جولة الصحافة
انتفاضة الملثمين
انتفاضة الملثمين
محمود صادق
الوطن العربي ـ العدد 1523 ـ 12/5/2006
رغم أن جمعية الوفاق ـ أكبر تجمع شيعي في البحرين ـ أعلنت عن نيتها المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، إلا أن حوادث العنف أو ما أطلق عليها "انتفاضة الملثمين" تثير شكوكا حول "عسكرة" شيعة البحرين واستنساخهم نموذجاً جديداً من انتفاضة التسعينيات في إطار مشاغباتهم للحصول على حقوق دستورية أكبر.
مازالت قضية الشبان الملثمين الذين يقومون بالاعتداء على الممتلكات العامة وإثارة الرعب في الشارع البحريني تسبب هاجساً لدى الكثيرين بالرغم من كشف الداخلية البحرينية عن هوية بعضهم، الملثمون ما زالوا يتحدون الأمن بل تطور الأمر إلى الاعتداء على سيارات الشرطة بمن فيها وحرقها بالكامل، وكانت بداية هذه الأحداث من شارع البديع غرب البحرين حيث اعتادت مجموعة من الشباب الملثم إشعال الإطارات وجاويات القمامة في بعض الطرق العامة ثم تطور الأمر بالهجوم على دوريات الشرطة وبعدها يلوذون بالفرار إلى إحدى القرى الشيعية المجاورة بالمنطقة.
وزارة الداخلية أعلنت استنفارها بعد الاعتداء على رجالها وصدرت تعليمات لرجال الأمن بإطلاق النار دفاعا عن أنفسهم فور تعرضهم لمحاولات اعتداء من قبل مجهولين، كما أخضعت السلطات البحرينية مقار البعثات الدبلوماسية والمباني الحكومية لإجراءات أمنية مشددة، وأكد وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة أن رجال الأمن سيؤدون واجبهم ولن يقفوا كتوفي الأيدي في ظل التهديدات الخطيرة التي يتعرضون لها أثناء قيامهم بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، وذكر أن البحرين أبوابها مشرعة للحوار الهادف البناء، وما يحدث من أساليب الإرهاب والعنف والتحريض عليه هي أعمال شائنة تخل بالأمن والاستقرار وتهدف إلى ترويع الآمنين وتسيئ إلى سمعة الوطن وإنجازاته وتعتبر خروجا عن الإجماع الوطني.
ومن المنتظر أن تناقش لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن بالشورى تلك الأعمال التخريبية في اجتماعها القادم، لبحث سبل مواجهتها، وأكد الدكتور الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس الشورى أن الحل الأمني وحده لا يكفي والمطلوب هو تكاتف جميع فئات المجتمع، لمواجهة هذه الأعمال، وفي رأيه أن ارتداء اللثام عمل غير قانوني، وعندما تلجأ إليه فئة فهذا يعني أن هناك أهدافاً غير معلنة لها، وأنها تستهدف العودة إلى العمل السري، وليس العمل السياسي، وهذه الأعمال السرية ليس لها مكان في مجتمع البحرين المنفتح وفي ظل التجربة الإصلاحية الحالية، وهذه الفئة ترغب في الإضرار بالاقتصاد البحريني ليكون هناك مجال للادعاء بفشل الحكومة، وأستطيع أن أجزم بأن هناك من غير البحرينيين من يشارك في مثل هذه الأعمال التخريبية، وهو ما يؤكد أن هناك أهدافاً غير معلنة لهذه الفئة، وعلينا أن نوعى المجتمع بأخطارها.
