القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/ العدد الخامس والثلاثون - جمادي الأولى 1427هـ


بين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عربي

الأرشيف

مواقف المفكرين - 20- الأستاذ محمد عبد الله عنان

Share |

  هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند  كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .

والأستاذ محمد عبد الله عنان ، هم من الباحثين المرموقين وله العديد من الكتب القيمة ، مثل كتابه " الحاكم بأمر الله " ، و كتابه " تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة " الذي نقتبس منه هذا المبحث من ص 23 – 27 .  الراصد
 
ثورة الشيعة
محمد عبد الله عنان
 أصل الشيعة
لما توفي النبي العربي ثار الخلاف واختلفت كلمة القبائل على مسألة الحكم، وهدأت ثورة هذا الخلاف حيناً في عهد أبي بكر أول الخلفاء وعهد خلفه عمر، ولكنها تفاقمت في عهد عثمان ثالث الخلفاء وانتهت بمقتله. وتولى علي بن أبي طالب الخلافة من بعده. وكان لعلي حزب ينادي بخلافته عقب النبي مباشرة، ويرى أنه هو وبنوه أحق الناس بها، بيد أن هذا الحزب لم يكن في البداية من القوة بحيث يستطيع أن يحول دون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما اشتد ساعده تحققت غايته بتولية علي، ثم نهض معاوية يسعى إلى نيل الخلافة مستتراً بالثأر لعثمان، فاجتمع حول علي كل أنصار الشورى ليقاوموا أطماع معاوية، وأخذوا يتلمسون من النصوص والوثائق الدينية ما يؤيدون به حق علي وأسرته.
  
