جولة الصحافة
لماذا تعادي الهندوسية المسلمين
لماذا تعادي الهندوسية المسلمين
عبداللـــه مدني
الفرقان الكويتية 1/10/2007
بعد اندحار البوذية في شبه القارة الهندية ظهر الإسلام منقذاً للشعب الهندي ولاسيما لدى الطبقات المقهورة حسب التقسيم الطبقي للهندوسية، ثم ازداد إقبال الناس على الإسلام في العقدين الثاني والثامن من القرن العشرين، وكان زعماء الهندوسية يزعمون أن المسلمين ينصهرون في نظام الطبقات السائد في البلاد، ولكن الأحداث جاءت خلاف ما زعموا، وتهيأت الظروف لانتشار الإسلام، مما شكل خطراً كبيراً على الهندوس العنصريين، ومن هنا بدؤوا يعادون المسلمين ويحاربون الإسلام.
وتتلخص عوامل هذا العداء في النقاط التالية:
1 - أن مسلمي الهند لم ينصهروا في نظام الشرك السائد في البلاد، بل حافظوا على كيانهم بوصفهم طبقة داعية إلى الله.
2 - تحولت الطبقات (المقهورة) الخاضعة للعنصريين إلى الإسلام بسرعة فائقة.
3 - حدثت صحوة سياسية قوية في الطبقات المقهورة حتى بدأت تجاري العنصريين في الوصول إلى السلطة.
4 - أقلقت الصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية والعربية، واندحار بعض القوات العالمية على أيدي المسلمين - جميع العنصريين - وحملتهم على التجمع ضد مد الإسلام.
5 - أن العنصريين كانوا يريدون سيطرة الحضارة الهندوسية القديمة، ولكن المسلمين لم يستجيبوا لهذه الإرادة بل قدموا حضارة إسلامية أمثل بدل الحضارة الوثنية المضللة، وحيث إن الحضارة الإسلامية كانت تحمل مبادئ سامية للعدل والمساواة والتوحيد والرسالة فإن العنصريين شعروا بنوع من النقص والقصور في حضارتهم، وقد ولّد هذا الشعور فيهم العداء ضد المسلمين.
6 - أعضاء الهندوسية يتخوفون من أن تبقى الديمقراطية في صورتها الصحيحة؛ لأن المسلمين بذلك لا يمنعهم شيء من الوصول إلى السلطة، وبعد هذا الشعور ظهر التقارب بين حزب المؤتمر وحركة آر. اس. اس وهذا التقارب لمسه جميع الناس في السنوات الماضية القريبة.
تمويه وتشويه
إن الحركات والمنظمات التي تتكون لتحقيق الأغراض السياسية والمادية، لا لخدمة الكائن البشري، تستخدم لذلك وسائل شتى، وتوحي دائما بأنها تهدف إلى خدمة البشرية فحسب، ومن هذه الوسائل الإغراء وإثارة العصبيات وإذكاء نار العداوة في القلوب، وتفريق صفوف الناس وإشغالهم بتوافه الأمور حتى لا يتمكنوا من النظر في إصلاح أحوالهم وتحسين أوضاعهم، ولكي لا تسنح لهم فرصة اختبار إخلاص الزعماء.
وهذا هو حال الحركة الهندوسية في العصر الراهن؛ حيث إنها تكونت بدافع من الأغراض السياسية والمادية ووجد زعماؤها الحكم الإسلامي في الهند يمتاز بالاتحاد بين المسلمين والهندوس، فالحكام المسلمون لم يفرقوا بين الشعب المسلم والشعب الهندوسي، وعاملوهم على قدم المساواة، إنهم لم يأتوا إلى الهند بدافع من العصبيات الدينية، ولا دخلوا في الحروب مع الحكام الهندوس بالعوامل الدينية، بل نرى فوق ذلك أن الحكام المسلمين حينما قاتلوا مع الحكام الهندوس كان جيش الفريقين يضم المقاتلين من المسلمين والهندوس على السواء، ومن هنا دلل الباحثون على أن هذه الحروب نشأت لأغراض أخرى غير دينية، وأن ذلك العصر كان في الحقيقة عصر الحياد الديني، وأن مثل هذا الحياد لم يوجد في العصر الاستعماري ولا في الهند المستقلة.
ولكن الحركة الهندوسية شوهت محاسن ذلك العصر وصورته بالعصر الذي تقوى فيه العصبية وتضيع فيه الحقوق، وتكثر المشاجرات وتهدر الكرامات، كل ذلك لتحريض الهندوس ضد المسلمين، ولإيجاد التباغض والتنافر بين الناس حتى تظهر أهمية الحركة الهندوسية بين الهندوس، وأنها جاءت لإنقاذ ديانة الهندوس التي تعرضت لأنواع من الخطر على أيدي المسلمين.
