تعد الاثنا عشرية إحدى فرق الشيعة الإمامية التي لها وجود معاصر حتى يومنا هذا. وهؤلاء يحصرون الأئمة في اثنى عشر إماماً من آل البيت, وهم على الترتيب كالآتي:
1- علي بن أبي طالب (000-40هـ).
2- الحسن بن علي (3هـ-50هـ).
3- الحسين بن علي (4هـ-61هـ).
4- علي زين العابدين بن الحسين (38هـ-95هـ).
5- محمد الباقر بن علي (57هـ-114هـ).
6- جعفر الصادق بن محمد (83هـ-148هـ).
7- موسى الكاظم بن جعفر (128هـ-183هـ).
8- علي الرضا بن موسى (148هـ-203هـ).
9- محمد الجواد بن علي (195هـ-220هـ).
10- علي الهادي بن محمد (212هـ-254هـ).
11- الحسن العسكري بن علي (232هـ-260هـ).
12- محمد المهدي بن الحسن (256هـ-000).
وبهذا يتم لهم اثنا عشر إماماً, ولهذا سموا بالاثني عشرية, فهم يشاركون الإسماعيلية في الستة الأول, ويخالفونها في السابع, فيقولون: إن الإمامة انتقلت بعد جعفر الصادق إلى ولده موسى الكاظم, ويقررون أن إسماعيل قد مات في حياة أبيه, فانتقلت الإمامة بعده إلى أخيه موسى. أو أن إسماعيل لم يمت –كما يزعم الإسماعيلية- ولكن صرفت عنه الإمامة لاتصافه بما ينافيها من السلوك إلى آخر المجادلات التي اشتهرت بين الفريقين.
ويعتقد الاثنا عشرية بأن الإمام الثاني عشر دخل سرداباً في دار أبيه بسامرا وأمه تنظر إليه, واختفى, وأنه يخرج في آخر الزمان, فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً([2]) .
نشأتها في البلاد الهندية:
أول من وطئت قدماه أرض الهند من الفرقة الاثنا عشرية هو الشيخ علي الحيدري القزويني([3]) الذي وصل إلى كهنبايت –من بلاد كجرات- في القرن الثامن الهجري, أسلم على يديه كثير من الهندوس على أصول الاثنى عشرية, كما تشيع عدد كبير من المسلمين([4]) .
وكان وصول الدعاة الاثنى عشريين من إيران مستمراً من وقت إلى آخر إلى البلاد الهندية حتى تولى مملكة الهند همايون بن باير المغولي([5]) بعد وفاة أبيه في مطلع القرن العاشر الهجري, وفي أيامه قويت شوكة شير شاه السوري الأفغاني([6]) واستولى على إقليمي بهارة والبنغال, ولم يتمكن الملك همايون من الصمود أمام هجماته بعد أن انهزم في معركة فنوج فغادر دهلي متوجهاً إلى إيران واستنجد بالشاه طهماسب الصفوي([7]) هنا وجد الشاه –الذي يعتبر نفسه داعي الاثنى عشرية والمدافع عن حوزتها- فرصة ثمينة لرفع راية عقيدتها في بلاد الهند والأفغان([8]) , فعرض على الملك همايون اعتناق هذا المذهب مقابل مساعدته لاسترداد مملكة الهند والأفغان إلى الحكم المغولي من جديد, وهنا يختلف المؤرخون فيما إذا كان هذا الملك قد استجاب لطلب الشاه طهماسب أو لم يستجب.
ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن الملك همايون أكد للشاه طهماسب فتح أبواب البلاد الهندية لدعاة الشيعة الإيرانيين, ونشر التشيع بين سكانها السنيين بدون عائق, فأمده الشاه بأموال وجنود كان من بينهم ابنه محمد ميرزا بن الشاه طهماسب وأمراء قزلباش, واستطاع همايون استعادة مملكته للمرة الثانية بمساعدة الجيش الإيراني, وبهذا فتحت أبواب الهند أمام الوافدين من إيران, وسمح الملك همايون لعلماء الشيعة الاثنى عشرية القادمين من إيران بنشر التشيع بين السنيين الهنود([9]) .
