نادية الزائر – صحيفة الضمير التونسية 12/1/2012 باختصار
بعد أن بلغت روح المقاومة وتبني القضية الفلسطينية في تونس ذروتها خاصة على اثر زيارة اسماعيل هنية لتونس وما خلفته من أثر بالغ في نفوس التونسيين الذين لطالما حملوا نصرة القضية الفلسطينية حلما في قلوبهم، وسبق تلك الزيارة حراك جمعياتي يحدث للمرّة الأولى في تونس حيث نظمت جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة بالتعاون مع عدة جمعيات أخرى برنامجا متكاملا لزيارة حركة حماس لتونس، وصولا الى تنظيم قافلة تضامنية نحو غزة بعنوان يوم 14 جانفي القادم، وكان من المفروض ان تشارك في وقفة لتجريم التطبيع أمام المجلس التأسيسي لولا انسحابها آخر لحظة بعد بلوغ أنباء من عدة جهات تؤكد أن الرابطة التونسية للتسامح تسعى إلى تنفيذ مشروع امتداد شيعي ايراني في تونس بتمويل ايراني، وذلك باعتماد الدفاع عن القضية الفلسطينية وتجريم التطبيع مع العدو الصهيوني كتقيّة أو مطيّة "لكسب الشرعية في تونس في مرحلة أولى ثم بعد ذلك الانطلاق في تنفيذ مشروع امتداد شيعي في تونس ومن ثم البدء بالمطالبة بالاعتراف بوجود الشيعة في تونس وحقوق الشيعة" حسب ما أكدته رئيسة احدى الجمعيات النسائية الفاعلة في تونس التي تبينت ذلك منه بعد حوارها مع صلاح المصري رئيس الرابطة.
هذه المعلومات راجت بسرعة البرق في بعض الأوساط الجمعياتية وساهم في تعميقها بعض الوقائع الأخرى. ولكون المسألة من الخطورة بمكان فقد وجب تسليط الضوء على ما يدور في الخفاء لنكون شاهدا على التاريخ وحتى لا نفاجأ بما لا تحمد عقباه مستقبلا.
كشف اللثام
قامت جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة (وهي جمعية تنموية خيرية ثقافية وعلمية تهدف الى الرقي بالهوية الإسلامية العربية كمكونات أساسية للشخصية التونسية بالإضافة الى تبنيها للقضية الفلسطينية) ببادرة استضافة وفد من حركتي حماس والجهاد الاسلامي وتنظيم ندوة على شرفهم حول "كونية القضية الفلسطينية" بقاعة الفن الرابع يوم 29/12/2011 بالاشتراك مع الرابطة التونسية للتسامح.وكان من المزمع ان تشارك فيها الرابطة ومجموعة من الجمعيات والمنظمات الأخرى التي اتفقت ايضا على المشاركة في وقفة تجريم التطبيع التي تمت أمام المجلس التأسيسي.
كل ذلك قبل ان تتعرض جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة الى انتقاد شديد بسبب تعاملها مع الرابطة التونسية للتسامح التي راج حولها الكثير من الاقاويل انتمائها الشيعي، فقام مسؤولو الجمعية بحديث مع ممثلي الرابطة ومن بينهم صلاح المصري رئيس الرابطة للتثبت من صحة المعلومات ومع انكار رئيس الرابطة كل ما راج عنهم فقد اعترف آخر بانتمائه الشيعي صراحة.
فما كان من جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة الا ان أصدرت بيانا قالت فيه "تبعا للإشاعات التي راجت، وما تبع تلك الاشاعات من جدل وتجاذبات، وبعد أن تم التمحيص والتثبت من حقيقة ما راج حول علاقة الرابطة التونسية للتسامح بالمد الشيعي وأطراف شيعية، وبعد التوجه بالسؤال الى بعض أعضاء المُسمّاة "الرابطة التونسية للتسامح"، فانه تبين لنا أن تلك الاشاعات فيها قدر كبير من الصحة و لم تأت من فراغ".
