دراسات
دراسات/العدد الثاني عشر - جمادى الآخرة 1425هـأحوال أهل السنة في إيران ـ كتاب الخميني الوجه الآخر رسالة مفتوحة من نواب السنة إلى الزعيم |
![]() الأرشيف |
الثورة الإيرانية بعد 25 عاماً... تحولات الدولة والمجتمع
الثورة الإيرانية بعد 25 عاماً... تحولات الدولة والمجتمع
سامح راشد
السياسة العربية – العدد 157 يوليو 2004
يمر هذا العام خمسة وعشرون عاماً على قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979ويسعى هذا المقال إلى النظر بتأمل إلى التحولات والتغيرات التي شهدتها إيران خلال هذه الفترة, ومحاولة تحديد مدى اقتراب هذه التحولات أو ابتعادها بالثورة الإسلامية عن مسارها الذي بدأته قبل ربع قرن, دون انزلاق في سرد حصري لما جرى في إيران منذ قيام الثورة ودون اقتصار على سمات وخصائص ثابتة في المجتمع الإيراني.
إن الغاية الرئيسية المرجوة من هذه السطور ليست مجرد الوقوف على الأسباب المباشرة للتحولات الإيرانية, وإنما بالأحرى التعرف على عوامل وخلفيات قد لا تبدو ظاهرة للعيان, لكنها قائمة وفاعلة. فالهدف ليس مجرد رصد التحولات وإنما النظر لما وراءها.
هل حقاً إيران نموذج فريد من نوعه؟
شأن أي دولة, هناك عدد من المحددات والعوامل الحاكمة تؤثر في توجيه دقة الأمور في إيران. ومن الطبيعي أن تشترك إيران في بعضها مع كثير من بلدان العالم لكنها تحتفظ بخصوصية في البعض الآخر, ومن تلك المحددات والعوامل طبيعة النظام السياسي الإيراني, الذي يمزج بين العقيدة والسياسة, حيث تلعب القيم الدينية والتعاليم الفقهية دوراً رئيسياً في تحديد التوجهات والسياسات نتيجة التداخل بين رجال الفقه والسياسة, أو بمعنى أدق اختفاء الحدود الفاصلة بينهما, فالمدارس الفقهية (الحوزات) هي المورد الأكبر للساسة ورجال الحكم انطلاقاً من إعمال مبدأ ولاية الفقيه كجوهر لنظام الحكم.
ولابد من الإشارة إلى أن تلك الخصوصية لا ترتبط بالمبدأ في حد ذاته وإنما في كيفية تطبيقه وما يعكسه عند الممارسة السياسية العملية من تعاليم وأفكار دينية وروحية. فالدولة الإسلامية على وجه العموم لا تفرق بين الدين والسياسة وتجعل التعاليم الدينية هي الموجه والمحرك للممارسات السياسية, كما تمثل معيار تقييمها, والأمر ذاته ينطبق على حالات أخرى غير دينية فتركيا على سبيل المثال تتخذ من العلمانية عقيدة لها وتمثل المحرك والمقياس لتوجهات الدولة. وما يتفق وتعاليم الإسلام وفق المذهب المتبع في إيران, يحظى بموافقة رجال الفقه وبالتالي تكسبه الشرعية الدينية. ومن ثم السياسية تماماً كما هو مصير كل ما لا يتفق ومبادئ العلمانية حسبما يؤمن بها رجال الجيش والحكم في تركيا ففقدان الروح "العلمانية" يؤدي بالضرورة إلى غياب الشرعية السياسية. المغزى هنا أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تختلف عن غيرها من الدول في المنطلقات والأسس لكنها تختلف في مضامين هذه المنطلقات وتفصيلات تلك الأسس.
وعلى هذا الأساس ليس صحيحاً أن ما يطلق عليه النموذج الإيراني هو حالة فريدة من نوعها في العالم وأن طهران تقدم للعالم مثالاً ناجحاً وحيداً للدولة الإسلامية, فحقيقة الأمر أن الدولة الإيرانية القائمة حالياً ليست إلا أحد أشكال نظم الحكم المتعارف عليها في أدبيات علم السياسة والمعروف بالدولة الدينية (الثيوقراطية) حيث القيمة العليا للمبادئ والتعاليم الدينية, وبالتالي فإن الغلبة في موازين القوى لمن هم أقرب إلى تلك التعاليم وأدرى بها وهم علماء الدين ورجال الفقه.
لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الحالة الإيرانية وغيرها, فهناك بالطبع فوارق واضحة فالتأكيد على أن طهران ليست حالة فريدة أو غير مسبوقة ينسحب على الأساس الذي تقوم عليه تركيبة النظام السياسي وليس على مضمون ومفردات هذا النظام, وهنا يأتي التميز الإيراني بمعنى أن الاختلاف يأتي من تفاصيل مبدأ حكم رجال الدين وهي مترتبة بالضرورة على أحكام المذهب الشيعي الإثنى عشري الذي تتبعه إيران حالياً وإعلاء مكانة الولي الفقيه على غيرها من ركائز الحكم.