وما إن تولى الملك أكبر بن همايون عرش مملكة الهند عام (963هـ), وبدأ ينحرف عن جادة الصواب, ويرحب بكل شاردة وواردة, زاد الشيعة نفوذهم في البلاط الملكي, فكان الملك أكبر يحتفي بعلماء الشيعة القادمين من إيران ويجعلهم من خواصه وحاشيته, ويقلدهم المناصب العليا. وكان هؤلاء الشيعة أبرز من يشاركون في المباحثات الدينية في عبادت خانة أمام الملك أكبر ويطعنون على الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم ويسبون جميع الصحابة والتابعين, والسلف الصالحين, ويحكمون عليهم بالكفر والفسق, وتمكنوا من إفهام الملك أن الفرق كلها باطلة ما عدا الشيعة مما صعّد من نفوذهم في البلاد([10]) .
وقد تزامن انتشار التشيع الاثنى عشري في البلاد الخاضعة للدولة المغولية انتشاره في الأقاليم المستقلة الغربية والجنوبية البعيدة عن الحكومة المركزية في دهلي, فقد شهدت منطقة بيجابور –من بلاد الدكن- انتشاراً ملحوظاً للتشيع الاثنى عشرية, إذ تشيع يوسف عادل شاه([11]) –حاكم هذه المنطقة- وخطب للأئمة الاثنى عشر, وبذل قصارى جهده لنشر مبادئ هذا المذهب في ربوع الهند([12]) .
كما اعتنق برهان نظام شاه([13]) حاكم ولاية أحمد نكر –من بلاد الدكن الجنوبية- تحت تأثير الشيخ طاهر بن رضي القزويني([14]) وغلا برهان نظام شاه في مذهبه الجديد, حتى أمر الناس بسبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم علناً وجهراً في المساجد, والشوارع, والأسواق. وعين رواتب مغرية لمن يقوم بهذه الخدمة, وقام بقتل كثير من أهل السنة والجماعة, كما أسر كثيراً منهم([15]) .
وهكذا تشيع السلطان قلي مير علي الهمداني([16]) حاكم منطقة تلنكانه –من بلاد الدكن الجنوبية- بعد أن استقل بهذه المنطقة عام (950هـ), وقد وصل إليه الداعي طاهر بن رضي القزويني من منطقة أحمد نكر لتهنئته على تولية السلطان في هذه المنطقة, وقد تشيع هو الآخر تحت تأثيره, كما كان من عادل شاه –حاكم أحمد نكر- وأمر بالخطبة للأئمة الاثنى عشر, وحذف أسماء الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم, كما أمر الخطباء أن يذكروا اسم شاه إيران إسماعيل الصفوي قبل اسمه, وأن يدعوا له. وكان الشيعة في هذه المنطقة أيضاً يقومون بسبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم جهراً وعلناً في الأماكن العامة, كما كان الحال في منطقة أحمد نكر المجاورة([17]) .
