دراسات\العدد الثامن الأربعون جمادى الآخرة 1428
مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة – 23-الدكتور محمد حسين الذهبي
السبت 16 يونيو 2007
مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة – 23-
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام . الراصد
 
الدكتور محمد حسين الذهبي
وهو من علماء مصر والأزهر ، وتولى وزارة الأوقاف المصرية ومن أهم كتبه كتاب "التفسير والمفسرون" وهو الذي اعتمدنا عليه في بيان موقفه من الشيعة .
 
كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم (ص3 / 2):
الشيعة في الأصل، هم الذين شايعوا عليا وأهل بيته ووالوهم، وقالوا: إن عليا هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الخلافة حق له، استحقها بوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي لا تخرج عنه في حياته، ولا عن أبنائه بعد وفاته، وإن خرجت عنهم فذلك يرجع إلى واحد من أمرين:
أحدهما: أن يغتصب غاصب ظالم هذا الحق لنفسه.
ثانيهما: أن يتخلى صاحب الحق عنه في الظاهر، تقية منه، ودرءاً للشر عن نفسه وعن أتباعه.
وهذا المذهب الشيعي، من أقدم المذاهب الإسلامية، وقد كان مبدأ ظهوره في آخر عهد عثمان رضي الله عنه([1]) ثم نما واتسع على عهد علي رضي الله عنه؛ إذ كان كلما اختلط رضي الله عنه بالناس تملكهم العجب، واستولت عليهم الدهشة، مما يظهر لهم من قوة دينه، ومكنون علمه، وعظيم مواهبه، فاستغل الدعاة كل هذا الإعجاب وأخذوا ينشرون مذهبهم بين الناس.
ثم جاء عصر بني أمية وفيه وقعت المظالم على العلويين، ونزلت بهم محن قاسية، أثارت كامن المحبة لهم، وحركت دفين الشفقة عليهم، ورأى الناس في علي وذريته شهداء هذا الظلم الأموي، فاتسع نطاق هذا المذهب الشيعي وكثر أنصاره.
ويظهر لنا أن هذا الحب لعلي وأهل بيته، وتفضيلهم على من سواهم، ليس بالأمر الذي جد وحدث بعد عصر الصحابة، بل وجد من الصحابة من كان يحب عليا ويرى أنه أفضل من سائر الصحابة، وأنه أولى بالخلافة من غيره، كعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله... وغيرهم كثير.
غير أن هذا الحب والتفضيل لم يمنع أصحابه من مبايعة الخلفاء الذين سبقوا عليا رضي الله عنه؛ لعلمهم أن الأمر شورى بينهم، وأن صلاح الإسلام والمسلمين لا بد له من شمل متحد وكلمة مجموعة، كما أن الأمر لم يصل إلى القول بالمبدأ الذي تكاد تتفق عليه كلمة الشيعة، ويرونه قوام مذهبهم وعقيدتهم وهو "أن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وأن عليا رضي الله عنه، هو الذي عينه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه"([2]).
لم يكن الشيعة جميعاً متفقين في المذهب، والعقيدة، بل تفرقت بهم الأهواء فانقسموا إلى فرق عدة، يرجع أساس اختلافها وانقسامها إلى عاملين قويين، كان لهما كل الأثر تقريبا في تعدد فرق الشيعة وتفرق مذاهبهم:
أولهما: اختلافهم في المبادئ والتعاليم، فمنهم من تغالى في تشيعه وتطرف فيه إلى حد جعله يلقي على الأئمة نوعا من التقديس والتعظيم، ويرمي كل من خالف عليا وحزبه بالكفر. ومنهم من اعتدل في تشيعه فاعتقد أحقية الأئمة بالإمامة وخطأ من خالفهم، ولكن ليس بالخطأ الذي يصل بصاحبه إلى درجة الكفر.
وثانيهما: الاختلاف في تعيين الأئمة، وذلك أنهم اتفقوا جميعاً على إمامة علي رضي الله عنه، ثم على إمامة ابنه الحسن من بعده. ثم على إمامة الحسين من بعد أخيه. ولما قتل الحسين على عهد يزيد بن معاوية تعددت وجهة نظر الشيعة فيمن يكون الإمام بعد الحسين رضي الله عنه: ففريق يرى أن الخلافة بعد قتل الحسين انتقلت إلى أخيه من أبيه، محمد بن علي، المعروف بابن الحنفية، فبايعوه بها.
وفريق ثان، يرى حصر الإمامة في ولد علي من فاطمة، وقد أصبحت بعد قتل الحسين حقا لأولاد الحسن؛ لأنه أكبر أخوته فلا يؤثر بها غير أولاده، وهم ينتظرون كبرهم ليبايعوا أرشدهم.
وفريق ثالث، يرى ما يراه الفريق الثاني من حصرها في ولد علي من فاطمة، غاية الأمر أنه يقول: إن الحسن قد تنازل عنها فسقط حق أولاده فيها، وبقيت الإمامة لأولاد الحسين الذي قتل من أجلها فهم أولى بالانتظار.
بلغ عدد الفرق التي انقسم إليها الشيعة حداً كبيراً من الكثرة، منها من تغالى في تشيعه وتجاوز بمعتقداته حد العقل، والإيمان، ومنها من اعتدل في تشيعه فلم تبالغ كما بالغ غيرها.
الإمامية الإثنا عشرية (ص 7 /2):
أما الإمامية الإثنا عشرية، فيرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى ابنه علي الرضا، ثم إلى ابنه محمد الجواد، ثم إلى ابنه علي الهادي، ثم إلى ابنه الحسن العسكري، ثم إلى ابنه محمد المهدي المنتظر وهو الإمام الثاني عشر، ويزعمون أنه دخل سرداباً في دار أبيه بـ "سر من رأى" ولم يعد بعد، وأنه سيخرج في آخر الزمان، ليملأ الدنيا عدلا وأمناً، كما ملئت ظلماً وخوفاً.
وهؤلاء قد جاوزوا الحد في تقديسهم للأئمة، فزعموا: أن الإمام له صلة روحية بالله كصلة الأنبياء. وقالوا: إن الإيمان بالإمام جزء من الإيمان بالله، وأن من مات غير معتقد بالإمام فهو ميت على الكفر، وغير ذلك من اعتقاداتهم الباطلة في الأئمة.