مطالب وهمية
وما تحدث به رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني خطير، ويردده كثير من المسؤولين المعنيين بمتابعة تلك القضية وهذا يعني أن ما يحدث في البحرين حاليا يندرج ضمن الأعمال المخطط لها والتي تلقي دعما خارجيا يهدف إلى إحداث التوتر بالبحرين وربما إشعال المنطقة بالكامل وسقوطها في دوامة العنف والتطرف، وقد تمكنت أجهزة الأمن من ضبط ثمانية ملثمين وتبين أن أعمارهم بين 15و25 عاماً، وهم من طلاب المدارس، الإعدادية والثانوية، وقلة من العاطلين وقليل من الموظفين، لكنهم جميعاً من المقيمين ومن غير أبناء المملكة الأصليين.
وقد أثبتت التحقيقات معهم أن مطالبهم "وهمية" إذ لا تخرج عن مثيلها من المطالب التي ينادي بها كثير من المتظاهرين، ويأتي على رأسها إيجاد الوظائف المناسبة وتحسين مستوى المعيشة وإدخال التعديلات الدستورية والقضاء على التمييز والمحسوبية، ومحاسبة المسؤولين الذين يتورطون في العنف ويتسببون في استخدام أشد أنواع العنف مع المعتصمين لتفريق الاعتصامات والمظاهرات السلمية.
رصد الحالة إذن تم ولكن معرفة الدوافع الحقيقية التي تقف وراء هذه الأعمال التخريبية ربما يستغرق وقتا، معظم هؤلاء الملثمين من الشباب الطائش المتعطش للتصادم والحرق، ولكن من بينهم صنفاً آخر من المدفوعين سياسياً ويتحركون بناءً على خطة مدروسة ويختارون مكان جريمتهم بعناية وغايتهم إشاعة الذعر بين الناس وإظهار السلطة الحكومية كالعاجز الذي لا يستطيع أمامهم حراكاً.
وما يدور في منتديات البحرين يعكس حالة القلق التي باتت تعيشها المملكة، هناك شكوك بأن إيران هي مبعث القلق وأن الملالي وضعوا خطة لإثارة الفتن في المنطقة تتصاعد مع تزايد الضغوط الدولية عليها، والهدف واضح ويتلخص في إشعار الولايات المتحدة والعالم بأن إيران يمكنها إشعال المنطقة إذا ما أقدموا على ضربة عسكرية تستهدف منشأتها النووية، ووفقا لمعلومات "الوطن العربي" فإن التحقيقات المبدئية التي ألقى القبض عليها حتى الآن كشفت عن وجود خلية أخرى تقوم بالتخطيط لهذه العمليات التخريبية وبمتابعة التحقيقات من المنتظر الوصول إلى معلومات تفصيلية عنهم تساعد في القبض عليهم وهم في غالبيتهم من المقيمين الشيعة الذين وفدوا خلال العامين الأخيرين إلى المملكة.
دائرة العنف
ونحن لا نريد أن ندفن رؤوسنا في الرمال، فما يحدث في البحرين هذه الأيام ليس احتقانا داخليا ولا تعبيراً عن سخط من أعمال حكومية، ما يحدث خطة مديرة ومبرمجة ومحددة أهدافها وتوقيتها بكل دقة وتتصاعد وفقا للضغوط التي تتعرض لها جارة إقليمية، هذا ما تؤكده مصادر في مجلس النواب فهناك طائفة من شيعة البحرين يعتقدون أنه قد سنحت لهم الفرصة لإصلاح ما يرونه خللا في أوضاعهم ويحاولون عن طريق القلاقل تسوية الحسابات القديمة، ويحثون بقية الشيعة في كل أنحاء الخليج على انتهاج أسلوب أكثر حزماً، لقد خرجوا من زاوية المطالب السياسية السلمية إلى دائرة العنف والقوة، وكل الخوف من تهديد النزعة العسكرية لدى الشيعة، كما انتبه الشيعة إلى الصدفة الجغرافية التي وضعت أكبر احتياطي نفطي على مستوى العالم تحت أرض تشكل تجمعاتهم فوقها أغلبية سكانية سواء في إيران أو منطقة الخليج وجنوب العراق.