وهكذا قامت للشيعة الاثنى عشرية دويلات مستقلة في غرب البلاد الهندية وجنوبها في القرن العاشر الهجري, ولعبت هذه الدويلات دوراً مهماً في نشر العقائد الاثنى عشرية في البلاد التابعة لها, كما كان لعلماء الشيعة دور بارز في البلاط المغولي في دهلي, خاصة في عهد الملك أكبر وخلفه الملك جهانكيز, وفي عهد الأخير زادت شوكة الاثنى عشرية في الدولة المغولية لمكانة زوجة الملك جهانكير نور جهان التي كانت شيعية, حتى أن كبير دعاة الشيعية نور الله الشوشتري([18]) عين رئيساً للقضاة([19]), إلى أن تولى زمام السلطة في الدولة المغولية الملك الصالح عالمكير([20]) الذي ندب نفسه لمحاربة جميع البدع والمنكرات, فقضى على البقية الباقية من بدع المذهب الأكبري([21]) , كما أخذ على عاتقه محاربة الدويلات الشيعية التي استقلت, فتوجه بنفسه بجيش كثيف إلى بيجابور وقضى على هذه الدويلة, وأعادها إلى الحكومة المركزية, وذلك عام (1097هـ), وهكذا أعاد كولكندة –تلنكانه- وأحمد نكر من بلاد الدكن, واستغرقت هذه الحروب قرابة ستة عشر عاماً, حتى وضعت أوزارها في مطلع القرن الثاني عشر الهجري, وبهذا صارت شبه القارة الهندية كلها في حوزة الملك عالمكير ما عدا أماكن قليلة عند الساحل الشرقي والغربي كانت بأيدي المستعمرين الأوربيين([22]) .
وكان الاثنا عشرية منذ ذلك الوقت متفرقين في بلاد الهند, لم تكن لهم جامعة تجمعهم, ولا دولة تدعو إلى مذهبهم حتى نهض الشيخ محمد علي الشيعي أيام آصف الدولة –أمير بلاد أودهـ- وحرض على أن يجمعهم في الصلوات, وألف في ذلك رسالة, فرضي آصف الدولة بذلك, وأمر السيد دلدار([23]) –مجتهد الشيعة بالإمامة في الصلوات وكان ذلك في شهر رجب عام (1200)([24]) .
وقد بذل الشيخ دلدار المذكور أقصى جهده لإحقاق المذهب الاثنى عشري, وإبطال أهل السنة والجماعة, وألّف في ذلك كتباً كثيرة, أشهرها عماد الإسلام في مجلدات كبار, كما كان آصف الدولة وأخلافه يبذلون العطايا, وإقطاع الأراضي على المتشيعين, فتشيع كثير من الناس طوعاً أو كرهاً. وكانت فتنة عظيمة بين الناس, فنهض الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي([25]) لصد هذا السيل الجارف, وألّف كتابه الشهير تحفة اثنا عشرية([26]) الذي هزّ إيوان المذهب الاثنى عشري في البلاد الهندية, وتصدى علماء الشيعة للرد على هذا الكتاب, وألفوا في ذلك كتباً كثيرة([27]) .
وهكذا ازداد نشاط الاثنى عشري في كثير من البلاد الهندية أيام انحطاط الدولة المغولية, وبعد انتقال السلطة إلى الأيدي الإنجليزية عام (1275هـ) عمل المستعمر –كعادته- لإضرام النزاع بين أهل السنة والاثنى العشرية حيث اعتبر مدينة لكهنئو مدينة شيعية بحتة لا مكان فيها لأهل السنة, يتعرض فيها أصحاب رسول الله r للسب والشتم علناً, ويحرم على أهل السنة تعظيم الصحابة رضي الله عنهم, وكم من دماء سنية أريقت دفاعاً عن عقيدة أهل السنة, وما زالوا يكتوون بنار فتنة الاثنى عشرية في هذه البلاد حتى أيامنا هذه, وخاصة في المناسبة المحرمية عند إخراج المحمل العزائي يوم عاشوراء([28]) .
أماكن وجودهم:
يتمركز الاثنا عشريون حالياً في مدينة لكهنئو, ومرشد آباد, وعظيم آباد, وأودهـ, وبيجا بور, وكولكندة, وتلنكانة وغيرها من البلاد في الهند, وفي مدينة لاهور, وملتان, وكراتشي, وإسلام آباد في باكستان, كما يوجد عدد ضئيل منهم في مدينة داكا في بنغلادش([29]).
عقائدهم:
عقائد الإمامية الاثنى عشرية في البلاد الهندية عقائدهم في البلاد الأخرى من الاعتقاد في الإمامة, وخصائص الإمام, ووقوع التحريف في القرآن الكريم, وعدم الاعتماد على السنة النبوية المطهرة, والطعن على جميع الصحابة ولعنهم إلا النادر منهم, والتقية والرجعة, والمهدي المنتظر, وما إلى ذلك([30]) .
