جولة الصحافة
ثورة الصوفية تجتاح الفنون يقف خلفها الوازع الديني والرغبة بتوظيف التراث
شريف عبد المنعم - إسلام أون لاين 17/1/2010
علاقة وثيقة تربط الصوفية بالفن، والعكس صحيح؛ فالصوفية ترنو إلى صفاء النفس ونقائها؛ ليكون الصوفي وفقا بذلك كما يقول "بشر بن الحارث الحافي": هو "من صفا قلبه لله"، فيما يهدف الفن الحق -على اختلاف تطبيقاته- إلى الارتقاء بالبشر، وبث حالة من الاطمئنان في نفوسهم، والسمو بأرواحهم.
ومع تلك العلاقة الوثيقة فإنه بدا خلال السنوات الماضية نوع من الفصام بين الصوفية والفن، ليبدو أنهما نتاج عالمين مختلفين يصعب الجمع بينهما، فمثلما انحسر الفن من الصوفية، ابتعد الفنانون عن الروح والدين وصفاء القلب لله، غير أن المشهد السابق يشهد مجموعة من التحولات التي لا تظهر على السطح إلا لماما؛ حيث تقترب بعض التجارب الإبداعية من عالم الصوفية وتأخذ منه ما تريد لتخدم أفكارها ورؤاها؛ وهو ما يحوز اهتماما لافتا من كثير من المبدعين والفنانين والمثقفين.
أمثلة الأعمال الفنية التي تستحضر أحد عوالم الصوفية كثيرة، منها: فيلم "ألوان السما السابعة" للمخرج سعيد هنداوي وبطولة فاروق الفيشاوي وليلى علوي، ومن قبلها فيلم "مسيو إبراهيم وزهور القرآن" بطولة الممثل المصري عمر الشريف عن رواية حملت ذات الاسم من تأليف إريك إيمانويل شميث، ومن قبلهما فيلم "بابا عزيز" للمخرج التونسي ناصر الخميري... إلخ من الأعمال الفنية المختلفة.
أما عن الحضور المتزايد للفنانين والمبدعين لعوالم الصوفية فليس أدل على ذلك من حجم الاهتمام الذي قوبلت به الأعمال السابقة، يضاف إلى ذلك تزايد حضورهم للحفلات الفنية الصوفية من إنشاد ديني، إلى عزف صوفي، إلى رقص للتنورة... إلخ.
الوازع الديني: السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا ذلك الاهتمام من قبل الفنانين والمبدعين بالصوفية؟
الإجابة التي تتبادر إلى الذهن لأول وهلة -وقد يرفضها البعض- هي إمكانية تعاطي الفنان مع الصوفية انطلاقا من الوازع الديني؛ وهو ما يؤكده الكاتب الصحفي أشرف عبد المنعم الناقد الفني بجريدة الأهرام؛ حيث يرى أن تناول الفن لجانب ديني مثل التصوف يدل على أن هناك وازعا دينيا في الوعاء الثقافي للمجتمع، حتى لو كان الفنان يدعي غير ذلك؛ لأن المبدع في النهاية لديه تركيبة ثقافية يعد الدين أحد أركانها الأساسية سواء كان مسلما أو مسيحيا.
يضيف لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الوازع الديني يجذب انتباه المبدعين والفنانين قبل الأشخاص العاديين؛ فالفنان حين يستمع لصوت الأذان تعجبه عذوبة كلامه وتنغيمه، وكذا الإنشاد والأشعار والحضرات الصوفية تجذب الفنانين مثلما تجذب المتصوفين.
وبخلاف الوازع الديني، فإن بعض الفنانين يهتمون بالصوفية من منطلق التفتيش عن الجديد، والتعرض لنقاط غير تقليدية، ولكن يخطئ بعضهم حين يختزل الصوفية في رقصة "التنورة" مثلما يختزلون "السُنة" في "اللحية"، ومن واجب هؤلاء المجردين أن يبحثوا بعمق في أصول الأشياء، خاصة أن الصوفية حفرت على مدار التاريخ وبقيت حتى يومنا؛ بما يعني أن لها معنى وشكلا وفلسفة مختلفة ذات تأثير واضح ممتد على مدار عدة عقود.
ومتفقا مع الرأي السابق، يؤكد الفنان أحمد فؤاد سليم لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الصوفية ثورة على الغرائز، وتبعث الحياة في الركود، وتصنع نوعا من الاستشراف للحياة، موضحا أن دوره كـ"شيخ صوفي" في مسرحية "أطياف المولوية" قد أثر في حياته الشخصية، ومما ساعده كثيرا على تأدية هذا الدور أنه إنسان متدين يؤدي الفروض الخمس، ولا يجد حرجا في إعلان ذلك داخل الوسط الفني أو أمام بعض المبدعين المجردين الذين يرفضون تناول الدين لذاته داخل الأعمال الفنية.
تراث وفولكلور: من جهته، يرى الكاتب والأديب د.عمار علي حسن، صاحب كتاب "التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر"، أن الصوفية بجميع أشكالها لها حضور كبير في الفن، سواء الطقوس، أو الأناشيد، أو الموسيقى، وما يربط بين الاثنين أن الطقوس الصوفية يتوسم بها طريقا للعبادة، ولما كانت تلك الطقوس في جانب منها فولكلورية -حيث ترافقها الموسيقى والأناشيد، وذلك على عكس السلفية التي ترفض تماما تلك المرافقة- كان اهتمام الفنانين بها.
وأشار إلى أن اهتمام الفنانين والمبدعين بالصوفية له عدة أسباب، منها أن الصوفية ملهمة لهم سواء في نصها؛ حيث يستلهم منها الشعراء والأدباء أفكارا مختلفة، أو طقوسها؛ حيث أوحت للموسيقيين ببعض المقامات التي تجذب الانتباه، ويدل على ذلك أن الرعيل الأول للموسيقيين في القرن الماضي كانوا من الشيوخ.
ومن بين أسباب اهتمام الفنانين بالصوفية أيضا أنها ظاهرة دينية متسامحة تحث على الرحمة، وتشق طريقا أكثر انفتاحا للدين، وقد كان لبعض مشايخ الصوفية علاقات بالوسط الفني، بل إن الشيخ إبراهيم سلامة "شيخ الطريقة الحامدية الشاذلية" قد تزوج من إحدى الفنانات وهي مديحة يسري.
يضيف الدكتور عمار علي حسن أن "من يتناولون الطقوس الصوفية ويجردونها من الدين يكذبون على أنفسهم؛ لأنهم يتعاملون مع الطقوس كفن فقط ولا يتعاملون مع أصل الأشياء، فرقصة التنورة على سبيل المثال هي صعود إلى السماء، وتوحد مع حركة الكون من خلال الدوران، وقد ولدت هذه الرقصة من فلسفة (المولوية) التي هي في الأساس توحد مع الكون وصعود إلى السماء؛ ابتغاء التقرب من المولى عز وجل".
توظيف الموروثات: تعليقا على علاقة الفنانين بالصوفية، يقول د.نبيل عبد الفتاح، مدير مركز التاريخ بمؤسسة الأهرام: إن "هناك ظاهرة ليست جديدة في الحياة الثقافية والإبداعية المصرية والعربية على اختلاف مجالاتها وهي لجوء بعض المفكرين والفنانين والمبدعين إلى الحفر في بنيات الموروثات الثقافية والشعبية لرفد الإبداعات المعاصرة بجذور لها في الوعي والذاكرة والذائقة الجماعية للمجتمع المصري أو العربي".
ويضيف لـ"إسلام أون لاين.نت" أن من أشكال هذا الربط اللجوء إلى الموروث الصوفي من أجل تجديد التجربة الفنية بالرحلة الصوفية بكل طبقاتها الروحانية، ومزجها في إطار "السرديات"، ومنها كتابات الاكتشافات والتوشيجات التي أدخلها جمال الغيطاني في محاولة لإعادة إحياء وتجديد لغة المتصوفة وتجاربهم في إطار منجز إبداعي متفرد ومختلف.
وهناك أيضا اللجوء للتجارب الصوفية كجزء من اللغة الشعرية الحديثة والمعاصرة، مثل التوشيجات التي قام بها صلاح عبد الصبور، والذي مزج بين التجربة الصوفية التاريخية للتفاعل مع الشعر الحديث؛ وهو ما شكل فرادة خاصة في النص الشعري المصري العربي والحداثي، وشكل نقلة في التجربة واللغة والعالم الشعري لصلاح عبد الصبور.
يتابع: "وفي الموسيقى كانت هناك محاولات عديدة للمزج بين الإنشاد الصوفي والتوزيعات الموسيقية المعاصرة، وهي محاولة وسعي ما وراء توظيف الموروثات لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية المعيشة".
وعن أسباب هذا اللجوء للموروث الصوفي، يوضح د.نبيل عبد الفتاح أن هؤلاء المبدعين والفنانين يسعون لتوثيق إستراتيجية المزج بين الموروث المعيش والتجارب المعاصرة لعدة اعتبارات، منها: الإحساس بطغيان النزعة السلفية، والجمود في الفكر الوضعي المعاصر، ومحاولة نفي البعد الفني والموسيقي الإبداعي عن التجربة الإسلامية؛ وهو ما يفقدها أحد أبرز إمكانياتها وأصولها الإبداعية، ومن هذه الاعتبارات أيضا: إيجاد لغة وجسر مشترك بين الثقافة المعيشة والإبداع الجمالي.
ويختم عبد الفتاح حديثه قائلا: "أما إستراتيجية تعاطي الفنان مع الموروث الصوفي فهي متروكة لحرية الإبداع؛ فالفنان من حقه أن يتخير من الميراث الصوفي بعضا من جوانبه ويعيد صياغتها فنيا بحيث تغدو كيانا فنيا مختلفا عن الأصل الذي تم النقل منه".