أشهر تعاليم الإمامية الإثنى عشرية:
وأشهر تعاليم الإمامية الإثنى عشرية أمور أربعة: العصمة، والمهدية، والرجعة، والتقية.
أما العصمة: فيقصدون منها أن الأئمة معصومون من الصغائر والكبائر في كل حياتهم، ولا يجوز عليهم شيء من الخطأ والنسيان.
وأما المهدية: فيقصدون منها الإمام المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض أمنا وعدلا، بعد أن ملئت خوفاً وجوراً. وأول من قال بهذا هو كيسان مولى علي بن أبي طالب في محمد بن الحنفية. ثم تسربت إلى طوائف الإمامية، فكان لكل منها مهدي منتظر([3]).
وأما الرجعة: فهي عقيدة لازمة لفكرة المهدية، ومعناها: أنه بعد ظهور المهدي المنتظر، يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا، ويرجع علي، والحسن، والحسين، بل وكل الأئمة، كما يرجع خصومهم، كأبي بكر وعمر، فيقتص لهؤلاء الأئمة من خصومهم، ثم يموتون جميعا، ثم يحيون يوم القيامة.
وأما التقية: فمعناها المداراة والمصانعة، وهي مبدأ أساسي عندهم، وجزء من الدين يكتمونه عن الناس، فهي نظام سري يسيرون على تعاليمه، فيدعون في الخفاء لإمامهم المختفي ويظهرون الطاعة لمن بيده الأمر، فإذا قويت شوكتهم أعلنوها ثورة مسلحة في وجه الدولة القائمة الظالمة.
هذه هي أهم تعاليم الإمامية الاثنى عشرية، وهم يستدلون على كل ما يقولون ويعتقدون بأدلة كثيرة، غير أنها لا تسلم لهم، ولا تثبت مدعاهم. ونحن نمسك عنها وعن ردها خوف الإطالة، وسيمر بك ـ إن شاء الله تعالى ـ شيء من ذلك.
 
موقف الإمامية الإثنى عشرية من تفسير القرآن الكريم (ص 23/ 2):
للإمامية الإثنى عشرية معتقدات يدينون بها، وينفردون بها عمن عداهم من طوائف الشيعة. وهم حين يعتقدون هذه المعتقدات لا بد لهم ـ ما داموا يقرون بالإسلام ويعترفون بالقرآن ولو بوجه ما ـ أن يقيموا هذه العقائد على دعائم من نصوص القرآن الكريم، وأن يدافعوا عنها بكل ما يمكنهم من سلاح الجدل وقوة الدليل.
موقفهم من الأئمة وأثر ذلك في تفسيرهم:
وإذا نحن استعرضنا هذه المعتقدات وجدنا أن أهمها يدور حول أئمتهم، فهم يلقون على الأئمة نوعا من التقديس والتعظيم، ويرون أن الأئمة (أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجة الله البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى)([4]). ويرون أن الإمامة (زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين) ([5]).
ولما كان الإمام عندهم فوق أن يحكم عليه، وفوق الناس في طينته وتصرفاته، فإنا نراهم يعتقدون بأن له صلة روحية بالله تعالى كتلك الصلة التي للأنبياء والرسول، وأنه مشرع ومنفذ، وأن الله قد فوض النبي والإمام في الدين، ويروون عن الصادق أنه قال: (إن الله خلق نبيه على أحسن أدب وأرشد عقل، ثم أدب نبيه فأحسن تأديبه فقال: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين([6])" ثم أثنى عليه فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم([7])) ثم بعد ذلك فوض إليه دينه، وفوض إليه التشريع فقال: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا([8])" و "من يطع الرسول فقد أطاع الله([9])".
 الله فوض دينه إلى نبيه. ثم أن نبي الله فوض كل ذلك إلى علي وأولاده، سلمتم وجحده الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، وما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا([10])).
وحيث إن الله تعالى خلق النبي وكل إمام بعده على أحسن أدب وأرشد عقل، فلا يختار النبي ولا الإمام إلا ما فيه صلاح وثواب، ولا يخطر بقلب النبي ولا بقلب الإمام ما يخالف مشيئة الله وما يناقض مصلحة الأمة. فيفوض الله تعيين بعض الأمور إلى رأي النبي ورأي الإمام مثل الزيادة في عدد ركعات الفرض ومثل تعيين النوافل من الصلاة والصيام، وذلك إظهار لكرامة النبي والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي، ثم لم يكن الاختيار إلا بالإلهام، وله في الشرع شواهد: حرم الله الخمر، وحرم النبي كل مسكر فأجازه الله، وفرض الله الفرائض ولم يذكر الجد، فجعل النبي للجد السدس، وكان النبي يبشر ويعطي الجنة على الله ويجيزه الله.
وأيضا فوض الله للنبي والأئمة من بعده أمور الخلق، وأمور الإدارة والسياسة من التأديب والتكميل والتعليم, وواجب على الناس طاعتهم في كل ذلك. قالوا: وهذا حق ثابت دلت الأخبار عليه.
وأيضا فوضهم الله تعالى في البيان، بيان الأحكام والإفتاء وتفسير آيات القرآن وتأويلها، ولهم أن يبينوا ولهم أن يسكتوا، ولهم فوق ذلك البيان كيفما أرادوا وعلى أي وجه شاءوا تَقيّة منهم وعلى حسب الأحوال والمصلحة.
والتفويض بهذا المعنى يدعون أنه حق ثابت لهم، والأخبار ناطقة به وشاهدة عليه. يقول صاحب الكافي (سأل ثلاثة من الناس الصادق عن آية واحدة في كتاب الله فأجاب كل واحد بجواب، أجاب ثلاثة بأجوبة ثلاثة، واختلاف الأجوبة في مسألة واحدة كان يقع إما على سبيل التقية وإما على سبيل التفويض([11])).
وهناك نوع آخر من التفويض يثبتونه للنبي والأئمة، ذلك هو أن النبي أو الإمام له أن يحكم بظاهر الشريعة، وله أن يترك الظاهر ويحكم بما يراه وما يلهمه الله من الواقع وخالص الحق في كل واقعة، كما كان لصاحب موسى في قصة الكهف، وكما وقع لذي القرنين([12]).
