القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/العدد الحادي والثمانين - ربيع الأول 1431 هـ


الأزمة الإيرانية بين ثورتي 1905-1979 ويل للعرب من شر إيران وقد اقترب!

الأرشيف

حقائق حول إيران بعد 31 عاماً من الثورة!!

Share |

إعداد: موقع الراصد

 تمهيد:

  إيران في العهد البهلوي عقدياً وسياسياً:

شهدت إيران في القرن العشرين تحولات سياسية كبيرة في فترات قصيرة جداً، كانت بدايتها مع الثورة الدستورية سنة 1905م والتي بدأت إرهاصاتها الأولى في سنة 1891 بسبب أزمة التبغ، وكانت تلك الثورة بمثابة البداية لنهاية الحكم القاجاري الذي أصابه الوهن الشديد بسبب طغيان النفوذ الروسي والبريطاني على إيران، ما أثار جميع القوى السياسية ضده وفتح المجال لبروز عميدٍ طموحٍ في الجيش الإيراني هو رضا خان الذي نجح بمساعدة بعض القوى الداخلية والخارجية في تنفيذ انقلاب عسكري ضد العرش القاجاري في 21 فبراير سنة 1921 ليعمل تدريجياً على إنهاء الحكم القاجاري، وينصب نفسه شاهاً على إيران سنة 1925، ويؤسس لبداية حكم الأسرة البهلوية في إيران.

ورغم كل محاولات الشاه رضا بهلوي للتخلص من النفوذ الأجنبي في بلاده؛ إلا أنه لم ينجح في ذلك، خاصة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية التي وجدت إيران نفسها ساحة من ساحات الصراع فيها رغم إعلانها الحياد، وأجبر الحلفاء الشاه رضا بهلوي على التنازل عن العرش في سنة 1941 لابنه محمد رضا بهلوي، بعد اتهامه بالتعاون مع ألمانيا، ومن ثم تم نفيه إلى جنوب أفريقيا، حيث توفي فيها سنة 1944.

ونظراً لظروف الحرب العالمية الثانية؛ كانت المرحلة الأولى من حكم الشاه الجديد صعبة جداً بسبب تدخل الحلفاء في شؤون إيران الداخلية، وبعد نهاية الحرب، عمل محمد رضا بهلوي على التخلص من الوجود السوفييتي والبريطاني في بلاده، مستعيناً بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذه الأخيرة كانت لها أطماع في إيران أيضاً، وكل ما حصل أن الشاه استبدل نفوذاً أجنبياً بآخر، ما انعكس سلباً على شعبيته، وساهم في التفاف مختلف القوى السياسية حول الجبهة الوطنية بزعامة محمد مصدق، الذي أصبح رئيساً للوزراء سنة 1953، الذي قام بتأميم البترول؛ ما دفع الشاه للهرب إلى إيطاليا، ثم العودة إلى بلاده بعد انقلاب قام به الجيش ضد محمد مصدق، وخططت له المخابرات الأمريكية والبريطانية؛ عرف بعملية (آجاكس).

وبعد عودته إلى إيران، عمل محمد رضا بهلوي على تشديد قبضته على النظام؛ فقام بتأسيس منظمة المخابرات والأمن القومي (السافاك) ومضاعفة ميزانية الجيش، ثم عمد إلى مواصلة المشروع السياسي والفكري، الذي وضع لبناته الأولى والده رضا بهلوي، فأعلن عن مشروعه (الثورة البيضاء) الذي حاول من خلاله مجاراة النموذج (الأتاتوركي) في تركيا للّحاق بركب الحضارة الغربية، فصدرت قوانين شملت جميع الميادين، ففي الجانب السياسي صدر قانون الانتخابات؛ الذي أسقط شرط الإسلام من شروط الترشح لعضوية المجالس البلدية، وإحلال القسم بأي كتاب سماوي ـ على احترام الوظيفة ـ محل القسم بالقرآن الكريم، وتخويل النساء حق الترشح والانتخاب؛ فكانت تلك القوانين وغيرها السبب في بداية الثورة عليه، كما عمل الشاه على تركيز كل السلطات لديه فهمّش البرلمان، وقمع المعارضة التي لجأت بسبب ذلك إلى العمل السري، وجنح البعض منها للعمل المسلح مثل منظمة (مجاهدي خلق) التي قامت بالعديد من الاغتيالات السياسية.

