م), شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
([61] ) انظر: سلك الجواهر (82, 83). -مذاهب الإسلام (298, 299).
([62] ) انظر: سلك الجواهر (66, 67). -مذاهب الإسلام (292, 293).
([63] ) انظر: ترجمته في نزهة الخواطر (4/395, 396).
([64] ) نفس المصدر (4/69, 70).
([65] ) نفس المصدر (4/107, 108).
([66] ) نفس المصدر (4/146).
([67] ) انظر: طائفة الإسماعيلية (62, 63). -إسلام بلا مذاهب (236).
([68] ) انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية (255).
([69] ) ذكر عبد الرحمن بدوي أن هذه الرواية التي تسوقها النزارية ليس لها سند تاريخي, ولم يذكرها أي مؤرخ, وقصد من اختراعها الربط بين نزار وإسماعيلية إيران في ألموت وسائر القلاع الإسماعيلية. انظر: مذاهب الإسلاميين (2/355, 356), نقلاً عن كتاب: دراسة عن الفرق (301 هامش رقم2). وذكر الدكتور محمد كامل حسين: أن الحسن بن الصباح أرسل بعض الفدائيين إلى مصر لإحضار نزار أو أحد أبنائه إلى ألموت, ولكن الوزير في مصر قتل نزاراً وابنه, واستطاع الفدائيون أن يستصحبوا ابناً آخر لنزار إلى ألموت, وهناك أخفاه الحسن بن الصباح حتى تأتي فرصة مناسبة يظهره فيها. أنظر: طائفة الإسماعيلية (71).
([70] ) هو: شمس الدين بن ركن الدين خور شاه (646هـ-710هـ). تولى إمامة النزارية بعد مقتل أبيه في أيدي المغول عام (654هـ). انظر ترجمته في: أعلام الإسماعيلية (311, 312).
([71] ) انظر: طائفة الإسماعيلية (88). -أعلام الإسماعيلية (312).
([72] ) هو: أحمد بن قاسم شمس الدين محمد, المعروف بإسلام شاه (000-827هـ). تولى الإمامة بعد أبيه عام (771هـ). انظر ترجمته في: أعلام الإسماعيلية (116, 117).
([73] ) بير وحجة اسمان لمنصب واحد عند الإسماعيلية. انظر: مذهب إسلام اور باطني تعليم (341). هنا يلاحظ ذكاء الدعاة الإسماعيليين في اختيار الألقاب المناسبة لجذب العوام إلى دعوتهم؛ إذ كان لفظ بير يطلق في البلاد الهندية –وحتى الآن على المشائخ الصوفية, وقد شهد القرنان التاسع والعاشر الهجريين انتشاراً ملحوظاً للطرق الصوفية في البلاد الهندية, فكان الدعاة الإسماعيليون ينشرون عقائدهم تحت ستار المصطلحات الصوفية.
([74] ) يجدر بالذكر هنا أنه وقع الخلاف بين جماعات الخوجات في اعتراف إمامة آغا خان للنزارية, فالسواد الأعظم من هذه الطوائف يعترف بإمامته, ويدفع له الخمس والزكاة. وهناك جماعات أخرى تسمى بالخوجة وتنسب نفسها إلى النزارية, لا تعترف بزعامة آغا خان كإمام للنزارية, منهم: جماعت نورست نسبة إلى الداعي نور الدين الذي وصل إلى الهند من ألموت في القرن السادس الهجري, وسمى نفسه بـ نورست ساكر. يوجد أتباعه في إقليم كجرات ومنطقة نهيا وار الهنديتين. ومنها جماعة ست بنتهي –أي طريق الخلاصة- وتنسب هذه الطائفة إلى الداعي إمام الدين الحسيني الإسماعيلي الذي قدم إلى إقليم كجرات وتعلم السنسكريتية وصاحب رجال الدين الهندوس, ودعا كفار الهند إلى مذهبه سراً وأجاز لهم أن يعيشوا على تقاليدهم الجاهلية, ويتبعوا مذهبه, وألّف كتاباً سماه ((ست ديني)) باللغة الكجراتية. ومنها: جماعة خوجة الاثنا عشرية الموجودة في مدينة بمبئي. فهذه الطوائف من الخوجات –وهم من الإسماعيلية النزارية- لا تعترف بإمامة آغا خان. انظر: مذهب إسلام أورباطني تعليم (332-333). -الثقافة الإسلامية في الهند (213). -مذاهب الإسلام (341).
