جولة الصحافة
مولد السيد البدوي
مولد السيد البدوي
بقلم : السفير/ فرانسيس ريتشاردوني ... سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة
صحيفة السفير العربي 28يوليو 2006
وفي النهاية عاد الجميع إلى بيوتهم حاملين ذكريات جميلة عن إحدى عجائب الدنيا المبهرة وجرعة جيدة من الإيمان وحقيبة من الحلوى والمكسرات.
هذا المشهد لم يحدث في مدينة "بايبل بيلت" الأمريكية بل في عاصمة محافظة الغربية في وسط الدلتا على بعد مسيرة ساعة بالسيارة من القاهرة. فعلى مدارأكثر من سبعمائة عام، استضافت مدينة طنطا أشهر "موالد" مصر، علماً بأن "الموالد" هي احتفالات بأعياد ميلاد الصالحين. ومعظم هؤلاء الصالحين من المسلمين ولكن بعضهم أيضاً من المسيحيين، وقلة من هؤلاء الصالحين يحظون باحترام وتقدير الجميع. وفي المسجد الذي تم تشييده بالقرن التاسع عشر في طنطا يقبع مقام من البرونز اللامع تحيطه هالة من الورع وهو مدفن "أحمد البدوي"، الصوفي المغربي الذي جاء إلى هنا بعد ستة قرون من وفاة الرسول محمد. ومع ذلك يعتقد بعض العلماء أن مولد السيد البدوي يرمز إلى تقليد شعبي يرجع إلى عصر الفراعنة كما أن كثير من المسلمين يشككون في القيمة الروحية لهذه "الموالد". ومع ذلك فبالنظر إلى تهافت الكثيرين على التمسك بهذه الاحتفالات الشعبية المصرية، نجد أن رجال الدين والدولة يتقبلونها بل ويشاركون في الابتهاج بها.
وسواء كان مولد السيد البدوي يلقى قبولاً أو رفضاً دينياً،فهو بالتأكيد موسم ترفيهي مربح. فهؤلاء الذين ينظرون له كبدعة دينية يصدقها بعض القرويين السذج يشيرون إلى أن المولد يقام وفقاً للتقويم الشمسي القديم وليس وفقاً للتقويم القمري الإسلامي. أما ما يسعد تجار طنطا ولاعبي الأكروبات والحواة فهو أن المولد يأتي كل عام في موسم حصاد القطن، أي عندما تكون جيوب الفلاحين ممتلئة. ويبدأ الناس في التوافد مبكراً، أي قبل ستة أيام من يوم الجمعة الذي هو يوم المولد وفقاً لما تحدده السلطات الدينية والحكومية. ويقول أهل طنطا أن نحو مليوني شخص يتوافدون على مدينتهم وأن نحو أربعمائة ألف من هؤلاء يتوافدون من جميع أنحاء مصر ومن خارجها وينصبون الخيام في الأزقة أو يعسكرون في مسجد السيد البدوي.
وفي ساحة المهرجان في الجهة المقابلة للمدينة ينصب أتباع نحو 30 طريقة صوفية خيامهم. وتحيط الخيام "بالعامود" المزين بالمصابيح حيث يعسكر رواد المولد أو يتبعوا المسيرات طالبين "البركة". وفي الليلة الأولى يرحب شيخ الدائرة المحلية بالزوار ويدعو لهم بدوام الخير طوال العام ويصر على تشريف الأخوة باحتساء الشاي معهم. والزوار في العادة كثيرون لأن هذه ليالي مصالحة حيث يجلس الشيخ ليفصل في النزاعات العائلية والتجارية مشجعاً الجميع على التحلي بروح الكرم اقتداءً بتعليمات الله والرسول. وفي وقت لاحق يقود الشيخ إخوانه في تلاوة القرآن ونظم المديح في مؤسس الطريقة، ويتحلق الرجال في دائرة ويبدأون في التمايل بالنصف العلوي من أجسادهم وهم ينشدون ويدورون بينما تتابع النساء والأطفال المشهد.
وخلال الأسبوع، وحتى يوم الخميس "الليلة الكبيرة" يتوافد كبار المشايخ الصوفيين من كل صوب وحدب، ويترقب الأخوة بشوق زيارةالشيخ الأكبر للطرق الصوفية في مصر.