التغير في المواطن والمجتمع:
نجمت موجة التغير التي تجتاح طهران عن تطورات تراكمت في مسارين يبدوان في الظاهر متعارضين, الأول: أن هذه التحولات نتيجة غير مباشرة للوضع الذي ساد عقب قيام الثورة قبل خمسة وعشرين عاماً أي نتيجة التراكم التدريجي في أساليب إدارة الحكم وترسيخ أنماط معينة من ممارسة السلطة على مدى ربع قرن, وجوهر هذه الأنماط إخضاع جميع أوجه الحياة في الدولة والمجتمع لمقتضيات مرحلة تثبيت الثورة والقضاء على أعدائها, وأدت هذه العوامل إلى إيجاد مجتمع تواق إلى الحرية في حالة ترقب دائم للمستقبل يعاني من معضلات هيكلية في معظم مناحي الحياة اليومية, تشمل البطالة وانخفاض مستوى الدخل وتقلص القاعدة الاقتصادية بصفة عامة, أي بإيجاز حالة من الجمود والتكلس في شرايين الدولة وأوردة المجتمع.
المسار الثاني هو النقلة الهائلة التي تجتاح العالم في مجال الاتصالات, مما يحد تماماً من قدرة أي نظام حاكم على حرمان مواطنيه من متابعة ما يجري في العالم أو العكس, مما من شأنه أن يجعل النظرة للأوضاع في المجتمعات الأخرى دائماً نظرة مقارنة بما يؤدي بدوره إلى اختراق أنماط الثقافة والفكر الخارجية للنسيج الاجتماعي, خاصة إذا صوحبت هذه العملية بتغير في تركيبة المجتمع وتكوينه وهو ما ينطبق تماماً على المجتمع الإيراني. فقد شهد تغيرات هيكلية أبرزها التغير في التركيبة السكانية خاصة بالنسبة للعمر والجنس فنتيجة سنوات الحرب الطويلة مع العراق وتجنيد أعداد ضخمة من الرجال والشباب, خرجت نسبة كبيرة منهم من نسيج المجتمع بالقتل أو الأسر أو الاختفاء في الحرب, مما أدى إلى اختلال التوازن بين الجنسين حيث تزايدت نسبة النساء بين أفراد الشعب عما كانت عليه قبل الحرب, مما يفسر بدوره بعض أسباب صعود دور المرأة في السنوات التالية للحرب.
وكذلك بالنسبة للشرائح العمرية حيث يمثل الشباب دون سن الخامسة والعشرين الغالبية العظمى من عدد السكان وتلك الغالبية لا تعرف شيئاً عن مرحلة ما قبل الثورة ولا عن مراحلها الأولى الأشد ثورية وعنفواناً إلا ما تقدمه الملفات الوثائقية وما يدرس في مراحل التعليم كجزء من التاريخ, وهو ما انعكس بشكل واضح على التوجهات السياسية لهم.
لقد ساعد كل ذلك على تغير اتجاهات الرأي العام الإيراني بالابتعاد عن الانغلاق الجامد على أفكار ومفاهيم لا تلائم العصر, ومن الواضح أن هذا التقابل بين مدخلات الحياة السياسية والاجتماعية ساعد على تفاعلها وإفرازها للنتيجة ذاتها, فالتناقض الواضح بين حالة الانغلاق ومراوحة المكان والانفتاح الكبير الذي يجتاح العالم إعلامياً ومعلوماتياً, ساعد على اندفاع الإيرانيين للخروج من القوالب المفروضة عليهم والسعي حثيثاً إلى اللحاق ببقية الشعوب.
تغير الساسة والسياسة:
لم يتوقف تنازع السلطة بين الإصلاحيين والمحافظين منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران قبل ربع قرن. لكن القوى والتيارات السياسية التي وجدت وقت قيام الثورة لم تكن مصنفة وموزعة بالشكل القائم حالياً, فباستثناء بعض القوى اليسارية التي تضاءل وجودها تدريجياً ظلت خريطة القوى السياسية على مدى يقترب من عقد ونصف عقد من عمر الثورة موزعة بين موقفين واضحين بينهما مسافة شاسعة: إما مع الثورة تماماً أو من أعدائها إطلاقاً وكان أصحاب الموقف المؤيد للثورة هم الأغلبية عدداً وعدة, لذا كانت المحصلة العامة أن الاختلاف والتباين في الآراء والتصورات حول كيفية تحقيق أهداف تلك الثورة ونشر مبادئها محدوداً وكانت الرؤى المخالفة تنطوي تحت عباءة الثورة, إما بالتخلي عنها أو بتصفية أصحابها دون السماح بخروجها إلى النور.