([75] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (332). -الثقافة الإسلامية في الهند (213).
([76] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (331, 337).
([77] ) هو: العباس بن عبد السلام شاه, المعروف بغريب ميرزا (815هـ-902هـ). تولى إمامة النزارية عام (899هـ) بعد أبيه. انظر ترجمته في: أعلام الإسماعيلية (332, 333).
([78] ) نفس المصدر والصفحة.
([79] ) انظر: أعلام الإسماعيلية (220, 287, 413).
([80] ) هو: خليل الله علي شاه الثاني, والد آغا خان الأول (1153هـ-1233هـ). وهو آخر أئمة الإسماعيلية النزارية الذين قطنوا إيران. انظر: أعلام الإسماعيلية (287, 288).
([81] ) انظر: طائفة الإسماعيلية (112).
([82] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (213).
([83] ) نقل الدكتور خادم حسين إلهي بخش صور بعض هذه القضايا في كتابه القيم: أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية. انظر: (ص314, 315, 316).
([84] ) انظر: أعلام الإسماعيلية (218, 219).
([85] ) ويتولى الإمامة حالياً كريم بن علي بن محمد شاه الحسيني آغا خان الرابع (1936م-000). تولى إمامة الطائفة بعد وفاة جده محمد شاه الحسيني آغا الحسيني خان الثالث (1957م). انظر: أعلام الإسماعيلية (434-436).
([86] ) انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية (380).
([87] ) هو: حسن بن محمد بن كيا بزرد (539هـ-561هـ). تولى الإمامة بعد أبيه عام (557هـ), وادعى أنه من نسل نزار بن المستنصر الفاطمي. انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية (456).
([88] ) انظر: دولة الإسماعيلية في إيران, للدكتور محمد السعيد جمال الدين (214, 215), طبعة (1975م) مؤسسة سجل العرب. -طائفة الإسماعيلية (80-82).
([89] ) انظر: همار إسماعيلي مذهب اور اس كا نظام (133).
([90] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (339).
([91] ) انظر: حقيقت إسماعيلية, لأكبر علي مهر علي (142) إداره مطبوعة تكبير.
([92] ) انظر: إسماعيلي تعليمات (ص1), الكتاب الأول للمدارس الإسماعيلية في باكستان, نقلاً عن أثر الفكر الغربي (318).
([93] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (340).
([94] ) انظر: طائفة الإسماعيلية (126, 127).
([95] ) انظر: تاريخ الدعوة الإسماعيلية (372, 373).
([96] ) انظر: مذهب إسلام أور باطني تعليم (340).
([97] ) الويدا كتاب الهندوس المقدس, لا يعرف له واضع معين. وله قيمة كبرى في الديانة الهندوسية. والويدا عبارة عن أربع كتب دينية, وهي:
1-الريج ويدا, 2-باجور ويدا, 3-ساما ويدا, 4-آثار ويدا. انظر: أديان الهند الكبرى (45-47).
([98] ) انظر: مذهب إسلام اور باطني تعليم (340).
([99] ) انظر: حقيقت إسماعيلية (110).
([100] ) وهو أحد كتابي بير صدر الدين المقدسين لدى طائفة الخوجة.
([101] ) انظر: حقيقت إسماعيلية (137). -مذاهب الإسلام (348).
([102] ) انظر: مذاهب الإسلام (334). -مذهب إسلام اور باطني تعليم (339).
([103] ) انظر: مذاهب الإسلام (349). بنيت هذه المعابد في إقليم كجرات والسند وجنوب البنجاب في القرن التاسع الهجري. وأما في الوقت الحاضر يسمى معابد الخوجة –الإسماعيلية النزارية- جماعت خانة –كما هو الحال عند البهرة أيضاً- وتوضع فيها صور كبيرة لـ كريم خان الحسيني حاضر إمام.