ثم كان من توابع هذه العقيدة التي يعتقدونها في أئمتهم أن قالوا بعصمة الأئمة، وقالوا بالمهدي المنتظر، وقالوا بالرجعة، وقالوا بالتقية، وهذه كلها عقائد رسخت في أذهانهم وتمكنت من عقولهم، فأخذوا بعد هذا ينظرون إلى القرآن الكريم من خلال هذه العقائد ففسروا القرآن وفقاً لهواهم، وفهموا نصوصه وتأولوها حسبما تمليه عليهم العقيدة ويزينه لهم الهوى، وهذا تفسير بالرأي المذموم، تفسير من اعتقد أولا، ثم فسر ثانياً بعد أن اعتقد.
تأثر الإمامية الإثنى عشرية بآراء المعتزلة وأثر ذلك في تفسيرهم:
وهذا وإن الإمامية الإثنى عشرية لهم في نصوص القرآن التي تتصل بمسائل علم الكلام نظرة تتفق إلى حد كبير مع نظرة المعتزلة إلى هذه النصوص نفسها ولم يكن بينهم وبين المعتزلة خلاف إلا في مسائل قليلة، ويظهر أن هذا الارتباط الوثيق الذي كان بين الفريقين راجع إلى تتلمذ الكثير من شيوخ الشيعة وعلمائهم لبعض شيوخ المعتزلة، كما يظهر لنا جليا أن هذا الارتباط في التفكير شيء قديم غير جديد، فالحسن العسكري، والشريف المرتضى، وأبو علي الطبرسي، وغيرهم من قدماء الشيعة، ينظرون هذه النظرة الاعتزالية في تفاسيرهم التي بأيدينا، والتي تعرضنا لبعضها وسنعرض لبعضها الآخر قريبا.
 بل إننا نجد الشريف المرتضى في "أماليه" يحاول محاولة جدية أنه يجعل عليا رضي الله عنه معتزليا أو رأس المعتزلة على الأصح([13]). وليس من شك في أن هذه النظرات الاعتزالية كان لها أثر كبير في تفسيرهم، وستقف على شيء من ذلك إن شاء الله تعالى.
تأثرهم بمذاهبهم الفقهية والأصولية في تفاسيرهم
ثم إن الشيعة لهم في الفقه وأصوله آراء خالفوا بها من سواهم. فمثلا نجدهم يذكرون أن أدلة الفقه أربعة وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع؛ ودليل العقل. أما الكتاب فلهم رأي فيه سنعرض له فيما بعد.
وأما السنة فهم غير أمناء ولا ملتزمين بما صح منها، وسنعرض لها فيما بعد أيضاً.
وأما الإجماع فليس حجة بنفسه، وإنما يكون حجة إذا دخل الإمام المعصوم في المجمعين، أو كان الإجماع كاشفاً عن رأيه في المسألة، أو كان الإجماع عن دليل معتبر؛ فهو في الحقيقة داخل في الكتاب أو السنة.
وأما دليل العقل عندهم فلا يدخل فيه القياس، ولا الاستحسان، ولا المصالح المرسلة، لأن ذلك كله ليس حجة عندهم([14]).
وفي الفقه لهم مخالفات يشذون بها. فمثلا تراهم يقولون: إن فرض الرجلين في الوضوء هو المسح دون الغسل، ولا يجوزون المسح على الخفين، وجوزوا نكاح المتعة، وجوزا أن تورث الأنبياء، ولهم مخالفات في نظام الإرث، كإنكارهم للعول مثلا، ولهم مخالفات كثيرة غير ذلك في مسائل الاجتهاد.
لهذا كان طبيعياً أن يقف الإمامية الإثنا عشرية من الآيات التي تتعلق بالفقه وأصوله موقفاً فيه تعصب وتعسف، حتى يستطيعوا أن يخضعوا هذه النصوص ويجعلوها أدلة لآرائهم ومذاهبهم، كما كان طبيعياً، أن يتأولوا ما يعارضهم من الآيات والأحاديث، بل ووجدناهم أحياناً يزيدون في القرآن ما ليس منه ويدعون أنه قراءة أهل البيت، وهذا إمعان منهم في اللجاج، وإغراق في المخالفة والشذوذ.
احتيالهم على تركيز عقائدهم وترويجها:
ويظهر لنا أن الإمامية الاثنى عشرية لم يجدوا في القرآن كل ما يساعدهم على أغراضهم وميولهم، فراحوا ـ أولا ـ يدعون أن القرآن له ظاهر وباطن بل وبواطن كثيرة، وأن علم جميع القرآن عند الأئمة، سواء في ذلك ما يتعلق بالظواهر وما يتعلق بالبواطن، وحجروا على العقول فمنعوا الناس من القول في القرآن بغير سماع من أئمتهم، وراحوا ـ ثانيا ـ يدعون أن القرآن وارد كله أو جله في أئمتهم ومواليهم، وفي أعدائهم ومخالفيهم كذلك وراحوا ـ ثالثاً ـ يدعون أن القرآن حرّف وبدل عما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل هذا لا أعتقد إلا أنه من قبيل الاحتيال على تركيز عقائدهم وإيهام الناس أنها مستقاة من القرآن الذي هو المنبع الأساسي والأول للدين.
وأعجب من هذا، أنهم أخذوا يموهون على الناس، ويغرون العامة بما وضعوه من أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته، وطعنوا على الصحابة إلا نفراً قليلا منهم، ورموهم بكل نقيصة في الدين؛ ليجدوا لأنفسهم من وراء ذلك ثغرة يخرجون منها عندما تأخذ بخناقهم الأحاديث الصحيحة التي يرويها هؤلاء الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويحسن بنا ألا نمر سراعا على هذه النقط الأربعة بالذات، بل علينا أن نقف أمامها وقفة طويلة ودقيقة حتى نستطيع أن نقف على مدى هذه الأوهام والدعاوى التي كان لها أكبر الأثر في اتجاه التفسير عند الإمامية الإثنى عشرية، فنقول وبالله التوفيق:
1ـ ظاهر القرآن وباطنه:
يقول الإمامية الاثنا عشرية: إن القرآن له ظاهر وباطن. وهذه حقيقة نقرهم عليها ولا نعارضهم فيها بعدما صح لدينا من الأحاديث التي تقرر هذا المبدأ في التفسير([15]). غاية الأمر أن هؤلاء الإمامية لم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوا إلى القول بأن للقرآن سبعة وسبعين باطناً، ولم يقتصروا على ذلك بل تمادوا وادعوا أن الله تعالى جعل ظاهر القرآن في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وجعل باطنه في الدعوة إلى الإمامة والولاية وما يتعلق بهما.
