تطور العلاقات الإيرانية - التركية وانعكاساتها على المنطقة
د. مصطفى اللباد
تكتسب العلاقات الإيرانية-التركية أهمية مضاعفة لدى دوائر المختصين والباحثينوصناع القرار في منطقتنا العربية، بسبب أن كلا من إيران وتركيا يكونون بالاشتراك معمجموعة الدول العربية ما يسمى بمنطقة «الشرق الأوسط». وتحيط جغرافيا إيران وتركيابالجغرافيا العربية من الشرق والشمال، فتتداخلان معها بوشائج التاريخ وروابطالحضارة المشتركة، على نحو قلما تتوافر في مناطق جغرافية أخرى. ويضاف إلى تلكالأسباب المهمة سبب إضافي هو أن إيران وتركيا ليستا دولتين اعتياديتين في الجوارالجغرافي للدول العربية، بل هما قوتان إقليميتان في الشرق الأوسط، يتجاوز حضورهماالإقليمي الحدود السياسية لكليهما. ولكل هذه الأسباب تتجاوز العلاقاتالإيرانية–التركية في أبعادها السياسية والإستراتيجية معاني أي علاقات ثنائية بينبلدين غير عربيين، إذ إن طبيعتها الخاصة تجعلها تؤثر مباشرة في واقع منطقة الشرقالأوسط. ولئن أمكن -نظرياً و«ستاتيكياً»- اعتبار إيران وتركيا عمقاً حضارياًوجغرافياً للدول العربية، إلا أن هذا الاعتبار لا يجد ترجمته أوتوماتيكياً على أرضالواقع، إلا من خلال سياسات عربية فاعلة تستخرج من طاقات إيران وتركيا ما يفيدالمصالح العربية وتحيّد ما قد يطرأ من تناقض في المصالح بينها وبين أي من إيران أوتركيا. ولكن في حالات الغياب العربي عن الحضور والفعل، يكون طبيعياً أن تتمددالأدوار الإقليمية لكل من طهران وأنقرة لملء الفراغات، وهذا التمدد بدوره يضع الدولالعربية في بؤرة الاهتمام الإيراني والتركي. تأسيساً على ذلك تعتبر الأقطار العربيةمحدداً ثابتاً في معادلة العلاقات الثنائية بين إيران وتركيا، باعتبارها ترمومتراًلقياس درجات التمدد الإقليمي لهما.
شهدت العلاقات الإيرانية-التركية فترات مد وجزر تعاقبت في اتصال لم ينقطع منذمئات السنين، وكأن معطيات الجغرافيا قد أبت إلا أن تكون ناظماً لوتائر من الشدوالجذب، طغت على العلاقات الإيرانية-التركية منذ ما يزيد على خمسمئة عام. ومثلماكانت الجغرافيا حاضرة في مسار تطور هذه العلاقات، فقد كان التاريخ شاهداً علىالصراع بين المشروعين الصفوي الإيراني من جهة، والعثماني التركي من جهة أخرى، إذمثل الشاه عباس الصفوي ذروة المشروع الأول والسلطان مراد الثالث قمة المشروعالثاني. ولتجذير التناقض بين المشروعين ولتثبيت هوية معادية للسلطنة العثمانية، فقدعمد السلطان إسماعيل الصفوي إلى إعلان تشيع إيران لتدعيم قدراتها الصراعية مع تركيابالروافد المذهبية. وكان أن اتخذت العلاقات بين البلدين أشكالاً دراماتيكية حينقامت الحروب المتعاقبة بين الدولتين في القرون اللاحقة، وأبرمت المعاهدات لتثبيتحدود البلدين واعتراف كل منهما بالآخر حامياً لأحد المذاهب الإسلامية (إيران للشيعةوالسلطنة العثمانية للسنة)، وهو الأمر الذي تم تثبيته في معاهدات بين البلدين مثلمعاهدة زهاب الموقعة عام 1639. ومن يومها أصبح هناك بعد عقائدي للصراع على النفوذفي المنطقة بين الدولة الإيرانية الشيعية والدولة العثمانية السنية ومن بعدهاوريثتها الجمهورية التركية. وفى هذا السياق لا يفوت أن «المسألة الكردية» ظهرت علىإثر خسارة إيران للأناضول في معركة تشالديران أمام السلطنة العثمانية عام 1514، لأنالأكراد أصبحوا من يومها مشتتين على دول المنطقة بعد أن كانوا منضوين جغرافياً تحتعباءة الدولة الإيرانية.