وعلى غرار مصطفى أتاتورك في تركيا، عمل محمد رضا بهلوي ـ أيضاً ـ على إحياء القومية الفارسية من خلال الاهتمام باللغة الفارسية، ومنع التعليم باللغات الأجنبية ـ وخاصة اللغة العربية ـ كما قام بمحاولة تنقية الفارسية من المصطلحات ذات الأصول العربية، ولكن محاولاته هذه باءت بالفشل؛ لكثرة المصطلحات وصعوبة إنجاز المهمة، كما قام بإحياء التراث الفارسي القديم؛ وبالذات تراث الدولة الساسانية، وملحمة الفردوسي؛ التي تصور الفتح الإسلامي على أنه هجوم بربري من طرف العرب الحثالة الذين يعيشون في الصحاري ضد الحضارة الفارسية العريقة، إضافة إلى ذلك؛ قيامه بمحاولة طمس وجود وتراث الأقليات الأخرى كالكردية والتركمانية والعربية، والأخيرة التي تعرضت لتنكيل أشد! حيث منع اللباس العربي والتدريس باللغة العربية ومنعت الأسماء العربية، والعمل على تهجير العرب من مناطقهم وتشتيتهم في إيران، وفرسنة مناطقهم عبر هجرات فارسية منظمة إلى منطقة عربستان.

هذا التعصب للقومية الفارسية؛ جعل الشاه يحلم بعودة الإمبراطورية الفارسية، وأن تكون إيران القوة المهيمنة في المنطقة كسابق عهدها، ولتحقيق هذا الحلم عزز علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما اعترف بإسرائيل ـ لهذه الغاية ـ، وهنا التقت المصالح الأمريكية مع أهداف الشاه؛ إذ كانت الولايات المتحدة ترى في الشاه شرطي الخليج، الذي يؤمّن المصالح الأمريكية ضد المطامع الشيوعية في المنطقة دون حاجتها لوجود الجيش الأمريكي، وظهر ما عُرف بمبدأ (نيكسون) الذي يتعهد بتوفير كل ما يطلبه الشاه من السلاح والحماية إذا ما تعرض للخطر من طرف قوى نووية، إضافة إلى توفير الدعم العسكري والاقتصادي له.

وواصل محمد رضا بهلوي سياسة والده التوسعية؛ فقام باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، بعد اضطراره للاعتراف بدولة البحرين التي كان يعتبرها محافظة إيرانية، وكان البرلمان الإيراني يحتفظ بمقعدين شاغرين لها. كما بدأ  في منتصف السبعينيات في برنامج نووي مستغلاً الطفرة في أسعار النفط التي أعقبت حرب أكتوبر 1973 وعمل أيضاً على زيادة تسليح الجيش؛ إذ بلغت ميزانيته حوالي 3 بليونات دولار في سنة 1974 وقال : إنها ستصل إلى 8 بليونات دولار سنة 1978، الأمر الذي أثار قلق دول الخليج العربي.

وبسبب تبني الشاه للمنظومة العلمانية المتطرفة؛ فقد كانت علاقته بالمؤسسة الدينية في إيران متوترة، فضيّق على المؤسسة الدينية، وحرمها الكثير من مصادرها المالية كالأوقاف، إلا أن الشاه لم يكن يقف أمام الدين بشكل كامل، وإنما حاول دائماً استغلاله لتحقيق مشاريعه داخلياً وخارجياً كما فعل والده مع المؤسسة الدينية بعد رفض البرلمان إلغاء حكم الأسرة القاجارية؛ حيث أقر بذلك، ثم طار إلى قم وأكد دعمه للمؤسسة الدينية في موضوع الأوقاف وغيرها من القضايا؛ ليكسب تأييدها في سياساته لاحقاً، ونفس الشيء حدث مع محمد رضا ففي إطار مناوراته السياسية مع رجال الدِّين، تراجع عن القرار الذي نصَّ على عدم القسم بالقرآن، كما حرص على حضور المناسبات الدينية بشكل مستمر؛ حتى يفوّت الفرصة على المؤسسة الدينية، ويظهر بمظهر الأب لجميع الإيرانيين.

أما خارجياً؛ فقد وجد أن دعم النشاط الشيعي في العالم العربي يُحقق له هدفين: فمن جهة يحسن صورته أمام المؤسسة الدينية في الداخل، ومن جهة أخرى يخدم مصالحه التوسعية من خلال إيجاد تجمعات ـ في دول عِدّة ـ تتبع له؛ بحجة التوافق في العقيدة الشيعية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك؛ إيفاد الشاه موسى الصدر للبنان؛ لإقامة كيان شيعي مرتبط بإيران بدلاً من انتماء غالبية شيعة لبنان للأحزاب الشيوعية واليسارية، التي تعادي سياسات الشاه الأمريكية.

