القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/العدد الحادي والتسعين - محرم 1432 هـ


إذا كانت الطائفية هي الحل.. فلْتكن .. ولْنكن ..! سامراء ...الحضور الإيراني والغفلة السنية يوم السقيفة (10)

الأرشيف

منهج شيخ الإسلام في كتابه " منهاج السنة" (2-2)

Share |

د. أنس سليمان المصري النابلسي

 

المطلب الرابع: طرق طرح مسائل النقاش عنده:

أولها: يبدأ بعرض الأمور المتفق عليها قبل مناقشة الأمور المختلف فيها:

قبل أن يبدأ شيخ الإسلام في نقاش مسائلهم المخالفين فيها، فإنه يستعرض أوليات العلم في هذه المسألة، وأسسها المتفق عليها بين علماء الدين، إن كانت من الأمور الشرعية، أو الأسس العقلية التي يعلمها أهل المنطق بالضرورة، ثم يبسط القول في المسألة فيما يعرفه العقل الصحيح، وبعد ذلك يقوم بعرض رأي الشيعة في ذلك، ويبدأ بدحض أفكارهم.

ثانيها: الاستدلال بكلام علماء السلف ممن خبروهم وعرفوهم:

كقوله عن الشعبي: ([1]) ومن أخبر الناس بهم الشعبي وأمثاله من علماء الكوفة وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية لو كانوا من الطير لكانوا رخماً ولو كانوا من البهائم لكانوا حمراً والله لو طلبت منهم أن يملئوا لي هذا البيت ذهباً على أن أكذب على علي لأعطوني ووالله ما أكذب عليه أبداً.

ثالثها: مقارنة أقوالهم بالفرق الأخرى والمفاضلة بينهم:

كما يقارن شيخ الإسلام بين أقوال الرافضة ومعتقداتهم مع الفرق الأخرى كالخوارج والمعتزلة والمتصوفة ويذكر أصول بدعتهم ويفاضل بين تلك الأصول ويبين أوجه القبول الرد بين تلك الأقوال والمعتقدات، وعليه فإنه يمكن أن يقبل شيئاًَ من أقوال الخوارج بناءً على معرفته لمعتقداتهم من بعدهم عن الكذب وغير ذلك من الأمور.

ومن أوجه تلك المفاضلة:

1: مقارنة معتقداتهم بمعتقدات الخوارج وتفضيل الخوارج عليهم:

كقوله في الخوارج: ([2]) والبدع متنوعة فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم واتفق الصحابة وعلماء المسلمين على قتالهم وصح فيهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه رواها مسلم في صحيحه روى البخاري ثلاثة منها وهم ليسوا ممن يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا وضلوا في بدعتهم ولم تكن بدعتهم عن زندقة وإلحاد بل عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب. وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد وتعمد الكذب كثير فيهم وهم يقرون بذلك حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق.

وقال: ([3]) شُبه الرافضة أظهر فساداً من شبه الخوارج والنواصب، والخوارج أصح منهم عقلاً وقصداً والرافضة أكذب وأفسد ديناً.

وقال عنهم: ([4]) وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه بل يفضلون محمداً ويعظمونه ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه.

فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين لكونه كان من شيعة عثمان ومن المنتصرين له وسبوا أباه سعداً لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة؟ بل الرافضة شر منهم فإن أبا بكر أفضل من سعد وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين وكلاهما مظلوم شهيد رضي الله عنهما.

ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين.

فنرى أنه فضّل الخوارج رغم سوئهم على الرافضة، وهو أمر مهم عند معرفة خير الخيرين وشر الضررين.

2: مقارنته إياهم بالمعتزلة وإبراز مدى التشابه بينهم:

وقال: ([5]) وأما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر، والمعتزلة في الجملة أعقل وأصدق وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة.

3: مقارنة معتقداتهم بالصوفية وتفضيل الصوفية عليهم:

كقوله فيهم: إن إيمان شيوخ الزهد والدين بإلياس والخضر والغوث والقطب ورجال الغيب ليس بواجب عند تلك الطوائف كإيمان أولئك بوجوب الإيمان بالمهدي المنتظر، وإن كان بعض غلاة الطوائف يوجبون ذلك في بعض الأزمان فإن قولهم مردود كقول الرافضة.

وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه، بل هو مشابه له من بعض الوجوه؛ لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفاً على ذلك.([6])

4: مقارنة معتقداتهم بمعتقدات أهل السنة وتفضيل أهل السنة عليهم من كل وجه:

قال شيخ الإسلام: فلا يوجد لأهل السنة قول ضعيف إلا وفي الشيعة من يقوله ويقول ما هو أضعف منه ولا يوجد للشيعة قول قوي إلا وفي أهل السنة من يقوله ويقول ما هو أقوى منه ولا يتصور أن يوجد للشيعة قول قوي لم يقله أحد من أهل السنة فثبت أن أهل السنة أولى بكل خير منهم كما أن المسلمين أولى بكل خير من اليهود والنصارى.([7])

 

رابعها: الاستدلال بكلام أهل الفرق على بعضها البعض:

فعندما طرح مسألة حدوث العالم وقدمه ناقش المتكلمين على قولهم بقدم الحوادث، أورد في ردوده كلام أئمة الفلاسفة وأهل الملل الأخرى على المتكلمين.

قال شيخ الإسلام: ... فقال لهؤلاء –يعني القائلين بحدوث العالم- أئمة الفلاسفة وأئمة أهل الملل وغيرهم: ([8]) فهذا الدليل الذي أثبتم به حدوث العالم هو يدل على امتناع حدوث العالم وكان ما ذكرتموه إنما يدل على نقيض ما قصدتموه….

وعند مناقشة أي بدعة أو رد عليهم يذكر وجوه الرد عنده، ثم ينقل ردود الفرق الأخرى على ذلك المبتدع ولو كان صاحب الرد من المبتدعة أيضاً.

فلما تكلم شيخ الإسلام عن صفات الله وأفعاله ورد كلام الفلاسفة فيها، نقل بعد ذلك كلام ابن ملكا في الرد على الفلاسفة وإبطال كلامهم، مع كون ابن ملكا من أتباعهم، وهم سلفه، لكنه نقض أقوالهم في إبطال صفات الله وأفعاله، فاستشهد به شيخ الإسلام في هذا الموضع.([9])

ولما ذكر مسألة إثبات صفات الله تعالى، وأنه لم يزل متكلماً كما يشاء، قادراً على الفعل متى شاء، ذكر رأي المعتزلة في نفي تلك الصفات وذكر متابعة الشيعة لهم على هذا القول ثم ذكر رأي الأشاعرة وما ردوه على المعتزلة من قولهم ونقضهم لآرائهم، ونقل ردودهم على المعتزلة والشيعة، فقال: ([10]) قال هؤلاء –يعني الأشاعرة- للمعتزلة والشيعة ولما كان هذا الدليل عمدتكم استطال عليكم الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله وهذا الدليل مناف في الحقيقة لحدوث العالم لا مستلزم له فإنه إذا كان هذا الحادث لا بد له من سبب حادث وكان هذا الدليل مستلزماً لحدوث الحادث بلا سبب لزم أن لا يكون الله أحدث شيئاً فإذا جوزنا ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح أنسد طريق إثبات الصانع الذي سلكتموه.

وقالوا أيضاً للمعتزلة والشيعة: أنتم مع هذا عللتم أفعال الله تعالى بعلل حادثة فيقال لكم: هل توجبون للحوادث سبباً حادثاً أم لا؟ فإن قلتم: نعم، لزم تسلسل الحوادث وبطل ما ذكرتموه.

ولما طرح مسألة عصمة علي رضي الله عنه وأنه لا معصوم غيره اتفاقاً، رد عليه شيخ الإسلام بأن كثيراً من العباد والعامة يعتقدون عصمة شيوخهم مثلكم مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أولى والإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم وهم غير الاثني عشر وأتباع بني أمية كانوا يقولون: إن الخليفة لا حساب عليه ولا عذاب.([11])

وطعن الخوارج في علي وخرجوا عليه، وأراد الشيعة أن يبرؤوه ويردوا عليهم، لكنهم سيعجزون في ردهم على الخوارج وإثبات إيمان علي وعدالته مع كونهم على مذهب الرافضة، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا إلى مذهب أهل السنة.

فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره أو تفسقه لا نسلم أنه كان مؤمناً بل كان كافراً أو ظالماً كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله إلا وذلك الدليل على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان أدلّ.

فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق أمكن الخارجي أن يدعى النفاق وإذا ذكروا شبهة ذكر ما هو أعظم منها.

وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن عدوين للنبي صلى الله عليه وسلم أفسدا دينه بحسب الإمكان أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول كان يحسد ابن عمه والعداوة في الأهل وأنه كان يريد فساد دينه. ([12])

خامسها: مقارنة أقوالهم بأقوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمفاضلة بينهم:

كثيراً ما يذكر شيخ الإسلام قول الرافضة ثم يعرض بعده أشباه هذا القول عند أهل الكتاب، أو غيرهم من الفرق، ويفاضل بين أقوال القوم، وغالباً ما يظهر فساد قول الرافضة وسوئه أكثر من قول أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

ومن أعظم ما ظهر في ذلك قول شيخ الإسلام: ([13]) وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين؛ سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم.