وشأن أي ثورة, شهدت الثورة الإسلامية في إيران خلافات داخلية وصراعات داخل القوى التي قامت بها فمعروف أن العداء لنظام الشاه استقطب مختلف القوى والتيارات من شيوعية إلى إسلامية إلى ليبرالية. وبعد أن نجحت الثورة وسقط النظام انعكست الاختلافات بين رؤى وتوجهات تلك القوى على خريطة الحكم والحياة السياسية, فراح التيار الإسلامي بقيادة الإمام الخميني يقصي القوى الأخرى تدريجياً ليس بإبعادها عن السلطة وحسب بل بمحاولة استئصالها من الحياة السياسية وحرمانها من شرعية الوجود الرسمي (مثال ذلك حركة حرية إيران).
في الوقت ذاته, دبت خلافات داخل النخبة الحاكمة الإسلامية نفسها وتنوعت هذه الخلافات بدءاً من كيفية التعامل من القوى والتيارات الأخرى التي شاركت أو –على الأقل- أيدت الثورة وامتدت إلى شئون الحكم حتى وصل الأمر إلى الاختلاف حول مسائل جوهرية مثل مبدأ ولاية الفقيه الذي لم يكن مقرراً العمل به وظل محل سجال داخلي على مستوى قيادات الثورة, حتى حسم الخميني الأمر لصالح تفعيله واتخاذه منطلقاً لروح النظام السياسي للجمهورية الإسلامية.
أي أن اختلاف المشهد الحالي في إيران ليس في مبدأ وجود تباينات أو اختلافات بين رؤى وأفكار, وإنما في طبيعة تلك الأفكار من جهة وكيفية التعاطي من قبل جميع الأطراف مع ذلك التباين بعبارة أخرى التنازع السياسي قائم منذ بداية الثورة, والتحول طرأ على قضايا ذلك الصراع وكيفية إدارته مع التسليم بأن التحول في هذين الجانبين انعكس بالطبع على اشتداد حدة الصراع واتساع الفجوة بين أطرافه بدرجة كبيرة تدفع إلى الظن أحياناً بأنه جديد أو أن السنوات السابقة لم تشهد سوى توافق وانسجام بين رموز النظام والطبقة الحاكمة والمجتمع, لكن هذا غير صحيح.
ما حدث طوال العقد الأول من عمر الثورة أن الحرب مع العراق استغرقت جل قدرات وتركيز الدولة الإسلامية الوليدة وظل صوت المعركة أعلى مما عداه, حتى تواكبت وفاة الخميني وتولي علي أكبر هاشمي رافسنجاني رئاسة الجمهورية مع انتهاء الحرب ثم حرب الخليج الثانية في قتال تاريخي ترك بصمات قوية على أداء النظام الإيراني داخلياً وخارجياً.
فقد عادت إيران داخلياً إلى مرحلة بناء الدولة وإحياء قدراتها التي استنزفتها الحرب, فأصبح التركيز على الاقتصاد أكثر من السياسة (وهو ما يتوافق أيضاً مع طبيعة رفسنجاني وخلفيته الشخصية المهنية). وخارجياً انكفأت إيران تماماً على السعي نحو تحقيق مصالحها الاستراتيجية العليا كدولة محوطة ببيئة إقليمية متحركة وقلقة وبيئة عالمية غير متوازنة ليتكرس التراجع عن تطلعات النفوذ الإقليمي وليصل مبدأ تصدير الثورة الإسلامية إلى حالة من التجمد بعد أن كان قد انحسر تماماً نتيجة الانشغال لسنوات طويلة في الحرب مع العراق.
ومن المفارقات أن هاشمي رفسنجاني –الذي يعد في حقيقة الأمر أول من دشن مرحلة الإصلاحات في إيران- لم تتح له الفرصة ليحصد نتائجها بل ولا ليكملها, فالسنوات الثماني التي قضاها في رئاسة الجمهورية (1989-1997) لم تكن كافية بالطبع لتغيير تراكمات وتطورات مفصلية تلاحقت على إيران, ثورة ثم حرب مع العراق ثم انتهاء الحرب الباردة وسقوط القطب السوفييتي وانقلاب الأوضاع عالمياً ثم حرب الخليج الثانية وانقلاب الأوضاع إقليمياً.
لذا, جاءت انتخابات الرئاسة عام 1997 في ظروف مهيأة تماماً لقيادة جديدة لمرحلة جديدة فبعد أن لعبت الاعتبارات السياسية داخلياً وخارجياً دورها وكانت لها الغلبة لما يقرب من عقدين من عمر الجمهورية الإسلامية كان الوقت قد حان لتلعب الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية دورها هي الأخرى, فتقدم الشعب الإيراني أخيراً لينهي في صناديق الاقتراع مرحلة من الصمت والتشبع ويرفع في الوقت ذاته الغطاء عن تململ وضيق تراكما لديه طوال هذه السنوات.
كان الشعب الإيراني ينتظر ظهور محمد خاتمي, وتوافقاً مع الحس الديني لدى الإيرانيين بدا خاتمي كأنه "الإمام الغائب" المنتظر, وساعد على إكتسابه تلك الشعبية وفوزه في سباق الرئاسة الصعب سماته الشخصية وخلفيته الثقافية والفكرية المتميزة مقارنة بمنافسين عتاة لكن تقليديين.
