القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/العدد الثالث والثلاثون - ربيع الأول 1427 هـ


التجمعات الشيعية في المنطقة العربية- 7- الغزو الشيعي لفلسطين

الأرشيف

مواقف المفكرين - 18- الدكتور: عمر عبد الله كامل

Share |

مواقف المفكرين - 18-

هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
وهذه الحلقة هي في الأصل مقالان كتبهما د. عمر عبد الله كامل ، وهو من زعماء الصوفية المعاصرين في العالم ، وهو سعودي الأصل وقد نشر هذين المقالين في مجلة التصوف الإسلامي والتي يصدرها المجلس الصوفي الأعلى في مصر، العدد 303، 304، سنة 2004 م .   الراصد
حوار مع أفكار الشيعة
 الدكتور عمر عبد الله كامل
 
في هذا المقال.. أحاور أهم أفكار الشيعة معتمداً على القرآن الكريم والأحاديث الواردة في فضل آل البيت على ألسنة الصحابة من كتب السنة، واعتمد على العقل كذلك في الحوار، ويظهر من هذا الحوار تهاوي فكرة البغضاء بين آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه.. وأنها أكذوبة مدسوسة على المسلمين انتفع بها ذوو النوايا السيئة.
الآيات الواردة في فضل الصحابة من القرآن:
في سورة الفتح وردت آية {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} (الفتح: 29).
في هذه الآية مدح الله سبحانه وتعالى محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه فمن هم الذين معه؟ أليسوا آل البيت وزوجاته وصحابته؟ وهل يمدح أناساً يعلم أنهم سوف ينقلبون على أعقابهم؟ فالمقصود في هذه الآية هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا سؤال نوجهه إلى مبغضي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يرضى مبغضو الصحابة أن يكونوا في صف واحد مع الكفار؟
والجواب ما قاله الإمام مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية: {محمد رسول الله..} إلى قوله {ليغيظ بهم الكفار}.
قد يحتج عليّ ويقال: ما هو تعريف صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأقول: لقد اختلف الناس في تعريف من هم الصحابة؟ ولكن المقطوع به بشكل لا يختلف عليه المسلمون أنهم المهاجرون والأنصار، وعلى رأسهم أهل بدر وهذا ما ورد في الآية: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} (التوبة: 100) وذكر الله سبحانه وتعالى فيها السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
 فمن هم المهاجرون والأنصار، فمن هم المهاجرون السابقون إذا لم يكونوا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً؟ هذا أمر لا خلاف فيه، فهذه الآية تثبت رضى الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين، وإذا رضي الله عن عبد فلن يغضب عليه أبداً، فما بالك إذا كانت الشيعة تنازعنا فيمن حضروا بدراً والعشرة المبشرين بالجنة ومنهم: أبو بكر وعمر وعثمان.
فأي وهم تقودهم إليه أهواؤهم بعد هذه الآية؟ {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} (التوبة: 117).
وفي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى أنه تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، ومنطوق هذه الآية والصيغة التي وردت بها "لقد تاب" فأمر التوبة بالنسبة للصغائر وما يحدث للإنسان بحكم بشريته من خوف وجزع وقلق عند تأخير نصر الله وما شابه ذلك من مستلزمات الطبيعة البشرية الضعيفة، كل هذه الأعمال تاب الله على النبي وعلى المهاجرين والأنصار منها بمنطوق هذه الآية.
فإذا استنكرتم على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى أجلاء الصحابة أن ترددهم في صلح الحديبية وهم يرون إصرار قريش على أن يمحو اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصر على أن تثبت محمد بن عبد الله فقط، وقد استنكر سيدنا علي بن أبي طالب بل كتبها ثم محاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاد عقل سيدنا عمر رضي الله عنه أن يتزلزل وهو يرى افتراء قريش، وما عمر بعالم للغيب عن طريق الوحي كرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما إيمان عمر أو أحد من الخلق كإيمان المصطفى صلى الله عليه وسلم الثابت الذي لا يتزلزل، وهو الذي يناجي ربه فإن وجد شيئاً اتبعه.
هذا عن الصحابة الذين تاب الله عليهم فهو موقف اعتزاز بدينهم ، وربهم أعلم بهم فكيف يؤخذ عليهم هذا الأمر؟ ولقد ظل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستغفر الله عن هذه الحادثة حتى توفي، أليس هذا من ورعه؟
