جولة الصحافة
فِرَق الموت
فِرَق الموت
خليل العناني مجلة المجلة ـ العدد 1360 ـ 5/3/2006م
فرق الموت.. هكذا أطلقوا عليها في العراق فهي تمتهن القتل ولا شيء سواه، وتحترف اصطياد أهدافها بطريقة لا تخطئها عين. مدربون على انتقاء الضحايا، وهي في الغالب إما شخصيات سنية، أو قيادات بعثية سابقة أو متمردون منخرطون في العمل العسكري ضد قوات الأمن العراقية، فثمة اختراقات كثيرة لمختلف الأجهزة الأمنية في العراق.
والسؤال هل يمكن أن تلعب "فرق الموت" دوراً في تأجيج الحرب الأهلية في العراق؟ وهو سؤال قفز على الواجهة بعد الأحداث الأخيرة المؤسفة التي وقعت بالعراق عقب التفجيرات التي تعرض لها مرقد الإمامين الشيعيين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء قبل نحو أسبوع. وهي الأحداث التي أسفرت عن مقتل ما يزيد على 200 شخص أغلبهم من السنة في أحداث طائفية، كما تم على خلفيتها اختطاف أكثر من 30 شاباً من أهل السنة إلى جهة مجهولة، وتعرض نحو 170 مسجداً سُنيا للحرق والتدمير.
هذه العملية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وأصابع الاتهام تشير إلى قوات فيلق بدر، وأخرى تتهم قوات جيش المهدي، في حين يتهم البعض قوات الاحتلال الأمريكية بتنفيذها.
من جانب آخر هناك احتمالات كبيرة لوجود علاقة بين الدور الإيراني في العراق وتنامي الأعمال الإجرامية لـ "فرق الموت" التي يتبرأ منها الجميع، ومن ثم يثور التساؤل حول من يقف وراء هذه الهجمات ومن صاحب المصلحة في تلك الفوضى الهدامة، وما حقيقة تلك الفرق، وكيف تعمل، وأين تدربت، وما هي أشهر العمليات التي قامت بها؟
المشهد السياسي في العراق إذن يوشك على الانهيار، وما تنبأ به السياسيون إبان فترة إعداد الدستور من أعمال عنف وفتنة طائفية أصبح واقعا حيا، وليس هناك شك في أن اشتعال الفتنة بين السنة والشيعة في العراق لا يخدم سوى الاحتلال الأمريكي وحده.
وفي ظل هذا الارتباك لا أحد يعرف إلى أين تسير القافلة العراقية، إما مزيد من القتل والتدمير وعمليات الإبادة الجماعية التي لا يعلم أحد هوية القائمين بها، ومن ثم الحرب الأهلية، وإما المصالحة الوطنية وهو الخيار الصعب!
اختراق الأجهزة الأمنية
أواخر يناير الماضي أوقفت القوات الأمريكية بالعراق 22 شخصا كانوا يرتدون زي رجال الشرطة، وكانوا في طريقهم لقتل رجل سني، وفي منتصف فبراير، أكد جوزيف بترسون الجنرال الأمريكي المسؤول عن تدريب قوات الشرطة العراقية عن وجود "فرقة موت" بوزارة الداخلية العراقية تستهدف شخصيات سنية معروفة، وهو ما حدا بوازرة الداخلية العراقية تشكيل لجنة للتحقيق في الموضوع.
ومنذ مايو الماضي والأنباء تتردد حول وجود فرق للموت بين صفوف الشرطة العراقية تقوم بتصفية أشخاص يتم اعتقالهم على أيدي أولئك الذين يرتدون زي الشرطة ويحتمون بأدواتها. وقد بدأت عمليات القتل بعد تولي الحكومة العراقية السابقة للسلطة أواخر مارس الماضي، وتعيين وزير للداخلية هو بيان جبر، المسؤول في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. ومنذ تعيينه تقوم القوات التابعة لوزارة الداخلية باعتقال آلاف السنّة ضمن خطط لضرب التمرد العراقي، خصوصاً في العاصمة العراقية بغداد، ومنذئذ تم اعتقال ما يقرب من 1500 شخص، قتل أغلبهم وتم العثور على جثثهم في أماكن متفرقة على مداخل بغداد.
هوية "فرقة الموت" لا تزال مجهولة، على الأقل بالنسبة للغالبية من الشعب العراقي، بيد أنهم معروفون لدى بعض القيادات في وزارة الداخلية العراقية. والأرجح أنهم ينخرطون في قوات الشرطة العراقية من خلال الدخول بين صفوف الراغبين في الانضمام لها، ثم يقومون بأعمالهم تحت غطاء انتمائهم للشرطة العراقية. وهو ما أكدته أغلب التصريحات الصادرة عن مسئولين بوزارة الداخلية العراقية، والتي تفيد بأن هناك بعض الفئات التي تنخرط في قوات الشرطة بغية تنفيذ أجندة طائفية خاصة بها. في حين أشارت وزيرة حقوق الإنسان العراقية نيرمين عثمان إلى أن هناك بعض المسؤولين "الصغار" في وزارة الداخلية "يستخدمون مجرمين لقتل عراقيين".
