جولة الصحافة
كيف واجهت حماس الأزمة في سوريا؟
ياسر الزعاترة – الدستور 4/6/2011
وجدت حركة المقاومة الإسلامية حماس نفسها حيال أزمة حقيقية إثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا، لاسيما أن معظم قيادتها الرئيسة في الخارج كانت تقيم منذ سنوات في دمشق، حيث وجدت قدرا من الاحتضان والدعم لا ينكره سوى جاحد، وهو دعم لم يكن حكرا على النظام، إذ أن الشعب السوري كان حضنا دافئا للحركة أيضا، حيث منحها دعما لا يقل عن أي شعب عربي آخر.
لم يكن لدى أي مراقب على صلة بعوالم السياسة أي وهم حول البعد السياسي لذلك الدعم الذي تلقته الحركة، ومثلها حركة الجهاد وسائر قوى المقاومة، وليس ثمة عاقل كان يتصور أن بوسع النظام احتضان حركة تنتمي للجماعة الأكثر صداما معه طوال تاريخه «الإخوان» لولا الشعور بجدوى ذلك من الناحية السياسية.
حماس والجهاد -كما هو حال حزب الله - كانتا بالنسبة للنظام السوري جزءًا من الأمن القومي، وهما تحققان مصلحته بمواجهة من يريدون تحجيم حضوره ودوره، من دون أن نتجاهل أن مقاربة النظام حول كلفة الاستسلام الأغلى من كلفة الصمود والممانعة كانت صائبة إلى حد كبير، وهي التي أخرجته من مآزق كان يمكن أن تشطبه بالكامل، كما هو حال محطة الاحتلال الأمريكي للعراق.
الأكيد أن حماس كانت تتمنى لو أن النظام السوري استوعب رياح التغيير في المنقطة وبادر إلى إصلاحات تحقق الحد المعقول من مطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، لكن النظام لم يفعل اعتقادا منه بأن وضعه الداخلي مريح إلى حد كبير، فكانت الثورة الشعبية التي فاجأته، وربما فاجأت الجميع بجرأتها وإصرارها على الانتصار.
بعد الثورة الشعبية وجدت حماس نفسها أمام سؤال الموقف، وهنا لم تجد أفضل من الحياد. حدث ذلك باعتقادنا تجسيدا لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول العربية من جهة، كما كان جزءًا من الوفاء للشعب السوري الذي احتضنها، والذي يصعب على عاقل القول إنه اليوم على توافق مع نظامه في الملف الداخلي، لاسيما بعد أن سال الدم غزيرا في شوارع المدن والقرى السورية.
من جانب آخر- وفي حساب الأرباح والخسائر، فضلا عن المبدأ الذي تنحاز إليه الحركة- فإن أي انحياز إلى جانب النظام إنما يعني خسارة فادحة للجماهير العربية والإسلامية التي لم تتردد في دعم مطالب الشعب السوري في الإصلاح والتغيير، ثم ازداد انحيازها له بعد البطش الذي واجه به النظام جموع المحتجين، فضلا عن استباحة المدن والأحياء.
من هنا كان موقف الحركة الحيادي مقدّرا من قبل السوريين، وإلم يكن كذلك بالنسبة للنظام، أو بعض أركانه في أقل تقدير. صحيح أن ردة فعل معاكسة واضحة لم تسفر عن نفسها حتى الآن، ربما لأن الممانعة والمقاومة هي البضاعة التي يدافع بها النظام عن نفسه بين الجمهور السوري والجمهور العربي، لكن ذلك لا يعني أن الأمور ستبقى على ما كانت عليه، وإن تأثر الموقف بتطورات الحراك الشعبي.
خيارات الحركة غير دمشق تبدو محدودة، ومن العبث -بالطبع- القول إن غزة هي الخيار المفضل كما ذهب البعض، ليس لأنها مكشوفة تماما أمام العدو بالنسبة لأي قائد سياسي يوضع على قائمة الاستهداف، ولا أيضا لأنها تجعل الحركة أسيرة الموقف المصري (أيا تكن تقلباته)، بل أيضا بسبب انقطاع صلتها المباشرة بالضفة الغربية وما تبقى من فلسطين، فضلا عن حقيقة أن مصير القطاع لم يُحسم بعد في ظل انتخابات جديدة قادمة يمكن أن يفوز فيها مناهضو برنامج المقاومة، وأصحاب مشروع «الحياة مفاوضات» والسلاح الواحد كما كرر ذلك محمود عباس أثناء كلمته في احتفال المصالحة، لاسيما أن الاستهداف الذي تتعرض له الحركة في الضفة سيتصاعد أكثر فأكثر بمرور الوقت، وقد تابعنا خلال الأسبوعين الأخيرين حملة الاعتقالات التي طالت النواب (استهداف السلطة لم يتوقف أيضا)، ما يؤكد عبثية فكرة المصالحة القائمة على ذات برنامج السلطة التقليدي وفكرة الانتخابات ذات المآل البائس سواء فازت حماس أم فتح وحلفاؤها.
قطر، وإن كانت خيارا بالنسبة لقلة من رموز الحركة، إلا أنها سترفض على الأرجح استضافة الكثير منهم، وكذلك حال الأردن المقيد بشروط وادي عربة ومعادلاته السياسية الأخرى، كما أن الخيارات الأخرى جميعا تنطوي على قيود ومشاكل لا تجعلها أقرب إلى الحالة السورية، ربما باستثناء لبنان إذا سمحت تناقضاته بذلك، وفي مقدمتها موقف حزب الله، لكن ذلك كله لا ينفي أن المرحلة المقبلة هي مرحلة المقاومة والآفاق الأفضل في ظل نجاح الثورة في تونس ومصر وإمكانية نجاحها في دول عديدة أخرى.
هي لحظة صعبة من دون شك، لكنها طبيعية ومتوقعة في تاريخ الحركات الثورية والعقائدية، فكيف إذا كانت جزءًا من مخاض يبشر بمرحلة أفضل بكثير عنوانها الإجماع الشعبي الفلسطيني المدعوم من جماهير الأمة على برنامج شطب الاحتلال بكل وسيلة ممكنة، وفي مقدمتها انتفاضة الداخل والزحف الجماعي (الشتات الفلسطيني والجمهور العربي) من الخارج؟!

