القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/العدد السابع والأربعون جمادي الأولي 1428هـ


عودة إيران لحراسة الجيران الدكتور الأحمري يقول: إني أعلم ما لا تعلمون خدعة التحليل السياسي معضلة رؤية الأحمرى!!

الأرشيف

خدعة التحليل الانتقائي و المجتزأ للأحداث

Share |
تعقيبا على الدكتور الأحمري: التحليل الانتقائي و المجتزأ أكثر خداعا
علي حسين باكير
نشر هذا المقال بشكل مختصر في موقع الاسلام اليوم بتاريخ 21-8-2006
 
ترددت كثيرا في البداية قبل كتابة هذه التعقيبات على الحوار الذي اجراه الأخ عبدالله الرشيد في موقع (الإسلام اليوم) مع الدكتور محمد حامد الأحمري، و منبع التردد هذا سببه أنّي لم أرد ان أكتب ردّا بقدر ما هو تعقيب في حقيقة الأمر على ما ذكره الدكتور الفاضل في حواره. فمسألة الردود هذه الايام يفسرها البعض على انّها نوع من التحدي و السجال الذي يدخل فيه المنطق الشخصي للأمور و لا فائدة و لا طائلة منه سوى الرد و الرد المضاد مع عدم الخروج باستنتاجات مفيدة للقارئ.
 و تلافيا لحصول ذلك و كي لا يفهم القارئ انّنا في "حلبة مصارعة"، اخترنا كلمة تعقيب و ليس ردّا لكي تعبّر عن مضمون و محتوى مقالنا بشكل أفضل.
قرأت في البداية مقال الدكتور الأحمري الذي جاء بعنوان " لأن الدين لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن السياسة و الاّ فانه سيتحول في هذه الحالة الى مجموعة من الأحكام الفقهية و الحركات و العبادات فقط و هذا ما و حاصل للاسف في العديد من البلدان الاسلامية.خدعة التحليل العقديّ للأحداث" و قد أعجبني كثيرا و أتّفق معه على كثير ممّا جاء فيه بل اني لأزيد عليه فأقول انّ هناك طائفة من العلماء و المفكريين المسلمين التي تعتمد العلمانية الدينية. و لمن لا يعرف العلمانية الدينية نقول له أنّها الوجه الآخر للعلمانية السياسية، ففي حين تدعو العلمانية السياسية و تعمل على فصل الدين عن الدولة (السياسة)، تقوم العلمانية الدينية و تعمل على فصل السياسة عن الدين و بالتالي تأتي تفسيراتها و شروحها فقهية و ليست دينية، و هذا لا يجوز
و بعد اعجابي بهذا المقال، أردت ان اكتب مقالا مكمّلا لما جاء به الدكتور الأحمري بحيث يختصر كل من المقالين التفسيرات التي يقوم بها و يستند عليها مختلف المعنيين من محللين كتّاب أو فقهاء أو سياسيين او كل من هم مسؤولين عن الشان العام و الكتابة فيه.
أردت ن أكتب بكل بساطة عمّا اسميه "أسلوب التحليل  الانتقائي و المجتزء" و هو اسلوب أكثر خداعا من اسلوب التحليل العقدي و أكثر رواجا و أخطر منه، و خطورته تكمن في أنّه أكثر تقبّلا لدى العامة التي لا تفهم التعقديات السياسية او الدينية.
و بينما كنت اعد للمقال، فوجئت بل و صدمت لكثير ممّا قاله الدكتور الأحمري في نصّه الحواري الذي نشر بعد أيام قليلة من نشر مقاله السابق "خدعة التحليل العقدي". فقد استغربت من استخدام الدكتور (ربما عن غير قصد) لاسلوب " التحليل  الانتقائي و المجتزء" الذي أكتب عنه،  و للمفارقة، فانّ هذا الأسلوب هو اسلوب مشابه كثيرا في نتائجه للتحليل العقدي الذي كان الدكتور قد اسهب في شرحه و تحليله!!
 ماهية التحليل الانتقائي و المجتزأ :
التحليل الانتقائي و المجتزء هو اسلوب يستخدمه العديد من المحللين يقوم على تقسيم الظواهر او الأحداث التي يراها المحلل الى أقسام صغيرة معزولة عن واقعها العام و عن كليّتها و عن المفهوم الشمولي و السياق الذي اتت منه و فيه، فينظر الى الحداث على أنهّا مربعات مفصوله عن بعضها البعض لا علاقة لأحدها بالآخر و لا علاقة لها بما سبقها و لا بما هو لاحق بها.