وقد عرض كثيراً من أوجه المشابهة بينهم وبين اليهود من حيث معادتهم لجبريل، واستحلال مال المسلمين، وزواجهم للمتعة، والطلاق، وتحريمهم لبعض المطعومات التي أحلها الله، ودفنهم للموتى، وغير ذلك من أمور شابهت فيها الرافضة إخوانهم من اليهود والنصارى.

ومنها قول شيخ الإسلام: ([14]) وللكفار كاليهود مواضع يقولون إنهم يرون الخضر فيها وقد يرى الخضر على صور مختلفة وعلى صورة هائلة وأمثال ذلك وذلك لأن هذا الذي يقول إنه الخضر هو جني بل هو شيطان يظهر لمن يرى أنه يضله وفي ذلك حكايات كثيرة يضيق هذا الموضع عن ذكرها. وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالاً من هؤلاء فإن منتظرهم ليس عنده نقل ثابت عنه ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه المنتظر ولما دخل السرداب كان عندهم صغيراً لم يبلغ سن التمييز.

ولما ذكر مسألة الأئمة المعصومون، وأن كلامهم شرع ووحي وأن الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه قال: ([15]) والإسلام مبني على أصلين أن لا تعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع.

فالنصارى خرجوا عن الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم.

وأيضا فإن النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون أيضا إن المسيح ابن الله.

والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغاليتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح.

والنصارى يقولون: إن الدين مسلم للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه.

والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه.

وأما من دخل في غلوة الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم ويقولون: إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك من المقالات التي هي من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم.

وشبّه اعتقادهم بتفضيل علي على الصحابة وغلوهم في قدره بتفضيل النصارى عيسى على باقي الأنبياء وتفضيلهم إياه على إبراهيم وموسى، وطعنهم وتكذيبهم لأبي بكر وعمر والتكلم فيهم هو من جنس كلام اليهود والنصارى في محمد و الطعن فيه واتهامه.([16])

سادسها: مقارنة معتقدات الفرق بعضها ببعض والمفاضلة بينها:

فلما عرض مذهب الفلاسفة المتكلمين في مسألة قدم الأفلاك، وصفات الله تعالى، وذكر جوانب الخطأ والصواب عند الفرق الأخرى، قارن بينها وذكر أيها أقرب للصواب مع أن كلا الفريقين اعتبره ملحداً في مقالته، فأنكر على من نفى الكلام عن الله تعالى مطلقاً وهم الفلاسفة وابن سينا، وخطّأ الرأي الآخر القائل بأن الرسل إنما تكلم بما قاله الله على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة كابن رشد.

ثم قال: ([17]) وابن رشد ونحوه يسلكون هذه الطريقة ولهذا كان هؤلاء أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأمثاله وكانوا في العمليات أكثر محافظة لحدود الشرع من أولئك الذين يتركون واجبات الإسلام ويستحلون محرماته وإن كان في كل من هؤلاء من الإلحاد والتحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة بحسب ما وافقوا فيه ذلك.

ثم قارن بين كلام ابن رشد وأبي حامد الغزالي، ورجح كلام أبي حامد على ابن رشد، وإن كان في كلام أبي حامد ما هو خطأ، لكنه فضّل كلامه على كلام ابن رشد؛ لكون ابن رشد إنما بنى كلامه على أصول كلامية فاسدة، مثل كون الرب لا يفعل شيئاً بسبب ولا لحكمة.([18])

ولما ذكر أرسطو وأمثاله من الفلاسفة، ومعتقداتهم، ثم ذكر معتقدات اليهود والنصارى، قال: ([19]) لكن الذي لا ريب فيه أن هؤلاء أصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مشركين يعبدون المخلوقات ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني وأن اليهود والنصارى خير منهم في الإلهيات والنبوات والمعاد.

ثم ذكر أن هذا ما جعل اليهود والنصارى أن يعتقدوا أن أصل خلق الإنسان من طين وأنه خلق الملائكة، وهذا ما لا يوافقهم عليه الفلاسفة، فاليهود والنصارى في هذا أفضل من أولئك الملحدين.

ولما تكلم عن مسألة القدر وإثبات بعض الطوائف له ونفي بعضها الآخر، ذكر فيه قول المشركين والمعطلين والمجوس وغيرهم ثم قال: ([20]) وأصل المشركين والمعطلة باطل وكذلك أصل المجوس والقدرية تخرج بعض الحوادث عن خلق الله وقدرته ويجعلون له شريكاً في الملك.