معنى الاصطلاح
هذا الحزب الذي التف حول علي منذ وفاة النبي وساعده على نيل الخلافة، وأيده ضد معاوية إلى النهاية، ثم التف حول بنيه من بعد مقتله، هو حزب الشيعة أي الأتباع والصحب. والشيعة في عرف علماء الكلام هم أتباع علي وبنيه. ويقال لهم شيعة آل البيت.
ومن الخطأ أن يقال إن الشيعة إنما ظهروا لأول مرة عند انشقاق الخوارج وأنهم سموا كذلك لبقائهم إلى جانب علي، فشيعة علي ظهروا منذ وفاة النبي، كما قدمنا، ولبثوا يرقبون الحوادث والفرص حتى ولي الخلافة علي.
مذهب الشيعة في الإمامة
ومذهبهم جميعاً هو أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويختار القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن من أركان الدين لا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، وأن يكون هذا الإمام معصوما من الكبائر والصغائر، وأن علياً هو الذي عينه النبي للخلافة من بعده. وهم يؤيدون ذلك بآيات من القرآن يفسرونها طبقاً لرأيهم، وأحاديث ينسبونها إلى النبي، ليس من موضوعنا أن نتعرض لبحثها ومناقشتها.
فرقهم
والشيعة فرق عدة أهمها الإمامية، وهم الذين يتبرأون من أبي بكر وعمر ويطعنون في إمامتهما، لأنهما لم يقدما علياً ويبايعاه طبقاً للنصوص التي يقولون بها. ويسمون كذلك لقولهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان. والزيدية وهم لا يتبرأون من أبي بكر وعمر ولا يطعنون في حقهما مع قولهم بأن علياً أفضل منهما، لكنهم يجيزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين.
ومن الشيعة طوائف يسمون الغلاة قالوا بألوهية هؤلاء الأئمة، إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الألوهية، أو أن الإله حل في ذواتهم البشرية، وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى. ومنهم من قال إن كمال الإمام لا يكون لغيره، فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ذلك الكمال، وهو قول بالتناسخ، ومن هؤلاء من يقف عند واحد من الأئمة لا يتجاوزه إلى غيره، ويقول إنه حي لم يمت إلا أنه غائب عن الأعين، ومن ذلك قول الاثنى عشرية ـ نسبة إلى الثاني عشر من أئمة الإمامية وهو محمد بن الحسن العسكري ـ أنه لم يمت بل اختفى وأنه يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ويلقبونه بالمهدي المنتظر، إلى غير ذلك من النظريات والمزاعم.
اختلافهم في مساق الخلافة
وقد اختلف الشيعة فيما بينهم في مساق الخلافة بعد علي، فمنهم من ساقها في ولد فاطمة (ابنة النبي وزوج علي) بالنص عليهم واحداً بعد واحد وهم الإمامية. ومنهم من ساقها في ولد فاطمة بالاختيار واشترطوا أن يكون الإمام منهم عالماً زاهداً جواداً شجاعاً، وأن يخرج داعياً إلى إمامته وهم الزيدية، ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه الحسن والحسين (ابنا فاطمة) إلى أخيهما محمد بن الحنفية، وهم الكيسانية نسبة إلى مولاه كيسان.
وأما الكيسانية فساقوا الإمامة من بعد محمد بن الحنفية إلى ابنه ثم افترقوا فساقها بعضهم إلى أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن، وزعم آخرون أن أبا هاشم أوصى بالإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأوصى محمد بها إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام، وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله الملقب بالسفاح، وهو أول خلفاء بني العباس، وأوصى السفاح إلى أخيه أبي جعفر المنصور، ثم انتقلت في ولده بالنص والعهد.
الزيدية
وأما الزيدية فساقوا الإمامة على مذهبهم فيها باعتبار أنها تقوم باختيار الأمة لا بالنص، فقالوا بإمامة علي فابنه الحسن فأخيه الحسين فابنه علي زين العابدين فابنه زيد وهو إمام المذهب.
 وقد خرج زيد بالكوفة داعياً إلى الإمامة فقتل، فقال الزيدية بإمامة ابنه يحيى، وسار يحيى إلى خراسان داعياً فقتل أيضاً بعد أن أوصى بالإمامة إلى محمد بن عبد الله من ولد الحسن، وهو المعروف بالنفس الزكية، وقد خرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وحاربته عساكر المنصور فقتل، فقال بعض الزيدية إن الإمام من بعده أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب الأقصى، واختط مدينة فاس، وأسس دولة الأدارسة. وخالفهم آخرون منهم، وتشعبت آراؤهم في ذلك.