 و هذا الأسلوب يتيح للمحلل حريّة الحركة في تفسير و تحليل هذا الجزء او تحميله ما لا يحتمل من معاني و مضامين و ذلك عبر ادخال عدد من الادوات الغير سوية فيه كالعاطفة أو الايديولوجية او الانتماء الحزبي او المناخ الشعبي العام و الانفعال الشخصي اوغيرها من الامور العشوائية و التي تفتقر الى مرجع ثابت للقياس.
  وبما انّ معظم المحللين او كلّهم يسعون لكي يثبتوا للقارئ أنّ تحليلهم هو الأسلم و الأصوب (ان لم يكن الوحيد السليم و الصائب) فانّ هذا الاسلوب يتيح لصاحبه امكانية التلاعب بالاجزاء او بتفسيرها كما يشاء، فيما لا يملك صاحب التحليل العقدي او صاحب التحليل الشمولي هذه المساحة من حريّة التلاعب ذلك انّ هناك ثوابت لا بدّ له من الرجوع اليها سواءا كان تحليله صحيحا او خاطئا.
و يحمل هذا الأسلوب من التحليل الانتقائي و المجتزء مصداقية كبيرة على المستوى القصير الأجل، و تعتبر عملية كشفه من الصعوبة بمكان لانّه يعتمد في جزء منه على بعض الادوات الصحيحة التي يتمّ استعامالها في التحليل السليم نفسه، بل و يستند في جزء منه أيضا الى معلومات صحيحة و حقيقية لكي يزيد من التلبيس على العامّة.
الهدف الأساسي لهذا النهج و الأسلوب، اقناع القارئ بوجهة نظر المحلل عبر التضليل، و الهم الأساسي لدى المحلل في هذا الاطار يكون في توظيف المشهد المجتزء في خدمة تحليله و الابتعاد بكشل كبير عن المنطق الشمولي او النظرة الكليّة ليزيد من اقناع الناس بمنطقه.
فعالية هذا الأسلوب تكمن في أنّه صعب الكشف و انّه لا يتم التوصل الى نتيجة بشان صحته أو عدمها الاّ بعد فوات الأوان، كما انّ المحلل يضطر من فترة الى أخرى الى تغيير تحليله لأن الأحداث القصيرة التي يبني عليها  تتغيّر و تتبدّل بسرعة، و هكذا تتراكم التناقضات الى ان تنفجر أخيرا بفضيحة كبيرة ، و هكذا يكون المحلل قد وقع في خطأ فادح جدا اذا لم يكن يعي ماذا يفعل و اهلك معه أقواما. امّا اذا كان يفعل ذلك عن قصد فسيعرف الجميع زيف ادّعائه و لكن بعد فوات الأوان و بعد ان يكون القارئ قد بلع الطعم.
 استخدام التحليل المجتزأ و الانتقائي و نماذج عنه
و هذا الاسلوب أحد اهم الأساليب المتّبعة في وسائل الاعلام الغربية او في مراكز صنع الرأي العام و توجيهه و هو منتشر عندنا في العالم العربي لدى المحللين بشكل كبير منهم من يستخدمه عن قصد و منهم عن جهل. و يستخدم هذا الأسلوب صنفين من الجهات او المحللين:
الصنف الأول: هو صنف يعجز عن فهم أو تفسير التناقضات التابعة او الموجودة ظاهرة معينة او منهج معين فيعمل على تجزأة هذه الظاهرة او الاحداث المتعلقة بها أو بمنهجهها ليسهل له التعليق عليها و تطويعها كما يريد و بالتالي يشيح بنظر و فكر القارئ عن الناقضات و لا يضطر الى شرحها أو تفسيرها و بالتالي كأنها لم تكن.
 الصنف الثاني: هو صنف محترف يعرف تمام المعرفة انّ القراءة الشمولية ليست في صالحه كما انّ الاحاطة بالموضوع أو بالظاهرة او بالحدث و لو حتى قدر المستطاع تضرّ به و بالفكرة التي يعمل على تأكيدها في مقاله او خطابه او نظريته او ما شابه، فيلجأ بالتالي الى الاعتماد على الانتقائية التي تخدم مصالحه و نظريته و تؤكّد تحليله و صحة ما ذهب اليه عند القارئ.