وفيما يلي بعض السمات البارزة التي اتسمت بها عقائد الاثنى عشرية في البلاد الهندية.
الأولى: عقيدة الولاء والبراء:
أهم عقيدة برزت في أوساط الشيعة الاثنى عشرية في البلاد الهندية هي عقيدة الولاء لأئمتهم الاثنى عشرية, والبراء من الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبي بكر, وعمر, وعثمان رضي الله عنهم ووصفهم بأقبح الصفات؛ لأنهم –كما يزعمون- اغتصبوا الخلافة من علي t الذي هو أحق منهم بها, وهم ينالون كذلك من كثير من الصحابة, وأم المؤمنين عائشة –رضي الله عنهم أجمعين-.
ويجد الباحث في تاريخ المذهب الاثنى عشري في البلاد الهندية أنهم كلما وجدوا نفوذاً في مكان, أو استولوا على بلاد, فأول شيء قاموا به هو حذف أسماء الخلفاء الراشدين الثلاثة من الخطبة في الجمع والأعياد, وإحلال أسماء أئمة الاثنى عشر محلهم, وأقدم بعضهم على خطوة أخرى حيث وظّف أناساً على حساب الدولة لسب الصحابة وللطعن واللعن عليهم رضي الله عنهم أجمعين وأما دعاة الاثنى عشرية وعلماؤهم فكان سب الصحابة شعارهم.
كما حصل ذلك في بلاد الملك أكبر من علماء الشيعة القادمين من إيران من لعن وطعن على الخلفاء الراشدين, ولكثير من أصحاب رسول الله r.
الثانية: الحسينيات:
جمع الحسينية نسبة إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. ويسميها الشيعة إمام بازه –أي بيت الإمام- ويقصدون بالإمام الحسين t.
وقد دأب الشيعة في البلاد الهندية على اتخاذ الأضرحة من الثياب والقضبان كل سنة في شهر محرم, ويعملون التماثيل من القرطاس والخشب والقماش, كما يصنعون تمثالاً يسمونه بالبراق ويضعون هذه الأشياء في بيت يبنونه لذلك, ويسمونه إمام بازه –أي بيت الإمام-, وهو المعروف بالحسينية.
وفي شهر محرم يجتمعون في هذا البيت للاحتفال, فيزينون البيت أحسن زينة, ويوقدون فيه الشموع, فيذكرون قصة كربلاء نظماً ونثراً ويبكون ويلطمون وجوههم, ويقدّون جيوبهم, ثم يطوفون بالأسواق والشوارع بالطبول والأعلام, وينشدون المراثي, فيبكون ساعة ثم ينادون بأعلى صوتهم حسين حسينو ويضربون أيديهم على صدورهم بشدة وقوة وغير ذلك من الخرافات التي يطول ذكرها([33]) .
من هذه الحسينيات المشهورة في البلاد الهندية الحسينية الكبيرة التي بناها آصف الدولة –أمير بلاد أودهـ- في مدينة لكهنئو عام (1207هـ), وأنفق في بنائها أموالاً طائلة, وهي عبارة عن ثلاث عمائر ضخمة تحتوي على أضرحة وتماثيل وأشياء أخرى.
ومنها حسينية حسين آباد بناها محمد علي شاه –أمير بلاد أودهـ- عام (1258) في مدينة لكهنئو أيضاً.
ومنها حسينية نجف بناها غازي الدين حيدر عام (1243هـ), وسماها باسم النجف.
ثم انتشرت هذه الحسينيات في كبرى المدن في البلاد الهندية التي يوجد فيها الاثنا عشريون([34]) .