حرصهم على التوفيق بين ظاهر القرآن وباطنه:
ولقد كان من أثر هذا الرأي في القرآن، أن اشتد حرص هؤلاء القائلين به على أن يعقدوا صلة بين المعاني الظاهرة والمعاني الباطنة للقرآن، ويعملوا بكل ما في وسعهم وطاقتهم على إيجاد مناسبة بينهما حتى يقرّبوا هذا المبدأ من عقول الناس ويجعلوه أمراً سائغاً مقبولا.
من أمثلة هذا التوفيق والربط بين ظاهر القرآن وباطنه، قوله تعالى في الآية (15) من سورة محمد عليه السلام "مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات." فهم يقرون أن هذا الظاهر مراد الله تعالى، ومراد له مع هذا الظاهر معنى آخر باطني هو علوم الأئمة عليهم السلام، ويقولون: إن الجامع بين المعنيين هو الانتفاع بكل منهما وبمثل هذا يوفقون بين المعاني الظاهرة والباطنة، حتى لا يكون مستبعدا إرادة الله لمعنى خاص بحسب ما يدل عليه ظاهر اللفظ، وإرادته لمعنى آخر بحسب ما يدل عليه باطن الأمر.
حملهم الناس على التسليم بما يدعون من المعاني الباطنة للقرآن
وكأني بالإمامية الاثنى عشرية بعد أن ربطوا بين ظاهر القرآن وباطنه، وجمعوا بينهما بجامع التناسب والتشابه... كأني بهم يعتقدون أن مثل هذا الربط لا يكفي في حمل الناس على أن يذهبوا مذهبهم هذا، فحاولوا أن يحملوهم عليه من ناحية العقيدة والإرهاب الديني، الذي يشبه الإرهاب الكنسي للعامة في العصور المظلمة، من حمل الناس على ما يوحون به إليهم بعد أن حظروا عليهم إعمال العقل، وحالوا بينهم وبين حريتهم الفكرية، فقالوا: إن الإنسان يجب عليه أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، ولا بد أن يكون ذلك على سبيل التفصيل إن وصل إليه علم ذلك مفصلا عن آل البيت، ويكفي فيه للإجمال إن لم يصل إليه التفصيل.
 قالوا: ولا يجوز له أن ينكر الباطن بحال، وعليه أن يسلم بكل ما وصل إليه من ذلك عن طريق آل البيت وإن لم يفهم معناه، ولو أن إنساناً آمن بالظاهر وأنكر الباطن لكفر بذلك، كما لو أنكر الظاهر وآمن بالباطن أو الظاهر والباطن جميعاً.
وحرصا منهم على تعطيل عقول الناس ومنعهم من النظر الحر في نصوص القرآن الكريم، قالوا: إن جميع معاني القرآن، سواء منها ما يتعلق بالظاهر وما يتعلق بالباطن، اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده، فهم الذين عندهم علم الكتاب كله؛ لأن القرآن نزل في بيتهم (وأهل البيت أدرى بما في البيت).
أما من عداهم من الناس فلا يرون أدنى شبهة في قصور علمهم، وعدم إدراكه لكثير من معاني القرآن الظاهرة، فضلا عن معانيه الباطنة، قالوا: ولهذا لا يجوز لإنسان أن يقول في القرآن إلا بما وصل إليه من طريقهم غاية الأمر أنهم جوزوا لمن أخلص حبه وانقياده لله ولرسوله ولأهل البيت واستمد علومه من أهل البيت حتى أنس من نفسه العلم والمعرفة.. جوزوا لمثل هذا أن يستنبط من القرآن ما يتيسر له؛ لأنه بحبه لآل البيت وأخذه عنهم صار كأنه منهم وقد قيل (سلمان منا آل البيت).
أثر التفسير الباطني في تلاعبهم بنصوص القرآن
ولقد كان من نتائج هذا التفسير الباطني للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربا بالغا ومجالا رحبا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة، فأخذوا يتصرفون في القرآن كما يحبون، وعلى أي وجه يشتهون، بعد ما ظنوا أن العامة قد انخدعت بأوهامهم وسلموا بأفكارهم ومبادئهم.
فقالوا ـ مثلا ـ: إن من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعاني الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث في المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يفرغون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه في أعينهم داعي العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلا في قوله تعالى في الآية (19) من سورة الانشقاق "لتركبن طبقا عن طبق" إنه إشارة إلى أن هذه الأمة ستسلك سبيل من كان قبلها من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
كذلك مكن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إن اللفظ الذي يراد به العموم ظاهراً كثيراً ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلا لفظ الكافرين الذي يراد به العموم، يقولون: هو في الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علي.
كما مكنهم أيضا من أن يصرفوا الخطاب الذي هو موجه في الظاهر إلى الأمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى من يصدق عليه الخطاب في نظرهم من هذه الأمة بحسب الباطن، فمثلا قوله تعالى في الآية (159) من سورة الأعراف (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) يقولون فيه: قوم موسى في الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكنهم أيضا من أن يتركوا أحياناً المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما في قوله تعالى في الآيتين (74، 75) من سورة الإسراء "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً" فالظاهر غير مراد عندهم، ويقولون عني بذلك غير النبي؛ لأن مثل هذا لا يليق أن يكون موجها للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو معنى به من قد مضى، أو هو من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة).
كذلك مكنهم هذا المبدأ من إرجاع الضمير إلى ما لم يسبق له ذكر، كما في قوله تعالى في الآية (15) من سورة يونس "قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله..." حيث يفسرون (أو بدله) بمعنى أو بدل علياً. ومعلوم أن علياً لم يسبق له ذكر، ولم يكن الكلام مسوقا في شأن خلافته وولايته.