و تكمن خطورة هذ النوع من التحليل في انّه لا ينطلي على العامة أو الغوغاء فحسب بل انّ هراءه ليطال بطريقة أو بأخرى المثقفين و غيرهم من رموز الفكر و المجتمع، و ذلك لأنّ هذا التحليل بالأساس و حتى يخدع العامة يجب أن يكون منسجما مع توجاتهم خاصّة اولئك الذين لا يمكلون مرجعا ثابتا سياسيا او دينيا أو حتى ذاكرة مختزنة من الأحداث يرجعون اليها عند الأزمات او التعقيدات، امّا المثقف فهو امّا ان يوافق على توجه العامة في هذه الحالة فيفقد اهميته الشخصية و رأيه الذاتي و نظرته للامور (كمن ينزل الى مظاهرة ، عندها سيفقد شخصيته الذاتية و سيندمج مع المتظاهرين بل و سيتصرف وفق الارادة الجماعية فيلتغي دوره، و قد يقوم باعمال او يوافق على آراء ما كان ليتبناها لو كان خارج المظارهة.... حاولوا ان تنزلوا و لو مرة في مظاهرة لكي تختبروا طبيعة قولي)، و امّا انّ يعلن اعتراضه على هذا التحليل في وقت يكون فيه العامة أو الغوغاء غير مستعدين لتقبّل مثل هذا النقد و هذا الكلام عن الحقيقة و الشمولية، و سيتّهم هذا المثقف او المحلل بانّه يسعى للفتنة أو بانّه عميل لطرف من الأطراف أو سواء ذلك. و و على الرغم من أنّنا نمر في هكذا حالة الاّ أنني سأختار نماذج من الماضي و اترك للمستقبل أن يحكم على حاضرنا:
 
النموذج الأول (نموذج أتاتورك): وفق التحليل المجتزء و الآني للأحداث كان أتاتورك بطلا اسلاميا و مجاهدا عظيما و فاتحا جديدا يجدد زمن الخلافة و يقيم دعائم الشريعة و يهزم الغرب و اعوانه من الصليبيين و اليهود و قد انساق لهذا التحليل خلق كبير من الناس و من المثقفين مثلا أمير الشعراء أحمد شوقي الذي شبهه بخالد ابن الوليد و من ثمّ بصلاح الدين و معاركه بمعارك الاسلام الكبرى كبدر و بمنهجه منهج الشرع فقال في شعره:
الله أكبر كم في الفتح من عجب         يا خالد الترك جدد خالد العرب
حذوت حرب الصلاحيين في زمن       فيه القـتال بلا شـرع ولا أدب
يوم كبدر فخيل الحق راقصة          على الصعيد وخيل الله في السحب
تحـية أيهـا الغازي وتهـنئة           بآية الفتح تبقى آيـة الحقـب
الجميع يعرف ماذا فعل اتاتورك بعدها، و نحن لا نشبّه اتاتورك بأحد من عصرنا و لكن نقول ما سبب هذه المغالطة الكبيرة التي حصلت؟ أليست القراءة المجتزأة و الانتقائية؟ لو تمّ الاخذ بالصورة الاجمالية لأتاتورك و محيطه و بيئته لتوصل المحلل الى حقيقته منذ زمن، و لكن حتى لو فعل ذلك فعرف حقيقته و قرر البوح بها جهارا، ماذا سيكون موقف العامة و الخاصة منه؟ نتساءل ماذا لو صرّح امير الشعراء في تلك الفترة بعكس ما قاله؟ سيتّهم بأنّه امّا يسعى الى هدم الخلافة او انه عميل لدى هذا الطرف أو ذاك. و نذكّركم انّ الحروب التي خاضها أتاتورك كانت حقيقية و لكن العبرة بالنتيجة النهائية للمشهد المرسوم و الهدف منه و سبب هذا الخطأ الفادح هو انّ العامة كانت ترى في اعمال اتاتورك و حروبه ضد الجيوش الغربية التي هي ايضا عدوة للاسلام و العرب و الترك انتصارا لدولة الخلافة و للخليفة و لم يأخذوا بنظرية الاحتمالات المتعددة و تضارب الاجندات و كانوا ساذجين جدا كاولئك الذين يدافعون عن المشروع الايراني حاليا و أدواته بحجّة أنّ ايران تجابه امريكا أو اسرائيل التي هي عدوة للعرب.
