مجدي أبوالليل - الراية القطرية 29/10/2011 باختصار
استقبلت السلطات المصرية الدكتور محمد برهان الدين سلطان طائفة البهرة الذي يزور مصر حالياً استقبال قادة الدول كما هو الحال في كل مرّة يزور فيها البلاد بشكل سنوي، وتقوم الحكومة المصرية بتعيين حراسات خاصة تُرافق سلطان البهرة طوال مدة بقائه في مصر، حيث يحرص على زيارة عدد من المساجد مثل مسجد الحاكم بأمر الله والأقمر والحسين والسيدة زينب.. وقد بدأت زيارة برهان الدين لمصر خلال اليومين الماضين وتستغرق عدّة أيام يتقابل فيها مع طائفة البهرة في القاهرة والتي يُقدّر عددها بالآلاف ويقطنون أحياء راقية مثل المهندسين والدقي ويملك بعض منهم مصانع بمدينة أكتوبر ومحلات تجارية للعدد والمواتير بشارع الجمهورية وسط القاهرة، ولهم نشاط تجاري ملحوظ بشارع المعز لدين الله الفاطمي.
وهذا الامر ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول تزايد أعداد طائفة البهرة في مصر، وكذلك أنشتطهم داخل البلاد وأماكن وجودهم بالقاهرة وتملكهم للعمارات والفيلات والغرض من وراء ذلك ومدى إمكانية تأثير هذا الأمر على نسيج المجتمع المصري الذي يعتنق المذهب السني، بينما البهرة طائفة دينية شيعية .
وإذا كان عدد اتباع طائفة البهرة حول العالم يُقدّر بمليون شخص غالبيتهم في اليمن والهند، فإن أعداد تلك الطائفة في مصر يُقدّرها البعض بـ 10 آلاف ويتزايد عددهم منذ عهد الرئيس السادات وعلى مدار أكثر من 40 عاماً مضت، وسُمح لهم بالتملك داخل مصر وإقامة فنادق خاصة بهم وترميم مساجد إسلامية تابعة لعصر الدولة الفاطمية مثل مسجد الحاكم بأمر الله بشارع المعز لدين الله الفاطمي .
جاءت طائفة البهرة إلى مصر في أواخر السبعينيات في عهد الرئيس السادات وبدأت في الازدياد في فترة الثمانينيات، وقد اتجه البهرة فور وصولهم إلى مصر إلى القاهرة الفاطمية وأقاموا فيها وبدأوا رحلة البحث عن مراقد وآثار الفاطميين والعمل علي بعثها وتجديدها. وكان من أشهر الآثار الفاطمية التي قام البهرة بتجديدها في مصر مسجد الحاكم بأمر الله المسمى بالجامع الأنور الملاصق لسور القاهرة من الجهة الشمالية بجوار بوابة الفتوح وهو من أضخم مساجد القاهرة، وقد استخدمه صلاح الدين الأيوبي ومَن بعده من ملوك الأيوبيين بعد أن تم إغلاق الجامع الأزهر، ولا تقتصر مهمّة البهرة في مصر على آثار الفاطميين وحدهم بل امتدّت لتشمل مراقد آل البيت، فقاموا بتجديد مرقد السيدة زينب بالقاهرة ومقصورتها، كما جدّدوا مقصورة الحسين .
ومن المعروف عن البهرة أنهم من كبار التجار ويقولون إنهم أحفاد الفاطميين، هاجروا أثناء الحكم الأيوبي وتنقلوا في البلاد حتى استقروا بالهند .
وتُقيم طائفة البهرة شعائرها علناً في مسجد الحاكم بأمر الله ويفصل بينهم وبين أهل السنة في هذا المسجد ستائر أثناء الصلاة، فكل له صلاته التي تختلف عن الآخر .
ويسير البهرة في شكل جماعات بشوارع القاهرة وترتدي نسوتهم زيّاً يختلف عن المصريين وكذلك رجالهم ممن يرتدون الجلباب القصير والبنطلون والطاقية البيضاء المزركشة وهم لم يكتفوا بمجرّد الإقامة في مصر وبجوار القاهرة القديمة بل اتجهوا إلى أقامه المشاريع التجارية داخل مصر وأقامه مصانع بمدينه 6 أكتوبر وبعضهم اشتروا بيوتاً ومحلات تجارية في الشارع القديم الذي يشق قلب القاهرة القديمة والمسمى بشارع المعز لدين الله الفاطمي ومع توافد أعداد البهرة الفاطميين على مصر بغرض الإقامة والتملك يزداد الوجود الشيعي داخل البلاد بعد أن اختفى منها طيلة ثمانية قرون.