ظهرت بواكير منطقة الشرق الأوسط الحالي ابتداء من العقد الثالث للقرن العشرين،فالإمبراطورية العثمانية قد اختفت من الوجود وحلت محلها الجمهورية التركية، وانتقلتمقاليد الحكم في إيران من يد الأسرة القاجارية إلى يد رضا شاه الجندي والضابط وقائدالجيش لاحقاً. أما في الدول العربية فقد عبثت اتفاقية سايكس-بيكو بملامح جغرافيتهابشكل حاسم وصلاً وقضماً، وضماً وقطعاً، ومثال تشكيل حدود دول المشرق العربي حاضروناجز، إلا أنها في الوقت ذاته دشنت الدول الوطنية العربية لأول مرة في تاريخالمنطقة. يبدو الصراع على النفوذ بالشرق الأوسط والرغبة في التمدد الإقليمي قدراًمستمراً للعلاقات الإيرانية-التركية، على الرغم من بعض الفترات التاريخية التي شهدتالعلاقات فيها تقارباً بين البلدين، ولكن دون أن يرقى هذا التقارب إلى مستوىالتحالف بين البلدين الجارين. ومثال ذلك التقارب العلاقات الدافئة التي ربطت بينشاه إيران الأسبق رضا شاه ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال آتاتورك في أواخرالعشرينيات وأوائل الثلاثينيات، إذ مثلت الجمهورية التركية وقتها «النموذج العصري» أمام إيران الراغبة في التحديث تحت حكم رضا شاه. وبوتائر مختلفة استمرت العلاقاتدافئة من وقت الشاه السابق محمد رضا حتى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وإنميزها انضواء البلدين تحت مظلة التحالفات الأميركية ومواجهة الاتحاد السوفييتيالسابق.
وكان ظهور الأحلاف العسكرية في الخمسينات من القرن الماضي مؤشراً جديداً علىتقارب إيران وتركيا تحت السقف الدولي اللتين بنتا سياساتهما الإقليمية تحته وعلىقياسه، وبالمقابل من الأحلاف العسكرية ظهرت فكرة عدم الانحياز بقيادة ثلاثية ضمتالجمهورية العربية المتحدة والهند ويوغوسلافيا؛ مما أدى إلى ترسيخ صورة جديدةللمنطقة يقوم الفرز الإقليمي فيها على أساس التحالفات الدولية. وهكذا وبعد ظهورالدولة الوطنية في البلاد العربية وقيام الجمهورية التركية ومحاولات تحديث إيرانتحت الحكم الملكي، بدا الفرز واضحاً في المنطقة بين تحالف قادته الولايات المتحدةالأميركية انضوت فيه كل من إيران وتركيا وبعض الدول العربية، وآخر تحالف مع الاتحادالسوفييتي السابق وضم باقي الدول العربية. ساعتها تم تدشين شرق أوسط جديد بأبعادوتوازنات مختلفة جذرياً عما ساد قبل سايكس-بيكو وما بعدها، إذ إن ثنائية النظامالدولي انعكست استقطاباً ثنائياً إقليمياً في المنطقة، ولكن هذا الاستقطاب الثنائيفي الواجهة لم يستطع أن يحجب ظهور ثلاثة أطراف إقليمية أساسية على خلفية هذاالاستقطاب هي: العرب والأتراك والإيرانيون.
تغيرت الأوزان النسبية في منطقة الشرق الأوسط من جديد بعد انتصار الثورةالإيرانية في العام 1979، من جراء تصادم النظام الإيراني الجديد مع التحالف الدوليالذي تقوده واشنطن، وتأسيساً على ذلك التصادم فقد عادت العلاقات الإيرانية-التركيةإلى سابق عهدها من فتور وتصارع. وجاء الانقلاب العسكري في تركيا بكنعان إفرينرئيساً للجمهورية التركية عام 1980 ليزيد من حدة الاستقطاب في العلاقات الثنائيةبين البلدين الجارين.
(2)
دخلت العلاقات الإيرانية- التركية مفترقاً حاسماً بعد احتلال العراق عام 2003، إذ ساهم هذا الاحتلال في تبدل موازين القوى الإقليمية لمصلحة إيران وبشكل جعلالمصالح التركية عرضة للخطر من جراء طفور الطموحات القومية الكردية ومخاطر امتدادهاإلى جنوب شرق الأناضول وأغلبيته السكانية الكردية.