ومما ساغ لهم أن يقولوه بعد تقريرهم لمبدأ القول بالباطن: إن تأويل الآيات القرآنية لا يجري على أهل زمان واحد، بل عندهم أن كل فقرة من فقرات القرآن لها تأويل يجري في كل آن، وعلى أهل كل زمان، فمعاني القرآن على هذا متجددة حسب تجدد الأزمنة وما يكون فيها من حوادث.
 بل وساغ لهم ما هو أكثر من ذلك فقالوا: إن الآية الواحدة لها تأويلات كثيرة مختلفة متناقضة، وقالوا: إن الآية الواحدة يجوز أن يكون أولها في شيء وآخرها في شيء آخر.. ولا شك أن باب التأويل الباطني باب واسع يمكن لكل من ولجه أن يصل منه إلى كل ما يدور بخلده ويجيش بخاطره.
وليس لقائل أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح بأن للقرآن باطنا، وإن المفسرين جميعا يعترفون بذلك ويقولون به، فكيف توجه اللوم إلى الإمامية وحدهم؟ ليس لقائل أن يقول ذلك؛ لأن الباطن الذي أشار إليه الحديث وقال به جمهور المفسرين، هو عبارة عن التأويل الذي يحتمله اللفظ القرآني، ويمكن أن يكون من مدلولاته. أما الباطن الذي يقول به الشيعة فشيء يتفق مع أذواقهم ومشاربهم، وليس في اللفظ القرآني الكريم ما يدل عليه ولو بالإشارة.
مخلصهم من تناقض أقوالهم في التفسير:
ثم إن الإمامية الإثنى عشرية، أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه عندما جوزوا أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير. فأخذوا يموّهون على العامة ويضللونهم، فقرروا من المبادئ ما أوجبوا الاعتقاد به أولا على الناس ليصلوا بعد ذلك إلى مخلص يتخلصون به من هذا المأزق الحرج، فكان من هذه المبادئ التي قرروها وأوجبوا الاعتقاد بها ما يأتي:
أولا: أن الإمام مفوض من قبل الله في تفسير القرآن.
ثانيا: أنه مفوض في سياسة الأمة.
ثالثا: التقية.
وكل واحد من هذه الثلاثة يمكن أن يكون مخلصاً للخروج من هذا التناقض الذي وقع في تفاسيرهم التي يروونها على أئمتهم، فيكون الإمام مفوضاً من قبل الله في تفسير القرآن مخلص لهم؛ لأن باب التفويض واسع. وكونه مفوضاً في سياسة الأمة مخلص أيضاً؛ لأن الإمام أعلم بالتنزيل والتأويل، وأعلم بما فيه صلاح السائل والسامع، فهو يجيب كل إنسان على حسب ما يرى فيه صلاح حاله.
والقول بالتقية مخلص أوسع من سابقيه، لأن الإمام له أن يسكت ولا يجيب، تقية منه (قيل عند الباقر: إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار، فقال الباقر: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحاً، فليذهب الحسن يميناً وشمالا، لا يوجد العلم إلا هاهنا.. وأشار إلى صدره([16])).
وللإمام أن يجيب بحسب الأحوال وما يرى فيه المصلحة.. تقية منه أيضاً وبنوا على هذا (أن الإمام إن قال قولا على سبيل التقية، فللشيعي أن يأخذ به ويعمل بما قاله الإمام إن لم يتنبه الشيعي إلى أن قول الإمام كان على سبيل التقية)([17]).
ونحن لا نظن أن الأئمة كانوا يلجئون إلى هذه التقية.. تقية الخداع في الأخبار، والنفاق في الأحكام، وإنما هي تمحلات يتمحلونها، ليخلصوا بها أنفسهم من هذا الارتباك الذي وقعوا فيه.
2ـ موقف القرآن من الأئمة وأوليائهم وأعدائهم:
ثم إن الإمامية الإثنى عشرية، قرروا أن الإقرار بإمامة علي ومن بعده من الأئمة والتزام حبهم وموالاتهم، وبغض مخالفيهم وأعدائهم، أصل من أصول الإيمان، بحيث لا يصلح إيمان المرء إلا إذا حصل ذلك، مع الإقرار بباقي الأصول، كما قرروا وجوب طاعة الأئمة، واعتقاد أفضليتهم على الخلائق أجمعين.
قرر الإمامية هذا كله، ثم أخذوا ينزلون نصوص القرآن على ما قرروه، بل وزادوا على ذلك فقالوا: إن كل آيات المدح والثناء وردت في الأئمة ومن والاهم، وكل آيات الذم والتقريع وردت في مخالفيهم وأعدائهم، بل ويدعون ما هو أكثر من ذلك فيقولون: إن جلّ القرآن بل كله، أنزل في الإرشاد إليهم، والإعلان بهم، والأمر بموافقتهم، والنهي عن مخالفتهم.
ولقد كان من أثر زعمهم أن القرآن جله أوكله وارد في أئمتهم ومن والاهم، وفي أعدائهم ومن وافقهم، أن قالوا: إن ما نسبه الله إلى نفسه بصيغة الجمع أو ضميره سِرّه أن أراد إدخال النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة معه. قالوا: وهو مجاز شائع معروف، بل وبالغوا فقالوا: إن الأئمة هم المقصودون بالذات أحياناً كما في قوله تعالى: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" حيث رووا عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال فيها: إن الله أعظم وأعز وأجل من أي يظلم، ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمه، وولايتنا ولايته، حيث يقول: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" بمعنى الأئمة منا([18]) أهـ.