وبسبب هذه التحركات السياسية الخارجية لإيران، والتي تستغل العامل الشيعي، حصلت منازعات مع المملكة العربية السعودية في موسم الحج إذ قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 1944 وكانت تتوتر من حين لآخر؛ بسبب ممارسات الحجاج الإيرانيين الاستفزازية في مواسم الحج والعمرة، كرميهم القاذورات على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم!! ظنّاً منهم أنه قبر أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، ومحاولة المرجع الكاشاني البقاء يوماً آخر في عرفة؛ بزعم أن المملكة أخطأت في التقويم سنة 1949 وغيرها من الممارسات التي كانت توتر العلاقة بين البلدين.

حقيقة الخميني وجرائمه العقدية والسياسية:

بعد نجاح الخميني في الثورة ضد النظام الشاهنشاهي في إيران، وبسبب انعكاسات الحدث على المنطقة العربية خصوصاً، والعالم عموماً؛ أصبح الخميني من أهم الشخصيات في العالم، وقد تمكن ـ بالغدر والخديعة ـ من استبعاد شركائه في الثورة على الشاه عبر القتل والسجن، وبذلك أصبح النظام الجديد في إيران يستمد شرعيته واستمراريته من أفكار الخميني الخاصة، وبالتالي لا يمكنه الخروج عن الخط الذي رسمه الخميني بوصفه نائب الإمام المعصوم!!!

ولأن الخميني عالم شيعي؛ فإن مشروعه السياسي تأسس على أرضية شيعية عقائدية، تتمحور حول ركنية الإمامة التي هي أساس التشيع الإثني عشري، والتي بلورها في فكرة (ولاية الفقيه) والتي تطورت أكثر من مرة بسبب تغير أحوال وأوضاع الخميني.

وكغيره من علماء الشيعة المعاصرين، تشبع الخميني بانحرافات الشيعة المعروفة عبر التاريخ؛ فلا تكاد كتاباته وخطبه تخلو من سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، واتهامهم بالنفاق والزندقة والكفر، وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر ولعنهما ووصفهما بـ (صنمي قريش)  حيث كان الخميني يردد بعد صلاة الصبح كل يوم هذا الدعاء المخترع والمبتدع: "اللهم الْعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وإفكيهما، وابنتيهما - عائشة وحفصة - ، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرَّفا كتابك ... " ثم قال: "الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بدر بألف ألف سهم"!!

  وفي كتابه كشف الأسرار يتهم الخميني أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما بتحريف القرآن، وسكوت الصحابة عن ذلك وقبوله؛ حيث يقول في الصفحة  138: "إن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئاً، كما أنه لم يكن من المستبعد بالنسبة لعمر أن يقول: إن الله أو جبرائيل أو النبي قد أخطأوا في إنزال هذه الآية؛ فيقوم أبناء السُّنة بتأييده فيما أحدثه من تغييرات في الدين الإسلامي، ورجّحوا أقواله على آيات القرآن".

وفي صفحة 172 من الكتاب نفسه يهاجم الخمينيُّ الفاروقَ رضي الله عنه بقوله: "أما عمر؛ فإن أعماله أكثر من أن تحصى … خالف تعاليم الله والنبي فحرّم متعة الحج والنساء، وأحرق باب الرسول"، والخميني ـ الذي يعتبره البعض من المجددين للفقه الشيعي ـ يسير في هذا التطاول والاعتداء على الصحابة الكرام على نهج علماء الشيعة السابقين، فنجده يحاكي نعمة الله الجزائري الذي يقول في كتابه "الأنوار النعمانية" (2/279): "لم نجتمع معهم – أي أهل السُّنة- على إله، ولاعلى نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الربّ ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الربّ الذي خليفة نبيّه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا"!!

وقول الجزائري هذا يشبه قول الخميني: "نحن نعبد إلهاً نؤمن به …… أقام كل شيء على العقل والحكمة، وليس الإله الذي يقيم عمارة عبادته وعدالته ودينه، ثم يحاول بعد ذلك هدمها؛ فيرسل هؤلاء الظلمة من أمثال يزيد ومعاوية وعثمان ليتولوا الإمارة والحكم".