وهؤلاء الدهرية شر منهم في ذلك فإن قولهم يستلزم إخراج جميع الحوادث عن خلق الله وقدرته وإثبات شركاء كثيرين له في الملك بل يستلزم تعطيل الصانع بالكلية.

سابعها: العدل مع الخصوم واتباع الحق في طرحه للمسائل:

امتثالاً لقوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا"، فقد نقل عن أبي القاسم الطبري في كتابه شرح أصول السنة كلاماً في ذم الرافضة من طرق متعددة عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، ثم قال: لكن عبد الرحمن بن مالك بن مغول ضعيف. ثم قال: وقد صح ذلك عن غيره كالشعبي وغيره من طرق أخرى ثابتة.([21])

وذكر أن مصطلح الرافضة إنما ظهر بعد زمان زيد وهو سنة خمس ومئة أو قريباً من ذلك، ثم قال: ولفظ الرافضة لم يكن معروفاً قبل ذلك، وبهذا وغيره يُعرف كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة.([22])

ومعلوم أن للتاريخ دور كبير في نقد الحديث وبيان علله.

ولما ذكر قولهم في أن المطيع لا يستحق ثواباً، لم يرد عليهم القول بالكلية بل جعل له معنيين فإن أرادوا المعنى الصواب كان كلامهم صواباً، وإن أرادوا المعنى الخطأ رد عليهم بما يدحض رأيهم، مع كون أن أصولهم توافق المعنى الخطأ، ولكن من باب العدل أن تُطرح كل الاحتمالات الممكنة لقولهم بهذا الرأي.

قال شيخ الإسلام: ([23]) فقول القائل إنهم يقولون إن المطيع لا يستحق ثواباً إن أراد أنه هو لا يوجب بنفسه على ربه ثواباً ولا أوجبه غيره من المخلوقين فهكذا تقول أهل السنة وإن أراد أن هذا الثواب ليس أمراً ثابتاً معلوماً وحقاً واقعاً فقد أخطأ وإن أراد أنه هو سبحانه وتعالى لا يحقه بخبره، فقد أخطأ على أهل السنة، وإن أراد أنه لم يحقه بمعنى أنه لم يوجبه على نفسه ويجعله حقاً على نفسه كتبه على نفسه فهذا فيه نزاع قد تقدم

وهو بعد أن وعد بالثواب أو أوجب مع ذلك على نفسه الثواب يمتنع منه خلاف خبره وخلاف حكمه الذي كتبه على نفسه وخلاف موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى. انتهى كلامه.

ولما ادعى الرافضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الولاية والإمامة لعلي، واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنت مني وأنا منك".

قال شيخ الإسلام: ([24]) و أما قوله: لعلي أنت مني و أنا منك فصحيح.

فأقر شيخ الإسلام قول الرافضي لصحته، ثم ناقشه في طريقة فهمه للحديث فقال: وقال لجعفر: أشبهت خلقي و خلقي، وقال لزيد: أنت أخونا و مولانا، وقال للاشعريين: هم مني و أنا منهم، كما قال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجليبيب: هذا مني وأنا منه، فعلم إن هذه اللفظة لا تدل على الإمامة ولا على أن من قيلت له كان هو أفضل الصحابة.

ثامنها: طرح جميع الاحتمالات العقلية ومناقشتها:

وهذا يكون في المسائل العقلية المحضة، فإن الشيخ يقوم بوضع جميع الفرضيات واحتمالات النقد ثم مناقشتها من الوجوه المختلفة، فيقول: فإن قيل:...، قيل:...، وهكذا حتى يأتي على جميع الاحتمالات العقلية المقبولة.

أو يتبع إسلوب: فإن قلتم كذا، كان عليكم كذا وكذا، وإن قلتم كذا، فقد وقعتم في كذا وكذا، وإن قلتم بكذا، لزمكم قول كذا وكذا.([25])

وأمثلة ذلك كثيرة عنده يصعب حصرها؛ ذلك أنه أسلوب عام عنده.

وعند مناقشته لمسألة عصمة علي عند الرافضة قال: إما أن يجب وجود المعصوم أو لا، فإن قلتم: لا سقط ما تدعون، وإن قلتم: نعم، لم نسلم أنه علي دون الثلاثة قبله.([26])

تاسعها: الاستدلال بالآيات والأحاديث:

معلوم أن الشيعة الروافض لا يقرون أهل السنة على الأحاديث التي يحتجون بها، ولا يعتمدون عليها، كما لا يقرون بكثير من تأويل الآيات القرآنية التي يؤولها أهل السنة، ونرى شيخ الإسلام كثيراً ما يحتج بالآيات القرآنية والأحاديث في النقاش العقلي المحض، ويستدل بها على الشيعة، وهذا له وجوه مختلفة:

أولها: أنه يطرحها لإقناع أهل السنة أن هؤلاء مجانبون للصواب، بعيدون عنه، مخالفون لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية.