وأعجب من هذا، أنهم جعلوا لفظ الجلالة، والإله والرب، مراداً به الإمام وكذا الضمائر الراجعة إليه سبحانه، وتأولوا ما أضافه الله إلى نفسه من الإطاعة والرضى والغنى والفقر مثلا، بما يتعلق بالإمام كإطاعته، ورضاه وغناه، وفقره... الخ، ويعدون ذلك من قبيل المجاز الشائع المعروف... ولكن لا شيوع لمثل هذا المجاز ولا معرفة لنا به، إذ المجاز المتعارف عليه بين العلماء هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، وأين العلاقة هنا؟ وإذا تكلفوا العلاقة فأين القرينة الصارفة للفظ عن حقيقته؟ ثم... لم هذا التكلف والعدول إلى المجاز، وقد تقرر أنه لا يعدل إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة؟
3ـ تحريف القرآن وتبديله:
وأحسب أن الإمامية الإثنى عشرية، عز عليهم أن يكون القرآن غير صحيح في عقيدتهم بالنسبة للائمة وموافقيهم، وبالنسبة لأعدائهم ومخالفيهم، وكأني بهم وقد تساءلوا فيما بينهم فقالوا: إذا كان القرآن جله وارداً في شأن الأئمة وشيعتهم، وفي شأن أعدائهم ومخالفيهم، فلم لم يأت القرآن بذلك صريحاً مع أنه المقصود أولا وبالذات؟ ولم اكتفى بالإشارة الباطنة فقط؟... كأني بهم بعد هذا التساؤل، وبعد هذا الاعتراض الذي أخذ بخناقهم، راحوا يتلمسون للتخلص منه كل سبيل، فلم يجدوا أسهل من القول بتحريف القرآن وتبديله، فقالوا: إن القرآن الذي جمعه علي عليه السلام، وتوارثه الأئمة من بعده، هو القرآن الصحيح الذي لم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، أما ما عداه فمحرف ومبدل، حذف منه كل ما ورد صريحاً في فضائل آل البيت، وكل ما ورد صريحاً في مثالب أعدائهم ومخالفيهم.
 وأخبار التحريف متواترة عند الشيعة، ولهم في ذلك روايات كثيرة ويروونها عن آل البيت، وهم منها براء. يروي الكافي عن الصادق: أن القرآن الذي نزل به جبريل على محمد سبعة عشرة ألف آية، والتي بأيدينا منها ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، والبواقي مخزونة عند أهل البيت فيما جمعه علي([19]).
ويقولون: إن سورة (لم يكن) كانت مشتملة على اسم سبعين رجلا من قريش بأنسابهم وآبائهم. وإن سورة (الأحزاب) كانت مثل سورة (الأنعام) أسقطوا منها فضائل أهل البيت. وإن سورة (الولاية) أسقطت بتمامها... وغير ذلك من خرافاتهم.
وأسخف مالهم في هذا الموضوع هو (أن جميع ما في المصحف كلام الله، إلا أنه بعض ما نزل. والباقي مما نزل عند المستحفظ لم يضع منه شيء وإذا قام القائم يقرؤه الناس كما أنزله الله على ما جمعه أمير المؤمنين علي)([20]).
ولقد اصطدم مدعو التحريف والتبديل، بنصوص من القرآن صريحة في هدم مدعاهم هذا، فمن تلك النصوص: قوله تعالى في الآية (9) من سورة الحجر (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ولكن سرعان ما تخلصوا منها بالتأويل فقالوا: (وإنا لحافظون.. أي عند الأئمة) وبمثل هذا التأويل يتخلصون من باقي النصوص المعارضة لهم.
واصطدموا أيضاً بأمرين آخرين لهما عظيم الخطر على عقائدهم ومبادئهم:
أولهما: كيف تعتمدون في تعاليمكم ومعتقداتكم على هذا القرآن الذي بأيدينا وقد جزمتم بوقوع التحريف والتبديل فيه؟
ثانيهما: كيف توجبون على الناس أن يعترفوا بفضائل آل البيت، ويتبرءوا من أعدائهم ومخالفيهم، والحجة غير قائمة عليهم بعد أن حذف كل ذلك من القرآن؟
وقد أجابوا عن الأول: بأن التحريف إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال، كحذف اسم علي، وآل محمد، وأسماء المنافقين.
وأجابوا عن الثاني: بأن الله تعالى علم ما سيكون من وقوع التحريف والتبديل في القرآن، فلم يكتف بما جاء صريحاً في فضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم، بل أشار إلى ذلك ودل عليه بحسب باطن القرآن وتأويله، وهذا قد سلم من التحريف والتبديل قطعا، فبقيت الحجة، قائمة على الناس وإن بدلوا الظاهر وحرفوه.
والحق أن الشيعية هم الذين حرفوا وبدلوا، فكثيراً ما يزيدون في القرآن ما ليس منه، ويدعون أنه قراءة أهل البيت، فمثلا نراهم عند قوله تعالى في الآية (67) من سورة المائدة: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" يزيدون (في شأن علي) وهي زيادة لم ترد إلا من طريقهم، وهي طريقة مطعون فيها.
وهم الذين حرفوا القرآن أيضاً حيث تأولوه على غير ما أنزل الله (قيل للصادق: ألم يكن علي قوياً في دين الله؟ قال: بلى. قيل: فكيف ظهر عليه القوم ولم يدفعهم؟ وما منعه من ذلك؟ قال الصادق: آية في كتاب الله منعته. قيل: أي آية؟ قال: "لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما" كان لله ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، ولم يكن علي يقتل الآباء حتى تخرج الودائع، فلما خرجت ظهر عليٌّ على من ظهر فقتلهم([21]).
وروى العياشي عن الباقر أنه قال: لما قال النبي "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام" أنزل الله: "وما كنت متخذ المضلين عضدا([22])".
وتقول أصول الكافي في قوله تعالى في الآية (127) من سورة النساء: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا" إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان، آمنوا بالنبي أولا، ثم كفروا حيث عرضت عليهم ولاية علي، ثم آمنوا بالبيعة لعلي، ثم كفروا بعد موت النبي. ثم ازدادوا كفراً بأخذ البيعة من كل الأمة([23]).
هذه أمثلة نذكرها ونضعها بين يدي القارئ الكريم ليحكم بنفسه حكما صادقاً: أن هؤلاء الشيعة، الذين يدعون التحريف والتبديل للقرآن، هم أنفسهم المحرفون لكتاب الله، المبدلون فيه، بصرفهم ألفاظ القرآن إلى غير مدلولاتها وتقولهم على الله بالهوى والتشهي.