وبالرغم من أن منطوق هذه الآية يدل على أن الله تاب على المهاجرين والأنصار الذين كادت قلوبهم تزيغ، ليس هذا وحسب، بل اقرأ آخر الآية حيث أردف سبحانه وتعالى بتوبة أخرى لقوله تعالى: {ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} فالله رؤوف رحيم على الإطلاق، وفي حق الأنصار والمهاجرين بالتخصيص بموجب هذه الآية.
والآية: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} (النور: 22)، وهذه الآية نزلة في قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته، وكان من المهاجرين البدريين، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك، وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فجاء مسطح فاعتذر، فقال له أبو بكر: لقد شاركت فيما قيل ومر على يمينه فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها أبداً.
فهذه الآية تنص على فضل المهاجرين، وأن هجرتهم في سبيل الله، وتنص على فضل سيد الصحابة الصديق ووصف الله سبحانه له بأنه من أولي الفضل والسعة،وأن الله سبحانه قد غفر له.
ثم الآية: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، كان ذلك في الكتاب مسطورا} (الأحزاب:6).
هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى فيها أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ويصف زوجاته بأنهن أمهات المؤمنين، ومنهن السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق، حتى وإن اجتهدت في الخروج في موقعة الجمل فهي أمنا، فقد استبانت الحق وندمت على ما فعلت، وتمنت أن يكون لها عديد من الأبناء استشهدوا في سبيل الله، ولم تطع ابن الزبير في مخرجها ذلك.
وهذا علي رضي الله عنه يقول عن السيدة عائشة: خليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول أمير المؤمنين ذلك في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما، ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ. فعن عمارة بن عمير، عمن سمع عائشة إذ قالت: (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبلل خمارها.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أنه سيكون بينه وبين عائشة أمر، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: "إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها".
أما الآية: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر: 8)، ففي هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم لنصرة الله ورسوله ويصفهم بأنهم الصادقون. أبعد وصف الله تعالى لهم بالصدق يأتي من يشكك فيهم؟ ألا تقف هذه الآيات (وهي في كتاب الله القرآن الكريم الذي نتعبد به) مانعاً عن الخوض في خير أمة أخرجت للناس؟ فقد مدحهم الله سبحانه وتعالى بأنهم خير أمة لقوله سبحانه: { كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران:110) فلم يشرك معهم أحداً في هذا الفضل والإحسان.
ألم يسمع أولئك قول الله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} (الأنفال: 72)، وكذلك قوله تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} (الأنفال: 74)، وفي هذه الآيات يصف الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار بأنهم المؤمنون حقاً، أبعد ذلك تشككون فيهم؟ ألم تقرأوا في هذه الآيات أن بعضهم أولياء بعض، فما معنى أولياء بعض؟ أيتولى المسلم المنافق إن كنتم تزعمون فيه نفاقاً أو فسوقاً، فكيف هذا؟ أيستقيم ذلك مع العقل السليم، والنص الثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
ألم تسمعوا قول الله سبحانه وتعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} (التوبة: 40)، ألم تنزل هذه الآية في سيدنا محمد وصاحبه أبي بكر، ما رأيك في اثنين الله ثالثهما؟ ألا تكفي هذه الآيات في فضل أبي بكر رضي الله عنه؟
ومن هؤلاء من اتهم كبار الصحابة رضوان الله عليهم بالردة استناداً إلى قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} (آل عمران: 114)، فهذه الآية نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد، وظن بعضهم أن رسول الله قد قتل، فقال المنافقون للمسلمين: إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به فأنزل الله هذه الآية.