أشهر الدعاة:
برز دعاة كثيرون في البلاد الهندية في القرن العاشر الهجري من العلماء والحكام الذين أدوا دوراً مهماً في نشر عقائد المذهب الاثنى عشري في ربوع هذه البلاد, وأشهرهم:
1- يوسف عادل شاه:
هو يوسف عادل شاه البيجا بوري (000-916هـ). يقال: إنه ينحدر من العائلة العثمانية, وكان من أبناء مراد بن بايزيد اليلدرم (ت854هـ), خرج من تركيا بعد وفاة أبيه خوفاً من القتل, ثم دخل الهند واستقر في أحمد آباد –من بلاد كجرات- وخدم سلطانها حتى أصبح والياً على منطقة بيجا بور واستقل بها عام (895هـ), ثم توسع ملكه إلى البلاد المجاورة, ولقب نفسه بـ (عادل شاه)([35]) .
وفي عام (908هـ) عقد مجلساً دعا إليه كبار علماء الشيعة آنذاك, وقال لهم: إنه كان في بداية حياته لما كان لما كان طريداً عن البلاد, يتجول في الأسواق, رأى في المنام أن الخضر جاءه وبشّره بأن الله سبحانه وتعالى سيرفع عنه هذا الذل, ويمكنه من الجلوس على عرش السلطنة, وأوصاه أن لا ينسى الله تعالى حين يمسك زمام الأمور بيده, ويظل محباً لأئمة آل البيت, ويبذل قصارى جهده لنشر مذهب الشيعة في الدنيا كلها([36]) .
وأخذ يوسف عادل شاه على عاتقه نشر عقائد المذهب الاثنى عشري, ففي شهر ذي الحجة من العام (908هـ) أصدر أمراً لإضافة كلمة علياً ولي الله في الأذان, كما أمر حذف أسماء الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم من الخطبة, وأن يخطب للأئمة الاثنى عشر([37]).
وقد استخدم يوسف عادل شاه قوته وسلطته في نشر الفرقة الاثنى عشرية, فاعتنق كثير من الأمراء, وقادة الجيوش مبادئ هذه الفرقة, كما عزل آخرين من مناصبهم ممن رفضوا هذا الاتجاه للحاكم.
ثم أقدم يوسف على خطوة أخرى بأن بعث بعض كبار أمرائه إلى الشاه إسماعيل الصفوي –شاه إيران- بهدايا ثمينة, وتحف غالية, وقدم ولاءه للشاه على إعلان المذهب الاثنى عشري في إيران كما بشره بأن منطقة بيجا بور أصبحت منطقة اثنى عشرية, يخطب فيها للأئمة الاثنى عشر([38]) .
2- الشيخ طاهر بن رضي:
هو طاهر بن رضي الدين بن مؤمن شاه الهمداني القزويني (000-956هـ).
قدم الهند من إيران وسكن أحمد نكر عام (928هـ). وكان يلقي الدروس في مختلف العلوم والفنون, ويشتغل بالدعوة إلى التشيع الاثنى عشري. ولما مرض عبد القادر بن برهان نظام شاه –حاكم أحمد نكر- وعجز الأطباء عن علاجه, قلق السلطان من أجل ذلك, فقام طاهر رضي الدين وبشره بالشفاء العاجل إن هو قبل المذهب الاثنى عشري, وأخذ على ذلك العهد والميثاق, فلما شفي الولد, اعتنق برهان شاه المذهب الاثنى عشري فلقّنه الشيخ طاهر رضي الدين أصول المذهب, وطريقة الولاء والبراء, كما أمره أن يخطب للأئمة الاثنى عشر على المنابر في الجمع والأعياد, وبنشر مذهب الإمامية في البلاد. وتشيع مع برهان شاه أهل بيته, وخدمه, وعساكره([39]) .
وله مصنفات كثيرة, منها: شرح الجفرية في فقه الإمامية وحاشية على تفسير البيضاوي وحاشية على الإشارات والمحاكمات والمجسطي والشفاء وغيرها([40]) .
