إيران: إسلامية جامعة أم مذهبية قامعة ؟
محمود حسن جناحي
( خاص بالراصد )
كان نجاح الثورة الإيرانية وما نتج عنها من تغيير شامل في نظام الحكمفي إيران حدثا بارزا على المستوى العالمي، بل من بين أكثر الأحداث أهمية وخطورة خلال الربع الأخير من القرن الميلادي المنصرم. وقد كان لهذه الثورة أثر كبير في شعوب العالم الإسلامي المتطلعة إلى الحرية والكرامة والتخلص من هيمنة القوى الاستعمارية، وبصفة أخص في الحركات الإسلامية المتطلعة إلى الحكم الإسلامي العادل. انتبه النظام الإيراني الجديد منذ اليوم الأول إلى أهمية الإعلام ودوره في كسب المؤيدين والترويج لمبادئ الثورة وكسب تعاطف "المستضعفين" في شتى أنحاء المعمورة. كما حرص النظام الجديد على رفع راية الإسلام التوحيدية، والتركيز على الوحدة الإسلامية. ولقد كان للبروباغندا الهائلة التي بناها ورعاها وأشرف عليها نظام ولاية الفقيه بقيادة الخميني، كان لها دورا رئيسا في إضفاء هالات الإعجاب وكسب التأييد، بل والتبعية للنظام الجديد. ولكن شيئا فشيئا أخذت الأمور تتضح والحقائق تظهر والغشاوة - على أعين الكثيرين - تنقشع لتظهر الحقيقة، وينكشف المستور.. ذلك المستور الذي كان لا بد من انكشافه مهما بلغت أجهزة الدعاية من فنون التضليل وقلب الحقائق، ومهما ضخ فيها من ملايين النفط !
(1) السياسةالخارجية : مصلحة إيران أم الإسلام ؟
من حق كل دولة أن تسعى من أجل مصالحها، وأن تتبنى سياسة خارجية تكفل لها حفظ هذه المصالح على المستويين الإقليمي والدولي، ولكن السياسة الخارجية الإيرانية مارست نوعا من التقيّة السياسية بتغليف نفسها بغلاف من الادعاءات الجوفاء مضمونها أن مصلحة الإسلام والمسلمين هو المحرك الرئيس للسياسة الخارجية الإيرانية! !
ولجأت إلى أسلوب "الفقاعات الإعلامية" التي تظهرها بهذه الصورة، كتبني "أسبوع الوحدة الإسلامية" و"يوم القدس العالمي"، ودعوة واستضافة الكثير من الوفود والشخصيات الإسلامية وغيرها من الفعاليات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بالإضافة إلى اعتماد أسلوب إطلاق التصريحات النارية التي من شأنها إثارة عواطف الشعوب العربية والإسلامية التي تعاني من استبداد الأنظمة وهيمنة الأجنبي، كتصريحات أحمدي نجاد حول "حرق إسرائيل" وما شابه ذلك من فقاعات دعائية و"قنابل صوتية"!
وتستغل إيران بصورة جيدة ضعف الأنظمة العربية (ضعفها حتى عن إطلاق تصريحات نارية !!)وتكالبها على إرضاء الصهاينة والأمريكان فتظهر نفسها بصورة الدولة الوحيدة القادرة على التصدي للأعداء والدفاع عن مصالح المسلمين. ولكن ستظل كلمات محمد علي أبطحي وصمة عار في جبين النظام الإيراني مهما دعت أو ادعت.. ستظل عبارة ((لولا طهران ماسقطت كابول وبغداد)) هي المعبّر الحقيقي عن السياسة الإيرانية.
لقد تبنت إيران سياسة قائمة على ركنين رئيسين:
- المحافظة على مصالحها القومية العنصرية.
- والتمكين لمبادئها المذهبية الطائفية.
ولا يهمها في سبيل ذلك أن تتعاون ولو مع الشيطان الأكبر، ولن يؤنبها ضميرها لو أدى هذا التعاون إلى سقوط عاصمتين إسلاميتين بيد المستكبر العالمي. إن إيران تتحمل الوزر الأكبر بعد أمريكا - بل مع أمريكا - في ما يعانيه الشعب العراقي الشقيق من مذابح وتصفيات يشيب لهولها الولدان، وكذلك لما يحصل في أفغانستان من تركيع وإذلال للشعب الأفغاني الباسل لنزع بقايا الروح الجهادية التي تحلى بها في تصديه للعدوان الروسي على دينه وأرضه، ولكن ما كان لنظام "ولاية الفقيه" أن يرضى بنظام إسلامي سني بجواره ! وها هي إيران اليوم لا تمانع في إشعال فتيل الفتنة في بلد عربي آخر هو لبنان من أجل مصالحها القومية والمذهبية.