وكان خاتمي على قدر من الذكاء دفعه إلى تبني خطاب سياسي موجه للشعب أولاً وأخيراً, متضمناً رسالة جديدة هي أن الاحتكام ينبغي أن يكون لمرجعية جديدة هي الشعب, وفوجئ أنصار التمسك بمبادئ الثورة وتطبيقها حرفياً (المحافظون) بأن رهان خاتمي على رجل الشارع الإيراني كان في محله وأن اللجوء إلى المواطن العادي حمل خاتمي إلى مقعد الرئاسة وتجاهل رجال الدين ورجال البازار وغيرهم من أصحاب النفوذ والسطوة تقليدياً.
من هنا, كانت محاولات المحافظين كبج جماح هذا الاتجاه فجاءت الحملة المستمرة على الصحافة والصحفيين وإحكام السيطرة على وسائل الاتصال الأخرى خاصة الإذاعة والتلفزيون إلى غير ذلك من محاولات قطع أو تقييد الاتجاه المتنامي إلى تعريف وتوعية المواطنين من خلال وسائل الإعلام.
وفي الفترة الماضية كانت الخلافات تتأجج والصراعات تنكشف أمام قضايا أو مواقف تواجه الدولة والمجتمع وتختلف التيارات المتصارعة حول أسس ووسائل تلك المواجهة وأمثلة ذلك عديدة منها تكرار أزمة الاحتجاجات الطلابية (1999 و 2003) وعمليات الاغتيال لمفكرين ومثقفين والخلاف حول الوضع الاقتصادي وكيفية الخروج من حالته المتردية وقضايا أخرى خارجية مثل العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقة مع العراق (قبل الاحتلال) والموقف من تداعيات تفجيرات سبتمبر والحرب على الإرهاب, ثم أخيراً الموقف من احتلال العراق.
في جميع هذه القضايا, وضح الاختلاف والتباين في التقييم والرؤية للموقف المطلوب اتخاذه, لكن ظل الخلاف محصوراً في نطاق قضايا وموضوعات تستجد على الساحة السياسية إلى أن بدأت عوامل التحول في المجتمع تتفاعل وتؤتي مخرجاتها لتؤثر جذرياً على ما يفرزه المجتمع من أفكار وقوى وقنوات للتفاعل الداخلي, فكان من الطبيعي أن تسفر مساعي كل من التيارين المتصارعين لتوظيف الوسائل المتاحة له عن نجاح التيار القادر على الاستجابة لهذه التفاعلات وضخ دماء جديدة في قنوات التواصل مع المجتمع وهو ما تجسد في نجاح الإصلاحيين في تحقيق شعبية ومساندة جماهيرية تتزايد باستمرار من خلال الصحف والمطبوعات... الوسيلة الإعلامية المتاحة أمامهم.
من هنا بدأت تزداد أهمية الصحافة كوسيلة للتعبير وبلورة اتجاهات المجتمع وردود فعله على الواقع بشتى جوانبه وكانت الصحف القناة الأوسع والأقرب لكثرتها واتساعها لتشمل كافة التيارات والأفكار وكذلك لكونها القناة الأقل إحكاماً في السيطرة عليها من قبل النظام.
ووجه الخطورة التي استشعرها قادة الرموز القدامى من الصحافة أن قدرتهم على المنافسة فيها أقل كثيراً ممن يعتبرونهم "أعداء الثورة" حيث لا قيود ولا رادع وهامش الحركة والكتابة مفتوح إلى حد كبير, الأمر الذي انعكس على رد الفعل من قبل هؤلاء المحافظين تجاه دخول الصحافة كوسيلة لإدارة الصراع. فبدلاً من استخدام الوسيلة ذاتها كان اختيارهم هو محاولة تدمير هذه الوسيلة وقطع قناة الاتصال بين القلة أصحاب الأفكار الجديدة والشعب وكانت البداية بتوجيه انتقادات ضمنية ثم علنية لبعض الصحف ثم محاولات رفع غطاء الشرعية عنها باتهامها والقائمين عليها بالعداء للثورة ومحاولة هدمها والعمالة للأعداء الخارجيين.
ومع إخفاق هذه السياسة المحافظة في تحقيق أغراضها نتيجة عدم القدرة على التحكم في أعداد وتوجهات الصحف والمطبوعات, انتقل المحافظون إلى خطوة أبعد وهي التقييد القانوني لهذا الانفتاح, وتمثل ذلك في ممارسات تشريعية تحد من هذا التدفق في حرية الصحافة والإعلام استناداً إلى سيطرة شبه كاملة على مؤسستين من أهم المؤسسات في تركيبة النظام السياسي الإيراني هما: مجلس الشورى الخامس (1996-2000) والمؤسسة العدلية (القضاء).
