جولة الصحافة
إيران الداخل والثالوث القاتل
إيران الداخل والثالوث القاتل
الوطن العربي – 1/11/2006
على الرغم من أن إيران تعتبر من ضمن الدول المنتعشة اقتصاديا نظرا للثروة النفطية الضخمة التي تدر على خزانتها حوالي مائة مليون دولار يوميا بجانب التطور الكبير في الزراعة والصناعات التقليدية. إلا أن هناك العديد من الظواهر السيئة غير المفهومة مازالت تسيطر على البلاد بدءاً من الفقر والبطالة، مروراً بانتشار الإدمان والدعارة والإصابة بمرض الإيدز، وانتهاء بانتشار حالات الانتحار.
ويرى بعض المراقبين أن الحروب التي مرت على الشعب الإيراني كان لها عميق الأثر بوجود مثل هذه الظواهر.
وفي هذا التقرير نقترب أكثر من الوجه الآخر لإيران من الداخل:
انتشار المخدرات
حسب ما ورد في تقرير المخدرات الدولي للأمم المتحدة الخاص بالدول الأكثر استهلاكاً للمخدرات لعام 2005 أن إيران الدولة الأولى عالميا إدمانا للمخدرات، بعد أن وصلت نسبة الإدمان في البلاد إلى 2.8% من سكانها البالغين الذين يزيد أعمارهم على 15 سنة. وعلى الرغم من أن الأفيون يعتبر من أهم المواد المخدرة التي تلقي رواجا كبيرا داخل إيران لدرجة أن المحللين الحكوميين النافذين يشيرون إلى أنه يجب على الدولة دراسة زراعة الأفيون، إلا أن الهيروين أيضا يحتل مكانة كبيرة وسط هذه المواد وذلك نظرا لرخص الثمن (خمسة 50%). وإذا كان البعض يرى أن السبب في ذلك هو قرب إيران من مراكز زراعة الأفيون في أفغانستان، إلا أن هناك تساؤلات حول سبب هذا الانتشار الرهيب لهذه الظاهرة التي تعتبر سلوكا متأصلا في الحضارة الإيرانية القديمة.
ويرجع البعض السبب الأساسي في انتشارها إلى البطالة. وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجرته الحكومة أن 80% من الإيرانيين يربطون ربطا مباشرا ما بين البطالة وإدمان المخدرات بعد فشل الحكومة الإيرانية دائما في خلق مليون وظيفة جديدة لاستيعاب القوى العاملة الجديدة.
والجدير بالذكر أنه بعد الثورة الإيرانية العام 1979 تعاملت الحكومة بصرامة مع قضية المخدرات، وامتلأت السجون بالمدمنين.
وعلى الرغم من ذلك فإن الحكومة الإيرانية اتبعت سياسة متحررة في علاج الإدمان، حيث تدعم الإبر ومراكز الميثادون. كما أنها تمول جهودا ناشطة لوقف الأفيون عن طريق التهريب للبلاد. ففي العقد الماضي قتل آلاف من الجنود الإيرانيين ورجال الشرطة في معارك مع المهربين، معظمهم على الحدود أفغانستان وباكستان. وبالرغم من كل ذلك فإن المخدرات تبقى منتشرة حيث يصف العديد من الإيرانيين مدى توافرها بأنها "مؤامرة حكومية". ولهذه الأسباب يرى بعض الشباب الإيرانيين أن المخدرات هي المخرج الوحيد حاليا للهروب من الملل والكآبة الناجمين عن البطالة ويُعتبر الملل بالنسبة للكثيرين في إيران من واقع الحياة اليومية على الرغم من تخفيف حدة القيود المفروضة على الزي الإسلامي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فلا يوجد الكثير مما يمكن أن يساعد على كسر الملل والرتابة، حتى في مدينة يبلغ تعداد سكانها 10 ملايين نسمة مثل طهران التي يخيم على شوارعها صمت صارخ خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما يرى مراقبون أن انتشار هذه الحالة من الاكتئاب إنما يرجع إلى زيادة عدد الوفيات في مطلع الثورة الإيرانية.
هذه الحقبة الزمنية التي شهدت العدد من الحروب الداخلية والخارجية التي راح ضحيتها الكثير. كما أن هناك دوراً في هذه الظاهرة يعود إلى نسبة الفقر المرتفعة السائدة في البلاد فبعض الإحصاءات تشير إلى أن هناك أكثر من عشرة ملايين مواطن إيراني يعيشون تحت خط الفقر، وأن هناك ستمائة ألف مواطن يدخلون السجن سنويا لنفس السبب.
انتحار الشباب
أما بشأن أرقام حالات الانتحار فقد أظهرت إحصائية أعدتها منظمة الإدارة والتخطيط الإيرانية أن عدد المنتحرين بلغ في العام الماضي 5300 شخص منهم 1841 رجلاً 3459 امرأة، وقد أكدت إحصائية لوزارة الصحة أن معدل عدد المنتحرين يوميا بلغ أربعة عشر شخصا وأن أعمار أغلب المنتحرين لا تتجاوز سن التاسعة والعشرين عاما.
وما يزيد من ألم هذه المأساة أنه وفي اليوم الثاني عشر من أبريل "نيسان" الماضي. وهو ذات اليوم الذي أعلن فيه الرئيس أحمدي نجاد انضمام بلاده إلى النادي النووي، كانت وسائل الإعلام الإيرانية قد نشرت خبرا مؤلما للغاية وهو انتحار عائلة بأكملها في مدينة تبريز عاصمة محافظة أذربيجان. وقد بين التقرير الذي أعدته الشرطة القضائية أن الفقر المدقع كان السبب وراء إقدام رب العائلة على قتل زوجته وأبنائه الستة قبل أن ينتحر.
انتشار الدعارة
وجع آخر في قلب العاصمة طهران يتمثل في انتشار الدعارة بشكل خطير يدعو إلى وقفة، فقد أوردت بعض التقارير أيضا أن إحدى المدن الإيرانية على سبيل المثال يصل عدد بائعات الهوى فيها إلى عشرين ألفا. وهناك المئات من السماسرة يزاولون عملهم بالهواتف الجوالة في المدينة، والعاصمة طهران نفسها أصبحت تحوي بين أحيائها العريقة المئات من بيوت المتعة السرية مما استهوى أحد التيارات اليسارية بإعادة عرض فكرة إنشاء "بيوت العفة" بالنظر لأنه السبيل لإغلاق البيوت السرية، والقضاء على ظاهرة الدعارة بشكل نهائي، وقد أرجع البعض هذه الظاهرة إلى القيود الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها الثورة الإيرانية على المرأة. أما الكارثة التي ألقت بظلالها كنتيجة لانتشار هذه العادات السيئة فهي انتشار معدل الإصابة بمرض الإيدز، وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يحاول تحسين مستوى المعيشة للحد من هذه الخطورة، إلا أن الوضع الحالي يؤكد أن السياسة الخارجية لطهران مازالت تؤثر بالسلب على الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