وقد أُثير العديد من الشبهات حول دور البهرة والأهداف التي جاؤوا لتحقيقها وما يُثار حول عقائدهم وحقيقة مذهبهم وما يُثار حول تعدّيهم على الآثار وإمكانية استخدامهم من قبل بعض الجهات المخابراتية .
وما إن كانوا ضالعين في كتابة الأحوال الاقتصادية والسياسية في البلاد وقد حاول البعض إثارة الحكومة ضدهم وطردهم من مصر إلا أنه فيما يبدو أن الحكومة راضية عنهم ومطمئنة لوجودهم حيث لا تظهر أي بوادر من تلك الطائفة تستفز الحكومة أو تثير جهاز الأمن عليهم وكلا الطرفين يتعامل مع الآخر وفق حدود مرسومة.
وإمام الطائفة كان على علاقة وثيقة بالرئيس المصري الراحل أنور السادات.
ويُحكى أن الطائفة أثناء افتتاحها مسجد الحاكم بأمر الله عقب التطوير والتجديد قامت بإهداء زوجة الرئيس السادات حقيبة من الذهب الخالص أملاً في الحصول على مفتاح المسجد إلا أن السادات أودع المفتاح لدى وزارة الأوقاف المصرية لتكون مسؤولة عن شؤونه وتعيين إمام له ليس من البهرة كما كانوا يريدون .
ويعتنق البهرة المذهب الإسماعيلي وفي عبادتهم وشعائرهم لا يختلفون عن الإمامية في شيء سوى الاعتراف بستة من الأئمة الاثني عشر فقط من الإمام علي حتي جعفر الصادق ويأخذون بقيه أئمتهم من سلالة إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق ولأجل ذلك سُمّيت الطائفة بالشيعة الإسماعيلية تميّزاً لها عن الشيعة الإمامية التي تعتقد بوصيّة جعفر لابنه موسى الكاظم الإمام السابع الذي لا تعترف به الإسماعيلية.
ويؤكد البعض في مصر أن الرئيس السابق حسني مبارك ارتبط بعلاقات متناقضة مع الجماعات والطوائف الدينية في مصر خلال فترة حكمه التي امتدّت لثلاثة عقود كاملة. ففي الوقت الذي حارب فيه الإخوان واستخدم السلفيين، رأيناه يرتبط بعلاقات حميمة مع طائفة "البهرة" في مصر التي يتزعّمها الملياردير الهندي الملقّب بالسلطان محمد برهان الدين وهناك صور تجمع مبارك بسلطان البهرة ظهر فيها مبارك مرتدياً وشاحهم الذي لا يرتديه سوى زعيم الطائفة وكبار المقرّبين منه في إشارة واضحة لعمق العلاقة بين الجانبين حتى إن السلطان برهان الدين كان يصطحب معه سيارات الرئاسة الخاصة للمرور على رعاياه من أبناء الطائفة في مصر، الأمر الذي أثار مجموعة من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول سعي مبارك الدؤوب لحماية البهرة ومصالحهم واستثمارات الطائفة في مصر بمدينة السادس من أكتوبر حيث تُقيم مصانع للرخام والبلاط والزجاج والسيراميك. ويبدو أن الاستثمار والسياحة الدينية ما هما إلا حق أُريد به باطل فقد استغلت طائفة البهرة علاقة الصداقة التي تجمع زعيمهم بالرئيس المخلوع حسني مبارك لتعزيز مساعيهم في الاستيلاء على أهم مناطق مصر التاريخية في الأزهر والحسين، وشراء المنازل والمحال المحيطة بعد أن تمكنوا من السيطرة على العديد من المساجد التاريخية أمثال الأقمر واللؤلؤة والأنور والجيوشي والحاكم بأمر الله الذي يعتقدون خروج المهدي المنتظر من تحت أحد أبياره.