ويطعن الخميني في أمّنا عائشة، ويتهمها بما برأها منه الله عز وجل من فوق سبع سماوات، ويصفها مع الزبير وطلحة بالخُبث أكثر من الكلاب والخنازير، وغير ذلك من الأوصاف التي يعفّ اللسانُ عنها، ولا تليق بإنسان له ذرة خلق؛ فضلاً عن أن يكون مسلماً وينتسب لورثة الأنبياء.

ولم يتوقف الخميني عند هذا الحد؛ بل وصل به الأمر إلى التطاول على الأنبياء! والحط من شأنهم؛ حيث يعتقد الخميني أن للأئمة درجة أكبر عند الله عز وجل من الأنبياء، فهو يقول في كتابه الحكومة الإسلامية: (وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ... إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبيّ مرسل).

ومن مراوغات الخميني ومكره انتقاده للقومية العربية، واعتبارها من الأفكار التي زرعها أعداء الأمة لتشتيت صفوفها، وفي نفس الوقت يدعو للتعصب للقومية الفارسية والجنسية الإيرانية وتمجيدهما، حيث اشترط في الدستور الإيراني على إيرانية رئيس الجمهورية، كما اعتمد اللغة الفارسية والتقويم الفارسي لدولة الثورة الإسلامية الشيعية، رغم إدراكه أن إيران تتكون من خليط من القوميات مثل: الأكراد والبلوش والعرب والأذر واللور!!

ومن دلائل تعصبه للقومية الفارسية؛ أن سياساته لم تختلف عن سياسات الشاه تجاه العرب واللغة العربية في إيران، ففي منطقة الأهواز العربية؛ منع تعليم اللغة العربية وارتداء اللباس العربي والتسمي بالأسماء العربية، كما كان الخميني يرفض الحديث باللغة العربية مع المسؤولين العرب رغم إجادته لها، وكان يصر على تسمية الخليج العربي الخليج الفارسي، ورفض أن يُسمى الخليج الإسلامي كحل وسط!!

وتمادى الخميني في الوقاحة والبذاءة؛ حتى وصل به الحال أن يعتقد أنه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم، حين كتب في وصيته: "إنني أدعي بجرأة أن الوضع الذي يتميز به الشعب الإيراني وجماهيره المليونية في العصر الحاضر، أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن شعب الكوفة والعراق في عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما". وذلك لأنه كان بين أهل الحجاز وأهل الكوفة عصاة رافضون للطاعة، هاربون من أرض المعركة فيما تحلّى الإيرانيون بحب الشهادة وهموا إليها!!! 

ورغم ادعائه اتّباع آل البيت ونصرتهم وحمل راية نصرة المظلومين، إلا أن الظلم كان السمة العامة لحكمه وعصره، فقد ملئت السجون والمنافي والمقابر بحلفائه الذين غدر بهم، ونكّل بمن وقع تحت بطشه، حتى طال ظلمه الجميع من مراجع ورؤساء وقادة سياسيين وعسكريين ونخب المثقفة؛ بل وعامة الناس، وفي زمنه نصبت المشانق في الطرقات للمخالفين، وقد رصدت ذلك عشرات المصادر التي تحدثت عن إيران فترة الثمانينيات مثل كتاب "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" لإحسان نراغي، وكتاب "الثورة البائسة" لموسى الموسوي، وأكدت أن الإعدامات كانت تتم بالعشرات يومياً دون محاكمة أو محاكمة شكلية. أما الفتيات الأبكار؛ فقد كان يتم الاعتداء عليهنّ قبل قتلهنّ من زبانيته؛ لأنّ المغتصَبة لا تدخل الجنة!!

ولا تزال سياسة الاغتصاب قائمة لليوم في سجون إيران، لكنها أصبحت تطال حتى الرجال؛ بل والقادة السياسيين ـ أيضاً ـ كما كشف ذلك المرشح الخاسر لانتخابات الرئاسة الأخيرة عام 2009، ورئيس البرلمان الإيراني السابق مهدي كروبي. 

 متاهة المحافظين والإصلاحيين في إيران:

يختلف تصنيف المحافظين والإصلاحيين في إيران عن التصنيف السياسي السائد والمتداول؛ عند الحديث عن الأجنحة السياسية في أنظمة الحكم (يسار ويمين) والذي يعود إلى الثورة الفرنسية؛ حيث كان يجلس المؤيدون للملك على عن يمين البرلمان والمعارضون له على عن اليسار.