والثاني: أن تلك الآيات والأحاديث بحد ذاتها لها الطابع العقلي الذي يناقشه شيخ الإسلام، كما ناقش الله تعالى الكفار بأدلة عقلية مماثلة في كتابه الكريم.

الثالث: أو لأن الرافضة أنفسهم يقرون بتلك الآيات والأحاديث التي يحتج بها شيخ الإسلام في عصره على الأقل وإن كانوا بعد ذلك زادوا غلواً فتركوها وكذبوها لما علموا أن فيها عليهم من الحجة والبرهان في إبطال معتقداتهم.

ثم بين شيخ الإسلام الحجة في ذلك؛ فبعد ذكره للأدلة التي يستدل بها أهل السنة على الرافضة قال:([27]) وهؤلاء وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة فإما أن نحتج بما يقوم الدليل على صحته ونحن وهم أو لا نحتج بشيء من ذلك لا نحن ولا هم فإن تركوا الرواية رأساً أمكن أن نترك الرواية، وأما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الرواية بالرواية والاعتماد على ما تقوم به الحجة ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعارضون به أهل السنة من الروايات الباطلة والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه. انتهى كلامه.

وبعد رده على شبههم في الطعن في أبي بكر، وإيراد الأحاديث الدالة على فضله قال: ([28]) و لكن تلك الطريق هي طريقة أهل العلم بالحديث العالمين بما بعث الله به رسوله ولكن نحن نذكر طريقا آخر فنقول: نقدر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح ونترك الاستدلال بها في الطرفين ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر و ما يعلم من العقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها.

وقد استطرد في مسألة إثبات الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق كثيراً من الأدلة النقلية الدالة على صحة هذا القول، ثم جاء بأدلة العلماء كابن حزم وأورد ما يوافق من الأدلة العقلية على ذلك، ثم سرد الأدلة التاريخية والأحداث التي دارت حول المسألة وأطال في تفصيلاتها، ورد كلام ابن المطهر وأمثاله في خطئهم على أبي بكر في هذا.([29])

عاشرها: الاستدلال عليهم من أصل قولهم وبيان تناقضاتهم:

مثل ما أنكر عليهم في أن أصولهم العقدية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة؛ فالإمامة آخر مراتب أصول الدين، فكيف يدعي ابن المطهر أن الإمامة أشرف وأهم أصول الدين عندهم؟.([30])

وقال: ([31]) ولهذا كل من صنف في أصول الدين يذكر مسائل الإمامة في الآخر حتى الإمامية يذكرون مسائل التوحيد والعدل والنبوة قبل مسائل الإمامة وكذلك المعتزلة يذكرون أصولهم الخمس التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والخامس هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه تتعلق مسائل الإمامة. انتهى كلامه.

وقولهم: إن الإمامة لطف من الله، ومراعاة لهم بمصالح المسلمين، وأنها من أهم مطالب الدين، قال شيخ الإسلام: فإنهم قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين...، فالله تعالى قد علق بولاة الأمور مصالح في الدين والدنيا سواء كانت الإمامة أهم الأمور أو لم تكن والرافضة أبعد الناس عن حصول هذه المصلحة لهم فقد فاتهم على قولهم الخير المطلوب من أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين.([32])

حادي عشرها: مناقشة أدلتهم النقلية من حيث الصحة والفساد، ثم مناقشتها عقلياً على فرض صحتها:

مثل استدلال ابن المطهر بحديث: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

قال شيخ الإسلام: ([33]) يقال له أولاً: من روى هذا الحديث بهذا اللفظ؟ وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن يحتج بنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؟ وهذا لو كان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف؟.

ثم قال: ([34])  إن كان هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فليس في حجة لهذا القائل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: مات ميتة جاهلية، في أمور ليست من أركان الإيمان التي من تركها كان كافراً.

ثاني عشرها: تنويع الرد بين عقلي ونقلي وتاريخي بما يناسب الشبهة المطروحة:

فإن كانت الشبهة المطروحة عقلية فإن الرد يكون العمدة فيه على العقليات ونادراً ما يورد النقليات إلا إذا كانت تلك الآيات والأحاديث تتكلم بأسلوب عقلي منطقي، وإن كان الطعن من جهة الكتاب والسنة، وهذا قليل، فإنه يورد الأدلة النقلية لإثبات صحة ما ذهب إليه، أما إن كانت الشبهة من ناحية الطعن في التاريخ والأحداث التي جرت زمن الصحابة والتابعين، فإنه يرد على المنطق ذاته بأدلة تاريخية تثبت كذب ما افتراه الخصم.