وعلى هذا الأساس, وضح أن الاتجاه العام في المجتمع يسير لصالح فكر التغيير والإحلال, والدليل الأوضح على ذلك أنه بعد ثلاث سنوات من حكم خاتمي ورغم العقبات التي واجهته بدءاً بانتقادات حادة تتهمه بعدم وجود برنامج واضح لديه في بعض المجالات كالموضع الاقتصادي وانتهاء بعدم قدرته على تحقيق ما أعلنه من إصلاحات فإن الشعب الإيراني اختار أصحاب هذا الفكر التغييري في الانتخابات التشريعية لمجلس الشورى السادس (2000-2004) ليدخل للمرة الأولى في مؤسسات الدولة الرئيسة أغلبية جديدة تنتمي لهذا الفكر.
حرب المؤسسات:
لكن التطورات كشفت عن تغير جوهري في مسار الأحداث, فبعد أن كانت المواجهات تحدث حول القضايا والموضوعات محل الخلاف ثم انتقلت إلى وسائل وأدوات إدارة هذا الخلاف, راحت تنتقل إلى الأجهزة والمؤسسات وتزامنت هذه النقلة مع هيمنة التيار الإصلاحي على مجلس الشورى السادس ثم إعادة انتخاب محمد خاتمي لفترة رئاسة ثانية في مايو 2001, فمن ناحية سارع الإصلاحيون إلى محاولة الاستفادة من سيطرتهم على مجلس الشورى السادس وتقنين وتشريع أفكارهم وسياساتهم. ومن ناحية أخرى كان تراجع نسبة التأييد التي حصل عليها خاتمي في انتخابات 2001 مقارنة بانتخابات 1997 بمثابة جرس إنذار له وللإصلاحيين بضرورة تسريع وتيرة الإصلاح وتطبيق الأفكار التي حمل الشعب خاتمي إلى مقعد الرئاسة ليحققها.
وبعد أن كان رموز التيار المحافظ يعتمدون على أغلبيتهم في مجلس الشورى –إضافة إلى سيطرتهم على مؤسسات أخرى سيادية- في تكييل الضربات للإصلاحيين اختل التوازن بالسيطرة شبه الكاملة لهؤلاء الإصلاحيين "أعداء الثورة" على مجلس الشورى السادس ليس هذا وحسب بل مضى الإصلاحيون سريعاً إلى رفع القيود التشريعية التي كان يفرضها عليهم المحافظون من خلال المجلس السابق, مما اضطر مرشد الثورة على خامنئي للتدخل واستخدام صلاحياته الدستورية التي تجب جميع السلطات الأخرى للحد من تبعات هذا الخلل في التوازن بين المؤسسات.
وبعد أن ظل هؤلاء "المحافظون" مترددين في استخدام سيطرتهم على المؤسسات الرئيسة في النظام لم يجدوا بدا من ذلك فقد ظل خاتمي ورفاقه يعانون من تسلط الحرس الثوري والقبضة الحديدية لرجال الشرطة والاستخبارات طوال العامين الأولين له في السلطة (97-99), فضلاً عن تبنيه منهج تحسس الخطى وكانت نتيجة ذلك أن صداماً قوياً لم يقع بينه وبين أركان النظام ومؤسساته الرئيسة خلال هذه الفترة.
وبمجرد اتجاهه إلى إدخال تغيير يوحي بنزعة إصلاحية تمس قناعات ومصالح رجال الحرس القديم ورموز الثورة التقليديين, سرعان ما واجه حملات عنيفة متعددة الأشكال والدرجات واعتمدت هذه الحملات إلى حد كبير على امتلاك المحافظين سلطة الأمر والنهي في أجهزة الحكم الحيوية, ونظرة سريعة على صلاحيات واختصاصات المؤسسات التالية تؤكد ذلك بسهولة: مؤسسة المرشد, مجلس الخبراء, مجلس تشخيص مصلحة النظام, مجلس صيانة الدستور, القضاء, مجلس الأمن القومي, الاستخبارات, الإذاعة والتلفاز.
وبعد أن كان التركيز خلال فترة الرئاسة الأولى لخاتمي عليه كشخص وكقيادة جديدة بفكر جديد, وضح مع توليه الرئاسة لفترة ثانية أن الصراع أكبر من شخص خاتمي ومن منصبه كرئيس, حيث انقسمت ساحة الصراع بين جبهتين تضم الأولى الرئيس والحكومة ومجلس الشورى "السادس" والمجالس البلدية والسواد الأعظم من الآلة الإعلامية. وعلى الجبهة الثانية تقف المؤسسات المشار إليها وهي الأقوى في النظام والأشد سطوة في ساحة العمل العام, وقد دخلت أكثر من مؤسسة وهيئة حلبة الصراع الداخلي مثال ذلك هئية الإذاعة والتلفاز التي وقفت في حملة انتخابات الرئاسة عام 2001 موقفاً اعتبره أنصار خاتمي متحيزاً ضده فبادر مجلس الشورى السادس عقب الانتخابات إلى مناقشة مشروع قانون يجيز له التحقيق في أنشطة الإذاعة والتلفاز خاصة الأمور المالية لهذه المؤسسة في محاولة لاختراق هذه المؤسسة الخاضعة كاملة تقريباً لسيطرة المحافظين فضلاً عن أنها رسمياً تتبع المرشد مباشرة. المغزى هنا أن مؤسسة الإذاعة والتلفاز دخلت الصراع أولاً كطرف فيه ثم كموضوع له ثانياً, ومعروف أن تلك المؤسسة شبه منفصلة عن وزارة الثقافة والإرشاد التي تميل نسبياً إلى جانب الإصلاحيين.