وعندما تتعارض مصالح الإسلام والمسلمين مع المصلحة الخاصة، عندها، يتوقف العويل والتباكي على الإسلام والمسلمين، وتنكمش البروباغندا الرهيبة بل وتختفي وكأنها لم تكن. أين كانت إيران من مصائب الشعب الشيشاني البطل وهو يناضل من أجل وجوده؟ هنا كانت السياسة الإيرانية تعمل جاهدة من أجل إرضاء الدب الروسي الذي يربطه مع نظام ولاية الفقيه مصالح لا أول لها ولا آخر.. بل وأين كانت إيران أثناء الحرب الآذرية الأرمنية والصراع على مقاطعة (ناغورنو قرة باخ) ؟ هنا وقفت "الجمهورية الإسلامية" مع الأرمن (أشد النصارى تعصبا ضد الإسلام)، وقفت معهم ضد أبناء عمومتها وإخوانها في الدين والمذهب، لأن انتصار أذربيجان في هذه الحرب وخروجها قوية قد يفتح شهية سكان القسم الإيراني من أذربيجان للمطالبة بالانضمام للوطن الأم بدلا من بقائهم تحت سيطرة العنصر الفارسي!
ولقد كنا نتوقع من النظام "الإسلامي" الجديد في إيران أن يبادر - في أول إثبات عملي له على صدق نواياه- إلى إرجاع الجزر العربية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلى الإمارات.. ولكن يبدوا أن أوجه التشابه والنزعة العنصرية بين نظامي "عرش الطاووس" السابق و"ولاية الفقيه" الحالي أقوى مما نتصور !
(2) تصديرالثورة أم تصدير التشيع !
نظرا للمستجدات الدولية، أسدلت إيران الستار على شعارات تصدير الثورة ولكن حافظت على جوهر الإستراتيجية إياها وهي "التمدد الخارجي السلمي" ! والذي يتم تصديره في واقع الحال هو التشيع المشبع بالروح الصفوية. إن المتتبع للنشاط الإيراني الخارجي ليصاب بالدهشة من هذا الإصرار المحموم على (خلق) أقليات شيعية في مجتمعات إسلامية سنية لا تعاني إطلاقا من أي مشاكل ذات صبغة مذهبية. لقد تحولت بعض السفارات والبعثات الإيرانية في الخارج إلى بؤر لزرع الفتن وشق الصف وإثارة المشكلات الطائفية، وها هي الأخبار تتوارد عما يحدث في دول إسلامية كثيرة : في شرق أفريقيا كجزر القمر وتنزانيا، وغرب أفريقيا كنيجيريا والسنغال، وبعض الدول العربية كمصر وفلسطين وسوريا واليمن، وجنوب شرق آسيا كإندونيسيا وجنوب الفلبين وغيرها. وهذا ما دفع الإمام العلامة د. يوسف القرضاوي إلى أن يطلق صرخة التحذير المشهورة، وهي الصرخة التي تصدى لها في آن واحد بعض وسائل الإعلام الإيرانية والمرجعيات الشيعية، وأيضا عناصر من "اللوبي الإيراني" المتستر تحت غطاء "الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل" !
إن المرء ليصاب بالحيرة والدهشة وهو يشاهد "الجمهورية الإسلامية" تنفق الملايين لنشر التشيع مستغلة ذات الثالوث القاتل الذي تستغله أجهزة التنصير الكنسية العالمية : الفقر والجهل والمرض ! وإن المرء ليصاب بالغثيان (!) وهو يرى الدولة التي تزعم مناهضة الاستكبار العالمي وهي تعرض عن هداية الملايين من الكفرةالوثنيين في آسيا وأفريقيا وتعمل بدلا من ذلك على "تبصير" أبناء أهل السنة والجماعةبـ "المذهب الحق" !!
(3) أهل السنة في إيران
لا توجد إحصائية مؤكدة عن التوزيع المذهبي في إيران، والحكومة الإيرانية حريصة على كتم المعلومات المتعلقة بأعداد أهل السنة، ولكن يرجح أن نسبتهم لا تقل عن حوالي 20% اعتمادا على نسب الأقليات من الأعراق المختلفة التي تتبع معظمها مذهب أهل السنة والجماعة:
فهناك الأكراد الذين يعيشون في المناطق الغربية والشمالية الغربية، ويشكلون غالبية سكان محافظتي كردستان وسنندج، وجزءا مهما من محافظتي كرمنشاه وأذربيجان الغربية. وعدد الأكراد في إيران يبلغ حولي 8 ملايين نسمة.
