جولة الصحافة
عودة الفكر الأسطوري والتبشير بنهاية العالم عام 2012
جيروم شاهين – المستقبل 9/2/2010
هل ينتهي العالم في العام 2012 ؟
إنه تساؤل يتردّد في هذه الأيام في أحاديث الناس، وعبر وسائل الإعلام على أنواعها، وتُعقد حوله حلقات نقاش...
ويتحدّث الناس بهلع عن الكوارث الطبيعية التي ستصاحب نهاية العالم المزعومة.هذا وقد ارتكز بعضهم على بعض المزاعم في هذا الشأن والتي أطلقتها جماعات معينة كقبيلة "المايا"، وعلى كتابات نسبت مضمون ما تقوله في هذا الشأن الى تصريحات علماء من وكالة الفضاء الأميركية "النازا". إلاّ أن هذه الأخيرة قد نفت نفياً قاطعاً حقيقة تلك التصريحات. ومع ذلك يتشبّث بصحتها كل مَن أراد أن يثبت قرب نهاية العالم.
إن هذا الأمر ليس بجديد، ففي نهاية كل عقد من عقود الزمن تطلع أخبار تنبئ بانتهاء العالم الوشيك. كما أنه في نهاية الألفية الميلادية الأولى وبداية الألفية الثانية عاش العالم كلّه رعب علامات الأزمنة التي تنذر بانتهاء العالم.
إلاّ أن الخطورة الكبرى في مثل هذه التنبّؤات هو استنادها المزعوم الى كتابات مقدسة في الأديان، سواء الأديان السماوية أو غيرها من الأديان.
ففي هذا الشأن صدرت مؤخراً تصريحات نقلتها وسائل الإعلام لعدة شخصيات دينية إسلامية ومسيحية تدحض أي ارتكاز على الدين لمعرفة توقيت نهاية العالم. فالله تعالى وضع في سلطانه الخاص توقيت دنو الساعة التي فيها ينتهي هذا العالم وطريقة انتهائه.
مع ذلك، فهناك نصوص في الكتب المقدسة المسيحية، ولا سيما الأناجيل ورؤيا الرسول يوحنا ورسائل القديس بولس، تذكر علامات المجيء الثاني للمسيح. وستكون تلك العلامات بغاية الشدّة وبوجه كوارث طبيعية وغير ذلك. لكن تلك الكتابات لا تذكر على الاطلاق موعد هذا المجيء الثاني.
وعلى الرغم من أن التوقيت الفعلي لمجيء الساعة، أو نهاية العالم، لا يعلمه إلاّ الله وحده، مع ذلك قامت، منذ نشأة المسيحية وحتى أيامنا حركات "مِيسيانيّة" و"أُخْرويّة" كان هاجسها عودة المسيح ليقيم أرضاً جديدة وسماء جديدة. كما أن هناك حركات أصولية حدّدت تاريخاً لنهاية العالم. وكل مرة فات التاريخ المحدّد ولم ينتهِ العالم، راحت تحدّد تاريخاً آخر وتستعدّ لمجيء الساعة الأخيرة.
يُطلق على هذه الحركات إسم الحركات "الألفْيّة" (Millénarismes ). هذا وقد لعب بعضها، لا سيما في القرون الأولى للمسيحية، وفي القرون الوسطى، ومن ثم بعد الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، دوراً دينياً واجتماعياً وسياسياً مميّزاً.
ما هي "الألْفيّة "؟
الألْفيّة هي عقيدة دينية تؤمن بأن السيد المسيح سيحكم العالم مدّة ألف سنة. كما أن الألْفيّة هي أحياناً حركة دينية ـ ونجدها لدى كل الأديان ـ تنتظر خلاصاً وشيكاً وجماعياً يعمّ الأرض كلّها. أما الجذور الفكرية للألْفيّة المسيحية فإنها متأصّلة في نصوص كتابية في العهد القديم، وخاصة في سفر "الرؤيا" ليوحنا في العهد الجديد. وهو أشهر الكتابات التي أوحت الألْفيين، والتي كانت لرمزيّتها تفسيرات عدة منذ القرن الميلادي الأول حتى أيامنا هذه. والنصّ الأكثر مباشرةً ووضوحاً والتباساً في آنٍ معاً هو الفصل العشرون من سفر الرؤيا. وخاصةً الآيات الخمس عشرة الأولى منه وبتحديد أكبر: الآيات 4و5و6 والتي جاء فيها ما يلي:
"ورأيتُ عروشاً فجلس أناس عليها وعُهد إليهم في القضاء. ورأيت نفوس الذين ضُربت أعناقهم من أجل شهادة يسوع وكلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يتلقّوا السمة على جباههم ولا على أيديهم قد عادوا إلى الحياة، وملكوا مع المسيح ألف سنة".
"أما سائر الأموات فلم يعودوا إلى الحياة قبل انقضاء ألف السنة. هذه هي القيامة الأولى. سعيدٌ قدّيسٌ مَن كان له نصيب في القيامة الأولى، فعلى هؤلاء ليس للموت الثاني من سلطان، بل يكونون كهنة الله والمسيح، ويملكون معه ألف السنة".
تميّزت القرون الميلادية الثلاثة الأولى برواج الحركة الألْفيّة. ثمّ تضاءل انتشارها لتعود في القرون الوسطى، ثمّ مع الإصلاح البروتستانتي. أما اليوم، فيخيّل إلينا أننا عدنا إلى مناخ القرون المسيحية الأولى.
نشأت الألْفيّة في أوساط المسيحيين الذين من أصل يهودي في القرون المسيحية الأولى، وهي تعود إلى استمرارهم في الاعتقاد بالمسيحية الزمنية وإلى تأويلهم اللفظي لِما ورد في " رؤيا " يوحنا، وهو أن المسيح سيعود إلى هذا العالم، محاطاً بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة.
ولربما أن هرطقة مونتطانس الفريجي كانت التعبير الأكثر وضوحاً عن النتائج العملية للحركة الألْفيّة. فلقد اعتبر هذا الأخير أن حياة أعضاء الكنيسة الروحية والأخلاقية قد تدهورت كثيراً بسبب تأثير العالم السيء عليها. فأراد أن يرجعها إلى العصر الرسولي الأول. وقد ادّعى أنه النبيّ الجديد الذي أوكل الله إليه هذه المهمة فظهر مع امرأتين، وهم يبشّرون بقرب نزول أورشليم السماوية من السماء ومجيء السيد إلى فريجية العليا لتأسيس مملكته الأرضية ذات الألف عام. وكان يتكلّم باسم الله شخصياً مدّعياً أنه جهاز الروح المعزّي ويحضّ الناس على حياة نسكيّة شديدة وعلى الابتعاد عن جميع ملذّات هذا العالم. واتّخذ مواقف شديدة صلبة. فمنع الزواج الثاني منعاً باتاً، ولم يقبل في شركته الكنسيّة الذين سقطوا في خطايا ثقيلة مثل الزنى وإنكار الإيمان وقت الإضطهاد، ولو تابوا. ولقد أثّرت مواعظه تأثيراً كبيراً في سامعيه، فامتدّت هرطقته إلى مناطق مسيحية كثيرة وإلى خارج آسيا الصغرى لقرونٍ عدّة.
مع انعقاد مجمع أفسس، في العام 431، وشجْبه التفسير الحرفيّ للألْفيّة، انكفأ الألفيون، ولو إلى وقت.