4ـ موقفهم من الأحاديث النبوية وآثار الصحابة:
ولقد رأى الإمامية الإثنا عشرية أنفسهم أمام كثرة من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام كثرة من الروايات المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وفي تلك الأحاديث وهذه الآثار ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة؛ لذا كان بدهيا أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات، إما بطريق ردها، وإما بطريق تأويلها. والرد عندهم سهل ميسور؛ ذلك لأن الرواية إما أن تكون قولا لصحابي، وإما أن تكون قولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق صحابي، وهم يجرحون معظم الصحابة، بل يكفرونهم لمبايعتهم أبا بكر أولا، ثم عمر من بعده ثم عثمان من بعدهما... وأما التأويل فباب واسع.. وهم أهله وأربابه.
فمثلا نجدهم يردون الأحاديث والآثار التي ثبتت في تحريم نكاح المتعة ونسخ حله، كما نجدهم، يردون أحاديث المسح على الخفين ويقولون: إنها من رواية المغيرة بن شعبة رأس المنافقين. ثم نجدهم يسلمون بصحة الرواية جدلا ولكنهم يتأولونها فيقولون: إن الخف الذي كان يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم كان مشقوقاً من أعلى، فكان، يمسح على ظاهر قدمه من هذا الشق... وظاهر أن هذا تأويل بارد متكلف.
فإذا كان هؤلاء لا يقبلون أقوال الصحابة،ولا يثقون بروايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً من يقبلون قوله؟ ومن يثقون بروايته؟.
الذي عليه الشيعة إلى اليوم، أنهم لا يأخذون الحديث إلا ممن كان شيعياً، ولا يقبلون تفسيرا إلا ممن كان شيعياً، ولا يثقون بشيء مطلقاً إلا إذا وصل لهم من طريق شيعي!!... وبهذا حصروا أنفسهم في دائرة خاصة، حتى كأنهم هم المسلمون وحدهم فإن عاشوا وسط السنيين فباطنهم لأنفسهم، وظاهرهم للتقية!!..
وليت الأمر وقف بهم عند هذا الحد ـ حد الثقة بأشياعهم والاتهام لمن عداهم ـ بل وجدنا الرؤساء من الشيعة كجابر بن يزيد الجعفي وغيره "قد استغلوا أفكار الجمهور الساذجة، وقلوبهم الطيبة الطاهرة، وحبهم لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراحوا يضعون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته، ويضمنونها ما يرضي ميولهم المذهبية، وأغراضهم السيئة الدنيئة، ولم يفتهم أن يحكموا أسانيد هذا الشيعة لأنهم وجدوها مؤيدة لدعواهم...
 ويعجبني هنا ما ذكره أبو المظفر الإسفرائيني في كتابه التبصير في الدين، وهو: أن الروافض (لما رأوا الجاحظ يتوسع في التصانيف، ويصنف لكل فريق، قالت له الروافض: صنف لنا كتاباً، فقال لهم: لست أدري لكم شبهة حتى أرتبها وأتصرف فيها، فقالوا له: إذاً على شيء نتمسك به "قال: لا أرى لكم وجها إلا أنكم إذا أردتم أن تقولوا شيئا تزعمونه، تقولون: إنه قول جعفر بن محمد الصادق، لا أعرف لكم سببا تستندون إليه غير هذا الكلام.. فتمسكوا بحمقهم وغباوتهم بهذه السوءة التي دلهم عليها، فكلما أرادوا أن يختلقوا بدعة أو يخترعوا كذبة، نسبوها إلى ذلك السيد الصادق، وهو عنها منزه ومن مقالتهم في الدارين برئ([24])).
أهم الكتب التي يعتمدون عليها في رواية الأحاديث والأخبار:
هذا.. وللإمامية الاثنى عشرية كتب كثيرة، يعتمدون عليها في رواية الأحاديث والأخبار، وينزلونها من أنفسهم منزلة سامية، ويثقون بها وثوقاً بالغا، فمن أهم هذه الكتب ما يأتي:
أولا: كتاب الكافي، وهو أهم الكتب عند الإمامية الإثنى عشرية على الإطلاق، وهو لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 328هـ أو 329هـ. وهو عندهم كالبخاري عند أهل السنة وهذا الكتاب يحتوي على ستة عشر ألف حديث، قسمها ـ كما فعل أهل السنة ـ إلى صحيح، وحسن، وضعيف. وهو يقع في ثلاث مجلدات: المجلد الأول في الأصول، والثاني والثالث في الفروع.
ثانيا: كتاب التهذيب لمحمد بن الحسن الطوسي مجلدان في الفروع.
ثالثا: كتاب من لا يحضره الفقيه، لمحمد بن علي بن بابويه، وهو في الفروع.
رابعاً: كتاب الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخيار، لمحمد بن الحسن الطوسي، اختصره من كتاب التهذيب.
هذه الكتب الأربعة، هي أمهات كتب الشيعة التي يعتمدون عليها ويثقون بها، وقد جمعها كتاب الوافي في ثلاث مجلدات كبيرة، وهو من مؤلفات محمد بن مرتضى، المعروف بملاّ محسن الكاشي.
وهناك كتب في الحديث ذكرها صاحب أعيان الشيعة غير ما تقدم، منها: وسائل الشيعة إلى أحاديث الشريعة، للشيخ محمد بن الحسن العاملي، وبحار الأنوار في أحاديث النبي والأئمة الأطهار، للشيخ محمد الباقر، وهي لا تقل أهمية عن الكتب المتقدمة([25]).
والذي يقرأ في هذه الكتب لا يسعه أمام ما فيها من خرافات وأضاليل إلا أن يحكم بأن متونها موضوعة، وأسانيدها مفتعلة مصنوعة، كما لا يسعه إلا أن يحكم على هؤلاء الإمامية بأنهم قوم لا يحسنون الوضع؛ لأنهم ينقصهم الذوق، وتعوزهم المهارة، وإلا فأي ذوق وأية مهارة في تلك الرواية التي يروونها عن جعفر الصادق رضي الله عنه، وهي: أنه قال: (ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فأعلم الله أن المولود من شيعتنا حجبه من ذلك الشيطان، وإن لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشيطان أصبعه في دبر الغلام فكان مأبونا، وفي فرج الجارية فكانت فاجرة([26])).