3- برهان نظام شاه:
هو برهان بن أحمد بن الحسن الأحمد نكري (000-961هـ). قام بالملك بعد وفاة والده عام (914هـ), تشيع على يد طاهر بن رضي الدين القزويني, وتلقن منه طريقة الولاء والبراء, وأصول المذهب, وأمر بالخطبة باسم الأئمة الاثنى عشرية في الجمع والأعياد, وحذف أسماء الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم([41]) .
وقد بالغ برهان شاه في الدعوة إلى المذهب الاثنى عشري, ويعينه في ذلك الشيخ طاهر بن رضي القزويني والشيخ أحمد النجفي, وقد استُدعي آخر الذكر من إيران لمناظرة علماء أهل السنة وإفحامهم, وكان من نتيجة ذلك أن تشيع عدد كبير من الأمراء والعساكر وعامة المسلمين, ولما رفض علماء أهل السنة التشيع أمر بقمعهم بدون رأفة, فقتل عدد كبير من أهل السنة, كما أسر كثير منهم([42]) .
وقد أصدر الملك برهان شاه أوامره لمصادرة جميع أوقاف أهل السنة, وتحويلها لنشر المذهب الاثنى عشري. وفتح مطعماً عاماً باسم الإمام الثاني عشر لإطعام جميع الناس الذين قبلوا المذهب المذهب الاثنى عشري, ووقف لمصاريف هذا المطبخ مدناً بأكملها([43]) . ثم أقدم على خطوة أخرى –وهي أخطرها- أن أمر الشيعة أن يسبوا الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم, ورتّب للسابين مكافآت ضخمة من خزانة الدولة([44]) .
ولما علم شاه إسماعيل الصفوي –شاه إيران- جهود الملك برهان شاه في نشر المذهب الاثنى عشري بعث إليه نديمه الخاص آقا سليمان طهراني لتهنئته على قبول هذا المذهب مع هدايا غالية من الجواهر الكريمة([45]) .
توفي برهان شاه في أحمد نكر عام (961هـ), بعد أن قضى سبعة وخمسين عاماً في مؤازرة المذهب الاثنى عشري, بكل ما يملك من قوة([46]) .
4- قاضي نور الله شوشتري:
هو نور الله بن شريف نور الله الحسيني المرعشي الشوشتري (956هـ-1019هـ).
ولد في مدينة شوشتر الإيرانية, طلب العلم في المشهد, ثم قدم الهند, ولاه الملك أكبر القضاء في لاهور, وفي أيام الملك جهانكير أصبح رئيساً للقضاة. كان من كبار علماء الإمامية ودعاتهم, ويخفي مذهبه عن أهل السنة تقية, ويقضي على مذهبه الإمامي. وإذا اعترض عليه أحد يرد عليه بأنه يقضي على المذاهب الأربعة إذا ظهر له الدليل. وهكذا كان يحتال ويقضي بأحكام المذهب الإمامي([47]) .
كان القاضي نور الله يؤلف الكتب في التشيع, ويشنع فيها على أهل السنة تشنيعاً بالغاً, وكان يخفي مصنفاته من غير الشيعة, ويبالغ في الإخفاء حتى وصل كتابه مجالس المؤمنين إلى بعض العلماء, فعرضه على الملك جهانكير, ولما ثبت لدى الملك أنه رافضي إمامي أمر أن يضرب بالدرة, فهلك من ساعته, ولقبه الشيعة بالشهيد الثالث([48]) .
وله مصنفات كثيرة, أشهرها: مصائب النواصب ومجالس المؤمنين والصوارم المهرقة في رد الصواعق المحرفة وإحقاق الحق وإزهاق الباطل([49]) وغيرها.
من الفروق البارزة بين الإسماعيلية والاثنى عشرية:
فيما يلي بعض الفروق البارزة بين فرقتي الإسماعيلية والاثنى عشرية:
1- يعتقد الإسماعيلية أن الإمامة انتقلت بعد جعفر الصادق إلى ابنه الأكبر إسماعيل؛ ولهذا سموا بالإسماعيلية, بينما يعتقد الاثنا عشرية أن الإمام بعد جعفر الصادق ابنه موسى الكاظم, وهو الإمام السابع عندهم, ويسوقون الإمامة فيمن بعده حتى الإمام الثاني عشر, ولهذا سموا بالاثنى عشرية.