قال القرطبي: "فهذه الآية من تتمة العتاب من المنهزمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد". وقال أيضا: "هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدهما: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم فظهرت عندها شجاعته وعلمه".
فهذه الآية التي يستدل أعداء الصحابة على أنهم ارتدوا وانقلبوا على أعقابهم، تدل على فضلهم، لأنهم ثبتوا معه صلى الله عليه وسلم ودافعوا عنه... حتى ولو قلنا بأنها تتعلق بالمنهزمين والرماة الذين خالفوا أمر الرسول، فإن الله سبحانه قد تاب عليهم وعفا عنهم، فقد نزل بعد هذه الآية قوله سبحانه: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} (آل عمران:152).
نأتي إلى العقل
فبالعقل عرفنا الله سبحانه وتعالى، والقرآن لا يزال يكرر: "لقوم يعقلون" و "لقوم يتفكرون" و "لقوم يفقهون"... الخ وكل هذه العبارات تدل على إعمال العقل، فلنناقش دعاواهم بهدوء مستخدمين الحوار العقلي المجرد.
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم تؤمنون بعصمة الأئمة الاثنى عشر وأنهم منزهون عن الخطأ، أفلا تؤمنون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ؟!
لقد كان الهدف من العصمة هو إبلاغ الرسالة على أتم وجه. أما آل البيت والصحابة الذين استقاموا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فهذه منقبة تحمد لهم بأن استقاموا وليسوا معصومين، فانتصارهم على النفس جهاد أكبر.
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ليسوا معصومين من الآثام، فإن العصمة لا تجب لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجب لأحد عند أهل السنة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما هم محفوظون عن أن تجرح الذنوب في عدالتهم الثابتة، فإذا بدرت منهم هفوة بمقتضى البشرية بادروا إلى الإقلاع والتوبة عن تلك الزلة وتلافيها بالانقياد لإقامة الحد عليهم إن كان، وبمحاسبة النفس وتقريعها والاستكثار من الأعمال الصالحة، حتى أن الزلة ربما تكون سبباً لعلو درجاتهم ورفعة مقاماتهم عند الله تعالى.
وإن كان للأمة من فضل فإنما هو بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن لا نشك في أن لهم فضلا، ولكن هذا الفضل بسبب قرابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم اختاره الله من الخلق جميعاً، واختار له الأمهات والآباء الذين تسلسل منهم فكان خياراً من خيار، وما افترق الناس فرقتين إلا كان في خيرهما، واختار الله سبحانه وتعالى له أصحابه وآل بيته، فكما أن فضل الأمة مرتبط بفضل أنبيائهم فكذلك آل البيت والصحابة، ومادمنا نؤمن بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ، فكيف يخطئ في اختيار أصحابه إليه وأدناهم منه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين وأهل بدر. أيجوز أن يخطئ في الاختيار؟ خصوصاً وأن هذا الأمر يترتب عليه أمر ديني فهم الناقلون عنه صلى الله عليه وسلم وهم المعايشون له، أفيخطئ بعد ذلك في انتقائهم ويوهم الأمة بفضلهم، إن لم يكن لهم فضل؟
حاشا أن يفعل ذلك، وحاشا أن يوقعه ربه في الخطأ، ليس هذا وحسب بل لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخير لنطفتنا، أفنشك في أنه تخير لنطفته صلى الله عليه وسلم في اختياره لزوجاته كلهن رضوان الله عليهن، فيظهر من يشككون في عدالة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعاً ويتزوج بناتهم ويزوج عثمان ذا النورين، ويكرر الخطأ مع نفس الأشخاص الذين تكرهونهم وهو القائل: "إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي".
ثم ما بالكم ترون في عمر رضي الله عنه ما ترون وقد زوجه علي بن أبي طالب كرم الله وجهة ابنته فإن لم يكن كفأً ما كان علي كرم الله وجهه أن يزوجها له وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم، فأين عقولكم؟؟
ألم تسمعوا قول الله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} (الأنفال: 57)، أليسوا ذوي رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتراه قاطعها وهو صلى الله عليه وسلم خيرنا لأهله.
ولتقرأ هذه الآية من سورة الحديد: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} (الحديد: 10)، فهذا وعد الله سبحانه للسابقين الأولين وللذين أسلموا بعد الفتح، فقد وعد الله سبحانه الفريقين الحسنى، وهي الجنة؟ فما هو موقف أعداء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآية؟!
 