ولم يكن هذا التحرك الإصلاحي الأول من نوعه, إذ كان مجلس الشورى فور انتخابه عام 2000 قد حاول إدخال تعديلات على قانون الصحافة تخفف بموجبها القيود القانونية والتنفيذية المفروضة عليها ثم حاول عشية انتخابات الرئاسة تمرير قانون يزيد صلاحيات رئيس الجمهورية وهي المحاولة التي تكررت بعد ذلك عامي 2002 ثم 2003, غير أن المحافظين استخدموا سيطرتهم على مؤسسات أقوى من مجلس الشورى وأعلى سلطة لإجهاض هذه المحاولات في مهدها.
وكان التغير في وسائل وأدوات الصراع قد طال أيضاً المؤسسة القضائية, فنتيجة الشعبية المتزايدة لتيار التجديد والإصلاح أصبحت القيود القانونية الوسيلة الأقرب والأنجح بيد المحافظين لضرب هذه التوجهات الجديدة وليست ملاحقة الصحف والصحفيين وسجن العشرات منهم سوى مثال نموذجي على مهارة المحافظين في توظيف المؤسسة القضائية وفقاً لمقتضيات الصراع.
ورغم أن كلا من الرئيس الحالي للسلطة القضائية علي جنتي –ومن قبله محمود شهرودي- أقل تشدداً وميلاً للمحافظين من سلفه محمد يزدي لكن سلوك بقية أعضاء تلك المؤسسة والأجهزة الفرعية التابعة لها يكشف عن تحيز واضح لهذا التيار.
وهناك مؤسسات أخرى لا تزال تحت سيطرة المحافظين معرضة في أي وقت للنزول –طوعاً أو كرهاً- إلى حلبة الصراع والانخراط في حرب المؤسسات هذه منها على سبيل المثال لا الحصر مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه حالياً الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني (المختص بالفصل في النزاعات بين مؤسسات وأجهزة الدولة) وهو بطبيعته مختص بتحديد أين تكون "مصلحة النظام" عندما يحدث تعارض أو تنازع بين سلطات وأجهزة الدولة الرئيسية: الحكومة والبرلمان مثلاً أو البرلمان والسلطة القضائية. وبالتالي فإن هذه المؤسسة ستدخل حتماً إلى دائرة المواجهة آجلاً أو عاجلاً بل إنها الجهة التي كان يفترض أن تنزلق سريعاً في الخلافات بين مختلف التيارات والقوى السياسية في أجهزة ومؤسسات الدولة, لكن وجود رافسنجاني على رأسها برغبته في عدم الانحياز الكامل إلى أحد التيارين والحصول قدر الإمكان على تأييد كليهما كان سبباً جوهرياً في تأجيل انجراف تلك المؤسسة سريعاً إلى مواجهة مع هذه السلطة أو تلك. وهو ما وضح خلال أزمة الترشيحات لانتخابات مجلس الشورى السابع التي أجريت في العشرين من فبراير 2004, فرغم احتدام الأزمة وتعقدها بدرجة هددت استقرار النظام إلا أن مجلس تشخيص مصلحة النظام لم يتدخل فيها بشكل قوي وأثر النأي عن الأزمة وتداعياتها.
لكن من الصعوبة بمكان أن تستمر هذه الحيادية, لا من قبل المجلس ولا من جانب رافسنجاني شخصياً. ليس هذا وحسب فهناك مؤسسات وأجهزة حيوية تقف حتى الآن بعيداً عن دائرة الصراع (أو على الأقل الوجه المعلن منه) منها: مجلس الأمن القومي, ووزارة الخارجية, ووزارة الاستخبارات, والجيش.
وليس من المتصور بحال أن تستمر هذه المؤسسات خارج الساحة, فإن لم تجد نفسها في وقت ما مضطرة للتدخل أو اتخاذ موقف, فإن أطراف الصراع وربما المؤسسات الأخرى ذاتها قد تدفعها دفعاً إلى تحديد مواقف أو تأييد طرف دون آخر.
إن مغزى التحولات الأخيرة يتجاوز حدود تصارع الأفكار أو القوى السياسية أو حتى مناورات وتحركات للحد من نفوذ وقوة هذا الطرف أو ذاك, فالأمر يتعلق الآن بهيكل النظام والتوازن القائم بين أجهزته ومؤسساته وهو ما أكدته عودة المحافظين إلى الهيمنة على مجلس الشورى إثر الانتخابات الأخيرة, فإضافة إلى ما لهذه "الردة" من دلالات لجهة تراجع شعبية خاتمي والإصلاحيين تظل الدلالة الأهم وهي أن ميزان القوى بين مؤسسات وأجهزة الجمهورية الإسلامية هو المحك والمؤشر على حال النظام والدولة.