2- يعتقد الاثنا عشرية أن الإمامة قد انتهت بالإمام الثاني عشر, وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه بالحجة القائم المنتظر. ويعتقد الإسماعيلية أن الإمامة تستمر إلى يوم القيامة؛ لأن الكون لا يستطيع البقاء لحظة دون إمام, فلو فقد ساعة واحدة, لماد الكون, وتبدد. والإمام بما أوتيه من معرفة خارقة للعادة يعرف أي أبناءه قد نالها بالنص([50]) .
3- خاضت الإسماعيلية الفلسفة كاملة حتى أصبحت من صميم عقائدها, داخلة في الدور الباطني المخيف. وأما الاثنا عشرية لم تخض في الفلسفة كالإسماعيلية([51]) .
4- يعرف الإسماعيلية بالباطنية أيضاً, ويعرف الاثناء عشرية بالرافضة والمذهب الجعفري([52]) .
5- ومن الفروق بين الإسماعيلية والاثنى عشرية ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: ((... والإمامية الاثنا عشرية خير منهم –أي: من الإسماعيلية- بكثير, فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطناً وظاهراً, ليسوا زنادقة منافقين, لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون, وأما عوامهم الذين لم يعرفوا باطن أمرهم فقد يكونوا مسلمين))([53]) .
([1] ) وتعرف أيضاً باسم (الرافضة) و(الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق.
([2] ) انظر: الملل والنحل (169, 173). -دراسة عن الفرق (179, 180, 265, 266, 267).
([3] ) هو: علي الحيدري الهمداني القزويني (000-000).
أحد القادمين من إيران إلى الهند, دخل كجرات ولازم أحد أحبار الهنود, واخذ عنه علوم الهند, لعب دوراً في نشر الاثنى عشرية في ربوع الهند. انظر: نزهة الخواطر (2/83, 84).
([4] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (217, 218).
([5] ) تقدمت ترجمته.
([6] ) تقدمت ترجمته.
([7] ) تقدمت ترجمته.
([8] ) إذ كانت بلاد الأفغان تتبع للحكم المغولي في دهلي آنذاك.
([9] ) انظر: نزهة الخواطر (4/379-392). -تاريخ الصفويين وحضارتهم (134, 135). الإمام السرهندي حياته وأعماله (38, 39).
([10] ) كما كان من الشيخ يزدي وغيره في البلاط الملكي الأكبري, وقد سبق الكلام عليه في المبحث الأول من الفصل السادس.
([11] ) ستأتي ترجمته في أشهر الدعاة.
([12] ) انظر: تاريخ فرشته (2/104). -نزهة الخواطر (4/398).
([13] ) ستأتي ترجمته في أشهر الدعاة.
([14] ) ستأتي ترجمته في أشهر الدعاة.
([15] ) انظر: نزهة الخواطر (4/53, 54). -الإمام السرهندي (38).
([16] ) كان من الأتراك, وقائد قوات السلطان محمود شاه البهمني, في منطقة تلنكانة, فاستقل بها عام (950هـ), وأعلن عن قبوله للمذهب الشيعي الاثنى عشري. انظر: تاريخ فرشته (2/457, 458).
([17] ) انظر: تاريخ فرشته (2/458, 459). -الثقافة الإسلامية في الهند (218).
([18] ) ستأتي ترجمته في أشهر الدعاة.
([19] ) انظر: تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (91).
([20] ) هو: أبو المظفر محيي الدين محمد أونك زيب عالمكير بن شاهجهان المغولي (1028هـ-1118هـ). ملك صالح, تولى على السلطة عام (1068هـ), بعد أن غلب على إخوته في معركة التولي على السلطة, قضى حياته في خدمة الإسلام, ومصلحة الرعية.