ومثاله ما رده شيخ الإسلام على ابن المطهر بأن علياً أجمع الصحابة على مبايعته، خلافاً لأبي بكر وعمر وعثمان، فإن الشيخ رد عليه من ناحية تاريخية لأن الشبهة تاريخية، خلافاً لما كان يرد عليه بداية بأدلة عقلية لما طُرحت مسائل القدر وقدم العالم وأمثالها.

قال شيخ الإسلام: ([35]) وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له.

فتخصيصه عليا بمبايعة الخلق له دون أبي بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي رضي الله عنه وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم مما اتفقوا على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا علياً فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة بعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام.

وأما علي رضي الله عنه فإنه بويع عقيب قتل عثمان رضي الله عنه والقلوب مضطربة مختلفة وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضاراً حتى قال من قال: إنهم جاءوا به مكرهاً وأنه قال: بايعت واللج -أي السيف- على قفى.

وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما قتلوا عثمان وماج الناس لقتله موجاً عظيماً وكثير من الصحابة لم يبايع علياً كعبدالله بن عمر وأمثاله وكان الناس معه ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه وصنف قاتلوه وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له ولا يقال مثل ذلك في مبايعة الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد؟، بل بايعهم الناس كلهم لا سيما عثمان. انتهى كلامه.

ولما ذكر ابن المطهر أن يوم بدر قتل علي من المشركين ستة وثلاثين رجلاً يعني ما يزيد على النصف من القتلى، رد الشيخ بالأدلة التاريخية التي تنفي هذا القول وأن كثيراً من المشركين إنما قتلوا دون وجود علي رضي الله عنه وأن هذا من الكذب البين المفترى.

ولما ذكر ذلك الرافضي قوله أن الله فتح على علي في غزوة أحد، وأنه قتل من المشركين ما قتل، رد عليه الشيخ بأنه معلوم من التاريخ أن غزوة أحد لم يكن فيها فتح بل كانت على المسلمين لا لهم فكيف يستقيم ما أورده ذلك الرافضي؟، والنبي صلى الله عليه وسلم تأذى في تلك الغزوة وقتل ما يقارب السبعين صحابياً فيها.

وأثبت شيخ الإسلام كذبه في قول جبريل عن سيف علي: لا سيف إلا ذو الفقار بأن ذو الفقار إنما كان لأبي جهل وغنمه المسلمون يوم بدر.([36])

ولما تكلموا عن الصحابة بالطعن والثلب، رد عليهم شيخ الإسلام بأدلة نقلية وأورد الآيات الدالة على عدالة الصحابة ونزاهتهم، وأورد الأحاديث الواردة في ذلك ثم رد على تحريفاتهم بالآيات والأحاديث، فأجمل في ذلك الرد بالنقليات، ثم ناقش المسألة من جهة عقلية ومنطقية، وأورد الأدلة العقلية على عدالة الصحابة وصدقهم.([37])

ومثل رده على ابن المطهر الرافضي لما ادعى أن علياً كان يؤجر نفسه وينفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الشعب.

قال شيخ الإسلام: ([38]) كذب بين من وجوه: أحدها: أنهم لم يكونوا يخرجون من الشعب ولم يكن في الشعب من يستأجره.

و الثاني: أن أباه أبا طالب كان معهم في الشعب و كان ينفق عليه.

و الثالث: أن خديجة كانت موسرة تنفق عليه من مالها.

و الرابع: أن علياً لم يؤجر نفسه بمكة قط و كان صغيراً حين كان في الشعب إما مراهقاً و إما محتلماً فكان علي في الشعب ممن ينفق عليه إما النبي صلى الله عليه و سلم و إما أبوه لم يكن ممن يمكنه أن ينفق على نفسه فكيف ينفق على غيره؟!.

 

المطلب الخامس: توظيف الأدلة العلمية ونتائج المناظرة فيما يستفاد منها في الأمور العملية:

ذكر شيخ الإسلام طرق التعامل مع العقوبات الشرعية وأنها تختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع قد يكون بالتأليف تارة وبالهجر تارة أخرى.

ثم ذكر على ذلك أنه لا ترد رواية المبتدع مطلقاً، ولا الصلاة خلفه إن لم تكن بدعته مكفرة، ومع ذلك فإنه من الخطأ أن لا ينكر على المظهرين لبدعتهم بهجر أو ردع.