ويقول أهل طنطاأن نصف الحمص الذي يتم استهلاكه في الجمهورية يباع هنا أثناء المولد. كذلك يشهد هذاالموسم بيع أطنان من الحلوى و"السمسمية" التي تباع أشهر أنواعها لدى محل "مرزوق" بالقرب من وسط ميدان "الساعة"، كذلك يشتهر المولد بالفطير البلدي الذي يُقدّم مع الزبدة والعسل.
ولا يحظى مولد السيد البدوي بدعاية لجذب السائحين الغربيين الذين نادراً ما يتواجدون في هذا الحدث.
قد يكون مشهد التزاحم الشديد مهيباً لكن الحقيقة أن هذه الاحتفالية التي تسودها روح العائلة تحمل في جوهرها روح الترفيه النقي لا التعصب، فهؤلاء المشاركون في الاحتفال ليسوا متعصبين بل مصريين لا يرون ضرراً في السعي لبركة الله. وأحياناً تشاهد سيدات غربيات يرتدين ملابس ملائمة وفي صحبة بعض الرجال بدون أن يواجهن أي مشاكل، ولكن الأطفال الصغار قد يتعرضون لبعض المخاطر نظراً لتزاحم البشر، أما السيارات فهي تصلح فقط للوصول إلى وسط طنطا ولايمكنها الوصول بسهولة إلى منطقة الاحتفال بالمولد أو المسجد خاصةً في الليالي المزدحمة. ولحسن الحظ، فإن موقع محطة القطار على خط القاهرة-الإسكندرية مناسب للوصول إلى كلا الموقعين. وما لم يكن الزائر ضيفاً على أحد أهالي طنطا فمن الأفضل أن يذهب إلى طنطا – من القاهرة أو الإسكندرية – في وقت الغروب خلال نصف الأسبوع حيث لا يكون الزحام شديداً وأن يبقى هناك طوال الليل كيفما شاء، وأن يعود مرة أخرى؛ بعد قسط من الراحة؛ للمشاركة في موكب يوم الجمعة.
أما ذروة المولد فهي عقب صلاة الجمعةحينما يمتطي سليل "السيد" أو "الخليفة" الحصان ليقود الموكب الذي ينطلق من أحدالمساجد القديمة المجاورة ماراً بالمدينة حتى يصل إلى المسجد الذي يضم ضريح "السيد" ووورثته الأوائل، وقد يحضر هذه المراسم بعض الشخصيات الرسمية الهامة كوزير الأوقافوالمحافظ نفسه. ويتضمن الموكب خيول وجمال وعازفي الموسيقى من كل نوع وقارعي الدفوفالكبيرة التي صنعها – خصيصاً للمولد - عجوز شهير بمحافظة المنوفية القريبة وهيمصنوعة من جلد الحمير المشدود على اسطوانات خشبية. ثم يأتي الصبية الصغار الذين تمتطهارتهم في أسبوع المولد وهم يرتدون الملابس البيضاء الزاهية. وفي ختام الاحتفال،يدخل "الخليفة" مسجد "السيد" وتغلق الأبواب الضخمة خلفه.ولا يمكن أن يفكر أيمصري في مغادرة المولد بدون "حمّص" بل إن هناك مثلاً شعبياً يستخدم هذا التعبيركناية عمن يفشل في الحصول على أدنى قدر من الاستفادة من مشروع ما. احتشد أهل القرية في الساحة وتزاحموا لمشاهد الساحر وهو يقوم بألعابهالسحرية فيرفع السيدات السمينات في الهواء، ولمتابعة مروضي الأسود ولاعبيالأكروبات، وللنظر إلى البقرة ذات الخمسة أرجل ضمن غابة من المصابيح المضيئة، بينماارتدى الصبية القرويين "قبعات" ورقية عليها صور لأشهر "المطربين" وراحوا يحدقون فيحلوى "غزل البنات" و"عرائس المولد" المعلقة في كل مكان. أما المتدينين فقد تجمعوافي الخيام ليؤدوا الصلاة.