وأوضح البيان أن قبول جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة مشاركة الرابطة في بعض الانشطة المتعلقة بنصرة القضية الفلسطينية كان"من باب حسن الظن بالآخر في حالة عدم توفر الحجة والدليل والذي هو أصل من أصول ديننا السمح، أما الآن وقد تبين صحة انتمائها فان الجمعية قررت "عدم التعامل مستقبلا مع المُسمّاة "الرابطة التونسية للتسامح" وعدم مشاركتهم في الوقفة الاحتجاجية لتجريم التطبيع، وعدم السماح لهم بمشاركتنا في قافلة بشائر النصر مع التأكيد على أن تونس بلد موحد، من حيث اللغة والعرق والدين والمذهب السني، وأننا سنعمل جاهدين على التصدي لأي مد صفوي شيعي مشبوه".
وبالاستفسار من رئيس الجمعية هيثم خليل، حول أسباب اصدار هذا البيان اكد انه وخلال تضييق الخناق على أعضاء الرابطة التونسية للتسامح، ورغم تهرب بعضهم فقد أقر أحدهم بانتمائه الشيعي صراحة، كما كان قد سبق ذلك تدخل احد المنتمين الى الرابطة خلال الندوة الصحفية التي عقدت في قاعة الفن الرابع، ليقول على الملأ: " لقد تبين الآن أن الذين يتبعون منهج الحسين نراهم اليوم هم الأكثر عداء لأمريكيا واسرائيل أما الشق الآخر من المسلمين نسأل الله أن يهديهم ويعيدهم إلى الأمة "، وقبل أن يتم كلماته تفطن الحاضرون ومن بينهم مسؤولو جمعية تونس صوت الاسلام والعروبة الى خطورة الرسائل الشيعية التي يبثها والفكر الشيعي الذي يتخفى وراء ظاهر الدفاع عن القضية الفلسطينية".
أما الأطراف الأخرى التي كشفت اللثام عن حقيقة انتماء الرابطة الشيعي وحذرت بقية الجمعيات الاسلامية الأخرى فقد كانوا مجموعة من شباب الثورة الذين يتابعون عن كثب الحراك الشيعي في تونس على غرار عبد الحكيم العرضاوي الناطق الرسمي باسم جمعية فداء لنصرة القضية الفلسطينية وعضو مؤسس لجمعية أفكار والذي حدثنا عن بداية بحثه في هذه المسألة فقال: " لقد كنت أدرس المذهب الشيعي منذ سنين عدة، وكنت أبحث عن أي اثر لهم في تونس. ومع الوقت اكتشفت أنهم قلة لا يجب أن يكترث بهم احد لكن منذ سنتين سمعت عن جمعية أهل البيت الثقافية وكنت دائما أحذر كل من أعرف بأننا أمام مشروع أو مفهوم تصدير الثورة ومضت الأيام حتى كان احد أصدقائي يحدثني في اعتصام القصبة عن خطورة الشيعة وعن غزو محتمل لتونس فوجدت منهم من يشير إلى شخص ليعلمني انه شيعي وأن الكثير منهم موجود في الاعتصامات وهو يحاول استقطاب الشباب فبدأت البحث حينها عن المجموعة التي يتحرك فيها وعن أصدقائه وأتقصى أخباره ومن معه، فوجدت منهم من تزوج زواج المتعة. وشيئا فشيئا سمعت بجمعية رابطة التسامح الشيعية، فكان لا بد من التحرك وقمنا بذلك في يوم القدس وكما هو معروف يوم القدس تحييه الجمعيات الشيعية في كل العالم وهو موروث إيراني لجلب التعاطف والظهور بمظهر المناصر للقضية الفلسطينية، وكانت تظاهرة القدس تقيمها الرابطة حينها في بنزرت. اكتريت حافلة صغيرة صحبة الإخوة كنا قد تشاركنا في دفع معلوم كرائها واتجهنا لمدينة بنزرت وهناك أردنا أن نلفت انتباه الحاضرين إلى قضية عربية وجب إحياؤها ونصرتها وهي "الاحواز" تلك الإمارة العربية التي ترزح تحت الاحتلال الفارسي إلى الآن، فما كان من جماعة رابطة التسامح إلاأن اعتدوا علينا وقطعوا الأعلام الاحوازية وأنكروا القضية معللين ذلك بان إيران دولة إسلامية قوية وضد إسرائيل وتسب أمريكا ليل نهار، وهذا طبيعي لأن ايران هي من تمول الرابطة".