أظن أن القارئ معي في أن الذي وضع هذه الرواية واختلقها على جعفر الصادق، رجل ينقصه الذوق، وتعوزه المهارة، ونحن أمام هذه الأحاديث والروايات، لا يسعنا إلا أن نردها رداً باتاً، وذلك للأسباب الآتية:
أولا: إن غالب هذه الأحاديث يروونها بدون سند، بل يعتمدون على مجرد وجودها في كتبهم. تروي كتب الشيعة أن إماماً من أئمة أهل البيت أولاد علي يقول: (ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن رسول الله). ولكن بأي سند؟ تجيب كتب الشيعة: (إن شيوخنا رووا عن الباقر وعن الصادق وكانت التقية شديدة، وكانت الشيوخ تكتم الكتب، فلما خلت الشيوخ وماتت وصلت كتب الشيوخ إلينا، فقال إمام من الأئمة حدثوا بها فإنها صادقة([27]) ).
ثانياً: إن ما روي من هذه الروايات مسنداً لا بد أن يكون في سنده شيعي متعصب لمذهبه، وقد قال رجال الحديث: إنه لا يقبل رواية المبتدع الذي يدعو لمذهبه ويروج له.
ثالثاً: (إن القاعدة المتفق عليها بين المحدثين أن كل متن يناقض المعقول، أو يخالف الأصول، أو يعارض الثابت من المنقول، فهو موضوع على الرسول) وغالب أحاديثهم لا تسلم لهم إذا عرضناها على هذه القاعدة.
وكلمة الحق والإنصاف: أنه لو تصفح إنسان أصول الكافي: وكتاب الوافي وغيرهما من الكتب التي يعتمد عليها الإمامية الإثنا عشرية، لظهر له أن معظم ما فيها من الأخبار موضوع وضع كذب وافتراء، وكثير مما روي في تأويل الآيات وتنزيلها، لا يدل إلا على جهل القائل بها وافترائه على الله، ولو صح ما ترويه هذه الكتب من تأويلات فاسدة للقرآن، لما كان قرآن، ولا إسلام، ولا شرف لأهل البيت، ولا ذكر لهم.
وبعد... فغالب ما في كتب الإمامية الإثنى عشرية في تأويل الآيات وتنزيلها، وفي ظاهر القرآن وباطنه، استخفاف بالقرآن الكريم، ولعب بآيات الذكر الحكيم... وإذا كان لهم في تأويل الآيات وتنزيلاتها أغلاط كثيرة، فليس من المعقول أن تكون كلها صادرة عن جهل منهم؛ بل المعقول أن بعضها قد صدر عن جهل، والكثير منها صدر عمداً عن هوى ملتزم، وللشيعة ـ كما بينا ـ أهواء التزمتها.
 
 
 
 
 
 


 

[1]) ـ وقيل عند انتخاب الخليفة الأول بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[2]) ـ مقدمة ابن خلدون ص 218.
[3]) ـ وردت بعض الأحاديث في شأن المهدي، رواها الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، كقوله عليه السلام "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ؛ لطول الله ذلك حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي؛ واسم أبيه اسم أبي" ومثل قوله "لو لم يبق إلا يوم؛ لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا".
وقد وقع بين المسلمين خلاف في شأن المهدي هذا؛ فمنهم من يقول به؛ ومنهم من ينكره؛ ولكن لم نر من المسلمين من ذهب مذهب الإمامية في تعيين المهدي ودعواهم أنه الإمام الثاني عشر الذي اختفى حيا وسيعود في آخر الزمان.
[4]) ـ ضحى الإسلام ج3 ص 215 نقلا عن أصول الكافي ص 93.
[5]) ـ المرجع السابق.
[6]) ـ في الآية (199) من سورة الأعراف.
[7]) ـ الآية 4 من سورة نون.
[8]) ـ في الآية 64 من سورة النساء.
[9]) ـ في الآية 80 من سورة النساء.
[10]) ـ الوشيعة في نقد عقائد الشيعة ص 87.
[11]) ـ الوشيعة في نقد عقائد الشيعة ص 89.
[12]) ـ المرجع السابق ص 89.
[13]) ـ يرى بعض العلماء أن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله، والحسن، ابنا محمد بن الحنفية، وعن أبي هاشم أخذ واصل بن عطاء ( مقدمة تبيين كذب المفترى ص 10، 11 ). ويقول أبو الحسن الطرائفي الشافعي المتوفى سنة 377 هـ في كتابه رد أهل الأهواء والبدع: "عندما بايع الحسن بن علي معاوية وسلم له الأمر، اعتزل جماعة من أصحاب علي، الحسن معاوية وجميع الناس ولزموا منازلهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة". أهـ من هامش تبيين كذب المفتري ص 10.
[14]) ـ انظر أعيان الشيعة ج1 ص 477 ـ وقد مثل لدليل العقل بالبراءة من التكاليف بواجب لم يرد فيه نص. أنظر ص 236 من كتاب أصول الاستنباط للسيد علي تقي الحيدري طبع شركة النشر والطباعة العراقية سنة 1950.
[15]) سيأتي بيان المراد بالباطن قريبا، وسترى أنه بمعزل عما ذهب إليه الإمامية.
[16]) ـ الوشيعة في نقد عقائد الشيعة ص 80.
[17]) ـ المرجع السابق ص 82.
[18]) ـ مقدمة مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ص 39. والآية رقم (55) من سورة المائدة.
[19]) ـ الوشيعة ص 23.
[20]) ـ المرجع السابق ص 27.
[21]) ـ الوشيعة ص 64 نقلا عن الوافي ج2 ص 152.
[22]) ـ الوشيعة ص 64.
[23]) ـ الوشيعة ص 65 نقلا عن أصول الكافي ج3 ص 325.
[24]) ـ التبصير في الدين ص 26.
[25]) ـ أعيان الشيعة ح1 ص 292 ت 293.
[26]) ـ الوشيعة ص 40 نقلا عن الوافي ج13 ص 14.
[27]) ـ الوشيعة ص 46 ـ 47 نقلا عن الوافي ج1 ص 124 وشرح الكافي ج1 ص28.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: