جولة الصحافة
من يقتل السنة والشيعة في العراق
من يقتل السنة والشيعة في العراق
د. وليد الطبطبائي الوطن الكويتية ـ 28/2/2006م
"إن ثلاثة أرباع جثامين القتلى في مستودع الجثث ببغداد تحمل آثار التعذيب بالمثقاب أو حروق بالسجائر وطلقات نارية في الرأس، ونفذت معظم التصفيات، الجماعات الشيعية التي تعمل لصالح وزارة الداخلية".
"إن الأرقام تبين أن مستودع الجثث في بغداد تلقى 1100 جثة في شهر يوليو الماضي من بينها 900 جثة تحمل آثار التعذيب والإعدامات السريعة"، وإن حصيلة القتلى "استمرت على هذه الوتيرة طوال فترات عام 2005م حتى ديسمبر الماضي حين انخفضت إلى 780 جثة من بينها 400 جثة تحمل آثار جروح الرصاص والتعذيب".
"... ومعظم عمليات التصفية تتم على أيدي عملاء تابعين لوزارة الداخلية العراقية التي تتصرف كأنها عنصر مارق داخل الحكومة وتخضع لهيمنة الحزب الشيعي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)"، ووزير الداخلية بيان جبر "كان زعيماً سابقاً لميليشيات (فيلق بدر) التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والتي تعتبر واحدة من الجماعات الرئيسة المتهمة بتنفيذ التصفيات الطائفية إلى جانب (جيش المهدي) التابع للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر".
".. إن العنف في العراق صار أسوأ؛ جراء قيام القوات الأمريكية والشرطة العراقية باعتقال الشبان العراقيين أثناء تنفيذها عمليات المداهمة في المدن العراقية مع أن غالبيتهم أبرياء"..، وهذا العنف المستمر وانعدام الأمن "يدفعان المواطنين باتجاه الجماعات الطائفية والمتطرفة لطلب الحماية..".
ما سبق ليس بياناً لجماعة أو حزب سني في العراق، بل هو نص التصريحات التي أدلى بها المسؤول السابق عن حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة في العراق جون بايبس لصحيفة "إندبندنت أون صنداي" البريطانية ونشرتها صحيفة السياسة الكويتية (الاثنين 27 فبراير 2006م)، وهي تصريحات تلخص الوضع على حقيقته في العراق وتشرح الوضع المأساوي للعرب السنة، إذ هم الضحية والمتهم في الوقت نفسه!
فالملاحظ في أعمال القتل الطائفي في العراق أنها حين تستهدف الشيعة فإن ضحاياها هم من العامة في الشوارع والمساجد وضد الأماكن ذات الحساسية الدينية كالأضرحة والمزارات، أما القتل الطائفي ضد السنة فهو انتقائي يستهدف نخبة المجتمع من سياسيين وأطباء ومهندسين وضباط سابقين ورجال أعمال وشيوخ عشائر.
وهكذا فإنه بينما تؤدي الهجمات على العامة من الشيعة إلى زيادة التفافهم على الأحزاب والمليشيات الشيعية وقياداتها طلباً للحماية ـ وبالتالي زيادة قوة هذه القيادات ـ فإن القتل الانتقائي ضد السنة يعمل على تآكل الطبقة المثقفة القادرة على قيادة وتحريك عمل سياسي معتدل وناجح وتخويفها من النشاط العام، ويدفع الجموع السنية أكثر وأكثر نحو المجموعات المتطرفة التي تعمل تحت الأرض، ولا يعلم أحدٌ قياداتها الفعلية.
القتل الطائفي ضد الشيعة يتم بتفجيرات تنفذها جماعات غامضة، ويحدث صخباً إعلامياً وسياسياً كبيراً تستثمره الأحزاب الموجودة في الحكومة العراقية أفضل استغلال، بينما قتل السنة تنفذه مليشيات تحتضنها الحكومة وتتغاضى عنها القوات الأمريكية ويتم خفاءً وبصور متفرقة ولا يلتفت إليه أحد. ولو أخذنا الأرقام التي ذكرها جون بايبس في الاعتبار فإن المحصلة هي أن العصابات التي ترتدي ثياب وزارة الداخلية وتعمل بتوجيهات الوزير باقر صولاغ ربما تكون قد اغتالت عشرة آلاف سني عام 2005م وحده.
وإنني أعجب من انكشاف هذه الحقائق عن القتل الطائفي المبرمج ضد السنة، بينما قيادات الأحزاب المشاركة في الحكومة ـ وخصوصاً "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" الذي تزور رموز منه الكويت كل حين ـ لا تكل عن إطلاق التصريحات التي تنبذ هذه التصرفات وتتبرأ منها وتنادي بالوحدة الوطنية في العراق بتآخي السنة والشيعة، فهل نصدق الأقوال أم الأفعال؟
أما الأمريكيون فإنهم بعد طول تجاهل وتغافل اعترفوا بما يجري، وأدلى سفيرهم في بغداد زلماي زادة بتصريحاته المعروفة التي دعا فيها إلى نزع الأجهزة الأمنية العراقية من الطائفيين، وهي التصريحات التي ما مر عليها 48 ساعة حتى نسفت قبة الإمام العسكري في سامراء وحُرك شيطان الطائفية في كل العراق، فما الذي يجري فعلاً في هذا البلد؟ ومن المخطِّط الفعلي لأعمال القتل الطائفي ضد الشيعة والسنُّة؟ أنا لا أشك أنه طرف واحد. وانظروا من هو المستفيد في النهاية.