وثمة احتمالان يحددان هوية "فرق الموت" الأول أن يكون أعضاؤها منتظمين في جماعات طائفية داخل الشرطة العراقية، دون علم هذه الأجهزة بوجودهم، وفي هذه الحال يصبح من العسير التوصل إليهم والتعرف على تشكيلاتهم نظراً لانخراطهم مع أكثر من 150 ألف فرد من العاملين بوزارة الداخلية العراقية. وإما أن هؤلاء "المحترفين" جزء من إحدى كتائب الأمن العراقية، ويعملون تحت إشراف قيادات صغيرة في الشرطة العراقية، ويدلل على ذلك سهولة تحركهم واصطياد الأهداف، ومن شأن التنسيق بينهم وبين صغار الضباط، أن يتم الحصول على معلومات حول الأشخاص المستهدفين وأماكن إقامتهم، فضلاً عن مراقبة تحركاتهم. في الوقت الذي أشار فيه البعض إلى أن هذه الفرق تنتمي لقوات جيش بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أنه إبان شهر أغسطس الماضي تحدثت مجلة التايم البريطانية عن وجود فرق للموت يرأسها عميل إيراني يدعي مصطفى الشيباني، وطبقا لإحدى الوثائق التي حصلت عليها "التايم" فإن شبكة الشيباني تتألف من حوالي 280 شخصا ما بين صانعي قنابل وفرق موت، وتستهدف قتل شخصيات سنية وبعثية عرفت بعدائها للشيعة إبان فترة حكم النظام العراقي السابق.
عمليات منظمة
حسب دراسة للكاتب الأمريكي ماكس فولر مؤلف كتاب "العراق: الخيار السلفادوري يصبح حقيقة" فإن أول ظهور لفرق الموت كان في مارس 2005، حين تم العثور خلال عشرة أيام فقط، على العشرات من الجثث مرمية عرضاً، في نفايات القمامة، والمناطق الخالية حول بعداد، وقد كانوا جميعاً مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين وتم إطلاق النار على مؤخرة رؤوسهم.
وكانت الأدلة دامغة بما يكفي لهيئة العلماء المسلمين، أن تصدر بيانات تتهم قوات الأمن، المرتبطة بوزارة الداخلية، إضافة إلى قوات بدر، الجناح المسلح السابق للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، بأنهم وراء حالات القتل هذه.
ومنذ ذلك الحين، يتدفق سيل متواصل من ضحايا تصفيات الموت في بغداد، تم قتلهم بنفس الطريقة، الأيدي مربوطة أو مقيدة وراء ظهورهم، والعيون معصوبة، وفي أكثر الحالات الأجساد مضروبة بالسياط، وهناك آثار لدغات كهربائية، ثم القتل برصاصة في الرأس.
وقد كتب ياسر الصالحي مراسل شبكة النايت رايدر بأن شهود العيان، ادعوا بأن العديد من الضحايا، تم القبض عليهم من قبل رجال يرتدون بزات رجال الشرطة الرسمية، في سيارات تويوتا لاند كروزر بيضاء، تبرز علامات الشرطة.
وتم نشر آخر مقالة لياسر الصالحي في 27 يونيو 2005، وبعدها بثلاثة أيام، قتل الصالحي بيد قناص أمريكي في نقطة تفتيش روتينية. ويستحيل معرفة العدد الدقيق للضحايا المقتولين بهذه الطريقة، ففي حين ذكر ياسر الصالحي أن أكثر من 30 حالة حدثت في أقل من أسبوع، بينما يقول فائق باقر مدير الطب العدلي المركزي في بغداد، إن المشرحة كانت تستلم من 200 إلى 250 حالة وفاة مريبة في الشهر، منها تقريبا 16 يبدو عليها إصابات نارية، وذلك قبل الاحتلال الأمريكي، أما الآن فالرقم هو بين 700 و 800، من ضمنها 500 حالة فيها إصابات نارية.
ويقول روبرت فيسك، في صحيفة الاندبيندنت اللندنية أن هناك العديد من الجثث مكدسة فوق بعضها بعضا، وجثث غير معروفة سرعان ما يتم التخلص منها، وتتركز معظم عمليات، "فرق الموت" في بغداد، حيث وجود مكثف للقوات الشيعية، والتي تنقسم إلى قسمين رئيسيين الأول يختص بفيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والثاني يتبع جيش المهدي المنضوي تحت قيادة الزعيم الشاب مقتدى الصدر.
في الوقت ذاته تؤكد تقارير بريطانية مختلفة وجود فرق للموت في جنوب العراق وتحديداً في مدينة البصرة، ويشير الميجور البريطاني أليكس ويلسون إلى وجود "فرق موت" في مدينة البصرة تقوم بقتل واستهداف العديد من الشخصيات، وأنه خلال الشهور الثلاثة الماضية تم العثور على 141 جثة في مدينة البصرة في الفترة ما بين شهري نوفمبر ويناير الماضيين، تم اغتيالهم على أيدي أفراد وأجهزة محلية ذات روابط متشابكة. واتهم ويلسون في السابع عشر من فبراير القوات التابعة لفيلق بدر بعمليات القتل التي تجري لشخصيات سنية وشيعية في مدينة البصرة.