انظر: نزهة الخواطر (6/122-135).
([21] ) انظر: إصلاحاته في هذا الصدد في تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (122-128).
([22] ) انظر: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (2/214, 217, 229, 237, 241).
([23] ) هو: دلدار علي بن محمد معين عبد الهادي الشيعي (1116هـ-1235هـ). أول من ادعى الاجتهاد من علماء الشيعة في البلاد الهندية. انظر ترجمته في: نزهة الخواطر (7/166-168).
([24] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (218, 219). -رود كوثر (632-633).
([25] ) هو: عبد العزيز بن ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (1159هـ-1239هـ).
أحد كبار العلماء في تاريخ الهند: أخذ العلم عن والده وكبار علماء عصره. له مؤلفات كثيرة, منها: تفسير القرآن الكريم المسمى بفتح العزيز, وتحفة اثنا عشرية وبستان المحدثين والعجالة النافعة وغيرها. توفى في دهلي بعد مرض طويل. انظر: نزهة الخواطر (7/267-274).
([26] ) وهو كتاب ضخم باللغة الفارسية, في الرد على الشيعة الإمامية, وترجم إلى لغات أخرى هندية. يوجد له مختصر باللغة العربية, اختصره السيد محمود شكري الألوسي وطبعته المطبعة السلفية في القاهرة, عام (1373هـ), بتحقيق من محب الدين الخطيب, كما أعادت الطبع مكتبة أيشيق في إستنابول بتركيا, عام (1399هـ).
([27] ) انظر: الثقافة الإسلامية في الهند (219, 220).
([28] ) انظر: أثر الفكر الغربي (296, 297).
([29] ) انظر: رود كوثر (616-618).
([30] ) انظر عقائد الاثنى عشرية في: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (182-244).
([31] ) سبق الحديث عنهم قبل قليل.
([32] ) توجد في باكستان حالياً منظمتان للشيعة الاثنى عشرية: إحداهما: باسم سباه محمد –أي جند محمد-, والثانية: باسم تحريك جعفري –أي الحركة الجعفرية- تهتم هاتان المنظمتان بإثارة الشغب, وإشاعة القلاقل في البلاد عن طريق اللعن والطعن على الصحابة, ونشر العنف, وقد ذهب كثير من علماء السنة ضحايا عنف هاتين المنظمتين, خاصة في مدينة كراتشي وملتان ولاهور.
([33] ) انظر: الهند في العهد الإسلامي, للشيخ عبد الحي الحسني (464), تحقيق: الدكتور عبد العلي الحسني, طبعة (1392هـ), دائرة المعارف العثمانية, حيدر آباد, الدكن – الهند.
([34] ) نفس المصدر (465, 466).
([35] ) انظر: نزهة الخواطر (4/397).
([36] ) انظر: تاريخ فرشته (2/104).
([37] ) نفس المصدر (2/105).
([38] ) المصدر نفسه (2/106, 110).
([39] ) انظر: نزهة الخواطر (4/163-165).
([40] ) نفس المصدر (4/165).
([41] ) انظر: تاريخ فرشته (2/312, 313).
([42] ) انظر: تاريخ فرشته (2/314, 315).
([43] ) المصدر نفسه (2/315).
([44] ) انظر: نزهة الخواطر (4/54).
([45] ) انظر: تاريخ فرشته (2/318).
([46] ) نفس المصدر (2/325).
([47] ) انظر: نزهة الخواطر (5/425). -رود كوثر (400).
([48] ) انظر اردو دائرة معارف إسلامية (22/490). -نزهة الخواطر (5/426).
([49] ) انظر: تذكرة علماء هند (532). -نزهة الخواطر (5/427).
([50] ) انظر: الحركات الباطنية في الإسلام, لمصطفى غالب (100), دار الكتاب العربي.
([51] ) انظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (272).
([52] ) انظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (180, 181).
([53] ) انظر: منهاج السنة النبوية (2/452, 453).