الإعتداء والتحدي
أتباع الهندوسية سائرون في طريق العدوان والعنف منذ البداية ولكنهم كانوا يخفون اتجاههم العدواني حرصاً على سمعة الحركة وحفاظاً على المصالح التي يعرفونها، وبعد نجاحهم في هدم المسجد البابري تخلوا عن التظاهر بالسياسة السلمية وكشفوا القناع عن الوجه الحقيقي للحركة، فبدؤا يفتخرون بالقوة، ويوجهون التهديد إلى المعارضين وخاصة المسلمين، نرى ذلك واضحاً في تصريح لأحد أعضاء الحركة وهو (إيج وي شيشادري) حيث يقول: تواجه اليوم القيادة المسلمة وضعاً جديداً، إنها كانت تمارس الضغوط على الزعماء السياسيين، ولكنها تواجه الآن قوة هندوسية واعية، وقد تأكد لديها الآن أن التعالي على الآخرين والتظاهر بالسيوف اللامعة لا ينفعها البتة إذا قررت الصدام مع الهندوسية.
موقف الهندوسية من النصرانية والإسلام
دخول الهندوس في الديانات الأخرى من النصرانية والإسلام كان ناشئاً عن عجز الديانة الهندوسية عن تلبية حاجات العصر وإقناع الأتباع الذين يعيشون في عصر تقدم العلوم والتكنولوجيا، وعن وجود المحاسن العديدة في الإسلام والنصرانية التي كان الهندوس يتطلعون إليها، ولما حدث احتكاك الهندوس مع غيرهم في الدول العربية وسنحت لهم فرصة دراسة الإسلام ومبادئه وشرائعه في الهند؛ دخل عدد كبير من الناس في الإسلام في القرن العشرين.
وقد أقلق هذا الوضع المتطرفين من الهندوس، لا سيما الذين كانوا يهدفون إلى أغراض سياسية واقتصادية، ومن هنا نشأت الحاجة إلى تنشيط الهندوسية من جديد، وإلى تعزيزها بالوسائل المادية والعلمية.
ومما يلاحظ أن الهندوسية اتجهت في عصرها هذا إلى استخدام القوة والعنف كما نرى في هدم المسجد البابري والأحداث التي تلته.
ومما يرضي الكتلة الهندوسية كثيراً أن يشعر المسلمون بوصفهم جماعة بنوع من الخوف والقلق، وأن يروا أنفسهم محتاجين إلى كرم الأغلبية وعطفها، وألا ينظروا إلى كيانهم بوصفه أمة، وألا يتعاطفوا مع إخوانهم المسلمين في العالم، ويقدموا الاعتذار عن الحكم الإسلامي في الهند، ويلتزموا نحو الشخصيات التاريخية موقف الهندوسية من الحب والإعجاب أو الكره والنفور، وأن يتركوا من الملابس والأزياء ما يمنحهم نوعاً من الترف، ويقدموا التحية بقبض اليدين أمام الجبهة المنحنية، وأن يختاروا من الأسماء ما يثبت انتماءهم إلى الهندوسية، وألا يؤذنوا بمكبرات الصوت، وأن يتخلوا عن أحكام الشريعة الإسلامية في الوراثة والنكاح والطلاق، ويخضعوا للقانون المدني الموحد، ويدافعوا عن وحدة الأزواج وتحديد النسل، ومن يوصي منهم بإحراق جثته بعد الموت فإنه يستحق الثناء الأكثر. ونعرف باستعراض أحوال المجتمع الهندي في العصور الوسطى أن المسلمين دخلوا في الهند وأسسوا فيها الحكم قبل بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وحيث إن الشعب كان يعاني الطبقية والعنصرية، فإنهم رحبوا بالمسلمين الذين كانوا يعاملون بالمساواة ويؤمنون بالتوحيد، وبعد قتال الكشتريين للمسلمين انهزموا لفقد حماية الشعب.
وقد صرح المؤرخون بأن نظام الطبقات عده ديناً مقدساً والإصرار على تطبيقه بشدة، هو الذي حبب الإسلام إلى الناس، وجعلهم يدخلون فيه أفواجا، ولكن الهندوسية المتعصبة تزعم أن الحكومات المسلمة أجبرت الناس على قبول الإسلام، والواقع أن هذا الزعم باطل، والباعث على نشره وترديده هو التودد إلى الناس وتحريضهم ضد المسلمين.