ثم قال: ولهذا كان من أصول أهل السنة أن الصلوات التي تقيمها ولاة الأمور تصلى خلفهم على أي حالة كانوا، كما يحج معهم ويغزو معهم.([39])

ولما نقض كلام الفلاسفة في القول بعدم حدوث الأجسام، وأثبت القول الحق فيه، قال: ([40]) ومما يستفاد بهذه الطريق التي قررناها الخلاص عن إثبات الحدوث بلا سبب حادث والخلاص عن نفي ما يقوم بذات الله من صفاته وأفعاله.

ومما يستفاد بذلك أنها برهان باهر على بطلان قول القائلين بقدم العالم أو شيء منه وهو متضمن الجواب عن عمدتهم.

ومما يستفاد بذلك الاستدلال على المطلوب من غير احتياج إلى الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار وذلك أن كثيراً من أهل النظر غلطوا في الفرق بين هذا وهذا من المعتزلة والشيعة وصار كثير من الناس كالرازي وأمثاله مضطربين في هذا المقام فتارة يوافقون المعتزلة على الفرق وتارة يخالفونهم وإذا خالفوهم فهم مترددون بين أهل السنة وبين الفلاسفة أتباع أرسطو.

وأصل ذلك أنا نعلم أن القادر المختار يفعل بمشيئته وقدرته. انتهى كلامه.

ولما ذكر خطأ المعتزلة وأتباعهم من الشيعة في قولهم بنفي تسلسل الأحداث قال شيخ الإسلام: ولأجل ذلك وقعوا في أمور كثيرة، فقالوا: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، والتزموا لأجل ذلك بأن الخالق لم يكن متكلماً، ولا متصرفاً بنفسه حتى أحدث كلاماً منفصلاً عنه، وجعلوا خلق كلامه كخلق السماوات الأرض.([41])

فبيّن سبب قولهم بهذه الأقوال المنافية للشرع إنما كانت لاتباعهم نفي هذا المبدأ الفلسفي.

 

المطلب السادس: ربط العقليات الثاتبة بالشرعيات، وإثبات أن الشرع والعقل لا يتناقضان:

فلما تكلم الشيخ عن الصفات وما فرّع الفلاسفة على هذه المسألة من أمور عقلية منافية للشرع والعقل أبطل حجتهم عقلاً، ثم ذكر بطلانها بالشرع وأنها تفريعات مبتدعة.

ثم قال: ([42]) وفرعوا من الكلام في صفات الله وأفعاله ما هو بدعة مخالفة للشرع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فهي مخالفة للعقل كما هي مخالفة للشرع.

والذي نبهنا عليه هنا يعلم به دلالة العقل الصريح على ما جاءت به الرسل ولا ريب أن كثيراً من طوائف المسلمين يخطئ في كثير من دلائله ومسائله فلا يسوغ ولا يمكن نصر قوله مطلقاً بل الواجب أن لا يقال إلا الحق قال تعالى: "ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق".([43])

وإذا كان المقصود نصر حق اتفق عليه أهل الملة أو رد باطل اتفقوا على أنه باطل نصر بالطريق الذي يفيد ذلك وإن لم يستقم دليله على طريقة طائفة من طوائف أهل القبلة بين كيف يمكن إثباته بطريقة مؤلفة من قولها وقول طائفة أخرى فإن تلك الطائفة أن توافق طائفة من طوائف المسلمين خير لها من أن تخرج عن دين الإسلام وكذلك أن توافق المعقول الصريح خير من أن تخرج عن المعقول بالكلية والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد في العقل فإن الحق لا يتناقض والرسل إنما أخبرت بالحق والله فطر عباده على معرفة الحق والرسل بعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة قال تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق".([44])

فأخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول. انتهى كلامه.

ولما انتقد طريقة الجهمية والمعتزلة في الاستدلال على العدم والسكون، نقد تلك الطريقة عقلاً وبين خطأها عند جمهور المتكلمين ثم نفاها شرعاً وذكر أنها طريقة مبتدعة.

قال الشيخ: ([45]) ولكن الاستدلال على ذلك بالطريقة الجهمية المعتزلية طريقة الأعراض والحركة والسكون التي مبناها على أن الأجسام محدثة لكونها لا تخلو عن الحوادث وامتناع حوادث لا أول لها طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنة وطريقة مخطرة مخوفة في العقل بل مذمومة عند طوائف كثيرة وإن لم يعلم بطلانها لكثرة مقدماتها وخفائها والنزاع فيها عند كثير من أهل النظر كالأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ومن سلك سبيله في ذلك كالخطابي وأبي عمر الطلمنكي وغيرهم وهي طريقة باطلة في الشرع والعقل عند محققي الأئمة العالمين بحقائق المعقول والمسموع. انتهى كلامه.

