دراسات
دراسات/ العدد الثلاثون - ذو الحجة 1426 هـ |
![]() الأرشيف |
مواقف المفكرين والعلماء من الشيعة - 15- الشيخ محمد عرفة
مواقف المفكرين والعلماء من الشيعة - 15-
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام . الراصد
ونترك مع رأيه في الشيعة وذلك في تقديمه لكتاب " الوشيعة في نقد عقائد الشيعة " :
لقد صدرت آراء من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، يثنون فيها على مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، على أن لهذه الطائفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولعله لا يكون من السهو أن يفوت هؤلاء أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة جميعاً بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلا قليلا منهم، وأن أبا بكر وعمر كافران ملعونان!.
فهل يجوز للمسلمين تقليدهم في ذلك؟ وأن يكون من المسلمين من يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة، ويقول بكفر الصحابة!؟
وأن هذا المذهب يقول بكفر المسلمين من غير الشيعة: الحاضرين والماضين؛ فالمسلمون في رأيهم: كفار حكامهم ومحكوموهم في نظرهم!!
والذي دعاهم إلى ذلك أنهم يجعلون الإيمان بإمامة عليّ ومن بعده من أبنائه جزءاً من الإيمان، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فمن لم يؤمن بالأئمة من أهل البيت لم يكن مؤمنا، ولذلك كفروا الصحابة الذين قالوا بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكفروا هؤلاء الخلفاء لأنهم أخذوا ما ليس لهم من الإمامة، ولذلك أيضا كفروا المسلمين الحاضرين والماضين الذين لا يقولون بالإمامة التي جعلوها جزءا من الإيمان، وجعلوا حكامهم أهل جور لأنهم لم يستمدوا حكمهم من الأئمة المعصومين ذوي الحق، وجعلوا الرعية كفاراً لأنهم اتبعوا أئمة الجور ولم يؤمنوا بإمامة الأئمة من أهل البيت.
فهل يجوز تقليد هذا المذهب في ذلك؟! وهل نقول للمسلمين: لكم أن تقلدوا هذا المذهب فيما ذكرنا؛ فيكفر بعضهم بعضا، وتكون عداوات بين الحاكمين والمحكومين بعضهم وبعض؟!
وهذا المذهب يقول: إن هذا القرآن الذي بأيدي الناس ليس هو القرآن كله، وإن علياً هو الذي جمعه كله، فهل يجوز للمسلمين تقليده في ذلك؟.
إن ما نسبناه إليهم ينبغي ألا نتركه حتى نبين نسبته إليهم من كتبهم المعتبرة، التي جعلوها أصول هذا المذهب، والتي هي عندهم كالبخاري عندنا.
أما أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة، فنحن نستدل عليه بما ورد في الوافي ص 48 في الباب العشرين منه، قال:
عن أبي جعفر عليه السلام قال: ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد. قيل: فعمار. قال كان جاض جيضة، ثم رجع ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم، لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين بالسكوت ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلا أن يتكلم.
وفي الباب نفسه ص 48:
عن عبد الرحيم القصير، قال قلت لأبي جعفر، إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا. فقال: يا عبد الرحيم، إن الناس عادوا، بعدما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير.
وفي الباب حديث طويل، وفي آخره، فلما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقام الناس غير عليّ ـ عليه السلام ـ لبس إبليس تاج الملك، ونصب منبرا وقعد في ألويته، وجمع خيله ورجله، ثم قال لهم: اطربوا، لا يطاع الله حتى يقوم إمام، وتلا أبو جعفر ـ عليه السلام: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين}. فقال أبو جعفر: كأن تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله، صلى الله عليه وآله.
وفي باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ـ أصول الكافي ص 412 ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله عز وجل:{ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم}، قال: نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي، صلى الله عليه وآله، في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي، صلى الله عليه وآله: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه". ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ثم كفروا حيث مضى رسول الله، صلى الله عليه وآله، فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق لهم من الإيمان شيء.