وزاد نفوذهم في عصر مبارك حيث اتجهوا إلى القاهرة الفاطمية وبدأوا يبحثون عن مراقد وآثار الفاطميين وأخذوا يُنقّبون عن الذهب والمقتنيات حتى إن بعض المتابعين لهم في ذلك الوقت أكدوا جمعهم للعديد من اللقايا والمقتنيات الذهبية تحت المسجد والمناطق الأثرية ولم تُحرّك الدولة ساكناً. ولم تقتصر مهمّة البهرة في مصر على آثار الفاطميين وحدهم بل امتدّت لتشمل مراقد آل البيت فقاموا بتجديد مرقد السيدة زينب ومقصورتها وجدّدوا مقصورة الحسين وقبر "مالك الأشتر" شقيق شيخ البهرة المدفون إلى جواره ووهبوا لمشهد الحسين والسيدة زينب ضرائح من الذهب والفضة وراح سلطانهم يزور القاهرة مرّة أو مرّتين كل عام حيث يحتفلون بمولده في مسجد الحاكم بأمر الله وسط طقوس خاصة بهم وحضور رسمي رفيع المستوى كان يتقدّمه آنذاك د. حمدي زقزوق وزير الأوقاف السابق وعلى جمعة مفتي الديار المصرية ود. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق في حين غضّ جهاز أمن الدولة سمعه وبصره تماماً عن أفعال تلك الجماعة وممارساتها بحكم قربها من النظام. ولهذا ينظر الكثيرون إلى أن العلاقة بين السلطة والبهرة لا تخلو من مصلحة متبادلة بينهما.
يقول د. يحيى العباسي الأستاذ بجامعه الأزهر: أن السماح للبهرة بترميم مسجد الحاكم بأمر الله أدّى إلى تشويه هذا الأثر الفاطمي. لأن هذا الترميم غير العلمي أخرج الأثر من الطراز المصري للمساجد المعروفة. وبدلاً من تجديد الأعمدة وإقامة ما تهدّم منها قاموا بتأسيس أكتاف للمسجد لكي تستمر طويلاً وهو ما يمثل اعتداء على أثر مصري، في غفلة أو ربّما بعلم هيئة الآثار في مصر.
ويرفض العباسي وجود طائفة البهرة وتزايد أعدادها على أرض مصر ويؤكد أنه سيُقدّم بلاغاً للنائب العام المصري حول تزايد أعداد البهرة في مصر وماذا تفعل هذه الطائفة داخل البلاد وكيف تُؤسّس فندقاً بالمخالفة للقانون داخل منطقة القاهرة الفاطمية الأثريه ويغلقون هذا الفندق على أنفسهم .
و يرى د. حسن الشافعي رئيس الجامعة العالمية في باكستان سابقاً والمتخصّص في الفكر الشيعي أنه بعد سقوط الدولة الفاطمية في مصر ظهرت الإسماعيلية الشرقية النازارية التي انقسمت إلى الأغاخان والبهرة التي تعمل بالتجارة وينتشرون في مدارس بالهند وكراتشي في باكستان وذهب عدد منهم إلى اليمن نهاية القرن الرابع، وهي فئة أكثر تديّناً من الأغاخانية ولهم خدمات اجتماعية في مصر التي دخلوها في عصر السادات فهم الذين أقاموا دربزين السيدة زينب من الفضة الخالصة، وقاموا بتجديد مسجد الحاكم بأمر الله وذلك الحاكم غريب الأطوار الذي يُقدّسونه .
ويؤكد د. الشافعي أن البهرة فئة أقل انحرافاً من الأغاخانية فهم يُواظبون على الصلاة والصيام ويرتبطون ارتباطاً وثيقاً بمصر كونهم فاطميين حكموا البلاد لثلاثة قرون مؤكداً أن مصر لا تعرف غير مذهب أهل السنة والجماعة، وترفض تصدير المذاهب من بلد لآخر ووجود فئة مثل البهرة لا شك أنه يُهدّد النسيج الاجتماعي المصري ويفتح الباب إلى دخول التشيّع إلى مصر مضيفاً: إنه يُحذّر من تزايد أعداد البهرة داخل المجتمع المصري، ومرحّباً بهم كزوّار أو سائحين فقط، داعياً إلى تخليص مسجد الحاكم بأمر الله من سطوتهم، وقيام وزارة الأوقاف بدورها تجاه ذلك .
وسلطان البهرة محمد برهان الدين يمتلك قصراً منيفاً في حي المهندسين وهو حاصل على الإقامة الدائمة في مصر.