وهناك سكان إقليم "طاليش" المطل على بحر قزوين، وعددهم حوالي مليون نسمة.
وهناك التركمان المتواجدين بصورة أساسية في إقليم " تركمان صحرا " بمحافظة خراسان في الشمال الشرقي قريبا من حدود أفغانستان وتركمنستان، ولا يقل عددهم عن المليون نسمة.
ويبلغ عدد سكان محافظة بلوشستان السنية في الجنوب الشرقي حوالي المليونين.
أما السنة من ذوي الأصول العربية في الجنوب والجنوب الغربي فيبلغ عددهم حوالي المليونين.
بالإضافة إلى أهل السنة من العنصر الفارسي والذين يتوزعون على المدن المختلفة.
والآن لننظر إلى أحوال أهل السنة في إيران التي ترفع رايات الوحدة الإسلامية والأخوة في الدين :
* طوال حقبةالثمانينات والنصف الأول من التسعينات من القرن الميلادي المنصرم جرت تصفية واغتيال العديد من قيادات أهل السنة مثل:
1- العلامة الشهيد (أحمد مفتي زادة).
2- الزعيم الإسلامي الكرديالذي ناصر الثورة الخمينية وكافأته الثورة بالسجن والتعذيب، حتى إذا أوشك علىالموت أطلقت سراحه ليموت خارج جدران السجن عام 1993م.
3- كذلك الشهيد الشيخ (ناصرسبحاني) من كردستان.
4- الشيخ (محمد ربيعي) إمام جمعة كرمنشاه.
5- العلامة الشهيد(سيد محمود حسيني نسب) من مدينة سنندج، والذي تم تصفيته عام 1994م.
6- في الجنوب جرت تصفية الشيخ الشهيد (محمد صالح ضيائي) من مدينة (عوض) عام 1994م وشارك خمسون ألفا من أهل السنة في جنازته، والذي أدى مقتله إلى اندلاع اضطرابات واسعة في الجنوب كما نقلت ذلك مجلة (المجتمع) الكويتية بتاريخ 9/8/1994.
7- ومن أبناء الفرس السنة نذكر على سبيل المثال الشهيد المفكر د. علي مظفريان من مدينة شيراز والذي قتل عام 1992م وقد نشرت مجلة (الإصلاح) الإماراتية جوانب من سيرته العطرة بتاريخ 24/9/992.
8- أما في محافظة بلوشستان فعدد الشهداء من العلماء وطلبة العلم من أهل السنة أكبر من أن يسع ذكرهم في هذا المقال.
* ممارسة الإقصاء والتهميش بحق السنة إلى درجة لا تتصور، فعلى مدارالعقود الثلاثة الماضية، والتي جرى تشكيل عشرات الوزارات خلالها، والتي شملت المئات من الوزراء والوكلاء لا نجد سنيا واحدا بينهم : لا وزير ولا وكيل ولا حتى مدير إدارة في وزارة من الوزارات ! ولم يتبوأ منصب المحافظ سني واحد ولو كانت المحافظة المعنية سنية خالصة! ولا تجد سنيا واحدا يشغل منصب رفيعا أو شبه رفيع في كافة الدوائر السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية!
* سياسة التغيير الديمغرافي التي تمارسها السلطة في مناطق أهل السنة،بهدف تقليل المناطق التي يشكل فيها السنة أغلبية، ومن الأمثلة على ذلك بعض المدن والموانئ والجزر العربية في المناطق الجنوبية.
* هدم مساجد ومعاهد أهل السنة، كما جرى لمسجد (الشيخ فيض) في مدينة مشهد والذي هدم تماما بتاريخ أول فبراير عام 1994م. وفي أغسطس 2008 اقتحمت قوات النظام الإيراني المجرمة مدرسة (الإمام أبو حنيفة) الدينية وهي من أقدم وأكبر مدارس أهل السنة في محافظة بلوشستان باستخدام الجرافات حتى هدمتها وسوّتها بالأرض.
هذا هو حال أهل السنة في إيران. و للأمانة نذكر أنه خلال ولايتي الرئيس محمد خاتمي انخفضت جرائم التصفيات الجسدية بحق أهل السنة،ولكن التهميش والإقصاء ما زال على قدم وساق.
أليس من المخزي في حق "الجمهوريةالإسلامية" أن تكون أوضاع الأقليات الشيعية في كافة الدول الإسلامية السنية أفضل بكثير من أوضاع الأقلية السنية في إيران ؟! وأليس من العار أن تكون أحوال اليهود والنصارى في دولة الملالي أفضل بكثير من أحوال أهل السنة فيها ؟!