وأهم مفارقة في هذا التصنيف أن الكثير ممن يُعد اليوم من رموز الإصلاحيين مثل رفسنجاني ومير حسين موسوي؛ كانوا من قيادات الصف الأول في الثورة الإيرانية عام 1979 وبعد نجاح الثورة تقلدوا مناصب هامة في النظام كرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والبرلمان وغيرها من المناصب، كما أن الإصلاحيين في بعض مواقفهم السياسية يعيّرون المحافظين بالتفريط في الحقوق الإيرانية، وخاصة ما يتعلق بالملف النووي!!

كما أن كلا المعسكرين المحافظ والإصلاحي يتكونان من خليط من المراجع والعلماء والساسة والعسكر والإعلاميين، ومن خلفيات متنوعة دينية وعلمانية وقومية، ويعبِر عنهم جمعيات وأحزاب وهيئات وصحف ومجلات، ولكن من السهولة بمكان تغيير الموقع والموقف لشخص أو جهة دون سبب واضح أو مقنع. لذا فإن تصنيف المحافظين والإصلاحيين ليس محدداً أو واضحاً.

وسبق لتيار الإصلاحيين أن حقق مكاسب سياسية عديدة ونجاحات في الانتخابات البرلمانية، خاصة بعد وصول محمد خاتمي إلى رئاسة الجمهورية سنة 1997 واحتفاظه بالمنصب لدورتين متتاليتين، وبسبب اعتراض الإصلاحيين على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة 2009 والتي يتهمون الحكومة بتزويرها بدؤوا بحملة احتجاج منذ ستة أشهر ولا تزال في تصاعد مستمر.

وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم مطالب أو مواقف الإصلاحيين اليوم إلى ثلاثة مستويات أو اتجاهات:

الاتجاه الأول: يرى ضرورة الحد من صلاحيات المرشد الأعلى لصالح رئيس الجمهورية مع الحق في مساءلته وانتخابه.

الاتجاه الثاني: يشكك في ولاية الفقيه والجمهورية الإسلامية وينادى بفصل الدِّين عن الدولة، وأبرز مفكري هذا الاتجاه: المفكر والمؤرخ عبد الكريم سروش.

الاتجاه الثالث: المعارضون للنظام الحالي جملة وتفصيلاً من مختلف الاتجاهات القومية المتشددة أو الليبرالية، الذين يجدون في التيار الإصلاحي غطاء يمكنهم من العمل السياسي ومعارضة النظام.

ويترتب على الموقف من ولاية الفقيه والمرشد؛ مواقف سياسية تختلف مع ما يتبناه المرشد بما في ذلك الخطاب السياسي، إذ يرى الإصلاحيون ضرورة تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووجوب مراعاة المصالح الاقتصادية الإيرانية، والتركيز عن العناصر الإيجابية في الحضارة الغربية والتأكيد على المفاهيم العصرية كتطبيق القانون والحرية والمجتمع المدني والديمقراطية وحوار الحضارات، ورفض الشعارات التي يرفعها التيار المحافظ مثل: "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، الموت لعدو ولاية الفقيه، الاستكبار العالمي، الشيطان الأكبر، والشيطان الأصغر،.." وقد رفع الإصلاحيون في مواجهاتهم مع الحكومة في يوم القدس العالمي مؤخراً شعاراً على النقيض من ذلك، وهو: " لا فلسطين ولا لبنان؛ نموت من أجل إيران".

وقد وجد الشباب الإيراني في الخطاب الإصلاحي ما يتواءم مع تطلعاتهم وآمالهم، وهذا ما يفسر التفافهم حوله؛ إذ إن أصوات الشباب هي التي حسمت الجولات الانتخابية السابقة لصالح الإصلاحيين، وفي الأزمة الحالية ينظم الطلبة في الجامعة مظاهرات داخل الجامعة بشكل شبه يومي، ومؤخراً رفضوا دخول الامتحانات احتجاجاً منهم على الطريقة التي تعامل بها النظام مع المتظاهرين.

ويضم التيار الإصلاحي في صفوفه أكثر من ثمانية عشر حزباً ومنظمة أهمها: حزب جبهة المشاركة الإسلامية الذي يترأسه رضا خاتمي شقيق الرئيس محمد خاتمي، وحزب كوادر البناء الذي تأسس في عهد هاشمي رفسنجاني، وحزب الثقافة الوطنية برئاسة مهدي كروبي.

