د. أحمد عيسى – المجتمع 13/8/2011
قدّر تقرير، وضعه المنتدى الفكري الأمريكي «بيو لدراسة الأديان والحياة العامة» (Pew Forum on Religion and Public Life)، أن عدد المسلمين في العالم يتجاوز ملياراً ونصف المليار نسمة، أي نحو ربع سكان العالم.. مشيراً إلى أن أهل السُّنة يُقدَّر عددهم بـ 1.4 ملياراً، وأكبر الطوائف المسيحية عدداً هم الكاثوليك (1.3 ملياراً)، وهذه أول مرة يصعد فيها عدد أهل السُّنة كأكثر أديان العالم تبعية. مشاعر وأفكار اختلجت داخلي حين اطلعت على التقرير، بين فرحةٍ بإظهار الله لدينه وانتشاره في الآفاق، وفخرٍ بالانتساب لأعظم دين، وشعورٍ بالأمان وسط الملايين من العقيدة الإسلامية. ولكنْ، من ناحية أخرى، قد يحبطني تفرقنا وضعفنا وجهلنا، ويقلقني الغرض من اهتمام أمثال هذه المنتديات بنشر أعداد مسلمي العالم، هل هو لتخويف العالم وتحذيره منا واستثارته ضدنا، أم أنها حقائق لا يمكن إخفاؤها؟! هل يمكن لنا الاستفادة الإيجابية من معرفة العالم لضخامة عددنا، رغم عدم وجودنا تحت مظلة واحدة كدولة الخلافة؟ مثلاً أن يكون لنا صوت أعلى ورأي مسموع في العالم، أو أن يكون لنا مقعد دائم في مجلس الأمن وحق «الفيتو» فيه؟ يمثلنا في ذلك مثلاً منظمة مثل «المؤتمر الإسلامي» ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، وتضم في عضويتها 57 دولة.. هل من الممكن - إذا تعذرت الوحدة السياسية - أن نتحد فكرياً واقتصادياً، وفي القرارات المصيرية للأمة؟ وأن يُجبَر المجرمون على احترام حرماتنا ورسولنا وكتابنا وشرائعنا؟ هل هذه الأعداد صحيحة؟ إن كان «بريان جريم» كبير الباحثين في المشروع قد عبّر عن دهشته بشأن أعداد المسلمين في العالم بقوله: إن العدد أكبر مما توقعه سابقاً، فإن هناك ملاحظات تدل على أن العدد الحقيقي أكبر حتى مما أُعلن..
فقد قام باحثون في المنتدى بتحليل نتائج الإحصاء الواردة من 232 دولة ومنطقة على مدى ثلاث سنوات، أما الدول التي كانت البيانات الواردة منهم أقدم من ذلك فقد تم استخدام البيانات لتقدير عدد سكانها لعام 2009م(1). وقد أبقى التقرير أعداد المسلمين في أوروبا دون زيادة، مثلاً أبقت عدد مسلمي بريطانيا عند تعداد عام 2001م وهو 1.6 مليوناً، وكل الدلائل تشير إلى أن العدد تجاوز ذلك بكثير «رسمياً 2.5 مليوناً»، وفي الولايات المتحدة وحدها تشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المسلمين يصل إلى 8 ملايين، وفي البرازيل بحوالي 1.5 مليوناً.. ورغم ذلك، فإن التقرير وضع عدد مسلمي الأمريكتين إلى 4.6 مليوناً فقط (جدول 1)، وكذلك الحال في التقدير القليل لأعداد المسلمين في الصين وروسيا.
* التوزيع والعرب: كما نرى في (جدول 2)، فالدول العشر الأكثر سكاناً من المسلمين كلها في آسيا ما عدا مصر والجزائر والمغرب وتركيا ذات البعد الأوروبي.. وأشار التقرير إلى أن 20% فقط من المسلمين موجودون في «الشرق الأوسط» وشمالي أفريقيا (أي مسلم من أصل خمسة مسلمين في العالم)، وأن 62% من المسلمين يقيمون في دول آسيا، وينتشرون في منطقة تمتد من تركيا غرباً حتى إندونيسيا شرقاً. وإن قال بعضهم: «إن هذه النتيجة تنفي تماماً فكرة أن المسلمين هم عرب، والعرب هم المسلمون»، ويُستفاد منها عالمية الإسلام.. وإن كان سكان «الشرق الأوسط» لا يشكلون سوى نسبة صغيرة من إجمالي عدد المسلمين في العالم، لكنه دائماً موقع التأثير والصراع اللذين ينضحان بدورهما على العالم كله.. والعرب هم هداة الأرض، فهنا بزغ نور الحق وكانت رسائل السماء ومهد الأنبياء، وهنا لغة الدين وقبلة الصلاة ومنبع العلم وأقدس المساجد وأرض البركة، وبالتالي كان الصراع عليها أقوى من غيرها.. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الأرقام تدل على أنه لا يمكن إهمال قضايا العدد الهائل من المسلمين في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي. وكما قال «بريان جريم» كبير الباحثين الذين عملوا على التقرير، فقد حاول معرفة نسبة السُّنة إلى الشيعة من بين المسلمين في العالم، إلا أن ذلك واجه صعوبات كبيرة، لأن عدد الدول التي تحدد نسبة أتباع الطوائف بين سكانها قليل.. ونتيجة لذلك، يقول التقرير: إن تقديره لعدد الشيعة في العالم ليس بنفس درجة تقديره لعدد المسلمين عموماً، ويتراوح بين 10 و13% من عدد المسلمين، وهو يوازي أو يقل قليلاً عن الذي تقدره دراسات مماثلة.. ووجد التقرير أن 80% من الشيعة في العالم يعيشون في أربع دول، هي: إيران وباكستان والهند والعراق.