النموذج الثاني و هو أقرب زمنيا (الخميني): عندما قامت ثورة الخميني في ايران ابتهج العامة في الدول العربية قاطبة و وصف الخميني بانه باعث الروح الاسلامية من جديد و أمل الخلافة الضائعة و امل المسلمين و رأت كثيرمن الحركات الاسلامية، الثورية و غيرها من مفكري و مثقفي الامة في الخميني خلاصا مما هي فيه فتطارت اليه في ايران وفود التبريكات و التهاني بدءا من ياسر عرافات و ليس انتهاءا بقادة الاخوان المسلمين و علماء الدين الذين ما فتئوا يهللون و يكبّرون يثنون على الخميني و ثورته في كل كبيرة و صغيرة، و لم يمض وقت طويل حتى تفاجأ أبو عمّار من أنّ أتباع الخميني في لبنان ممّا كانت حركة فتح قد درّبتهم عسكريا و ثوريا للمساعدة بالاطاحة بحكم الشاه، انقلبوا عليه و راحوا يقتلون أتباعه في لبنان بغطاء اسرائيلي و تعاون فاضح معهم (راجع مذكرات شارون)، و من ثمّ فوجئ جمع من قادة الاخوان المسلمين لما ظهرت فضيحة ايران-جيت الى العلن فالجمهورية الاسلامية تشتري الاسلحة الاسرائيلية التي يقتل بها الفلسطينيون لتحارب بها في العراق و تذهب الاموال الى امريكا لتمويل حركات انقلابية امريكا الوسطى و الجنوبية!! فتراجع جمع من الاخوان عما كانوا يروجون للخميني به بعد انكشاف الحقيقة و لكن بعد ماذا؟ بعد ان هلك قوم كبير في هذه الفتنة!! و راح جزء آخر منهم يسوغ و يبرر على قاعدة المصالح.
و لو كانت القراءة شمولية و تعلّم هؤلاء انّ السيد الخميني جاء من فرنسا و بحماية طائرات الـ أف 16 الأمريكية و انّ هناك مصالح مشتركة ليس بالضرورة تكون ظاهرة للعيان و للعامة، لما وقعوا في هذا الفخ و هذه الفتنة. انها القراءة المجتزأة و المتسرعة و الآنية و الانتقائية يا اخوان، و الذي يخضع لها يصبح مجرد "خاروف" يساق هنا و هناك و في النهاية يتبين له انّ الراعي ما هو الا ذئب أخذه الى مكان نائي ليبلعه!!
 
انتقاد حوار الدكتور الأحمري
انّ معظم ما قاله الدكتور الأحمري في حواره ينطبق على هذا الأسلوب و نفترض أنّه استعمله بغير قصد منه او حرصا على عدم ابراز نقاط الخلاف. لكن بدى واضحا انّ دكتورنا الفاضل قد عمل على تجزئة الاحداث و فصلها عن بعضها البعض و هو يستخدم معايير مختلفة للحديث عن نفس الظاهرة.
ففي حين يرفض الدكتور الحديث عن الشيعة ككل يتم اختزاله في واحد فيقول: "وهل الشيعة جماد! و هل هم على صورة واحدة دائماً بلا جغرافيا ولا فكر ولا ظروف تؤثر فيهم؟"، يقوم هو نفسه في الحوار باختزال السنّة عند الحديث عنهم فيقول: "والشيعة أثبتوا عقدياً وعملياً استمرارهم في مقاومة الاحتلال، بينما السنة تخلّوا، وأصبحت حكوماتهم هي التي تمثل مصالح الاحتلال، بينما في العالم الشيعي هناك مواجهة صريحة مع الاحتلال". و هذا معناه انّ الدكتور امّا انّه عتبر انّ السنة هم الحكّام دون الشعوب عندما قال "بينما السنّة تخلوا عن مقاومة الاحتلال" و بالتالي اختزلنا، و يلومنا على حكّامنا الذين لم يكن لدينا اي دور في اختيارهم او توليتهم أمرنا، وهذه بطبيعة الحال مصيبة، و امّا انّه ينفي أن يكون المجاهدون للاحتلال الأمريكي في العراق و من قبله التحالف الدولي في أفغانستان و من قبله الروسي في الشيشان و الصربي في البوسنا و غيره الكثير الكثير في طرد المحتلين و نصرة المظلومين و المستضعفين، ينفي أن يكون هؤلاء المجاهدون من أهل السنّة، و هنا تكون المصيبة أكبر!!.