أما التيار المحافظ فهو التيار الذي يؤمن بولاية الفقيه إيماناً مطلقاً، ويعارض اختيار المرشد حتى من طرف مجلس الخبراء؛ لأنه يعتقد أن المرشد يُعرف ولا يعين، كونه معيناً من الله عز وجل، ويرى هذا التيار في مطالب الإصلاحيين بخصوص منصب الولي الفقيه خطراً داهماً سيعمل على هدم فكرة ولاية الفقيه، ولذلك يرفض المحافظون كل الانتقادات التي توجه للمرشد الأعلى علي خامنئي.

ويمثل الحرس الثوري والباسيج القوة الضاربة للمحافظين، وهو التيار الأكثر تشدداً بين المحافظين، والذي يدعو إلى إنزال أشد العقوبات بالإصلاحيين، ويعتبرهم من أشد المفسدين في الأرض وأعداء الله، ويرى في ما يقومون به تنفيذاً لمخططات الاستكبار العالمي، أما التيار الأقل تشدداً فلا يخوّن الإصلاحيين، ولا يتهمهم بالعمالة ويدعو إلى الحوار معهم؛ من أجل الوصول إلى حلول وسط ما دامت مطالبهم تقتصر على احترام القانون والحرية وهم بذلك يحاولون احتواء الأزمة.

وعموماً فالمحافظون والإصلاحيون لا يختلفون حول الأهداف الكبرى لإيران، وإنما في الوسائل؛ لأنهم ـ جميعاً ـ يؤيدون سياستها التوسعية، وموقفهم من قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة والبحرين والملف النووي ومسألة تصدير الثورة؛ تكاد تكون متطابقة، إضافة إلى تعصبهم للقومية الفارسية، إلا أن الإصلاحيين يريدون تصدير فكر الثورة أي: استعمال القوة الناعمة، وهذا ليس بأقل خطورة من تصديرها المباشر، في تقليد واضح لسياسة حزب العمل الإسرائيلي، الذي استطاع تحقيق اختراق كبير في السياسة العربية دون تقديم أي مقابل، بعكس حزب الليكود الذي يفصح عن أطماعه ويستثير الدول العربية.

 حقيقة إسلامية/ ديمقراطية نظام ثورة الخميني:

رغم محاولة إيران تحسين صورتها السياسية بتقديم نفسها كنموذج يمكن الاقتداء به، من خلال الحرص على إقامة الانتخابات الدورية لاختيار الرئيس وأعضاء البرلمان، مما جعل البعض يصدق بوجود ديمقراطية في إيران، وجعل آخرين يمتدح إسلامية النظام السياسي في إيران؛ إلا أن الأحداث المتلاحقة بعد انتخابات 2009 لمنصب رئيس الجمهورية؛ كشفت الوجه الحقيقي لنظام الملالي، الذي لم يجد غير القمع والعنف لوقف المظاهرات، وإسكات المحتجين الذين يهتفون بالموت للديكتاتور.

فقد أُطلق العنان للحرس الثوري والباسيج للاعتداء والضرب والتنكيل بالإيرانيين صغاراً كانوا أم كباراً، رجالاً أو نساء، وحتى تخلو ساحة الجريمة من الشهود؛ قامت الحكومة الإيرانية بمحاولة منع مختلف وسائل الإعلام الأجنبية من تغطية ما يجري  في الشارع الإيراني،  كما قامت بحملة تشويش على البث الفضائي؛ لعزل الشعب الإيراني عن المحيط العالمي، وحجب بعض المواقع الإلكترونية مثل: (تويتر) و(الفيسبوك) عن الشعب في إيران، إلا أن المتظاهرين استطاعوا فضح وحشية هذا النظام الإرهابي؛ بتسريب الكثير من الصور ومقاطع الفيديو حول ما قام به الباسيج والحرس الثوري ضدهم من قمع وتنكيل؛ أعاد إلى الأذهان ما كان يقوم به السافاك في عهد الشاه.

وكان لصورتي الفتاة ندى سلطاني التي اغتيلت برصاص الباسيج وهي تقف بجوار والدها، وصورة دهس سيارة الشرطة لأحد المتظاهرين وغيرها من مقاطع الفيديو؛ الأثر البالغ على الرأي العام العالمي تجاه دموية وإرهاب هذا النظام الذي لا يتورع عن سفك دماء شعبه فكيف من سواهم ؟؟

وبدلاً من أن يقوم المرشد علي خامنئي بدور إيجابي، خانه الرشد بوقوفه خلف أحمدي نجاد وقوات الحرس الثوري، رغم أن مكانته كمرشد أعلى للجمهورية الإسلامية تتطلب منه أن يحتوي الشعب الإيراني بجميع أطيافه، وأن يكون كالأب الذي يحتمي أبناؤه خلفه عند شعورهم بالخطر، مما أكد للجميع أن علّة النظام الإيراني في رأسه، وليس في حاشيته أو زبانيته!!