الاثنا عشرية
 وأما الإمامية فقالوا علي ثم ابنه الحسن بالوصية ثم أخيه الحسين فابنه زين العابدين فابنه محمد الباقر فابنه جعفر الصادق، ومن هنا اختلفوا إلى فرقتين: قالت الأولى بإمامة ابنه إسماعيل وهم الإسماعيلية ولقبوه بالإمام.
 وقالت الأخرى بإمامة ابنه موسى الكاظم فابنه علي الرضا فابنه أبو جعفر محمد فابنه علي فابنه محمد الحسن العسكري فابنه محمد المهدي وهو الثاني عشر من هؤلاء الأئمة. ولذا سميت هذه الفرقة بالاثنى عشرية. وإلى هنا تقف بأئمتها وتقول إن خاتمهم وهو المهدي لم يمت وإنما اختفى وتغيب حين اعتقل مع أمه، ولا يزال مختفياً إلى آخر الزمان ثم يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ويسمونه بالمهدي المنتظر.
 الإسماعيلية
وأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام، ثم ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين لأنه الإمام عندهم قد لا يكون ذا شوكة فيستتر، فإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته، ثم من بعده إلى ابنه جعفر الصادق ثم ابنه محمد الحبيب وهو آخر المستورين، ثم ابنه عبيد الله المهدي الذي فر إلى إفريقية وقام بدعوته هنالك وملك القيروان وأسس دولة العبيديين، وأسس بنوه دولة الفاطميين في مصر، ويسمى هؤلاء الإسماعيلية أيضاً بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام المستور أي الباطن.
وقد عنينا بذكر ما تقدم من فرق الشيعة، وترتيب أئمتهم وأنسابهم، تمهيداً لما سنذكره من تاريخ هذه الفرق، بيد أنا لن نعني كما قدمنا بهذا التاريخ إلا من حيث أن الفرق ثورية أو سرية.
تنازل الحسن ومقتل الحسين
 لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بايع الشيعة ابنه الحسن بوصية منه، غير أن بيعة الحسن لم تكن إلا صورة، وكان مقتل عليّ نذير الانحلال في صفوف العراقيين فانقض الجند عن الحسن، واضطر أن ينزل عن الخلافة لمعاوية كما رأينا، فنقم الشيعة منه ذلك والتفوا حول أخيه الحسين، ولحق الحسين أولا بمكة، ثم عاد فاعتزم السير إلى الكوفة حينما استدعاه بعض أشرافها، وأخذوا له البيعة، وسار الحسين إلى الكوفة في نفر قليل من شيعته بعد أن انصرف عنه معظم أصحابه.
ولقيه جند عامل الكوفة الأموي عبيد الله بن زياد على مقربة منها، وكانت بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وحاول القوم إرغامه على الذهاب معهم إلى الكوفة ثم أنزلوه في مكان قفر لا ماء فيه في ظاهر كربلاء. ولكن الحسين أبى وآثر القتال في صحبه القلائل؛ وكانوا اثنين وثلاثين فارسا وأربعين راجلا بينما بلغ جند ابن زياد أربعة آلاف مقاتل، وكان ذلك في العاشر من المحرم سنة 61هـ ( 10 أكتوبر سنة 680م) وقتل الحسين بعد صلاة الظهر من سهم أصابه، ثم تعاقبت عليه الطعان ومثل بجثته واجتز رأسه، وقتل معه عدة من أولاده وأخوته، وأرسلت رؤوسهم جميعاً إلى يزيد ابن معاوية.
وكان لمقتل الحسين على هذا النحو المؤسف وقع عميق في العالم الإسلامي،وكان من أعظم العوامل التي صدعت من هيبة الخلافة الأموية، ثم أدت في النهاية إلى سقوطها.
خروج المختار بن أبي عبيد
ومن ذلك الحين ألفى الطامعون من الزعماء في ثورة الشيعة سلاحاً يشهرونه وقت الحاجة، وفي نظرياتهم وتعاليمهم وسيلة لاستهواء الناقمين والبسطاء، وكان أول من اشتهر بالدعوة الشيعية المختار بن أبي عبيد الثقفي كان خارجياً ثم صار شيعياً، وقد خرج بالكوفة سنة 66هـ مطالباً بثأر الحسين وقتال الظلمة واستولى عليها، وطارد قتلة الحسين وقتلهم، ونادى بإمامة محمد بن الحنفية، وجرف تعاليم الشيعة إلى ما يوافق خططه ومشاريعه، وزعم أنه يعرف الخفي من العلوم والأسرار.