([104] ) انظر: مذاهب الإسلام (348).
([105] ) انظر: مذاهب الإسلام (348, 349).
([106] ) انظر: حقيقت إسماعيلية (142).
([107] ) نفس المرجع (142).
([108] ) وفي الآونة الأخيرة قد أصبحت عبارة ((يا علي مدد)) شعاراً لطوائف الشيعة في باكستان, ومن يتجول في مدينة كراتشي ولاهور وملتان وإسلام آباد يلاحظ هذا الشعار في واجهات السيارات, والمحلات التجارية, والعمائر السكنية حتى الدوائر الحكومية التي توجد فيها أتباع هذه الطوائف.
([109] ) انظر: أعلام الإسماعيلية (332, 333).
([110] ) انظر: أثر الفكر الغربي (322, 323).
([111] ) انظر: الإسماعيلية المعاصرة, لمحمد أحمد الجوير (143), الطبعة الأولى (1414هـ).
إن البهرة أمة محصورة, ومنغلقة على نفسها, لا يسمح لغير البهرة باعتناق مذهبهم ما لم يولد من أصل بهري, كما أنهم يتميزون عن غيرهم بزيهم الخاص, وسلوكهم الخاص –كما تقدمت الإشارة إلى ذلك-, وأما الخوجة فتحاول فرض سيطرتهم لتحويل المسلمين إلى الإسماعيلية النزارية, وتبعية آغا خان عن طريق القروض المالية لتطوير القرى وتنميتها, ولهم في ذلك مشاريع أشهرها مؤسسة آغا خان لمنطقة جنرال الباكستانية, حيث أكبر تجمع للخوجة([110]أنهم –أي الخوجة- يسلكون مسلك من يقول: ((در بالليالي كما تدور)) ففي كل بلد ينزلون بندمجون مع أهله, وهذا آغا خان الثالث يوصي أتباعه في بورما أن يندمجوا إلى أقصى حد ممكن بالحياة الاجتماعية والسياسية في بورما وأن يتخلوا عن أسمائهم الهندية الإسلامية, وعن عاداتهم وتقاليدهم, وأن يتخذوا بصورة دائمة أسماء أولئك القوم وعاداتهم وتقاليدهم الذين يعيشون بينهم([111]) .) , كما البطاقة السرية:يعتقد الخوجة أن القرآن الكريم آخر الويدا([97]) الموثوق به والمعتمد عليه. ولكن المصحف الموجود لدى الأمة الإسلامية, لا يوثق به, ولا يعتمد عليه([98]) . وقد أصدر آغا خان الثالث فرماناً في يوم (30) من شهر يوليو لعام (1899م) في زنجبار قال فيه: ((إن الخليفة عثمان قام بحذف أجزاء من القرآن الكريم, وإن بدأت أنسخ القرآن يستغرق ذلك ست سنوات. وأبعث لكم هذه النسخة, فترون فيها ماذا حذف –أي عثمان- وماذا غيّر وبدّل))؟([99]) .موقفهم من القرن الكريم:ذكر الدكتور محمد كامل حسين في ذكرياته مع آغا خان الثالث محمد الحسيني شاه: ((إني كنت أناقشه في بعض المسائل الفلسفية الخاصة بتطور عقيدة الإسماعيلية, وطالت المناقشة, وتفرعت من موضوع إلى موضوع مما جعلني أعجب به أشد الإعجاب بعقليته وثقافته وسعة اطلاعه, وإحاطته بكل ما يتعلق بالإسماعيلية إحاطة تامة, فاستأذنته في توجيه سؤال ربما أغضبه, فلما وعدني بعدم الغضب قلت له:وهكذا عمل الإنجليز لتثبيت إمامة آغا خان الأول, واستمرت الإمامة في أعقابه حتى هذه اللحظة([85]) . ومن الامتيازات التي منحتها الحكومة البريطانية لآغا خان أن يطلق له إحدى عشر مدفعاً عند مقدمة إلى الحفلات الرسمية التي تقيمها الحكومة([86]) .