وهذه الوحشية والدموية هي السياسة التي تنتهجها كل القوى المهمة في إيران، فرغم انكشاف دموية وإرهاب النظام تجاه شعبه للعالم، إلا أن قادة الحرس الثوري والباسيج لا زالوا يتوعدون المتظاهرين بعقوبات أشد قد تصل إلى حد الإعدام، بمباركة بعض المراجع والعلماء الذين اعتبروا الإصلاحيين أعداء لله؛ مما شرعن للشرطة والباسيج قتل المتظاهرين، وطالب هؤلاء المراجع القضاء إنزال أشد العقوبات بالمتظاهرين.

ولم تتوقف جرائم نظام الملالي عند قمع المتظاهرين بالضرب؛ وإنما تجاوزتها إلى تعذيب المعتقلين داخل السجون، إذ تحدثت العديد من التقارير عن عمليات تعذيب واغتصاب طالت بعض المسؤولين السابقين قام بها الحرس الثوري في بعض السجون، ورجّح بعض المراقبين أن وفاة الطبيب المجند رامين بوراندرجاني لم تكن انتحاراً كما تدعي السلطات الإيرانية، وإنما تم اغتياله لكونه شاهداً مهمّاً على انتهاكات وقعت في سجن (كهريزك) من تعذيب وقتل واغتصاب للمحتجين على نتائج الانتخابات الرئاسية.

وحاول النظام الإيراني تكذيب كل ذلك، واتهام وسائل الإعلام الأجنبية بالكذب، واختلاق القصص عن التعذيب؛ ولكنه عاد ليعترف بكل ما جرى، وتم إغلاق سجن (كهريزك) بأمر من المرشد الأعلى علي خامنئي، وبعدها اعترف رئيس الشرطة في طهران بتلك الجرائم،  واعتبر أنها تجاوزات من بعض القيّمين على السجن وستتم معاقبتهم.

ورغم إغلاق السجن؛ إلا أن مصادر منظمات حقوق الإنسان تؤكد على ارتفاع عدد القتلى والمعتقلين وأن التعذيب في السجون لازال مستمراً؛ خاصة مع تصعيد الإصلاحيين احتجاجاتهم في المظاهرات الأخيرة.

وهذه الطريقة في التعامل مع المتظاهرين ليست بغريبة عن نظام الملالي؛ حيث كثر الحديث عن عمليات تعذيب قام بها جنود الخميني منذ اليوم الأول للثورة، عمليات تعد أشنع من تلك التي كان يقوم بها جهاز السافاك الرهيب أيام الشاه. 

والقمع والتنكيل هو سياسة الحرس الثوري والباسيج الدائمة، فمظاهرات الطلبة في سنة 1999 و2003 تعرضت للقمع بنفس الطريقة التي يراها العالم اليوم، لكن لم يتح لها البروز الإعلامي كهذه. ناهيك عن إغلاق الصحف، واغتيال المثقفين والصحفيين والمعارضين السياسيين الذين طالتهم يد الإجرام؛ حتى في منفاهم القسري في أوربا، كما حصل مع المعارضين الأكراد في ألمانيا.

 مظلومية أهل السنة في إيران في الدستور والواقع الإيراني:

تنص المادة الثانية عشرة من الفصل الأول، الذي يحدد الأصول العامة للدستور الإيراني على أن "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير".

هذا التحديد الذي وضعه الدستور الإيراني؛ يدفعنا للتساؤل عن موقع أهل السُّنة والجماعة في الدستور وواقعهم في إيران، فمن الناحية الدستورية يكفل الدستور حقوق أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة كما تنص بقية المادة الثانية عشرة: "وأما المذاهب الإسلامية الأخرى والتي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي؛ فإنها تتمتع باحترام كامل وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم، ولهذه المذاهب الاعتبار الرسمي في مسائل التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والإرث والوصية) وما يتعلق بها من دعاوى في المحاكم. وفي كل منطقة يتمتع أتباع أحد هذه المذاهب بالأكثرية؛ فإن الأحكام المحلية لتلك المنطقة في حدود صلاحيات مجالس الشورى المحلية - تكون وفق ذلك المذهب هذا مع الحفاظ على حقوق أتباع المذاهب الأخرى". أ.هـ