ثم يحق لنا أن نسائل الدكتور على كلامه هذا فنقول له بكل محبّة و رحابة صدر أين أثبت الشيعة عقدياً وعملياً استمرارهم في مقاومة الاحتلال كما يقول. هل هو في فتوى آية الله السيستاني التي اصدرها في خضم الاعتداء العالمي على العراق و اهله، يدعو فيها الى عدم التعرّض للقوات الغازية، و التي نال على اثرها الشكر و الثناء من بوش و بلير في أول خطاب لهما للشعب العراقي (فلتراجع الوثائق) بعد اسقاط العراق و ضياع اهله و تاريخه و جغرافيته و دينه و عرضه و ماله و ثرواته، أم قيام أتباع آية الله باقتحام الفلوجة ببركة علي و بعد التوكل على السيستاني!!. هل هذا هو الجانب العقدي للشيعة يا دكتور؟ أمّ هو وقوف الجمهورية الاسلامية بقيادة آية الله الخامنئي الى جانب الأصولية المسيحية في الاطاحة بأفغانتسان و العراق، في حين انّ الجمهورية العلمانية التركية رفضت حتى مجرد فتح مطارها للامريكيين!! ام هو في وقوف ايران الى جانب أرمينيا ضدّ أذربيجان؟ او لعله تجاهل الشيشان، لا أعلم أين هو الجانب العقدي و العملي الذي يتحدث عنه الدكتور الأحمري، بل انه لتصيبي الدهشة عندما أعلم انّ الاسرائيليين أنفسهم يعلمون حقيقة اللعبة الايرانية أكثر منّا نحن العرب، اذ يقول تقرير أورده معهد "omedia" البحثي الإسرائيلي مؤخرا بعنوان "إيران في حاجة لإسرائيل" للباحث "زيو مائور"، قاله فيه: "أن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها، بل إنها في حاجة لإسرائيل وتعتبرها مكسبًا إستراتيجيًا هامًا حتى تظل قوة عظمى في المنطقة ولدعم مكانتها الإقليمية ولنشر مبادئ الثورة الإسلامية الإيرانية، و أنّها تستخدم اسرائيل ذريعة لتحقيق أهدافها".
و الأنكى من ذلك انّ الدكتور يستعمل فيما بعد اسلوب التبرير في فضيحة ايران-كونترا فيقول " إن قصة (إيران كونترا) لها تفسيرها الواضح، فهما بلدان في حرب، وهناك نقاط مصالح ومواجهة سمحت بتبادل أسرى مقابل سلاح.." لا نعلم معيار هذا المنطق، و هو نفس المنطق الذي يستخدمه اصحاب التطبيع فيما يتعلق بعملية السلام مع اسرائيل فيقولون انّ المصالح تفرض بنا اجراء عملية سلام بدلا من ان يتم تدمير اقتصادنا و شعبنا و ما الى هنالك في حروب لا طائل منها، و يدافعون عن التحالف مع امريكا بالقول انها الدولة العظمى الوحيدة في العالم و لا فائدة من مواجهتها، أليست هذه مصلحة ايضا؟!!
و قد ذكر الدكتور في مسألة الوقوف مع حزب الله "أنّه لو كان هؤلاء مجموعة وثنية واغتُصبت أرضهم، وقُتلوا بأيدي الظالمين لكان الحق على الناس (أي علينا) نصرة المظلوم"، فأقول انّ مسألة الوقوف الى جانب المظلوم و المستضعف امر واجب، و لكن ما صعقني هو عدم تطبيق الدكتور لنفس المبدأ على الشيعة، فعندما سأله المحاور عن شيعة العراق و كيف ساهموا باسقاط دولهم عبر التعاون مع المحتل قال مبررا بطريقة غير سوية " أولاً الشيعة مثلوا حالة تحرير للعراقيين من صدام وهي قضية كبيرة بالنسبة لهم..."، أي حالة تحرير يا دكتوري؟ اللهم الاّ اذا كنت ترى ما يجري اليوم تحريرا، و من ثمّ فلنفترض انّ الشعب العراقي شعب كافر و وثني و حاكمه لا يصلح لشيء، فبأي منطق و أي عقيدة و اي مصلحة يقف هؤلاء الشيعة الى جانب الأمريكي في الاطاحة بشعبهم أولا و بدولتهم و بحضارتهم و أين الجانب العقدي يا دكتور لذي تتحدث عنه لدى الشيعة؟ لا نريد الجانب العقدي، ماذا عن الجانب الأخلاقي؟!!