شهدت العلاقات الثنائية بين إيران وتركيا في عقد الثمانينيات فترة من الانتعاشالنسبي أثناء الحرب العراقية- الإيرانية، بسبب اضطرار إيران إلى تمرير صادراتهاووارداتها عبر حدودها مع تركيا، والتي تمتد من شمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيابطول 499 كيلومتراً. ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وظهور الدول الآسيويةالمستقلة عنه في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، ظهر صراع إقليمي جديد بين إيرانوتركيا على مناطق النفوذ هناك. ومرد ذلك أن هذه المنطقة الجغرافية الممتدة منقازاقستان شرقاً وأذربيجان غرباً، والتي تشكل الامتداد الجغرافي والثقافي لكلاالبلدين، ترقد على ثروات نفطية وغازية هائلة، يعتقد المختصون أنها سوف تؤثر فيمعادلات التوازن بسوق الطاقة العالمية، وما يعنيه ذلك من توزيع جديد لأوراق اللعبالإستراتيجية إقليمياً وعالمياً.
كانت تركيا قد وقعت، منذ استقلال دول آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين عن الاتحادالسوفييتي، اتفاقات اقتصادية وثقافية عدة، توجت باعتماد الصيغة التركية للأبجديةاللاتينية كأبجدية رسمية لدول آسيا الوسطى بدلاً من الأبجدية الروسية السلافية معالاستبعاد النهائي للأبجدية الفارسية العربية التي تنازعت إيران مع تركيا عليها،لما للأبجدية من دلالات لغوية وثقافية وحضارية. ومن شأن اعتماد الأبجدية التركيةتعبيد الطريق أمام تركيا لتمديد أوصالها الجغرافية إلى تلك الجمهوريات، التي تنتميأجزاء كبيرة منها تاريخياً إلى إيران، إلا إنها تتحدث لغات تنحدر من شجرة اللغاتالتركية.
لذلك فقد ذهبت آسيا الوسطى علماً على السياسة التركية الإقليمية في النصف الأولمن التسعينيات، فالدولة التركية نظرت إلى تلك المنطقة على أنها الأداة الممتازةلإعادة إنتاج الأفكار القومية التركية، والبوابة الرئيسية لولوج عوالم المنعةالإقليمية، بالعائدات الهائلة التي تتوقعها لهذه المنطقة من نفط وغاز. وبالمقابلترتبط إيران بعلاقات تاريخية مع تلك المناطق، إذ فقدت إيران في حروبها مع روسياالقيصرية أراضي شاسعة في القوقاز وآسيا الوسطى. وبموجب معاهدة «تركمان جاي» 1813فقدت إيران جمهورية جورجيا الحالية وأراضي شاسعة وصلت إلى باكو عاصمة جمهوريةأذربيجان الحالية، ومناطق واسعة في سيروان وشماخي وشكي وكنجه وقره باغ وأجزاء منمغان وطالش. أما معاهدة «كلستان» 1828 فقد سلخت من إيران كل الأراضي الواقعة شمالينهر آرس على تخوم القوقاز، مثل يريفان عاصمة أرمينيا الحالية، ونخجوان أو ناختشيفانالتابعة لاذربيجان والواقعة داخل حدود أرمينيا الآن.
وفي عصر الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال شهدت العلاقات الثنائية بين البلدينفترة من التفاهم الاقتصادي، أعقبتها فترة من الازدهار النسبي خلال عام 1995-1996الذي ترأس فيه نجم الدين أربكان وحزب الرفاه الحكومة التركية. وفي هذا العام وقعالبلدان اتفاقية لتصدير الغاز الإيراني إلى تركيا بقيمة 23 مليار دولار، وهي الصفقةالأضخم في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين الجارين، يمتد بمقتضاها خط أنابيبنقل الغاز من مدينة تبريز الإيرانية وحتى مدينة أرضروم لمد تركيا بالغاز لمدةثلاثين سنة. وبالرغم من هذا «التقارب النسبي» في العلاقات الإيرانية- التركية، فإنهذه العلاقات لم تتطور بعد الإطاحة بنجم الدين أربكان من رئاسة الوزراء في تركيابسبب التصادم في منظومة القيم لكل من النظام السياسي في إيران وتركيا، وكذلك حدودالأدوار الإقليمية المتاحة لكل منهما.
وجاء التحالف الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل في النصف الثاني من التسعينياتمتناغماً إلى حد كبير و«مصالح» الدولة التركية كما تراها المؤسسة العسكرية التيتحرك خيوط سياستها، بحيث بدا هذا التحالف بمنزلة توزيع جديد للأثقال النسبية فيالشرق الأوسط لغير مصلحة إيران. فأصبح هذا التحالف بهذا المنطق تهديداً مباشراًللمصالح الإيرانية وإحدى ركائز النقاط الخلافية بين البلدين، و«ترمومتراً» لقياسحرارة العلاقات الإيرانية- التركية، التي تنخفض حرارتها بتفعيل التحالف مع إسرائيل،وترتفع قليلا بتجميده.