دلالة أخرى مهمة حملتها التطورات الأخيرة تتعلق بدور المرشد وموقعه من النظام, فباعتبار منصب المرشد من المؤسسات العليا في النظام أو بالأحرى هو المؤسسة الأعلى فوق جميع أجهزة النظام الأخرى, فإن خطوة تدخله في مسار الصراع قد فتحت الباب أمام الحديث عن حدود صلاحيات وسلطات هذا المنصب, مما يعني أن (مؤسسة) المرشد ستصبح طرفاً مباشراً في الصراع. وما يدعو هنا للانتباه والترقب أن أحد أهم أركان الدولة الإيرانية –وهو منصب المرشد الذي يجسد مبدأ الولي الفقيه- بدأ ينغمس في مقتضيات تنازع السلطة بين بقية المؤسسات, الأمر الذي يعني بالضرورة انتقاص قدر من القدسية والحصانة التي يتمتع بها هذا المبدأ. وفضلاً عن أن خامنئي سيكون أول المتضررين من هذا الانتقاص, فإن نتيجة أخرى ستترتب على ذلك هي التشكيك في مواقفه وتدخلاته المستقبلية ولابد من الإشارة عند هذه النقطة إلى أن حدود صلاحيات "الولي الفقيه" ليست محددة بشكل قاطع مانع, أي أن الحدود والفواصل بين دوره الديني والسياسي اختلفت في الفقه الشيعي من مرحلة إلى أخرى وليست ثابتة. وبالتالي فإن وضعها الحالي يظل في التحليل الأخير معرضاً للتغير.
مستقبل مفتوح:
اعتبر كثير من المراقبين نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وتراجع حجم التأييد الشعبي للإصلاحيين فيها مؤشر على انحسار التيار الإصلاحي ذاته وعلى انتهاء دور الرئيس محمد خاتمي, خاصة أن عاماً واحداً يتبقى من فترة رئاسته الثانية والأخيرة وستجري انتخابات رئاسية جديدة العام القادم.
ولهذه الرؤية وجاهتها, فهذه الانتخابات مثلت جزئياً استفتاء على شخص خاتمي كما عكست موقف الشعب الإيراني (الهيئة الناخبة تحديداً) من عجزه بعد سبع سنوات عن تنفيذ أفكاره. وقد قدم خاتمي للإيرانيين ما يشبه صك الغفران عندما اعترف بأن الجزء الأعظم من وعوده الانتخابية عام 1997 لم يتحقق.
مستقبل التوجه الإصلاحي لا يتوقف كلية على ارتباط هذا التوجه بخاتمي, حيث توجد عوامل واعتبارات وأطراف أخرى تلعب دوراً جوهرياً في توجيه دفة الصراع السياسي في إيران, ومن أبرز هذه العوامل والاعتبارات موقع الرئيس في النظام السياسي فبغض النظر عن فوز خاتمي أو غيره في الانتخابات فإن حدود الصلاحيات والسلطات المخولة له تحد كثيراً من قدرته على إحداث التغيير أو إيقافه إن أراد. وبالتالي فالاستحقاق الانتخابي الرئاسي القادم لا يعني بالضرورة محطة مفصلية أو نقطة تحول جديدة في مسار نظام الجمهورية الإيرانية أو مستقبل الثورة الإسلامية, فرئيس الجمهورية في هيكل النظام السياسي الإيراني أقرب ما يكون إلى منصب رئيس الوزراء في النظم الرئاسية مع صلاحيات أوسع قليلاً فوفقاً للدستور الإيراني تعلو سلطة المرشد جميع السلطات المخولة لأركان ومؤسسات النظام الأخرى, ويشمل هذا المجالين التشريعي والتنفيذي ثم بعد ذلك تأتي مؤسسات أخرى تفوق سلطاتها أيضاً رئيس الجمهورية مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام (يرأسه هاشمي رافسنجاني رئيس الجمهورية السابق) ومجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء.
وبغض النظر عن خصوصية عمل ومجال اهتمام كل من هذه المؤسسات, فإن صلاحيات رئيس الجمهورية تأتي في مرتبة تالية لكل منها في مجالها وباستثناء مجلس الخبراء الذي يتولى اختيار المرشد ومراقبة عمله – وهي مهمة بعيدة عن نطاق عمل رئيس الجمهورية- فإن أيا من المؤسسات الأخريات تستطيع إلغاء ووقف سياسات وقرارات رئيس الجمهورية أو مجلس الشورى أو على الأقل عرقلتها وإحالة الأمر إلى المرشد ليفصل فيه نحن إذن أمام منظومة سياسية متكاملة بغض النظر عن خصوصيتها أو التوزيع النسبي للقوى والسلطات فيها. إن موقع رئيس الجمهورية فيها ليس على رأسها. إذ يأتي ترتيبه في هرم القوة ثالثاً أو رابعاً.