وقال صاحب الوافي أيضاً في كتابه: "الكلمات الطريفة" ص 9 بعنوان "تذكير":
لقد علمت وتحققت ما جرى بين صحابة نبينا، صلى الله عليه وآله، بعده من تلبيسهم الأمر على الناس، وإلباسهم لباس البؤس والباس، بعدما سمعوا النصوص على الخصوص، مرة بعد أولى، وكرة غب أخرى، فجحدوا ما علموه، وبدّلوا ما سمعوه، وأنكروا ما حق في أعناقهم، وأعناق المسلمين من حق مولاهم أمير المؤمنين، غلب عليهم حب الرياسة والهوى، واشتعل في قلوبهم ثائرة الحسد والبغضاء، فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً}.
هذا الغلو في تكفير من عداهم ممن لا يقول بنحلتهم، أدى إلى العداوة والبغضاء بين السني والشيعي، حتى كانت العداوة بينهما أشد من العداوة بين المسلم والكافر، كما لاحظ ذلك السيد محمد الحسين آل كاشف الغطاء، في كتابه، أصل الشيعة وأصولها، وبين أنه آفة يجب التخلص منها.
وقد كنت شديد الحرص على التقريب بين المذاهب الإسلامية، ولا سيما بين الطائفتين العظيمتين أهل السنة والشيعة.
وأول ما يسلكه السالك في إزالة العداوة معرفة أسبابها، فعلمت بعد الدرس والبحث أن السبب هو تكفير الشيعة من عداهم ممن لم يقل بإمامة عليّ وأهل البيت، فرأيت أن الدواء يجب أن يكون من قبلهم، وأقل ذلك أن يحكموا حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد".
وقصارى أهل السنة أن يكونوا مجتهدين مخطئين في مسالة الإمامة، فيغفر لهم خطؤهم الناشئ عن الاجتهاد، فلا يكفرون ولا يفسقون.
وأما ما نسبناه إلى مذهب الشيعة من أنه يرى أن الإيمان بالإمام جزءا من الإيمان، كالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر، فيدل عليه ما ورد في أصول الكافي للكليني.
عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا. قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عزّ وجل، وتصديق رسوله، وموالاة عليّ والائتمام به وبأئمة الهدى عليهم السلام، والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم، هكذا يعرف الله، ومن لا يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله.
وقال أبو عبد الله: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر.
وقال أبو جعفر: كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه، ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول. وقال: قال الله تبارك وتعالى: لأعذبنّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله.
وأما أن مذهب الشيعة يسيء الظن بجميع المسلمين الذين لا يؤمنون بإمامة أهل البيت، فيدل عليه بعض الأحاديث المتقدمة وما ورد في أصول الكافي في كتاب الحجة.
باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل ـ ص 374 حديث 12ـ.
عن أبي جعفر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامة من الله، ومن زعم أن له في الإسلام نصيبا.
عن أبي جعفر عليه السلام يقول: كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير، والله شانئ لأعماله.
عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالسا فأقبل عليّ كالغضبان ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله. ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله. قلت: لا دين لأولئك، ولا عبت على هؤلاء. قال: نعم. ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: {الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله. وقال: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله عز وجل، خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار؛ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله، وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة.
وأما ادعاؤهم تحريف القرآن،ففي كتاب الحجة من أصول الكافي باب ذكر فيه الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام ص 239.
عن أبي عبد الله عليه السلام: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات. والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.
وفي باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وأنهم يعلمون علمه كله ص 228.
عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا عليّ ابن أبي طالب ـ عليه السلام ـ والأئمة من بعده، عليهم السلام.
وقد ردّ بعضهم في مجلة الأزهر، وقال: إن هذه روايات غير معتمدة تذكر ولا يؤخذ بها، ونحن نقول إنها من "الكافي" لصاحبه: "الكليني"، و "الكافي" من كتب الأصول في مذهبهم، و"الكليني" من الأعلام عندهم.
قال صاحب "روضات الجنات": في ترجمة "الكليني" ص 24: محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي صاحب كتاب "الكافي".. أجل وأعظم من أن يخفى على أعيان الفريقين... إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام، وفي الطريقة دليل الأعلام.. وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمدين الثلاثة الذين هم أصحاب: الكتب الأربعة، ورؤساء هذه الشريعة المتبعة...
ومن ترجمته في "تنقيح المقال في أحوال الرجال" ج1 م3 ص 201: ثقة الإسلام في العلم والفقه والحديث والورع وجلالة الشأن.. أشهر من أن يحيط به قلم، ويستوفيه رقم، صنف الكتاب الكبير المعروف بـ :"الكافي" في عشرين سنة.. ويقال: إن جامعه "الكافي" الذي لم يصنف في الإسلام مثله عرض على "القائم"، صلوات الله عليه، فاستحسنه، وقال: كاف لشيعتنا.