وكان يحمل في حروبه كرسياً قديماً غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة ويزعم أنه من ذخائر علي بن أبي طالب وأنه كالتابوت عند بني إسرائيل. وقويت شوكته بالكوفة حتى سار إليه مصعب بن الزبير سنة 67 هـ (686م) فقتله ومزق جموعه.
خروج بعض أئمة الشيعة ومقتلهم
ثم تشعبت مبادئ الشيعة، واختلفت طوائفهم فيمن هو أحق بالأمر من آل البيت وبايعت كل طائفة لصاحبها سراً، واجتاح سلطان بني أمية كل الأقطار بالسيف، فلما أن اعتور الوهن سلطان بني أمية وبدت عليه علائم الانحلال، وضعف أمر الولاة في الأقطار البعيدة عن الحكومة المركزية، عاد الشيعة إلى التحرك فخرج زيد بن علي بن الحسين في الكوفة سنة 121هـ وهو إمام فرقة الزيدية كما قدمنا والتف حوله الشيعة، فقاتله والي العراق وقتله، وفر ابنه يحيى إلى خراسان فرفع بها لواء الثورة سنة 125هـ فبعث إليه حاكم الولاية بالجند فقتلوه أيضاً وانقرض شأن الزيدية.
وكانت شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت وكانوا يرون كما قدمنا أن الإمامة من بعده لابنه أبى هشام عبد الله، وأن أبا هشام أوصى بها إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان من أكبر علماء الشيعة بالعراق وخراسان ثم من بعده إلى ابنه إبراهيم الملقب بالإمام الذي ظهر في خراسان، فقبض عليه مروان الثاني وسجنه حتى مات.
ظهور دعوة بني العباس
 في ذلك الحين أي حوالي سنة 129هـ ظهرت دعوة بني العباس بخراسان. وبنو العباس هم أبناء عمومة النبي وقد لبثوا زمناً يتطلعون إلى الملك، ولما لم تكن لهم عصبية كافية اندمجوا في الحركة الشيعية ووجدوا في التذرع بها وسيلة ناجعة لاستهواء الجموع، وكانت أول بادرة خطيرة لحركتهم قيام أبي مسلم الخراساني في خراسان بالدعوة إلى إبراهيم الإمام.
فلما توفي إبراهيم زعم بنو العباس أنه أوصى بالإمامة إلى أخيه عبد الله أبى العباس المعروف بالسفاح. واشتدت دعوة أبي مسلم في خراسان وقوي أمره وحارب عمال بني أمية في تلك الأنحاء واستولى عليها، وفي نفس الوقت سار أبو العباس السفاح إلى الكوفة داعيا إلى نفسه بعهد من أخيه إبراهيم، ودخلها وبايعه أنصاره بالخلافة، ثم انبث بنو العباس في نواحي العراق ونزعوها من أيدي عمال بني أمية، ثم كانت واقعة الزاب المشهورة التي هَزمت فيها جيوش السفاح، مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية في سنة 132هـ وكانت قبراً لملك بني أمية في المشرق.
وهكذا استعمل بنو العباس حركة الشيعة في شق طريقهم إلى الملك، وقامت الدولة العباسية أزهر دول الإسلام في المشرق.
غدر بني العباس بالشيعة
والواقع أن الدعوة الشيعية لم تكن في نظر بني العباس إلا وسيلة، فلما ظفروا بغايتهم قلبوا للشيعة ظهر المجن، وأخذوا في مطاردتهم فزج المنصور إلى السجن جماعة من أسرة الحسن بن علي. وفي سنة 145هـ خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين المعروف بالنفس الزكية في المدينة واستولى عليها فأرسل إليه المنصور جنده فقتلوه وشتتوا أنصاره؛ وخرج إبراهيم أخو النفس الزكية في البصرة واستولى عليها ودعا بالبيعة إلى أخيه قبل أن يصل إليه خبر مقتله، وبث أنصاره في تلك النواحي، فلما قتل أخوه بالمدينة سار إلى الكوفة وسير المنصور جيوشه إليه فهزم أصحابه وقتل. وفي عهد موسى الهادي ظهر في المدينة الحسين بن علي من ولد علي بن أبي طالب، ودعا بالإمامة لنفسه، فقاتله جند الهادي وقتلوه أيضا.
وفي عهد الرشيد خرج يحيى بن عبد الله من ولد علي كذلك، فسير إليه الرشيد جيشاً كثيفاً ثم قبض عليه وسجنه حتى مات.
ونحن نقف عند هذا الحد من ذكر أخبار الخارجين من آل البيت أبناء علي بن أبي طالب على دولة بني العباس، وإن استمر دعاتهم من بعد ذلك في الخروج من وقت لآخر، ومقاتلة عمال بني العباس بالنواحي، وقد أوردنا هذه الأمثلة لنرى كيف أن بني العباس لم يروا في الدعوة الشيعية إلا سلماً لارتقاء الملك، وكذلك سوف نوضح كيف أسفر نضال الشيعية الخفي لقلب الدولة العباسية عن انفجار ثوري هائل هز تعاليم الإسلام إلى الأعماق، ودفع إلى قبضة الشيعة بمعظم أقطار الدولة العباسية.