ولا يخرج ضحايا فرق الموت عن الشخصيات السنية أو البعثية التي تقود عمليات التمرد في العراق، وفي هذا الصدد يشير بعض زعماء السنة في العراق إلى أن جميع عمليات التصفية الجسدية والقتل التي تعرضت لها شخصيات سنية معروفة كأئمة المساجد وعلماء الدين، تمت على أيدي أفراد يرتدون زي الشرطة العراقية والحرس الوطني ويستخدمون سيارات الأمن.
وتبدو طريقة اختيار الأهداف وكأنها عملية "ممنهجة" ومنظمة بحيث تتم عمليات القتل بنفس الطريقة، فمعظم الجثث التي تم العثور عليها، وجدت موثقة الأيدي، ومكممة الأفواه، ومغمضة العينين وتم إطلاق النار على مؤخرة الرأس ثلاث مرات. وهو ما يدل على أن هناك تعليمات تنفذ وتدريبات تجري من أجل إصابة الأهداف بنفس الطريقة.
وقد تزايد الجدل حول هذه الفرق نتيجة للكم الهائل من الجثث التي يتم العثور عليها يومياً، سواء في المزارع والمصارف الصحية أو في الأنهار والأودية القريبة منها. ومنذ مايو الماضي تزايدت عمليات القتل العشوائي في العراق، وكانت أغلب عمليات القتل لا يتم الكشف عنها إلا بعدها بفترة طويلة بحيث تختفي ملامح الجثث التي يتم العثور عليها.
ومما يزيد من وطأة الأمر أنه لا يتم التعرف على هوية فرق الموت أو الأشخاص المنخرطين في صفوفها، وذلك نظراً لحال الفوضى الأمنية التي تسيطر على الأوضاع في العراق، والتي يصعب فيها تتبع أعمال هذه الفرق أو التأكد من هوية مرتكبيها، خصوصاً إذا ما كانت تقف وراءهم شخصيات كبيرة في وزارة الداخلية العراقية.
لجنة استخبارات ( 5 )
منذ الإعلان عن وجود فرقة للموت بين صفوف الشرطة العراقية، حتى أمر نائب رئيس الوزراء العراقي عبد مطلق الجبوري بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في الموضوع، وذلك تحت إشراف وزارة الداخلية العراقية، كما تعهد وزير الداخلية العراقي بيان جبر بالإسراع في إجراء التحقيقات لمعرفة أبعاد القضية، وهو ما تم على إثره تشكيل لجنة تحقيقات أطلق عليها "استخبارات 5"، في الوقت الذي أقر فيه الوزير بتسلل عناصر مجرمة إلى الأجهزة الأمنية تقوم بارتداء زي الشرطة لتنفيذ عمليات قتل واختطاف للمواطنين الأبرياء.
وفي مواجهة حالات القتل الجماعي التي تتم بشكل سري، تدعي وزارة الداخلية، أنه من السهل الحصول على بزات الشرطة الرسمية، وأن القتل هو من عمل المتمردين المتنكرين بزي قوات الأمن، لخلق انقسامات طائفية وقد ألقت وزارة الداخلية العراقية باللائمة على "الصدّاميين والتكفيريين المرتبطين بالزرقاوي" بالوقوف وراء "فرق الموت" في محاولة لزعزعة الاستقرار داخل الوزارة، في حين أوضحت وزارة الداخلية في بيان تشكيل اللجنة أن مهمتها (اللجنة) التعرف على كيفية حصول أفراد فرق الموت على زي وأدوات رجال الشرطة، فضلاً عن تعقب أفرادها في مختلف أنحاء بغداد.
بيد أن ثمة معضلات تواجه لجنة التحقيق :
أولا : قد يكون من الصعب التعرف على هوية المنتمين لهذه الفرقة، خصوصاً إذا ما كانوا يحظون بدعم من بعض المسؤولين العراقيين سواء داخل الوزارة أو خارجها.
ثانيا : لا توجد ضمانات كافية بإمكانية سير التحقيقات بطريقة شفافة وصريحة، وذلك في ظل البعد الطائفي في القضية، وما قد ينجم عنه من آثار قد تضر بنتيجة التحقيقات.
ثالثاً : إن التحقيق في الأمر لا يعني اختفاء أو توقف عمليات القتل "المنظم" في العراق، بل من المرجح أن تزداد وتيرة العمليات على خلفية التفجيرات التي وقعت في العراق الأسبوع الماضي، وطالت المقدسات والمزارات الشيعية في مدينة سامراء، ويزيد من وطأة الأمر حجم الاتهامات التي تواجهها وزارة الداخلية العراقية، وذلك على خلفية سوء المعاملة التي يتعرض لها المعتقلون في السجون العراقية، وهي القضية التي تفجرت أواخر العام الماضي، ولم تفعل فيها الوزارة شيئا حتى الآن.