فهذا "الكافي" وهذا منزلته عندهم لم يصنف في الإسلام مثله؛ وهذا مؤلفه من مجددي مذهب الإمامية وهو في العلم والفقه والورع والحديث وجلالة الشأن أشهر من أن يحيط به قلم، ويستوفيه رقم. وثقة الإسلام هذا هو الذي نقل أحاديث نقص القرآن الذي بأيدينا وتحريفه، في كتابه الذي لم يصنف في الإسلام مثله، وعرض على "القائم"، فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا فعمن ننقل إذا لم يكن هذا النقل كافياً لبيان مذهبهم؟!
على أنه ألف شيعي كتابا سماه: "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب"، تأييداً لمذهب الشيعة في تحريف القرآن، وقد أرسله السيد "محمد نصيف" من علماء جدة وأعيانها إلى لجنة الفتوى بالأزهر يستفتيها فيه في صيف عام 1959م.
إنهم كانوا منطقيين مع أنفسهم مخلصين لمذهبهم، الذي يكفر أهل السنة رعيتهم وراعيهم، حين التزموا لوازمه إلى نهايتها، وقالوا: إنه لا يقاتل مع أهل السنة عدوهم من الكفار..
جاء في كتاب "الوافي" ج9 باب من يجب معه الجهاد ومن لا يجب ص15 :عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله: جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون، قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة. والله ما الشهداء إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم.
ولصاحب كتاب "الوافي" هذا ترجمة ضخمة في "روضات الجنات" ص416، جاء فيها: أن اسمه محمد، ولقبه: محسن، وأنه اشتهر بالفيض، وأن أمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول، وكثرة التأليف والتصنيف... أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة. وأنه جامع الكتب الأربعة مع نهاية التهذيب ورعاية المزاولة في جزالة الترتيب، وإعمال كمال المذاقة في تبيان مشكل كل حديث، وإمعان النظر في متشابهات الأخبار بعد الفراغ من التحديث..
فلو كان منا شيعة في العدوان الثلاثي على مصر لتخلفوا عن قتال المعتدين بناء على هذه القاعدة، وهذا هو السر في رغبة الاستعمار في نشر هذا المذهب في البلاد الإسلامية.
هذا هو المذهب الشيعي في حقيقته، أظهرناه عاريا لا حجاب دونه، أخذناه من مصادره الأصلية، ومن كتبه التي هي أصول المذهب عند الشيعة، وعن أشياخه الذين هم أئمتهم، والموثوق بهم، والذين أجمعت كتب التراجم على تزكيتهم وتوثيقهم، فإذا لم نأخذ المذهب عن هؤلاء، فعمن نأخذ؟ وإذا لم نستند إلى هذه الكتب فإلام نستند؟
أتاك المرجفون برجم غيب على دهش وجئتك باليقين
ولا وزن لقول المجادلين: هذه روايات ضعيفة. أكل روايات الباب ضعيفة؟ وإذا كانت كذلك فكيف يكون الكتاب أحد أصول المذهب؟
ولا وزن كذلك لقول المجادلين: لا يؤخذ المذهب من كتب الروايات، وإنما يؤخذ من كتب العقائد.
على أننا إذا رجعنا إلى كتب العقائد عندهم، وجدناها توافق الروايات التي قيلت. وها نحن أولاء نهرع إليها فننقل منها مذاهبهم في أشد ما ذكرناه خطورة، وهي الإمامة وما يتعلق بها من تكفير الصحابة والخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن تكفير المسلمين من يوم توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى يومنا هذا، لأنهم لم يقولوا بإمامة عليّ وإمامة الأئمة الإثنى عشر.
ننقله عن رئيس المحدثين أبي جعفر الصدوق محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 381 هـ وهو ثاني المحمدين الثلاثة، وصاحب كتاب: "من لا يحضره الفقيه"، أحد الكتب الأربعة التي يعتبرها الشيعة أصول مذهبهم في رسالة الاعتقادات، قال:
واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء.
واعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقرّ بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال في رسالة الاعتقادات أيضا:
قال النبي، صلى الله عليه وسلم: من جحد عليّاً إمامته بعدي فقد جحد نبوّتي، ومن جحد نبوّتي فقد جحد الله ربوبيته.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "يا عليّ أنت المظلوم بعدي، ومن ظلمك فقد ظلمني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن جحدك فقد جحدني."
وقال الصادق ـ عليه السلام ـ المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم ـ "الأئمة من بعدي اثنا عشر: أولهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وآخرهم المهدي القائم. طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني".
وقال الصادق: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر.
وقال في "رسالة الاعتقاد" أيضا: في باب الاعتقادات في الظالمين ص111: اعتقادنا فيهم أنهم ملعونون، والبراءة منهم واجبة.
قال الله عز وجل: {وما للظالمين من أنصار}. وقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أولئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، وهم بالآخرة هم كافرون}.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن سبيل الله في هذه المواضع: عليّ بن أبي طالب والأئمة ـ عليهم السلام.
وفي كتاب الله عز وجل إمامان: إمام الهدى وإمام الضلالة، قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}، قال: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين}.
فلما نزلت هذه الآية: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي، ومن تولى ظالما فهو ظالم". قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} وقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} وقال عز وجل: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} وقال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وقال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.
والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن ادعى الإمامة وهو غير إمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون.
والكلام في الظلم وذم الظالمين سائغ مقبول، ولكن الذي لا يسوغ ولا يقبل إدخال الصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين في الظالمين، بل إدخال الأمة كلها إلى يومنا هذا فيهم، لأنها تدين بإمامة غير أهل البيت الذين فيهم الإمامة.
ولأذكر شاهداً من أخف الدراسات وهي دراسة الرجال أصحاب المسانيد ومسانيدهم في كل من الفريقين.
إننا إذا قرأنا كتبهم في رجالنا أصحاب المسانيد؛ طالعنا منها طعنهم على علمائنا الذين نوثقهم ويجرحونهم، فهذا الإمام أبو عبد الله البخاري، الذي جمع من الأحاديث في صحيحه، ما يعتمد أهل السنة عليه، يقول فيه صاحب "روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات"، ص 433:
ونقل عن الذهبي الناصبي أنه قال في كتاب ميزانه، عند ذكره وبيانه، لمرتبة إمام الأنام، جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحد الأئمة الأعلام، برّ صادق كبير الشأن، لم يحتج به البخاري، بمعنى أنه لم يستند في كتابه الجامع من كل غثّ غير ثمين، وغثاء مهين... بما أخبره الصادق المصدق الأمين. وفيه ما لا يخفى من الدلالة على غاية جهل الرجل وغوايته، وعماه الشديد في طريق هوايته، بل الإشارة إلى خبث أصله وسوء ولادته... مثل سائر أعداء الله وأعداء أهل بيت رسالته.. وقال بعض علمائنا: وإنما شاع كتابه لتظاهره بعداوة أهل البيت عليهم السلام فلم يرو حديث الغدير، وكتم حديث الطائر، وجحد آية التطهير، مع إجماع المفسرين على نزولها فيهم من غير نكير، إلا ما كان من عكرمة الخارجي، والكذاب الكلبي، وثالثهما البخاري...
لم نشأ أن نأخذ مذهب الشيعة الإمامية من كتب الفرق، والملل والنحل لئلا يقولوا: لا يلزمنا ما قال غيرنا فينا، ولم نشأ أن نأخذ من كتب العقائد، وكتب أئمة المسلمين الذين ناظروهم وجادلوهم، كالإمام الغزالي وابن تيمية وعلامة الهند الدهلوي، لئلا يقولوا: خصوم، والخصم يحرف مذهب خصمه للتشنيع والتقبيح.
وإنما أخذناه من أئمتهم الذين أسسوا المذهب، ومن كتبهم التي تعتبر أصولا له. وكنا نرجع إلى كتب التراجم والجرح والتعديل عندهم، فرأيناهم يوثقونهم ويعدلونهم ويرونهم شيوخ المذهب. ورأينا كتبهم يثنون عليها أعظم الثناء،حتى إنهم قالوا في الكافي:"لم يؤلف في الإسلام مثله". ومن عجب أن ما جاء في هذه الكتب كأنما كان نسخة مما نقله علماؤنا في كتب الرد عليهم، وما نقلته كتب الفرق وما رآه المستشرقون فيهم.