ولما ذكر شيخ الإسلام رأي أكثر الفلاسفة في مسألة تقدم مادة العالم على صورته، قال: ([46]) وهذا موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم فإن الله أخبر أنه "خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء".([47])

وأخبر أنه "استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض آئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين".([48])

ثم ذكر الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك أيضاً، وبيّن أن الشرع والعقل متوافقين لا يفترقان ولا يتناقضان.

ولما ذكر مسألة أن الله تعالى ولو قدّر أن يعذب من يشاء لم يكن لأحد منعه، وناقش المسألة عقلياً ثم أثبت صحتها، ذكر بعد ذلك ما يوافقها من الآيات والأحاديث، ليثبت في ذلك أن العقل لا يتنافى مع الشرع، وأن كل ما يثبته العقل السليم فإنه ثابت شرعاً.

فقال: ([49]) كما قال تعالى: "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً".([50])

وهو سبحانه لو ناقش من ناقشه من خلقه يعذبه كما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نوقش الحساب عذب قالت قلت يا رسول الله أليس الله يقول: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحساب حساباً يسيراً". فقال: ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب.

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.

وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً لهم من أعمالهم. انتهى كلامه.

وغير هذا من الأمثلة التي يطول الكلام بذكرها.

هذا أبرز ما ظهر لي من معالم منهجه في هذا الكتاب، ولعل من دقق النظر وعلل القراءة في صفحاته وفصوله استخرج من فوائده وفرائده أساليب أخرى من منهاجه، فرحمه الله تعالى، وأجزل له المثوبة.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 



([1]) منهاج السنة النبوية 1/22،23.

([2]) منهاج السنة النبوية 1/67،68.

([3]) منهاج السنة النبوية 2/63.

([4]) منهاج السنة النبوية 2/66.

([5]) منهاج السنة النبوية 1/70.

([6]) منهاج السنة النبوية 1/93.

([7]) منهاج السنة النبوية 1/466.

([8]) منهاج السنة النبوية 1/158.

([9]) انظر منهاج السنة النبوية 1/348.

([10]) منهاج السنة النبوية 1/445.

([11]) انظر منهاج السنة 6/430.

([12]) انظر منهاج السنة النبوية 2/62.

([13]) منهاج السنة النبوية 1/27.

([14]) منهاج السنة النبوية 1/104.

([15]) منهاج السنة النبوية 1/481،482.

([16]) انظر منهاج السنة النبوية 2/55.

([17]) منهاج السنة النبوية 1/356.

([18]) انظر منهاج السنة النبوية 1/319.

([19]) منهاج السنة النبوية 1/364.

([20]) منهاج السنة النبوية 1/410.

([21]) منهاج السنة النبوية 1/34.

([22]) منهاج السنة النبوية 1/36.

([23]) منهاج السنة النبوية 1/467،468.

([24]) منهاج السنة النبوية 7/392.

([25]) انظر منهاج السنة 1/445.

([26]) انظر منهاج السنة النبوية 6/430.

([27]) منهاج السنة النبوية 1/107،108.

([28]) منهاج السنة النبوية 7/449.

([29]) انظر منهاج السنة النبوية 1/488وما بعدها.

([30]) منهاج السنة النبوية 1/99.

([31]) منهاج السنة النبوية 1/120.

([32]) منهاج السنة النبوية 1/101.

([33]) منهاج السنة النبوية 1/110.

([34]) منهاج السنة النبوية 1/111،112.

([35]) منهاج السنة النبوية 1/534،535.

([36]) انظر منهاج السنة النبوية 5/53.

([37]) انظر منهاج السنة النبوية 2/51.

([38]) منهاج السنة النبوية 7/499،500.

([39]) منهاج السنة النبوية 1/66.

([40]) منهاج السنة النبوية 1/396.

([41]) انظر منهاج السنة النبوية 1/441.

([42]) منهاج السنة النبوية 1/300،301.

([43]) سورة الأعراف 169.

([44]) سورة فصلت 53.

([45]) منهاج السنة النبوية 1/303،304.

([46]) منهاج السنة النبوية 1/360.

([47]) سورة هود 7.

([48]) سورة فصلت 11.

([49]) منهاج السنة النبوية 1/468،469.

([50]) سورة المائدة 17.

 

 
مقبول ممتاز
عدد المصوتين : (-) قيمة التصويت : (-)