والنتيجة الطبيعية المترتبة على هذا التوزيع النسبي للقوة أن يظل انعكاس الانتخابات الرئاسية ونتائجها –أيا كانت- منحصراً في إطار هذا التوزيع. بمعنى أنه حتى لو كان الفائز في الانتخابات القادمة على غرار النموذج الخاتمي فإن هذا لا يعني بحال أن المرحلة القادمة ستشهد طفرة أو قفزة نوعية في مسيرة التغيير مع ثبات العوامل والاعتبارات الأخرى أي لمجرد أن الرئيس القادم من أنصار التجديد والإصلاح.
والعكس, لا يعني فوز أي ممن قد يحسبون على تيار المحافظين انتهاء النزعة الإصلاحية الغالبة على المناخ السياسي في إيران حالياً أو حتى أن يستطيع هذا الرئيس وقف عجلة تغير بدأت ولو ببطء, ذلك أن مؤسسات وهيئات أخرى تشارك بدور رئيسي في صنع واتخاذ القرار ومباركته, وبدور رئيسي أيضاً في وأد قرار آخر أو رفع الشرعية عنه.
عامل آخر مرتبط بتحديد مستقبل سياسة الإصلاح والتجديد هو موقع خاتمي وثقله داخل هذا التيار ذاته, وهنا تساؤل يفرض ذاته. هل خاتمي وهذا التيار كل لا يتجزأ أي مجرد وجهين للعملة ذاتها لا يصلح هذا إلا بذاك؟ والعكس –وبعبارة أكثر وضوحاً ومباشرة- هل خاتمي مجرد إفراز لتصاعد الرغبة في التجديد لدى صفوف الإيرانيين أم أن هذه الرغبة ولدت على يديه؟ ولم يكن هذا التيار ليتواجد ويزدهر بالشكل القائم دون وجود شخص كخاتمي.
تحضرنا هنا المقارنة بين خاتمي وجورباتشوف صاحب "الجلاسنوست" و"البريسترويكا" في الاتحاد السوفيتي السابق, فقد رأى البعض أن الاتحاد السوفيتي كان في سبيله إلى التفكك والانهيار من الداخل, سواء كان ذلك على يد جورباتشوف أو غيره وفي هذا التوقيت أو قريباً منه سابقاً أو لاحقاً, في حين ظل الطرح المقابل وجيهاً وذا مبررات قوية ومفاده أنه لولا وجود شخصية تملك مفاتيح التغيير لم يكن باب التغيير ليفتح يوماً.
والحالة الإيرانية ليست بعيدة بحال عن هذه المناظرة, لكن أهمية استحضار مثال الاتحاد السوفيتي (روسيا حالياً) تظهر من الفارق الزمني بين الحالتين فقد شهدنا في النموذج السوفيتي ما لا يزال خافياً علينا بالنسبة لطهران فقد ذهب جورباتشوف وجاء يلتسن واستمر التحول بل تسارع حتى إن جورباتشوف نفسه تعرض للاتهام بأنه يعرقل الإصلاحات ويكبل عجلة التغيير وكأن البركان الذي رفع هو الغطاء عنه انفجر في وجهه أيضاً. ومع التسليم بوجود فوارق واختلافات بين النموذجين, فإن أمراً واقعاً لا يمكن إنكاره هو أن تبلور الدعوة إلى التغير في الحالتين تزامن تماماً مع بروز شخصية قيادية ارتبطت بها تلك الدعوة.
ونذكر القارئ هنا بمشروع "تجاوز خاتمي" الذي ما زالت اصداؤه تتردد في أوساط الإصلاحيين وهو فكرة تبناها بعض المغالين في التوجه الإصلاحي مفادها أن خاتمي ليس مدافعاً عن هذا التوجه بما يكفي وأنه لم يعد الشخص المناسب لقيادة هذا التيار.
إن مغزى الوضع الحالي في إيران بعد ربع قرن من الثورة يتجاوز حدود تصارع الأفكار أو القوى السياسية أو حتى مناورات وتحركات للحد من نفوذ وقوة هذا الطرف أو ذاك, فالأمر يتعلق الآن بهيكل النظام التوازن القائم بين أجهزته ومؤسساته, لا بأشخاصه أو رموزه.
وبعد... قضت الثورة الإيرانية سنوات تسعى للامتداد خارج حدودها ثم اضطرت للانكفاء على نفسها والعمل على تحسين أوضاعها, فإن حصاد ربع القرن الذي مر عليها حتى الآن يشير إلى أن الإخفاق في تصدير الثورة لم يكن فقط للانشغال في حرب خارجية, وأن استمرار التعثر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليس وليد ضغوط خارجية أو عزلة دولية انتهت عملياً منذ سنوات, فالواضح الآن أنه في مقابل نجاحات عديدة لا تزال مشكلات وعثرات الثورة الإسلامية في إيران قائمة بفعل عوامل واعتبارات ذاتية بالأساس, وأن على قادة النظام, الخروج من نفق الصراعات الداخلية والخلافات حول تفصيلات وسياسات تبدو جزئية وربما لا تمس جوهر أو ثوابت النظام, وإلا فالمخاطر والأزمات التي هددت استقرار النظام في السنوات الماضية قابلة للتكرار بصورة أقوى كما وكيفا.