نقلنا مذهبهم من كتبهم، وبينا ما يترتب عليه من فرقة وانقسام، وأن الحق كل الحق كان في جانب علمائنا الذين حرّموا تقليد المذهب الشيعي.
ذكرنا ذلك في أسلوب عفّ، لا غاضب ولا صاخب، ولا عارٍ عن الأدب، لم نرسل كلمة جارحة، ولا قولا نابيا. حتى إننا لم نقل كفر وإيمان، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين.
ثم هو يدعو من ثبت يقينه ولم يقلده إلى بغض الشيعة ونحن أحرص الناس على جمع الكلمة وضم الصفوف: لقد وضع سلفنا من العلماء السدود والحواجز بين السنة والشيعة بما أبانوا من خلاف جوهري بينهما، وبما حرموا من تقليد المذهب الشيعي إبقاء على وحدة الأمة!
إن هذا المذهب: مذهب الشيعة لا يساير نهضتنا، بل هو يناقضها في جميع أهدافها، فلا يصح أن ندعو إليه، ونجره إلينا، لأننا ندعم نهضتنا بأمجادنا التاريخية وآبائنا السابقين أولى الحزم والعزم، والقائمين لله بالقسط.
وأي شيء أدعى للاعتزاز به والفخر من أبي بكر وعمر، وعدل أبي بكر وعمر؟ قال بعض المؤرخين من الإفرنج: لو كان الحكم الفردي كحكم عمر بن الخطاب، لنادينا بتعميمه في جميع الأقطار، ولكن الدهر ضنين بأمثال عمر!
وهذا المذهب يضع من شأن الخلفاء الراشدين الثلاثة، ويعدّهم ظالمين غاصبين مرتدين، فهم سبة لا فخر بهم!!
وأي شيء أدعى للاعتزاز والفخر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين بني الإسلام على أكتافهم، وانتشر في الآفاق بفضل جهادهم، وفتحوا الممالك بسواعدهم، وهم كانوا قلة مستضعفين، لا عدد ولا عدة، فناضلوا الفرس والروم، فاستولوا على ملك الأكاسرة والقياصرة؟!
وهذا المذهب يكفرهم ويفسقهم، ويسطر المثالب فيهم وفي أكابرهم واحدا واحدا، ولا يستثني إلا قلة، ذكر عددهم وهم لا يجاوزون أصابع اليد.
وأخيرا، إننا نريد الاستقلال لنا وللعرب، وهذا المذهب يجعلنا تابعين للإمام المنتظر، ومن يعينه الإمام المنتظر، وهو في سرداب في سامراء لنكون تابعين لغيرنا..
في حياتي كلها لم أثر جدلا دينيا بيني وبين طائفة من الطوائف التي تنتمي إلى الإسلام، ولم أعرض لمناقشتهم، ولا لبيان خطئهم، لأني أعلم أن ذلك يثير الفرقة والانقسام، وإني من الدعاة إلى الوحدة الإسلامية والترابط بين المسلمين وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت نحلهم، ولكنني أجدني في هذا الوقت مضطرا إلى الخوض فيما كنت أتحاماه، والانغماس فيما كنت أتحاشاه.
وحسبي الآن شاهدا ما أختم به كتابي هذا، من رسالة لبديع الزمان الهمذاني، تصور ما كان في زمنه بين الطائفتين من نزاع وصراع، نعوذ بالله منه، قال:
(ألا وإن في صدري لغصّة، وإن في رأسي لقصّة، وإن لكل مسلم فيها لحصة، وإن في هذا المقام فيها لفرصة، وقد سمع الشيخ الرئيس أخبار عضد الدولة أبي شجاع، وما أوتي من بسطة ملك وباع، ويد في الفتوح صناع، وخطا في الخطوب وساع، إن كان ليقول: ملكان في الأرض فساد، وسيفان في غمد محال،ولم يرض أن يلي الأرض بطاعة معروفة، حتى يجعلها قبضته، فأعدّ للبحر مراكب، وللبر مصانع، وللحصون مكايد، وكاد وهمّ، ولو عمر لتم، ثم عجز ـ والقدرة هذه ـ أن يعمر التربتين الخبيثتين، أو يصلح البلدتين المشئومتين [قُمّ والكوفة] فعلم أن ذلك الخبث نحلتهما، فهمّ أن يسبي ويبيح، ثم فرض الجزية عليهم أو يقيموا التراويح.