 أن الواقع بخلاف ذلك، فرغم مرور أكثر من 30 عاماً على ثورة الخميني، لا يزال مليون ونصف مليون سنّي إيراني في طهران محرومين من بناء مسجد لهم!! بل إن سفراء الدول من أهل السّنة في طهران؛ لا يجدون مكاناً يُصلّون فيه الجمعة إلا كراج السفارة السعودية، ومع ذلك تطالب وزارة الخارجية الإيرانية السفارة بإغلاقه!! وإذا كانت سويسرا منعت بناء المآذن؛ فإنّ النظام الإيراني يمنع بناء المساجد من الأصل، في حين توجد معابد لأتباع الديانات الأخرى بما في ذلك معابد للمجوس عبدة النار.

 أما من حيث المناصب السياسية؛ فإن الدستور الإيراني  قطع الطريق أمامهم للمشاركة السياسية؛ باشتراطه أن يكون الرئيس مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد (المادة 115)، ورغم أن المناصب الأخرى لم تشترط أن يؤمن المرشح بالعقيدة الإثني عشرية؛ إلا أنه خلال ثلاثين سنة من عمر الثورة الخمينية، لم يحدث أن عُين سنّي في منصب وزير في إيران.

وفي المناطق ذات الأغلبية السّنية؛ فإن محاولات إقصاء أبنائها عن أجهزة الحكم تجري على قدم وساق، فمن بين تسعة وعشرين محافظة؛ لم يُعين محافظ واحد سنّي، حتى في المحافظات ذات الأغلبية السنية مثل بلوشستان وكردستان، رغم أن نص الدستور لم يمنعهم من ذلك؛ لكن واقع النظام وممارساته خلال أكثر من 30 عاماً من الحكم تدل أنّ المنع قانون حقيقي وإن لم ينص عليه الدستور.

وفيما يخص البرلمان؛ فالدستور ينص على عدد محدد من المقاعد لليهود والزرادشت، بعكس السّنة، بحجة أنهم مسلمون كالشيعة، ولذلك لا يكاد يتجاوز عدد نواب السّنة في البرلمان العشرين نائباً، وقد يبدو العدد من الوهلة الأولى كبيراً، ولكن يفترض ـ كما تقول مصادر أهل السّنة في إيران ـ أن يمثلهم خمسون نائباً بحسب عددهم الحقيقي والبالغ 18 مليون نسمة، بنسبة لا تقل عن 25% من سكان إيران، ورغم قلة حصة السّنة في البرلمان الإيراني؛ إلا أن الطامة هي أن الذين يَصلون إلى البرلمان ـ في الحقيقة ـ لا يُعبرون عن مطالب أهل السُنة؛ لأن النظام الحاكم لا يسمح للممثلين الحقيقيين للسّنة بالوصول إلى البرلمان.

والشيء نفسه ينطبق على المناصب الأخرى في المحافظات السّنية، حتى إدارة الجامعات والمراكز العلمية؛ فقد استُبدل أبناء السّنة الذين كانوا فيها مع بداية الثورة بآخرين من الشيعة المتواجدين في المحافظات، أو استقدامهم من محافظات أخرى رغم افتقادهم للكفاءة مقارنة بنُخب ومثقفي أهل السّنة.

وفي وقت سابق أصبحت المحافظات السّنية تابعة إدارياً للحرس الثوري الإيراني،  وبررت بعض الأوساط القريبة من النظام الإيراني ذلك "لتطوير المنطقة اقتصادياً، بحكم أن الحرس الثوري يتمتع بامتيازات اقتصادية، حيث تشهد المناطق التي يشرف عليها نشاطاً تنموياً كبيراً، وهي حجة أوهى من بيت العنكبوت؛ لأن الحقيقة أن النظام بتلك الخطوة أحكم القبضة على المنطقة لتنفيذ المشاريع والسياسات الممنهجة التي تحاول القضاء على أهل السّنة والجماعة بأي شكل من الأشكال، وبدلاً من مجيء التنمية الموعودة لمناطق أهل السّنة ؛ جاءت الاعتقالات والاعتداءات والإعدامات وإغلاق المساجد والمدارس.

 

 
مقبول ممتاز
عدد المصوتين : (-) قيمة التصويت : (-)