شعبان عبدالرحمن – المصريون 22/1/2012
الإثنين التاسع من يناير الجارى، وضعت المحكمة الماليزية العليا نهاية لواحدة من أشد وأطول المعارك السياسية قسوة ومرارة.. فقد نال الزعيم الماليزى المعارض «أنور إبراهيم» حكماً بالبراءة من تهمة «اللواط» بعد مسيرة مليئة بالعذاب، امتدت لأربعة عشر عاماً (1998 - 2012م). القضية وصاحبها يستحقان وقفة متأنية، فهى واحدة من أشهر قضايا الكيد السياسى، وصاحبها البروفيسور «أنور إبراهيم» هو أول «إسلامى» - خلال نصف قرن - يخوض تجربة الحكم فى أعلى مراتبه، وهو صاحب تجربة ثرية فى الحكم والمعارضة، وصاحب تجربة مهمة فى صناعة النهضة بماليزيا (حوالى 17 مليون نسمة على مساحة 330 ألف كم2)، وفى نفس الوقت، فقد وقع الرجل فى فخ تجربة مريرة مع ألاعيب السياسة وغدرها. ويمثِّل «أنور إبراهيم» (68 عاماً) طرازاً فريداً وعنيداً فى النضال السياسى السلمى من أجل الفكرة والمعتقد، فقد تمكن خلال مسيرة امتدت واحداً وأربعين عاماً (1971م - 2012م)، منذ أسس حركة «الشباب المسلم» فى الجامعة، حتى انضم إلى حزب «أمنو» الحاكم، تمكن من بلورة مشروع حضارى إسلامى واضح المعالم، واستطاع الوصول بمشروعه إلى سدة الحكم، حيث أصبح الرجل الثانى فى الدولة لمدة خمس سنوات (1993م - 1998م)، وكان اليد اليمنى لـ«محاضر محمد» فى بناء النهضة الماليزية، كما كان قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء سدة الحكم فى البلاد، لأنه الأجدر - بلا منازع - بخلافة «محاضر محمد»، لكن عبادة السلطة ودسائس بطانة الحكم وطبقة الفساد عصفت بكل شىء، وألقت فى روع «محاضر» أن «أنور» يستعد لثورة انقلابية يسيطر بها على البلاد؛ فعجَّل «محاضر» للغداء به قبل أن يتعشى. وجاءت الضربة القاصمة التى أدخلته السجن من «د. محاضر محمد»، بانى النهضة الماليزية الحديثة، والذى شاركه «أنور» فى بنائها يداً بيد، وكان له بمثابة الابن مع أبيه، والتلميذ مع أستاذه (وفق تعبيرات «أنور»)، وكان الاثنان مضرب المثل فى التعاون والتفاهم والحب المتبادل.. وهكذا لعبة الصراع على السلطة تعمى المتصارعين، وتُفقدهم كل حواس الصداقة والقرابة، لدرجة أن الابن ينقلب على أبيه أو يقتله؛ ليزيحه من طريقه، وشهادات التاريخ مليئة بالأمثلة.. لمن يتعظ. كانت الثغرة التى تم النفاذ إلى «محاضر» منها وتوجيه ضربة قاتلة لـ «أنور» هى خلافات «أنور» العلنية فى الرأى مع «محاضر»، والتى تم تصويرها لـ«محاضر محمد» على أنها محاولة من جانب «أنور» لإحداث انقلاب جماهيرى مماثل لما حدث وقتها ضد «سوهارتو» فى إندونيسيا الواقعة على بُعد خطوات من ماليزيا. وقد نجحت تلك القوى الشريرة فيما خططت تماماً، إذ حدثت الفتنة بالفعل، وتم عزل «أنور إبراهيم»، وإدخاله السجن يوم 20/9/1998م بتهم شنيعة سعت لاغتياله معنوياً وأخلاقياً، وتدميره سياسياً وجماهيرياً؛ مما أدى إلى سجنه ستة أعوام (1998م - 2004م)، وفرض العزل السياسى عليه أربعة أعوام أخرى (2004م - 2008 م)، وخرج الرجل من السجن فى بداية عام 2004م، وقضى بعد ذلك أربعة أعوام من العزل السياسى قضاها خارج ماليزيا مشتغلاً بالتدريس فى الجامعات ومتنقلاً فى العديد من دول العالم، وانتهت فترة عزله سياسياً فى 14/4/2008م. وبينما كان يستعد للعودة إلى ماليزيا ليواصل مسيرته السياسية من جديد، التقيته فى حوار امتد أكثر من ثلاث ساعات متواصلة (نُشر بمجلة «المجتمع»، العدد 1699)، وطرحت عليه فى تساؤلاتى كل التهم التى أفضت به إلى السجن، فقال لى يومها: «لا أنكر أن «محاضر محمد» قام ببناء نهضة ماليزيا، لكننى كنت شريكه كنائب له، وقد دار الخلاف بينى وبينه حول قضية نظافة الحكم والفساد الموجود، ففى الوقت الذى كان يتكلم فيه عن نظافة الحكم ومحاربة الفساد، أعطى مليارين من الدولارات لابنه عبر شركة بترولية فى ماليزيا، وهناك وثائق بهذا تدينه، وتؤكد مساعدته لأولاده وأقربائه وأتباعه وأصدقائه من الماليزيين الآخرين.. وعندما رأيت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، أردت إنقاذ ماليزيا من هذا المصير الأسود، فحاولت إصدار قانون ضد الفساد، لكن أولاد «محاضر» والمنتفعين من الوزراء ومن الحزب حذَّروه بشدة من إصدار هذا القانون؛ لأنه سيطبق عليهم وسيسجنهم ويسبب لهم مشكلات كثيرة جداً»، أضاف قائلاً لى: «لقد سجنونى وحاولوا مسح كل إنجازاتى واسمى، حتى المدارس والمساجد التى أسستها راحوا يعيدون افتتاحها من جديد حتى يمسحوا اسمى من حوائطها، أو اللوحات التى تحمل اسمى، ثم يقومون بوضع أسمائهم.. لقد هاجمونى بكل الصور، واتهمونى بمشكلات جنسية، واتهمونى بأننى إسلامى متشدد، ثم بأننى ذو ولاء أمريكى، ثم بأننى متعاون مع الـ(CIA)، ثم متعاون مع حركة «حماس»!! لم يتركوا شيئاً لتشويه سمعتى، لكننى أثق بوعى الشعوب وتفهُّمها لهذه اللعبة.