ورجع صاحبي آنفا من هراة، فذكر أنه سمع في السوق صبيا ينشد:
إن محمدا وعليّا لعنا تيما وعديّـا
فقلت: إن العامة لو علمت معنى تيم وعديّ، لكفتني شغل الشكاية، وولى النعمة شغل الكفاية. ويل أم هراة، أنصب الشيطان بها هذه الحبالة؟ وصرنا نشكو هذه الحالة! والله ما دخلت هذه الكلمة بلدة إلا صبّت عليها الذلة، ونسخت عنها الملة، ولا رضي بها أهل بلدة إلا جعل الله الذل لباسهم وألقى بينهم باسهم!!
هذه نيسابور، منذ فشت فيها هذه المقالة، في خراب واضطراب، وأموالها في ذهاب وانتهاب، وأسواقها في كساد وفساد، وأسعارها في علاء وخلاء، وأهلها في بلاء وجلاء، يفتنون في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون.
وهذه قهستان،منذ فشت فيها هذه المقالة، جعلت مأكلة الغصص، ونجعة الأكدار، ولحمة السيف، ومزار السنان، مرّة يهدم سورها، ومرة تنهب دورها، وتارة تقتل رجالها، وأخرى تهتك حجالها!
فالشيطان لا يصيد هراة صيدا، وإنما يستدرجها رويدا.
وهذه الكوفة مما اختط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وما ظهر الرفض بها دفعة، ولا وقع الإلحاد فيها وقعة، إنما كان أوله النياحة على الحسين بن عليّ ـ رضي الله عنهما ـ وذلك ما لم ينكره الأنام، ثم تناولوا معاوية، فأنكر قوم وتساهل آخرون، فتدحرجوا إلى عثمان، فنفرت الطباع، ونبت الأسماع، وكان القِراع والوقاع، حتى مضى ذلك القرن.
وخلف من بعدهم خلف، لم يحفظوا حدود هذا الأمر، فارتقى الشتم إلى يفاع، وتناول الشيخين ـ رضي الله عنهما!!
فلينظر الناظر أيّ زند قدح القادح، وأي خطب بلغ النائح؟!
لا جرم أن الله تعالى سلط عليهم السيف القاطع، والذل الشامل، والسلطان الظالم، والخراب الموحش، ولما أعد الله لهم في الآخرة شرٌّ مقاماً.
وأنا أعيذ بالله هراة أن يجد الشيطان إليها مجازا، وأعيذ الشيخ الرئيس ألا يهتز لهذا الأمر اهتزازا يرد الشيطان على عقبه).
فهذا بديع الزمان يبين أن عضد الدولة مع ما أوتيه من قدرة وسلطان، عجز أن يصلح [قم والكوفة]، لما فسدتا بالتنازع بين السنة والشيعة! وهمّ أن يسبي ويفرض الجزية على من لم يصل التراويح. وتركها علامة الشيعة، لأن التراويح من فعل عمر.
ثم يذكر أن صبيا في هراة، كان ينشد:
إن محمدا وعليّا لعنا تيما وعديّا
وهما قبيلتا أبي بكر وعمر، وذلك ليشفوا صدورهم بالكناية إذ عجزوا عن التصريح.
ثم ذكر حال البلاد التي تشيع فيها هذه المقالة من فساد وانتهاب، ووصف ذلك أبلغ وصف.
ثم ذكر أن الرفض بدأ في الكوفة بالنياحة على الحسين، وهذا أمر هين...
ثم تدرج بتناول معاوية، فرضي قوم وسخط آخرون..
ثم تدحرجوا إلى عثمان، فنفرت الطباع، وكان الصراع والوقاع!
ثم ارتقى السب إلى الشيخين أبي بكر وعمر، فكانت الطامة الكبرى.
وبعد ذلك حرض الشيخ الرئيس أن يحسم هذا الأمر، وأن يحمي هراة من هذا الصدع.
أسأل الله أن يجنبنا سوء الجدل، وأن يوفقنا لحسن العمل، وأن يرينا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل؟
محمد عرفة
عضو جماعة كبار العلماء
الشيخ محمد عرفة
عضو جماعة كبار العلماء في مصر