والمؤكد أن هناك حالة من الغضب في نفوس أولئك الشبيبة الذين لا يدرك البعض منهم مخاطر الممارسة التي يقوم بها، يقول أحدهم لواحدة من الصحف اليومية المحسوبة على التيار الشيعي: "هذه أسلوبنا، أسلوب الذي يعيش الحرمان والضيق والجوع، والتضييق على الناس والرواتب، أين الحكومة من النواب الطائفيين! هل نوالي حكومة تضيق علينا؟".
ويقر عضو مجلس الشورى ورئيس الجمعية البحرينية لمراقبة حقوق الإنسان فيصل فولاذ بأن ملف هذه الأعمال يجب أن يحظى بالمعالجة الهادئة، فالكل، وهذا واضح للجميع، يعلم أن شباب البلد هم "عيال البلد"، وإن كانت هناك بضعة تجاوزات أو ممارسات خارجة عن القانون فهناك مبادرات ومساهمات يجب أن تحظى بالدعم من جانب الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، ولكن من المؤكد أن هناك من يتصيد ويحاول إرجاع الوضع إلى منطقة لا يؤيدها أحد، ولذلك فقد قدمت مقترحاً بقانون مع 5 من أعضاء مجلس الشورى لإضافة تعديل على قانون المسيرات والتجمعات وذلك لتأكيد ثوابت المسيرات والاعتصامات السلمية المرخصة وتخصيص حديقة كبيرة خارج المدن السكانية والتجارية لاستخدامها في التجمعات الكبرى والاعتصامات.
أما النائب جاسم السعيدي فقد أصدر بياناً تساءل فيه عن موقف هؤلاء الملثمين من الشعارات الفضفاضة التي يرفعونها: ألا يدركون أنهم بأفعالهم هذه يعرضون سمعة البلاد إلى التشويه ويخربون ما يبنيه بقية أبناء هذه البلاد؟ وقال إنه يجب على النواب جميعا الوقوف في خندق واحد من أجل المواجهة مع هذه الزمرة من المخربين ومحاسبتهم ومحاسبة المحرضين على هذه الأعمال التي حذرنا منها مراراً وتكراراً، وعدم الالتفات إلى المصالح الشخصية والمهاترات الجانبية والتطاول على الحكومة، كما يجب عليهم أن يتعاونوا مع لحكومة لإيقاف هؤلاء المجرمين عند حدهم. فسكوت النواب عن هذه الأمور يعد وصمة عار في حقهم فيجب التحرك من أجل هذه القضية التي تهم الوطن وسمعته في المحافل الدولية والعالمية وخصوصاً مع وجود عدد كبير من الإعلاميين الذين توافدوا على المملكة مع انطلاقة الفورمولا1، فهؤلاء المجرمون يريدون أن تصبح المملكة وأجهزتها الأمنية أضحوكة في العالم بأسره.
ومع استمرار أعمال العنف غير المبررة في البحرين، من حقنا أن نتساءل: لماذا يحدث ما يحدث بالتواتر والتزامن في أكثر من بلد عربي! وهل هي مصادفة حقا! وهل التنوع العرقي والديني والطائفي في البلدان العربية بات كالقنبلة الموقوتة التي تشتعل فتائلها دفعة واحدة، وإلى أي شئ تهدف تلك الأصابع الخفيةّ! وما علاقة تصعيد التوتر الأمني بتزايد الضغوط الدولية على الجمهورية الإيرانية؟ أم أن ما يحدث مجرد انعكاس حقيقي لنظرية الفوضى الخلاقة التي تتبناها الإدارة الأميركية وما يحدث حاليا مجر خطوة في اتجاه وضعها موضع التطبيق؟! وبالتالي فإن هناك شكوكا عدة في أهداف هؤلاء المندسين الذين تحركهم أياد خفية قد تتلاقى مصالحها وقتا لكنها تتقاطع دوما.