يوم الرزية
لقد ذكروا يوم الرزية حيث كان الصحابة مجتمعين في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب الرسول أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا، ومنعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. " قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كلام الله، فاختلف أهل البيت واختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عني".
ونحن نرى أنه شفقة بمرضه صلى الله عليه وسلم منعه رضي الله عنه، وأنتم تقولون أن عمر رضي الله عنه قال: إن النبي كان يهذي، وحاشا لله أن يصدر ذلك من عمر، وهو الذي ظل يتأسف عن يوم الحديبية إلى أن توفي، فكيف تصدر هذه اللفظة من سيدنا عمر بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول كما قال الله عز وجل عنه: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" (النجم:3ـ4).
وقد تكلم العلماء على الحديث بما يشفي العليل ويروي الغليل، وقد أطال النفس في الكلام عليه محيى الدين النووي في شرح مسلم وأتى فيه بنفائس، فرأيت أن أنقله مع اختصار له.
قال رحمه الله تعالى : "اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، ليس معصوما من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شرعيته.
فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي همَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن، وقيل: أراد كتابا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر أن هناك مصلحة أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
وأما كلام عمر ـ رضي الله عنه ـ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وسلم أمورا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" (الأنعام: 38) وقوله "اليوم أكملت لكم دينكم" (المائدة:3) فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه، قال البيهقي: ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى: "بلغ ما أنُزل إليك".
وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر دليل على استصوابه، وقال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك كما همَّ بالكتاب في أول مرضه حين قال: وا رأساه ثم ترك الكتاب وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة.
ومن المؤسف ما صدر عن أحد دعاتهم المعاصرين حيث رمى سيدنا عمر بن الخطاب بالجهل مستندا في ذلك إلى ما ذكره البخاري (على حد زعمه) أن رجلا لم يجد ماء فقال له عمر: لا تصل، وكأنه لا يعرف شيئا عن التيمم، كما أن امرأة سألته عن الصداق فقال: لا أدري، ويستنتج من ذلك أنه جاهل، فكيف يتجرأ هذا وأمثاله على رجل من أكابر تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتهمه بالجهل! فأين هؤلاء من فقه عمر؟
بل إنه ينكر حديث: (لو كان نبي بعدي لكان عمر)، أما قول عمر رضي الله عنه: (لولا علي لهلك عمر) فهو من تواضعه وعرفانه لأهل الفضل، وأنه كان دائم التقدير لسيدنا علي كرم الله وجهه، مما ينفي بغضه لعلي (الذي يدعيه هؤلاء) بل إنه كان يقدره ويستشيره ويستنير بآرائه.
جيش إسامة
ومن جانب آخر ذكروا أن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة بن زيد أميرا للجيش، فبلغ ذلك الرسول صلى الله عيه وسلم بعد حادثة الرزية المزعومة بيومين، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم يتكئ على شخصين حتى صعد المنبر، وقال: "أيها الناس ما مقالة بلغت عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن ضقتم في تأمير أبيه من قبل، وأيم بالله إنه كان خليقا بالإمارة، ,وإن ابنه لخليق بها".
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر: "يبعث رسول الله بعثا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليًّ، وإن هذا لمن أحب الناس إلىَّ بعده".
ففرق بين هذه الرواية الثابتة الصحيحة: أن بعض الناس طعن في إمارته، وبين دعوى السماوي الرافضي أن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة، والذين انتقدوا إمارته هم المنافقون وبعض الصحابة، "وممن تكلم في ذلك عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فخطب بما ذكر (الحديث) فأين هذا من التهويل الذي يدعيه الرافضي السماوي؟!!.