دخلت العلاقات الإيرانية- التركية مفترقاً حاسماً بعد احتلال العراق عام 2003،إذ ساهم هذا الاحتلال في تبدل موازين القوى الإقليمية لمصلحة إيران وبشكل جعلالمصالح التركية عرضة للخطر من جراء طفور الطموحات القومية الكردية ومخاطر امتدادهاإلى جنوب شرق الأناضول وأغلبيته السكانية الكردية. كما أدى احتلال العراق إلى إعادةتوزيع لموازين القوى الإقليمية عموماً وبين إيران وتركيا خصوصاً، إذ إن انهيارالنظام العراقي السابق وهيمنة الأحزاب السياسية الشيعية على الحكومة والبرلمانالعراقيين وكذلك طفور دور الأكراد في شمال العراق والسلطة المركزية ببغداد، أدتكلها إلى تزايد النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين بالترافق مع نشوء تهديدات جديدةللأمن القومي التركي.
(3)
أدى احتلال العراق إلى نتيجة واضحة في التنافس الإيراني - التركي، مفادها أنالطرفين الأميركي والإيراني صارا الأقوى على الساحة العراقية؛ فالأول يحتل العراقعسكرياً، والثاني يحكم ويتحكم في مقدرات السلطة في بغداد عن طريق الحلفاء. كلاهمالا يستطيع إزاحة الآخر، طهران لا تملك الأدوات العسكرية لذلك، أما واشنطن وإن سيطرتعسكرياً فإنها تعاني مأزقاً مستحكماًً متمثلاً في تصاعد عمليات المقاومة، ولايمكنها إزاحة حلفاء إيران من المشهد السياسي.
ولم يكتفِ حلفاء إيران بتصدر واجهة المشهد السياسي في ظل الاحتلال، بل تحولتميليشياتهم العسكرية إلى نواة للتشكيلات النظامية العراقية في وزارتي الداخليةوالدفاع. القوى الإقليمية غائبة عن المشهد، فالدول العربية الرئيسية ودول جوارالعراق لم تنجح في الوصول إلى تصور مشترك بشأن العراق، بسبب الضغوط الأميركيةالمتوالية عليها، والتي همشت مصالحها الإقليمية المشروعة.
وبالتوازي مع ذلك، يلعب الأكراد دور العازل الجغرافي لتمدد تركيا الإقليمي فيالعراق، بانتشارهم على كامل الحدود العراقية-التركية المشتركة وبغطاء أميركي سياسيوعسكري.
ومع تحييد دور تركيا والخواء الإقليمي الذي تشهده المنطقة بسبب غياب الدورالعربي الملتحق بالدور الأميركي قسراً، لا يتبقى على الساحة العراقية سوى اللاعبَينالأساسيَين واشنطن وطهران.
كان الدور الإقليمي، ومازال، هاجساً يسكن قلوب حكام إيران منذ تأسيس دولتهاالحديثة، ومحاولة مد نفوذ إيران إلى العراق مثل دوماً «ترمومتراً» لقياس قدراتهاالإقليمية.
عقدت الدولة الصفوية والقاجارية من بعدها اتفاقات متتالية مع الدولة العثمانيةالتي كانت الألوية الثلاثة المشكلة للعراق (الموصل وبغداد والبصرة) جزءاً منها حتىالاستقلال في عام 1921.
وأعطت هذه الاتفاقات إيران -فيما أعطت- حق الإشراف على الأماكن الشيعية المقدسةفي النجف وكربلاء، وللتأكيد على هذا النفوذ فقد سافر الشاه عباس الصفوي في بداياتالقرن السادس عشر الميلادي من عاصمة ملكه أصفهان حتى العتبات المقدسة في النجف؛مشياً على الأقدام ليكنس قبر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ويلقب نفسه على العملةالرسمية بلقب «كلب عتبة علي».
وهكذا حفر الشاه عباس -ولو بالمكنسة والعملة المعدنية- طموح بلاده التاريخي فيجنوب العراق، وتوقها الأزلي إلى لعب دور إقليمي، كان النفوذ في العراق ومازال شرطهالأساس.
أما الجمهورية التركية، وريثة الدولة العلية العثمانية، فلها ارتباطات أخرىتاريخية بالعراق، خصوصاً بالتركمان في شماله، لكن حلفاء تركيا من التركمان لا يرقونمن حيث العدد أو الإمكانات إلى مستوى الأكراد، ناهيك عن شبكة التحالفات الإقليميةوالدولية للأخيرين.