سألته أي دليل تملك على ذلك؟ فقال الرابطة تضم عاطلين عن العمل ظهرت عليهم علامات الثراء الفجائي ونحن منذ ذلك الحين نترصد خطاهم، وكانت لنا عدة مشادات معهم في مختلف التظاهرات. وعندما نبين لهم خطأ الكتب التي يعتمدونها يتحول النقاش إلى هجوم فينعتوننا بأننا خارجون عن الملة وأننا أتباع معاوية ووهابية وغيرها من النعوت بما في ذلك خلال التظاهرة الأخيرة التي تحدثتم عنها فقد قمنا بالتحذير منهم أمام قاعة الندوة وحصلت مشادة معهم والحمد لله نحن اليوم بصدد تكوين جبهة تضم مختلف ولايات الجمهورية للتصدي لمشروعهم مع العلم أن البعض من المنخرطين في الجمعيات الشيعية لا يعلمون سوى أنها جمعية خيرية أو ثقافية ليست لها خلفية عقدية أو شيء من هذا القبيل "وهوأسلوب التقية، ويستغلون في ذلك جهل البعض بأصول دينهم والذين يتم استقطابهم في مرحلة ثانية".
وردا على كل ذلك قال صلاح المصري رئيس الرابطة التونسية للتسامح: " إن الرابطة ليس لها انتماء شيعي وانما هي رابطة للتسامح تفتح ابوابها للكل دون استثناء وفي حالة الخروج عن هدف الجمعية الاساسي والحياد به الى تنفيذ مشروع شيعي في تونس سأكون انا اول المستقيلين من الرابطة".
... ومن جهة اخرى أكد ان "الرابطة التونسية للتسامح تعتبر حرية المعتقد وحرية الانتماء السياسي حقا مقدسا للتونسي وهي ترفض مطلقا ممارسة سلوك محاكم التفتيش بالنسبة للمسألة الدينية وهي تعتبر الاختلاف حالة طبيعية وتعتبر الأطراف التي تقاوم الاختلاف والتعددية الدينية والمذهبية انما يعبرون عن حالة امتداد وتواصل لنظام الحزب الواحد المنغلق المستبد... ".
أمام هذه المعطيات المتباينة حد التناقض أحيانا لا يبقى لنا سوى أن نقول إننا مع وحدة كافة الاطراف ومكونات المجتمع المدني ضد العدو الصهيوني لأنها قضية كونية عربية كان الانقسام سببا كبيرا في عدم تحقيق اهداف ترجى فيها.
لكن مع حقيقة احتواء الرابطة التونسية للتسامح على عدد كبير من متبعي المذهب الشيعي وانتشار هؤلاء بشكل مكثف وسري قبل الثورة وبشكل معلن بعدها، تبقى التساؤلات والمخاوف شرعية خاصة مع عدم تقديم أي دليل على مصادر تمويل الرابطة التونسية للتسامح، ومع وجود مراكز وجمعيات ثقافية في تونس وقابس وطبلبة وفي مختلف الجهات التونسية تلبس ثوب الجمعيات الثقافية في الظاهر وهي شيعية في تكوينها وأسسها الفكرية والعقائدية، وهي ما ستكون محور بحثنا القادم في هذا السياق لأن المسألة تتعدى مرحلة الشكوك حول أهداف الرابطة التونسية وحدها إلى مشروع أشمل وأخطر.