ولما تمت البيعة لأبي بكر بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أمر أبا بكر بإنفاذ بعث أسامة إلى الشام وتحقيق وصية النبي صلى الله عليه وسلم، رغم الحاجة إلى جيش أسامة بوقوع الردة.
روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عقد لي لواءً في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس، فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيته يوما، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده علىَّ ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له ففعلت".
وقد قام الصديق بتشييع أسامة ماشيا، وأسامة راكب.. وأوصاه وصيته التاريخية المشهورة بأسمى مبادئ المدنية والحضارة. ونجح أسامة في مهمته، وعاد بجيشه سالما غانما إلى المدينة، ولما سمع المسلمون بقدومهم، خرج أبو بكر مع المهاجرين، وخرج أهل المدينة حتى العواتق وسروا بسلامة أسامة ومن معه.. وفي هذا الاستقبال الحافل ردد الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها".
ومرة أخرى نتساءل كيف يتحامل الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسه حتى يصل المنبر ويثبت تأمير أسامة؟ فهل تأمير أسامة أهم للمسلمين من أمر الخلافة إن كان سيوصي بها لعلي؟ فلماذا لا يذكر صلى الله عليه وسلم صراحة خلافة علي كرم الله وجهه من على المنبر على رؤوس الأشهاد؟ فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يكتب كل أحاديثه وإنما كان ينطقها شفاهة، ونقلت لنا من الصحابة رضوان الله عليهم هكذا، فإن لم يكتب تلك الوصية وإن كانت كما تزعمون أنها خاصة بخلافة علي والأئمة الإثنى عشر، ما كان ليكتمها صلى الله عليه وسلم وهو الذي نزلت عليه الآية: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" (المائدة:67).
فهل يسع الرسول إلا أن يبلغ هذا الأمر وهو مأمور من ربه وهو الصادق الأمين، والذي نشهد له بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، أيخشى نفرا من الناس ويكتم الحق؟.
حاشاه صلى الله عليه وسلم، فما عمر وما الناس جميعا بمانعيه عن إبلاغ الرسالة، والله سبحانه وتعالى يقول في هذه الآية: "والله يعصمك من الناس" فقد كان الله قادرا على أن يخسف بعمر وغيره إن أراد الوقوف في وجه الرسالة فأين عقولكم؟ ثم إذا حاولتم بجدل أن تثبتوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يترك الأمة بدون أن يحدد لهم طريقة الخلافة، فهل تشهدون عليه بالعجز عن تبليغ الرسالة؟ لا والله لا يكون هذا! وإنما لقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهذا الدستور الخالد القرآن الكريم ينظم أمر الحكم، فأمرهم شورى بينهم قاطعة النص، فقد تركهم لنظام متكامل لشريعة خالدة بصحابة علماء يهمهم من أمر المسلمين كل شيء.
ونجدهم يزعمون:
"أن الله طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاور في الأمر لحكمة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك يستشف من أحوال الصحابة الكاذب من الصادق والمنافق من المؤمن".
فهل الرسول صلى الله عليه وسلم يخفى عليه من هذه الأمور شيء، وهو الذي لم ينقطع عنه خبر السماء حتى يحتاج إلى أن يظهرهم بأقوالهم، فهو لم يصرح بكثير مما يعلم من خبايا الناس لأمر التشريع، وإلا لم يكن يخفى عليه حال أحد من الناس صادقهم وكاذبهم، وقد أشارت إحدى الآيات إلى ذلك: قال سبحانه وتعالى: "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم" (محمد: 30).
ألا تشير هذه الآية إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الكاذب من الصادق والمؤمن من الكافر بسيماهم؟ أتدعون لأئمتكم علم الغيب والعصمة وتنكرونها على الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ماذا دهاكم؟ أنسيتم أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التشريع؟ فقد كان ينسيه ربه الصلاة وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه فكيف ينسى الصلاة إلا لغرض التشريع؟ كذلك الشورى ألزمه بها ربه حتى يعلمنا التشاور، وأنه أصل من أصول الدين.
 
مقبول ممتاز
عدد المصوتين : (8) قيمة التصويت : (4.63)