ثمّ يحاول الدكتور أن يفصل ما يقوم به شيعة العراق عن حزب الله، و هو من ناحية المبدأ محقّ في هذا، فيقول: " أي إنسان لديه نسبة من الوعي يستطيع أن يفصل بين ذلك، فهذا بلد وهذا بلد، وكل حالة تُناقش وحدها، وكل موقف يُتّخذ المناسب معه"، و لكن طالما انّ هذا بلد و هذا بلد لماذا يقوم حزب الله و بكل كوادره و قيادته بوصف المجاهدين في العراق و في كل مكان في العالم "باتثناء فلسطين لمصلحة ذاتية" بأنهم مرتزقة او عملاء لأمريكا و الموساد، و انّ المقاومين في العراق هم امّا تكفيريون و امّا صدّاميون "و الكلام موجود"، بماذا يفسر الدكتور ذلك؟! أم انّه يريدنا ان نرى الأحداث بعين واحدة كي تستقيم قراءته لها عندنا؟
و يبدو انّ حتى ايران لاتوافق على فصل ما يجري و على قول الدكتور الأحمري هذا بلد و هذا بلد. فهذا حجّة الاسلام علي أكبر محتشمي بور يكشف مؤخرا عن سر لصحيفة ((شرق)) الإيرانية ونشر حديثه في جريدة ((الشرق الأوسط)) بتاريخ 5/8/2006 يقول فيه:  ((إن علاقة حزب الله مع النظام الإيراني أبعد بكثير من علاقة نظام ثوري بحزب أو تنظيم ثوري خارج حدود بلاده، بحيث يبدو الحزب وكأنه جزء من مؤسسة الحكم في إيران، وعنصر أساسي في مؤسسته العسكرية والأمنية))، ((ان جزءاً أساسياً من خبرة حزب الله العسكرية يعود إلى مشاركته في القتال مع الحرس الثوري الإيراني ضد الجيش العراقي خلال حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق، بحيث كان رجال الحزب يقاتلون ضمن صفوف قواتنا وبشكل مباشر))!! طالما انّ هذا بلد و هذا بلد فماذا يفعل حزب الله في ايران؟ و لماذا يحارب العراق طالما انّه لبناني؟ بل و لماذا لا يصمت على الأقل فيما يتعلّق بالمقاومة العراقية حاليا بدلا من أن يشوهها و ينال منها.
و اذكر الدكتور الأحمري انّ القراءة المجتزأة الخاصة بنا جعلتنا نعتقد فعلا انّ فيلق بدر و من على شاكلته ممن نشأ في ايران هم فعلا ضدّ امريكا و اسرائيل، ألم يكن فيلق بدر و من على شاكلته يدعون ليل نهار بالموت لأمريكا و اسرائيل و الشيطان الأكبر و الأصغر، و من ثمّ بليلة واحدة انقلب الأمر و أصبحوا يسبّحون بمجده و حمده!! سبحان مغيّر الأحوال، أليس باستطاعة من يغيّرها في العراق أن يغيرها في مكان آخر خاصّة انّ المراجع هي نفسها و أنّ الآيات هم نفسم؟!
و كم كنت اتمنى ان نستفيد من قدرات الدكتور الاحمري كعلم من أعلام الثقافة الاسلامية، في أن يطرح لنا مشروعا مع غيره من المفكرين للخروج من هذا المأزق الذي نحن واقعون فيه، بدلا من أن ينصحنا ان لا نعادي ايران او نتحالف مع أمريكا ، و كأنّ قدرنا هو أحد الخيارين و ليس لنا سواهما.
 
 
مقبول ممتاز
عدد المصوتين : (3) قيمة التصويت : (3.67)