وهكذا ففي مقابل معسكر إقليمي تقوده إيران ويشمل الأحزاب الكردية والشيعية، لاتبدو مروحة التحالفات التركية دائرة إلّا على اختيارات محدودة من التركمان أولاً،وبالاشتراك مع دول عربية أخرى من الأحزاب السنية العراقية ثانياً.
كانت السياسة الإقليمية لتركيا في العراق -ومازالت حتى كتابة هذه السطور- فيمأزق، بسبب تزايد الثقل الإقليمي الإيراني هناك، وهكذا عدّلت طهران نتيجة السباقالإقليمي بينها وبين أنقره، بعد أن كانت الكفّة تميل لمصلحة الأخيرة بعد أن حسمتالصراع على طرق نقل أنابيب النفط من بحر قزوين وآسيا الوسطى لمصلحتها.
ومع تزايد الطموحات النووية الإيرانية، فقد عمدت تركيا بدورها إلى إعادة النظرفي استراتيجيتها النووية باتجاه التراجع عن حيادها النووي، لأن وصول إيران إلىامتلاك التكنولوجيا النووية يثبِّت وضعها أمام تركيا الراغبة مثلها في التمدد إلىمنطقة الشرق الأوسط.
صحيح أن البوصلة الأساسية للسياسة التركية توجهت دوماً نحو الغرب، لكن مماطلةالاتحاد الأوروبي في قبول تركيا عضواً فيه ووضع العراقيل أمام انضمامها، يجبرانصنّاع السياسة في أنقرة على ترتيب الأولويات الجغرافية لتركيا متعددة الإطلالاتوالمواهب الجغرافية، ووضع الشرق الأوسط في مقدمها.
ويقضي التصور الحاكم للشرق الأوسط في المخيلة الاستراتيجية التركية، بأن أنقرةتستطيع ترجمة نفوذها الإقليمي هنا إلى نفوذ إضافي يضغط على الاتحاد الأوروبي ويغازلطموحاته ومصالحه في المنطقة، لكن النفوذ والحضور الإقليمي التركي في المنطقة لايمكن أن يمرا إلا عبر بوابتين رئيسيتين هما العراق أولاً، وسورية ثانياً.
صحيح أن العلاقات بين كل من أنقره ودمشق قد تحسنت تحسناً كبيراً في السنواتالماضية، إلا أن انضواء دمشق في التحالف الإقليمي الذي تقوده إيران يجعل العلاقاتالسورية-التركية في درجة تالية من الأهمية بعد تحالفها الاستراتيجي مع طهران، وذلكعلى الرغم من وساطة أنقرة بين دمشق وتل أبيب.
كما أن الأكراد في العراق يضعون تركيا في مرتبة الخطر الأول على طموحاتهمالقومية، ويتمددون في شمال العراق لعزل تمدد تركيا نحو العراق، وفى الوقت نفسهيكرسون تحالفهم الدولي مع واشنطن حليفة تركيا، بما يجعل الأخيرة مكبلة اليدينتجاههم.
على هذه الخلفية، يمكن اعتبار أن مستقبل تطور العلاقات الإيرانية-التركية فيالفترة القليلة المقبلة، يبقى رهناً بتصارع مجموعة من العوامل فيما بينها، ويتصدرهذه العوامل التناقض في الأفكار المؤسسة لأدوار كل من النظامين السياسيين في طهرانوأنقرة، وكذلك بقدرتهما على لعب دور حاسم في تجذير التباعد بينهما.
ومن جملة هذه العوامل أيضاً التنافس التاريخي للبلدين على النفوذ في المنطقة،وتصادم المنظومة الفلسفية والقيمية لكل منهما، والمواقع المتناقضة في التحالفاتالدولية. تشترك طهران وأنقره في حقيقة أنهما تمتلكان موقعاً جيو-استراتيجياً مهماًفي المنطقة، لكنهما أيضاً تعانيان سوياً عدم وجود إطار مؤسسي يجمعهما مع الدولالعربية في منظومة إقليمية وأمنية مشتركة، وإن كانت تركيا تستعيض عن ذلك بالانخراطفي حلف الناتو والتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، أما إيران فلم تتمكن من الانخراطفي أي منظومة إقليمية أو دولية، وعلاقاتها الدولية مع روسيا والصين لا ترقى إلىمستوى علاقات تركيا بالغرب، ناهيك عن وضوح التفوق الأميركي على نظيريه الروسيوالصيني في حلبة السياسة الدولية.
باختصار، النفوذ الإقليمي لإيران يتواجه مع التحالفات الدولية لتركيا، أما نحنالعرب فلا نلعب، ولا يبدو أننا نشجع اللعبة الحلوة أيضاً!