* الزيادة: يقول المنتدى: إن تقريره هذا هو الأشمل والأوسع من نوعه بين أتباع الإسلام ثاني أكبر ديانة في العالم بعد المسيحية بكل طوائفها، التي يتراوح عدد أتباعها بين 2.1 و2.2 مليار نسمة.. وقد أعلن الفاتيكان العام الماضي (2010م) أن الإسلام تجاوز الكاثوليكية، وأن نسبة المسلمين كانت 12.3% من سكان العالم مع بداية القرن العشرين في عام 1900م، وبالتالي فقد تضاعف تقريباً العدد الإجمالي للمسلمين، وارتفعت أعدادهم في العالم بنسبة 11% منذ ذلك الحين لتصل إلى 23%(2).. ويُرجع البعض ذلك إلى معدل الزيادة السكانية، ولكن أحداً لا يستطيع أن ينكر دخول غير المسلمين في الإسلام. ويقول «آلان كوبرمان» المدير المساعد في المنتدى: إنه «فيما يعتقد كثير من الناس أن المسلمين في أوروبا هم في غالبيتهم من المهاجرين، فهذا ينطبق فقط على أوروبا الغربية في حين أنه في مناطق أوروبية أخرى مثل روسيا وألبانيا وكوسوفا، فإن المسلمين هم من السكان الأصليين»، موضحاً أن «أكثر من نصف المسلمين في أوروبا هم من السكان الأصليين، كما أن أكثر من نصف مسلمي أوروبا الغربية ولدوا هناك».
* مفارقات: ويوضح «كوبرمان» أن «هناك دولاً لم نعتقد أنها إسلامية على الإطلاق، وتبين أنها تتضمن عدداً كبيراً من المسلمين؛ مثل الهند وروسيا والصين».. وأقول له: اقرأ التاريخ تجد الجذور الضاربة للإسلام هناك، فالهند التي تقطنها غالبية هندوسية تضم من المسلمين 161 مليوناً، أي أكثر من أي دولة إسلامية باستثناء إندونيسيا وباكستان، بعدد يتجاوز ضعفي عدد المسلمين في مصر التي تُعَدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.
ومن النتائج التي توصل إليها التقرير، مما قد يثير دهشة البعض، أن عدد المسلمين في ألمانيا أكبر من عددهم في لبنان، كما أن عددهم في روسيا أكبر منه في الأردن وليبيا معاً.. كذلك فإن عدد مسلمي إثيوبيا ضعف عدد المسلمين في أفغانستان، وعدد المسلمين في الصين يفوق عددهم في سورية. بالنسبة للصين، وضع التقرير عدداً للمسلمين (22 مليوناً) أقل بكثير مما هو معروف؛ فتشير الإحصاءات إلى أن عدد المسلمين في الصين يصل إلى 50 مليوناً، في حين تقول مصادر مسلمة في الصين: إن العدد يصل إلى 100 مليون(4). ويقول التاريخ: إن علاقة الإسلام بالصين ذات جذور عميقة بدأت منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان [ في عام 29هـ، عندما أرسل وفداً برئاسة سعد ابن أبي وقاص ] إلى إمبراطور الصين «وي» يدعوه إلى الإسلام.. وقد أُعجب الإمبراطور الصيني بالإسلام فأمر ببناء مسجد «كانتون» الذي مازال قائماً منذ 14 قرناً.. ونظراً لثراء مقاطعة «سينكيانج» بالنفط والفحم واليورانيوم يطلق عليها الصينيون أرض اللبن والعسل، وقد زادت الهجرة الصينية إليها؛ مما أدى إلى تغيير التركيبة السكانية فيها. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، بات عدد المسلمين في روسيا يُقدَّر بنحو 20 مليوناً، ولكن التقرير حدّد عددهم بنحو 16.5 مليون، ويعيش نحو مليون مسلم في العاصمة «موسكو.. وقد عرفت روسيا الإسلام في القرن السابع الميلادي؛ حيث تحولت بعض المدن في آسيا الوسطى إلى مراكز إشعاع حضاري مثل «سمرقند»، وكان المسلمون قد سيطروا على أذربيجان عام 642م.. وبعد الثورة البلشفية، تم فرض قبضة حديدية على المناطق المسلمة عام 1924م، وتم تقييد حرية العبادة وتدمير العديد من المساجد، وقد تغيرت الأوضاع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
كما توجد أعداد كبيرة من المسلمين في دول غير إسلامية؛ مثل إثيوبيا 28 مليوناً (34% من السكان)، تنزانيا 13 مليوناً (30%)، وساحل العاج 8 ملايين (37%)، وموزمبيق 5ملايين (23%)، والفلبين 4.7 مليون (5%)، وألمانيا 4 ملايين (5%).
* وبعد.. هل ينطبق علينا قول رسول الله [: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»(رواه أحمد وأبو داود). فحب الدنيا وكراهية الموت واستخفاف العالم بنا يجعل كثرتنا ضعيفة، وحينما نأخذ بأسباب الإيمان والقوة والعلم والوحدة، حينئذ تكون الكثرة صانعة الحضارة والمجد.
المصادر:
1. Mapping the Global Muslim Population. Pew Forum on Religion and Public Life 2009 http://www.pewforum.org 2- الفاتيكان: عدد المسلمين تجاوز الكاثوليك، 2008م http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_7321000/7321772.stm 3. The List: The World’s Fastest-Growing Religions 2007 http://www.foreignpolicy.com/story/cms.php?story_id=3835 4- المسلمون المنسيون، 2004م http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_3764000/3764422.stm